"طيور الجنة".. أدوات قتل تحت عباءة "القاعدة"

19 نوفمبر 2010

يقتسم الشابان أسعد وعمران، وهما متقاربان في العمر (18 سنة) زنزانة واحدة في سجن الأحداث ببغداد، بعيدا عن عائلتيهما اللتين تقطنان محلة الدورة جنوب العاصمة. التحق الصبيَّان بالمجموعات المسلحة وشاركا في أعمال عنف دموية عام 2006. لكن ما يفرق بينهما أنهما ينتميان الى تنظيمين متخاصمين الى حد القتل على الهوية.

قد يكون السجن أفضل مصير بالنسبة لهما، ذلك أن المئات من أقرانهما قتلوا في معارك أو تطايرت أشلاؤهم خلال تفجيرات انتحارية، جندّتهم لها تنظيمات مسلحة.

يفضّل أسعد حسام الدين البقاء في السجن حتى لا يواجه حكماً عشائرياً بإهدار دمه، لأنه شارك في قتل 4 أفراد من عائلة واحدة. وقد اشتهر في طفولته بـ(العلاس)، وهو لقب باللهجة العراقية، يطلق على صبيان يكلفون بالعملَ كمخبرين للمجموعات المسلحة. ومن مهماته اختيار الهدف ورصد تحركاته لتتمكن المجموعة المسلحة التي يتجسس لها من تنفيذ اختطاف الهدف وقتله.

بحسب اعترافاته، كان أسعد ينشط في مراقبة أبناء منطقته ليبلغ عنهم عناصر في تنظيم “القاعدة” مقابل 200 دولار عن الشخص الواحد.

لعمران عباس سجل مشابه، لكنه كان يعمل في الخندق المعادي. عمران يقضّي حكماً بالسجن 15 سنة بعد إدانته بارتكاب أعمال عنف في منطقة أبو دشير التي يفصلها شارع عن الدورة (يختلف سكانهما من حيث انتمائهم الطائفي). حين انتمى إلى الجماعات المسلحة المناوئة وشارك في أعمال عنف في ذروة العنف الطائفي عام 2006. لم يكن يبلغ بعد الـ14 سنة، وقبلها بفترة قصيرة كان والده قد اختطف على يد “القاعدة”، ثم عثر عليه مقطوع الرأس في الحد الفاصل بين المنطقتين “المتحاربتين”.

انتقاماً لأحد الأقارب أو اتباعاً لخطواتهم، وقع الكثير من الصبيان الذين التقيناهم في سجن الأحداث ـ مثل ناظم جبار ومهدي حسن وسعدون.. ومئات غيرهم ـ ضحايا ظاهرة تجنيد الأطفال على يد جماعات مسلحة، أطلت برأسها بعد معارك ربيع وصيف عام 2004 في مدينتي النجف والفلوجة. وقد برزت في العراق بعد تلك المعارك الشرسة، الكثير من المجموعات المسلحة التي توزعت بين الانتماءات الشيعية والسنية. لكن غالبيتها شاركت في معارك على فترات زمنية، انتهى الجزء الأكبر منها بعد ربيع عام 2008.

التنظيم الأكثر خطورة، والذي واصل ممارسة العنف بمنهجية ثابتة، هو “القاعدة” الذي ركز عمله بعد عام 2003 في محافظة الأنبار، ثم سيطر على الكثير من مدن المحافظات كصلاح الدين ونينوى وديالى وجنوب كركوك وجنوب بغداد وشمال بابل.

تدرجت ظاهرة تجنيد الاطفال في التنظيم من تدريبهم على المراقبة، وجمع المعلومات ونقل الرسائل بين المسلحين، مروراً بزرع العبوات الناسفة والمشاركة في عمليات القتل، وصولاً إلى تنفيذ عمليات انتحارية في ذروة العنف الطائفي بين عامي 2006 – 2007.

انتحار.. انتقام وخطف

قبل ذلك، كان توظيف الأطفال في العمليات الانتحارية يجرى على نحو  متقطع ونادر. فأول عملية نفذّها طفل كان في العاشرة من عمره وجرت في خريف 2005 واستهدف فيها قائد شرطة كركوك (250 كيلومتراً شمال شرق بغداد). بعد قرابة الشهرين، نفذ طفلان عمليتين انتحاريتين ضد القوات الأميركية في مدينتي الفلوجة التابعة لمحافظة الأنبار (110 كيلومترات شمال غرب العاصمة)، والحويجة التابعة لمحافظة كركوك. وفي صيف 2008، لاحق طفل في العاشرة أيضاً، متخفياً بهيئة بائع متجول، أحد ابرز قادة قوات الصحوة في منطقة الطارمية، هو الشيخ عماد جاسم، ولمدة 3 ايام متواصلة، تمكن بعدها من تفجير نفسه بالقرب من قائد الصحوة الذي بترت ساقه نتيجة التفجير. في العام نفسه، نفذّت طفلة في الـ13 من عمرها عملية انتحارية في منطقة بعقوبة مركز محافظة ديالى (57 كم شرق بغداد) أسفرت عن مقتل عدد من أفراد الصحوة.

القائد العسكري الذي حقق في تلك العملية، وكذلك عدد من عمليات الأطفال الانتحاريين بديالى، يشير إلى أن غالبية العمليات التي ينفذها أطفال تكون “انتقامية”، وغالباً ما تقع في مناطق انحسر عنها تأثير “القاعدة” لمصلحة قوات الصحوة.

مسؤول الإعلام في قيادة شرطة الأنبار يرى أن “بعض العمليات الانتحارية لم يكن دافعها الانتقام. فآخرها نفذها طفلان أحدهما خدر، والثاني كان يعاني من اختلال عقلي”. زُنّرا بأحزمة ناسفة وأرغما على التوجه نحو نقاط تفتيش، لكن خللاً في توقيت الأحزمة الناسفة مكّن القوات الأمنية من إبطال مفعولهما قبل الانفجار، على ما يضيف المسؤول الإعلامي. ويشرح بأن “ربط الأحزمة الناسفة حول أجسام الأطفال، تكتيك استخدمه تنظيم القاعدة طوال السنوات الماضية”، إلى جانب “إرسال طرود مغلفّة تحوي عبوات ناسفة بأيدي أطفال، سرعان ما يتم تفجيرها عن بعد، عند وصولهم للأسواق أو إلى منطقة قريبة من القوات الأمنية أو صعودهم في سيارات مدنية”.

والد الطفل “الانتحاري، المختل عقلياً”، يقول إن ابنه غازي اختطف من أمام منزل العائلة في منطقة الخالدية بالأنبار، وظل مصيره مجهولاً إلى أن عثر عليه بالقرب من نقطة تفتيش، مزنّرا بحزام ناسف. ويعاني أبو غازي الآن من قلق مضاعف، لأن ولده الأصغر اختطف أيضاً مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، إذ يخشى أن يستخدم بالطريقة نفسها إذا لم يتمكن من دفع الفدية التي يطلبها الخاطفون.

أما الطفل المصاب بمرض المنغوليا، ففخّخه عناصر في “القاعدة” بعد أن أغروه بشراء حلوى من محل مجاور لمركز أمني، يتجمع فيه عناصر من الشرطة أثناء استراحتهم. قتل الطفل ضرغام في الانفجار ومعه عدد من عناصر الشرطة والمتبضّعين. ومع ذلك يرفض والده انتقاد التنظيم، لأنه يخشى عودته مجدداً يوماً ما.

الآباء يخافون الأبناء

هاجس الخوف من انتقام “القاعدة”، لا يقتصر على والد ضرغام، بل يشمل الكثير ممن تحدثنا اليهم، إذ أحجموا عن سرد تجاربهم مع عمليات تجنيد أطفالهم.

يقول ضابط رفيع في محافظة الأنبار إن خلايا القاعدة النائمة تنشط في فترات معينة ثم تعود للكمون، ما يعني أن المجازفة بكشف تفاصيل قد لا تعجب التنظيم، قد يكون ثمنها القتل.

يروي هذا الضابط قصة 3 أبناء أحرقوا والدهم، وهو رجل دين معتدل، بأن وضعوه بين إطارات سيارات، ثم أحرقوه حياً لمجرد انه انتقد التنظيم.

أحد آباء الاطفال المجندين قال: “عشت سنوات وأنا متردد بمنع ابني او نصحه، خوفاً من أن يقتلني إن تماديت بذلك”. وعلى رغم أن الابن غادر العراق إلى دولة مجاورة بعد الضربات التي تلقتها “القاعدة”، فإن الأب ما يزال محتفظاً بحذره خوفاً من أن يعود الابن ذات يوم.

الفقر والانتقام

يلخص الباحث الاجتماعي فارس العبيدي دوافع الأطفال للانخراط في الجماعات المسلحة بمفردتين هما: “الفقر” و “الانتقام”. لكن مسؤولاً في شعبة البحث بسجن الأحداث يرى أن “البطالة والتفكك الأسري” أبرز الأسباب، فضلاً عن نوع “الفكر العقائدي” الذي يسود في المنزل باعتباره الحاضنة الأولى التي تسحب معها الأبناء إلى دائرة العنف. والعراق “مؤهل لانسياق الأجيال وراء العنف، لأنه عاش لعقود في حالة من الصراع والحروب المتواصلة”.

الباحث الاجتماعي فواز إبراهيم، يعيد هذه الظاهرة إلى حقبة ما قبل 2003، تاريخ الغزو الأميركي لبغدادَ. فقبل ذلك التاريخ بسنوات “شارك أطفال يطلق عليهم (أشبال صدام) في عمليات قتل وقطع أيدٍ وألسن في مناطق متعددة. وكانت عسكرة الطفولة جزءاً من عسكرة المجتمع التي شهدها العقد السبعيني من القرن الماضي”، وحينذاك “كانت منظمة الطلائع التابعة لحزب البعث، تجند أطفالاً في مجموعات موالية للسلطة، تقوم بمراقبة الحي والشارع والمدرسة وحتى البيت، وترفع تقارير دورية عن كل من يشك بأنه مناوئ للنظام”.

يربط الباحث بين ممارسات المنتمين لمنظمة الطلائع وتخصص غالبية الأطفال المجندين برفع تقارير للتنظيمات المسلحة عن كل التفاصيل التي تجرى في محيطهم.

الناشط المختص في فكر الجماعات المسلحة علي المسعودي، وثّق الكثير من مظاهر انخراط الأطفال في الجماعات المسلحة. وهو يرى أن التجنيد يعتمد في أساسا على “بيئة الطفل المجند”. فغالباً ما ينجرف الطفل وراء المعتقدات التي تسود في منزله وشارعه والحي الذي يسكن فيه. ويقسم المسعودي هذه الظاهرة إلى 4 مستويات: جمع المعلومات أو المراقبة (أقل من 10 سنوات)، حمل السلاح، المشاركة في الحراسات ونقاط التفتيش (بين 13 و18 سنة) والانخراط في عمليات عنف، مثل الاختطاف والقتل والدخول في معارك شوارع (15 إلى 18 سنة). أما المستوى الأخطر، بحسب المسعودي، فهو تنفيذ عمليات انتحارية.

المستوى الأول ينتشر “في المناطق المغلقة مذهبياً، خصوصاً خلال مرحلة العنف الطائفي التي كانت فيها الجماعات المسلحة تحظى بتعاطف سكان تلك المناطق”. ونشط الأطفال المتجمهرون عند مفارق الطرق في إبلاغ المسلحين، باقتراب آليات أميركية استعداداً لتفجير العبوات قربها.

يقول أحد خبراء وزارة الداخلية إن تجنيد الأطفال لا يقتصر على جماعة مسلحة دون أخرى “على رغم تفاوتها في مقدار تركيزها”. وقد شاهد هذا الخبير بنفسه أعداداً كبيرة من الأطفال يحملون السلاح في معسكر “جند السماء” بمنطقة الزركة (13 كلم شمال شرق مدينة النجف، 160 كم جنوب بغداد)، أثناء المواجهات التي دارت بينهم وبين القوات العراقية مطلع 2007. لكنه يعتقد بأن التنظيم الأخطر على الأطفال هو “القاعدة” الذي أنشأ تنظيمات مختصة لإغراء الأطفال تحت أسماء رقيقة مثل “طيور الجنّة، وفتيان الجنّة وأشبال الجنة”.

الخبير يذكر أن تنظيم طيور الجنة الذي نشط في الأنبار وديالى إبان سيطرة القاعدة عليهما كان خاصاً بـ «أبناء قيادات وعناصر القاعدة في العراق». أما أشبال الجنة والفتيان، فاستخدما «لاستدراج أطفال ذوي مواصفات خاصة تؤهلهم لخوض المعارك أو تنفيذ عمليات انتحارية».

معسكرات لغسيل الدماغ

بعد غارة في تشرين الثاني ( نوفمبر) 2008 على “وكر” لتنظيم “القاعدة” شمال بغداد، عثرت القوات الأميركية على شريحة خزن الكترونية، تضم معلومات عن خلايا نائمة من الأطفال، فضلاً عن تفاصيل تتعلق بطرق تجنيدهم وتدريبهم على العمليات المسلحة.

يؤكد مدير عمليات وزارة الداخلية السابق اللواء الركن عبدالكريم خلف، إن “القاعدة أبرز الجهات التي اعتمدت على تجنيد أطفال العائلات الفقيرة، وأولئك الذين تعرضوا لتحول فكري باتجاه التشدد من خلال الدورات الدينية التي تقام في الجوامع من دون رقابة».

أبرز المناطق التي درب فيها “القاعدة” الأطفال على العمليات المسلحة، هي “المخيسة” النائية وتقع ضمن شريط تلال حمرين بمحافظة ديالى، بحسب اللواء خلف. في تلك المنطقة “تعرض مئات الأطفال لغسيل دماغ وتدريب متواصلين، بإشراف خبراء في التنظيم، قدم بعضهم من خارج العراق لهذا الغرض.

بالنسبة إلى اللواء خلف، فالتجنيد لم يستهدف الفقراء والمتحولين للتزمت حسب. فهناك بقايا ممن كانوا يعرفون بـ”أشبال صدام”، وهم شريحة واسعة دخلوا معسكرات تدريب متواصلة حتى 2003.

أخطر الأطفال الذين انخرطوا في عمليات مسلحة وأكثرهم بطشاً، هم أبناء وإخوة نشطاء في تنظيم القاعدة. هـــؤلاء جميعاً، كما يقول اللواء خلف، كانوا يتدربون في مناطق ذات طرق متعرجة وبساتين كثيفة الأشجار يصعب الوصول إليها، إضافة إلى المناطق النائية الممتدة في عمق الصحراء.

معسكرات التدريب الخاصة بالأطفال، انتشرت في المناطق التي سيطرت عليها القاعدة لسنوات، فهناك معسكرات في ديالى والأنبار والمدائن (جنوب بغداد)، فضلاً عن بعض المناطق الحدودية المحاذية لسورية غرباً، وإيران شرقاً.

جيل جديد

أحد منظري القاعدة السابقين، وهو اليوم نزيل سجن تابع لوزارة الداخلية قال “إن تجنيد الأطفال، يتم بإشراف مباشر من قيادات القاعدة”. تبدأ أولى الخطوات بـ”حضّ الأطفال على دخول دورات تحفيظ القرآن”، وبالتحديد من يتمتعون بمواصفات بدنية معينة، مثل البنية القوية والطاعة الشديدة. ويضيف: “نأخذ في الحسبان العائلة التي ينتمون إليها فيما إذا كانت معروفة بالتشدد أم لا.. ثم نلحقهم بمجموعات أكبر منهم سناً، يغذونهم فكرياً، تمهيداً لتكليفهم بمهمات مثل نقل مبالغ نقدية ومنشورات لعناصر التنظيم”. بعد ذلك “يكلفوا بنقلَ عبوات ناسفة، وأحياناً زرعها في مناطق محددة، ثم ندخلهم في عمليات مسلحة تتطلب أحياناً الدخول في مواجهات مباشرة”.

أحد المنشقين عن “القاعدة”، يقدم وصفاً موسعاً لمراحل بناء شبكات الأطفال على أيدي مختصين في التنظيم، إذ نجحوا بغسل أدمغة عدد كبير من أطفال قتل آباؤهم أو إخوتهم. “أبو الوليد”.. كنية مستعارة أطلقها على نفسه، رجل في نهاية الأربعينات، سبق له أن عمل مع “القاعدة”، ثم انتقل لقوات الصحوة قبل أن يهجر الاثنين معاً لينزوي في منزل استأجره بمنطقة تقع على طرف بغداد الجنوبي. يقول “أولى الخلايا المختصة بتجنيد أطفال، انطلقت بعد معارك 2004 جنوب العاصمة، وضمت قرابة 100 طفل، اختيروا بعناية لضمان تنفيذهم واجبات خطرة، أبرزها التفجيرات الانتحارية”.

ويلخص أبو الوليد استراتيجية “القاعدة” بتجنيد هؤلاء الفتية بإعطائهم دروساً دينية تركز على “الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تشجع على قتال الأعداء وضد الكفار والخارجين عن الدين”. بعد ذلك، كما يقول، “تعرض عليهم أشرطة فيديو لعمليات انتحارية نفذها عناصر التنظيم سابقاً في العراق وأفغانستان ضد القوات الأجنبية. ثم يعمد الخبراء لإقناع الفتيان بأنه يمكنهم فعل ذلك، حفاظاً على العقيدة، وأنهم سيصبحون أبطالاً تذكرهم الأجيال اللاحقة”.

غالبية الذين يتم اختيارهم لخلايا الأطفال، كما يكشف أبو الوليد، من أبناء عناصر “القاعدة”، أو ممن يعرف عنهم الميل للتشدد في وقت مبكر من أعمارهم. بعضهم “يبدأ مرحلة التجنيد باندفاع، لكنه سرعان ما يحاول التراجع، فيكون على التنظيم أن يجبره على الاستمرار من خلال تهديده بإبلاغ عائلته أو السلطات عن مشاركته في التدريب، أو تهديده بالقتل أو تصفية عائلته إذا تراجع”.

لكن أخطرهم، كما يقول أبو الوليد، هم “الذين فقدوا ذويهم على أيدي القوات الأمريكية أو العراقية، أو حتى نتيجة للصراعات الداخلية”. فهؤلاء “لا يحتاجون إلى جهد كبير لتشجيعهم على تنفيذ العمليات القتالية، وحتى الانتحارية. إذ يكفي التركيز على أنهم سيثأرون لقتلاهم إذا نفّذوا العمليات الانتحارية”.

يستهدف تجنيد الأطفال 4 مقاصد هي:

– ضمان وجود أجيال جديدة مقاتلة، توسع من مدى انتشار التنظيم وتزيد من قوته وبطشه، وتعويض العجز في المقاتلين الذي عانى منه بعد خسارته للمناطق المحاذية لسورية أمام قوات الصحوة والأجهزة الأمنية.

– الاستفادة من سهولة حركة الأطفال، وعدم اهتمام السلطات الأمنية بمراقبتهم، أو الشك بهم حين يعبرون حواجز التفتيش.

– إدامة زخم العمليات الانتحارية التي تقتل أكبر عدد من الناس، وتكسب التنظيم ضجة إعلامية تزيد من هالة الرعب التي ينشرها.

– جلب المزيد من المقاتلين من خلال الترويج لفكرة أن الأطفال أشجع من الرجال الذين تخاذلوا عن الالتحاق بالتنظيم للجهاد في سبيل الله.

يذكر ابو الوليد هنا بأن زعيم “القاعدة” في بلاد الرافدين أبو مصعب الزرقاوي، الذي قتل في غارة أميركية منتصف 2006، وجّه رسالة صوتية يؤنب فيها الرجال على عدم الالتحاق بالتنظيم، بعد أن نفذّت إحدى النساء عملية انتحارية في ديالى.

الصغار بدل الكبار

مصدر أمني رفيع بمحافظة الأنبار، يضيف سبباً خامساً، يقول إنه لمسه عن قرب. فغالبية هجمات الأطفال الانتحارية كانت موجهة ضد رجال الصحوات، ما يعني أن “القاعدة” كانت تريد ترهيب رجال الصحوات وأن تبلغهم بأنهم “سيقتلون بيد أبنائهم”. الباحث العبيدي يؤيد ما ذهب إليه أبو الوليد، ويدلل على ذلك بأن التنظيم لم يبق عمليات تجنيد الأطفال سرية، بل روّج لها وعرض التدريبات على المواقع الالكترونية واليوتيوب. ويذكر بشريط أظهر أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 10 و12 سنة، وهم يرتدون ملابس سوداء ويخفون وجوههم بالأقنعة كما يفعل عناصر “القاعدة”، وهم يمارسون تدريبات على السلاح وينفذون عملية اختطاف وهمية، ويقتحمون منزلا بعد تسلق أسواره. شريط الفيديو عرض على نطاق واسع بعد أن خسرت “القاعدة” الكثير من شعبيتها داخل البيئة الحاضنة، كما يرى العبيدي، وبعد أن غدت عملية تجنيد المقاتلين المحليين صعبة، واستقدام المقاتلين الأجانب أكثر صعوبة بسبب سيطرة القوات العراقية على معظم الشريط الحدودي مع سورية.

يشير شيخ وخطيب مسجد في مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، إلى “خلاف فقهي حول الحد الفاصل بين الطفولة والرجولة”، معتبراً أنه “خلاف ساعد التنظيم على النفاذ إلى عقول المستهدفين، وسهل عليه اعتبار تجنيد الأطفال مسألة شرعية”.

يذكر الشيخ الذي يعد من أبرز رجال الدين المعتدلين في الرمادي لأن الدين الأسلامي |حرّم استعمال الأطفال والنساء في تنفيذ أية أعمال تغضب الله، وتجنيدهم لغرض تنفيذ أعمال انتحارية، تؤدي لقتل أناس أبرياء، سواء من المدنيين أو حتى قوات الشرطة، فذلك عمل محرم”.

كلمة “الجهاد”.. سحرت الصبي ياسر ذنون بالعمل مع “القاعدة”. فقد قتل أخوه الأكبر في معارك الفلوجة عام 2004. يؤمن ياسر تماماً بأن مقاومة المحتل واجب على كل مسلم، ويقول: “لم أنخرط في القاعدة سعياً وراء المال كما فعل بعض أصدقائي”، إذ اكتفى بعائد يتراوح بين 70 إلى 100 ألف دينار (حوالى 80 دولاراً) لتغطية مصاريفه بعد كل تفجير عبوة ناسفة، أو عملية قتالية ضد القوات الحكومية. بعد مقتل أخيه المقاتل، تفرغ ياسر للتنظيم مضطرا، وترك مهنة الحدادة التي كانت تؤمن مصاريف عائلته. “المال لم يكن هدفي، بل الجهاد ضد المحتلين”، يقول ياسر الذي قبض عليه بعد اشتباكات شارك فيها ضد عناصر من الشرطة العراقية في مدينة الفلوجة عام 2008.

الأمر مختلف بالنسبة لنصير، فلم يكن إيمانه بضرورة الجهاد، هو الذي دفعه للالتحاق بالجماعات المسلحة، بل جاء التحاقة جراء إقناع رفاقه له بالمشاركة معهم في العمليات المسلحة تحت إمرة “القاعدة”.

والد نصير كان يتحدث بفخر تظلله نبرة حزن عن ولده. فبعد أن تدرب نصير على استعمال السلاح وإطلاق الصواريخ، كما يقول والده، “شارك في قصف القوات الأميركية في منطقة المزرعة شرق الفلوجة، ثم نقطة التفتيش المشتركة عند مدخل المدينة”. بعد ذلك، انخرط نصير في الصراع بين الفصائل المسلحة في المدينة، وحين اعتقل عام 2007 ونقل إلى معتقل بوكا، بقي قرابة عام ونصف العام في السجن، ثم أطلق سراحه في العفو العام، ولكنه سرعان ما قتل على يد جماعة مجهولة حين كان يتجول في المدينة.

يرفض والد نصير الحديث عن تحركات ابنه بعد خروجه من السجن. لكنه يؤكد أنه “تلقى تهديدات من جماعات معادية للجهة التي كان ينتمي إليها”، في إشارة إلى انه عاد للعمل مع مجموعته الأولى.

ينتقد الأب الحزين “الحكومة لأنها أطلقت سراح الكثير من المعتقلين قبل أن تنجح بإصلاحهم وإقناعهم بترك العنف”، ويطالبها بمراقبة “المساجد التي باتت غالبيتها أوكاراً، يستدرج إليها الفتيان للتغرير بهم”.

مسؤولية العائلة

على أن الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية عدنان الأسدي، يتهم عائلات الأطفال بأنهم أول من أساء لأبنائهم لأنهم تركوهم بلا رقابة.

يقول الأسدي: “الفتيان الذين انخرطوا في الجماعات المسلحة، وجدوا في المال السهل والنفوذ الاجتماعي مكسباً يستحق المجازفة من أجله، بالعمل مع عناصر القاعدة”، لكنه يعتقد، وفقاً لنتائج التحقيقات مع عدد كبير من أطفال “طيور الجنة” و “فتيان الجنة”، بأن نسبة العمليات الانتحارية التي نفذها أطفال “قليلة”، قياساً إلى أنواع العمليات الأخرى مثل “المراقبة والدعم اللوجيستي للمسلحين”. فكرة القتل، كما يرى الأسدي “لم تعد تلقى استجابة لدى الأطفال، خصوصاً بعد انحسار نفوذ القاعدة والجماعات المسلحة التي خسرت معاقلها في الأنبار وديالى وصلاح الدين ونينوى ومناطق جنوب بغداد”.

يؤكد وزير الداخلية جواد البولاني على أن شوكة “القاعدة” في العراق “كسرت، وفقد السيطرة على معاقله القديمة، ما وضعه في موقف حرج يمنعه من الاستمرار في عملية تجنيد الأطفال بالطريقة التي كان يقوم بها في السنوات الماضية”. فمرحلة تجنيد الأطفال، كما يقول البولاني: “انتهت الآن. وعلى رغم أن هناك خلايا نائمة ما تزال موجودة، لكن الجهد الاستخباري سيواصل ملاحقتها للقضاء عليها نهائياً، عاجلاً أم آجلاً”.

لكن الباحثين، العبيدي وفواز ابراهيم والمسعودي، ومعهم مسؤول البحث في سجن الأحداث والباحث بوزارة العمل، يرون أن انحسار ظاهرة تجنيد الأطفال لن تكون نهاية القصة، والجهد الاستخباري مهما كان قوياً، لن يتمكن من القضاء على هذه الظاهرة على نحو كامل، فهناك دائماً فرصة لعودتها في حال لم تطبق خطط تأهيل كفيلة بتحصين الأطفال، وحمايتهم من الفكر المتطرف الذي ما يزال يبحث عن فرصة لتسيد المشهد في العراق مجدداً.

أُنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف من شبكة «أريج» – إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية www.arij.net.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.