أطفال الشوارع -موتى بلا سجلات

16 مايو 2009

“على شاطئ الملاحات بـ”منيا البصل” جوه البوص العالي، نيمناه على ظهره وأنا قعدت على رجليه وبعد كدا “حناطه” ربط بقه بالفانلة بتاعتي الداخلية، وراح “مؤمن” دابحه من رقبته، بس من غير ما يفصل راسه عن جسمه، وقطع رجله اليمين من عند فخده، وقطع ايده اليمين من عند الكوع، وطير الصباع الكبير لإيده الشمال بالسكينة، ولفيناه في ملاية، ورميناه في الملاحات، والجثة زمانها راحت في المية”.

دارت أحداث هذه القصة في يونيو 2006 بمنطقة الملاحات دائرة منيا البصل – الكيلو 21 طريق إسكندرية الصحراوي، وسجلت بالقضية رقم 33304 جنايات مركز طنطا، والقصة تلخص مأساة أحد “أطفال الشوارع” والتي ذكرها رمضان منصور المعروف بـ “التوربينى” صاحب القضية الشهيرة باغتصاب وقتل العديد من أطفال الشوارع عام 2006 فى محاضر تحقيقات النيابة.

وتعتبر المأساة السابقة واحدة ضمن العديد من الحوادث التي تقع لأطفال لا ينتبه المجتمع لهم، ولا يشعر بهم فيعيشون كمن يرتدى طاقية الاخفا، وقد لا يسجلون بالسجلات الرسمية للدولة عندما يموتون، نتيجة الحياة غير الطبيعية التى يحيوها أو نتيجة دفنهم فى أماكن مجهولة، وغيرها من الأسباب التى توضحها السطور القادمة، وتؤكد نتيجة واحدة أن بعض أطفال الشوارع موتى بلا سجلات.

مجموعة من الأماكن المعلومة والمجهولة التي لا يمكن أن يتخيل أحد ما يحدث بها، يعيش فيها هؤلاء الأطفال ويمارسون كل أنشطتهم الحياتية، وقد تكون هذه الأماكن بنايات مهدمة أو أنفاق أو سراديب تحت الأرض أو بطون كباري، تحوى داخلها الكثير من الأسرار والمخاطر..

4 شارع البستان وسط القاهرة خلف النادي الدبلوماسي، توجد عمارة شبه مهدمة يطلق عليها اسم “رحيمة” نسبة إلى سيدة كانت تقطن بهذا المكان، وكانت الدولة أصدرت قراراً بإزالتها لكنه لم ينفذ حتى الآن، ويعيش بالبناية المكونة من ثلاثة أدوار العديد من أطفال الشوارع الذين يصعدون إليها من خلال مدخل العمارة الذي يتكون من أكوام قمامة.

وخلال تفقدنا البناية من الخارج، لأن الموجودين بالعمارة المجاورة أكدوا لي خطورة دخولها، قابلنا أحد الأطفال يدعى محمد والذي يبدو في التاسعة من عمره، وصف لنا “محمد” البناية من الداخل بأنها مظلمة تماماً وأنه يستعين بشمعة في السير.

وعلى بعد خطوات من البناية يذكر لنا أحد أفراد الأمن بالنادي الدبلوماسي: “في أغسطس 2006 قامت الشرطة بحملة كبيرة على هذه البناية تم القبض خلالها على حوالي 20 طفلاً، لكنهم عادوا مرة أخرى”.

وعبر الهاتف يسرد لنا أحد أفراد الأمن العام – رفض ذكر اسمه – والذي كان موجوداً بالحملة الأمنية التي داهمت المكان تفاصيل القصة: “سيطرنا بصعوبة على هذا المكان الذي يتسم بكثرة المداخل التي يختبئ بها الأطفال، وكانوا يواجهوننا بإلقاء زجاجات بها مواد حارقة علينا، حتى تمكنا من القبض على جميع الأطفال، وفى إحدى الحفر الموجودة بالأرض تم العثور على جثتين لأطفال حديثي الولادة، وقد سجلت القضية بقسم قصر النيل”

أما بطون الكباري فيأتي أبرزها “بطن كوبري عرابي”، ففيه جزء مغلق بالطوب الأحمر وبه جزء مفتوح، يذكر أحد المسئولين بجمعيات أطفال الشوارع أن حادثة قتل وقعت ببطن الكوبري، حيث قام فيها مجموعة من الأطفال باقتياد إحدى الفتيات من شبرا الخيمة – كان عمرها بالشارع ثلاثة أيام- اغتصبوها ثم قتلوها خوفاً من أن تقوم بالإبلاغ عنهم، ليتم العثور بعدها على هيكل جسدها بداخل بطن الكوبري، وقامت الشرطة بعد ذلك بإغلاق المكان بالطوب الأحمر، لكن الأطفال كسروا جزءاً من الطوب ليدخلوا لـ”بطن الكوبري”.

أحمد كمال، أحد المسئولين بجمعية قرية الأمل التي ترعى أطفال الشوارع، يصف “بطن” أي كوبري بأنها المنطقة التي تسبق تلاقى الكوبري مع الأرض، وهى بعيدة عن الأعين وتتسم بالعمق من الداخل، ففي مرة ذهبوا لجمع الأطفال من أحد بطون الكباري فأدخلوا كشافاتهم فلم يصل الضوء لنهاية المكان حتى أنهم قاموا بالنداء على الأطفال الذين يعرفونهم وأعطوهم دليل على شخصياتهم فخرج من داخل بطن الكوبري حوالي 21 طفلاً!

بينما سجلت القضية رقم 9756 إداري أول شبرا الخيمة لسنة 2006، أن مجموعة من أطفال الشوارع قاموا باستدراج “محمد كمال” -12 سنة- في الثالثة صباحاً من ميدان رمسيس وأقنعوه بالذهاب معهم إلى شبرا الخيمة للمبيت هناك، وفى سرداب بجوار محطة مترو أنفاق شبرا الخيمة يقوم الناس بإلقاء القمامة فيه، نزلوا السلم الحديد ودخلوا مسافة متر ونصف بالممر، ثم قاموا بربط يد ورجل “كمال” خلف ظهره وشرطوا ظهره بـ”الموسي” ثم أحضروا حجراً كبيراً وألقوه على رأسه حتى يموت فخرج الدم من فمه وأنفه، وملأوا فمه زلطاً وربطوه بالملاءة، ثم تبولوا على وجهه للتأكد من أنه قد مات”.. ويأتي التخلص منه بهذه الطريقة لأنه كان يقوم بإبلاغ شرطة الأحداث عن الجرائم التي يرتكبها زملاؤه.ومن الصعوبة تحديد أبرز أسباب الوفيات التي تتسبب في موت أطفال الشوارع لعدم وجود دراسات توضح ذلك، لكن بجانب القتل هناك أسباب أخرى للوفاة كحوادث القطارات، وأبرزها قضية التوربينى التي وقعت عام 2006 وتضمنت العديد من الحوادث الخاصة باغتصاب وقتل عدد من أطفال الشوارع على أسطح القطارات.

يذكر “كريم كُلة” -24 سنة- أن زميله “عصام عبوطة” عندما كان راكباً على ظهر القطار القادم من الإسكندرية (ويركب العديد من أطفال الشوارع على أسطح القطارات حيث يجلسون في منطقة ذات حافتين لتحميهم من الوقوع)، بعدما تناول “عصام” المخدرات تذكر دور “ليوناردو ديكابريو” في فيلم “تايتنك”، فوقف وفرد يداه ليمثل الدور وبمرور القطار تحت الكوبري فُصلت رأسه عن جسده.

حيث يعد تناول “المخدرات” بأشكالها المختلفة أحد أسباب وفاة أطفال الشوارع خاصة حديثي العهد به، فـ “كراكيبو” تحدى زملاءه وتناول ثلاثة أشرطة “برشام مخدر” مما تسبب في توقف قلبه عن النبض ووفاته، كما تناول طفل آخر زجاجة “الكلة” بدلا من استنشاقها فأصيب بتلبك معوي والتصق حلقه وانفجرت أمعاؤه بالداخل، مما أدى لوفاته أيضاً.

وبانتشار حالات الاغتصاب والحمل بين بنات الشوارع اللائي يمثلن 30% من أفراد هذا المجتمع، تخشى أغلب البنات الذهاب للمستشفى للولادة خوفا من المساءلة حول نسب هذا الطفل، فيكون مصيره أن يولد في الشارع، وفى إحدى حملات الشرطة بحديقة بمدينة نصر وجدوا امرأة متوفاة يخرج منها جنينا متوفى. لا إحصائيات

وخلال بحثنا عن الإحصائيات الرسمية الخاصة بأطفال الشوارع في مصر بـ”المجلس القومي للأمومة والطفولة” و”الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء” لم نجد أية إحصائيات لأعدادهم، وهو ما يشير لعدم وجود إحصاء بالمتوفيين منهم، لكن وجدنا تقديرات مختلفة لأعدادهم لدى منظمة الصحة العالمية التي أشارت في تقريرها على شبكة الإنترنت أن عدداً من الخبراء يقدرهم بـ”مليون ومائتي ألف” طفل في مصر، كما أشار تقرير الهيئة العامة لحماية الطفل (منظمة مصرية غير حكومية) أن عددهم بلغ 2 مليون طفل عام 1999وهذا العدد في تزايد مستمر.

وتوضح وئام الليثي، المسئولة بقسم الإعلام بمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) مكتب مصر: “لا توجد تقديرات رسمية لأطفال الشوارع بمصر نظراً لصعوبة عمل إحصاء لهم، فهم ينتشرون في العديد من المحافظات وينتقلون من مكان لآخر وليس لهم مقر ثابت أو أماكن معلومة، مما يعكس لنا أنه من الصعب إجراء إحصاء لأعداد الموتى منهم، وأن هناك من يموتون ولا يعلم أحد عنهم شيئاً”.

وتضيف مروة محمود، محامية بالمنظمة العربية للإصلاح الجنائي: “كثير من أطفال الشوارع لا نعرف أسماءهم الحقيقية، كما يصعب التأكد منها مما يجعل من الطبيعي أن يموت الكثير منهم ولا نعلم عنه شيئاً”.

أسباب الوفاة

وتشير د. نهال خضر، طبيبة بعيادة الأمل بمستشفى أبو الريش بالقاهرة (عيادة تابعة للدولة مسؤولة عن علاج أطفال الشوارع بمصر)، إلى بعض الأسباب الطبية التى تتسبب في وفاة أطفال الشوارع بمصر، قائلة: “عدم تقديم العلاج للطفل المريض في الوقت المناسب مثل وصوله المستشفى متأخراً، وعدم وجود أوراق إثبات شخصية له، مما يعطل إجراءات دخوله المستشفى أو صرفه للعلاج، حتى عندما يتم استقباله في حالات الطوارئ يكون للإنقاذ فقط ولا توجد متابعة، مع العلم أن عودة الطفل مرة أخرى للشارع في هذه الحالة يزيد من مضاعفات المرض”.

وتضيف د.نهال: “المستشفيات أيضاً تخشى من تحمل مسؤولية إجراء أية عمليات جراحية لهم، فيقوموا بإبلاغ الشرطة وهو ما يخشاه الأطفال ويكون عامل طرد لهم”.

وتوضح د. مروة الدسوقي –مديرة عيادة الأمل- شكل الرعاية الطبية بالعيادة: “نقوم بمعالجة جروح الأطفال وعمل الخياطات البسيطة، لكن ليست لدينا إمكانات طبية تمكننا من تقديم رعاية متكاملة لهم، لذلك نحاول تقديم الرعاية الخاصة بالعمليات والطوارئ من خلال إعطاء أرقامنا للأطفال وفى حالة تعرض أي منهم لأخطار نقوم بالاتصال بزملائنا فى التخصصات المختلفة وتسهيل العلاج لهم”.

طبيب وممرضة وأخصائي

د.نجوى العشري، مدير عام الإدارة العامة لبرنامج أمراض الطفولة بوزارة الصحة والسكان، أشارت لمجهود الوزارة في رعاية هؤلاء الأطفال قائلة: “قمنا بتدريب طبيب وممرضة وأخصائي اجتماعي بالوحدات الصحية لرعايتهم، كما قمنا بعمل بحث حالة لهم”.

ويبلغ عدد الوحدات الصحية التي تستقبل أطفال الشوارع 10 بالقاهرة ومثلهم بالقليوبية و8 بالجيزة و3 بالإسكندرية، ووصلت أعداد استقبال هؤلاء الأطفال حتى أكتوبر 2008 إلى 198 حالة مرضية بمراكز القاهرة، وفى 2007 وصل الاستقبال لـ 207 حالة، أما بالجيزة فوصل عام 2007 إلى 286، وفى القليوبية إلى 6 أطفال في 2007.

وكما أوضحت د. نجوى أن “رجال الأمن يصطحبون الأطفال للتمكن من معرفة أعمارهم وتحديد العقوبات التى ينبغي أن تطبق عليهم، وتكاد تكون حالات الأطفال الذين يزورون الوحدات الصحية بأنفسهم معدومة”.

وتضيف: “الجمعيات الأهلية التي ترعى هؤلاء الأطفال تشترك في التأمين الصحي بمقابل 40 جنيها للطفل، ويتم خلالها علاجهم وإعطاء الدواء”.

وتؤكد د.نجوى على صعوبة استقبال أطفال الشوارع القادمين بمفردهم للمستشفيات العامة، رغم قرار مدير مديريات الشؤون الصحية باستقبال هؤلاء الأطفال والكشف عليهم مجاناً.

وقالت: “لكننا نسعى لحل هذه المشكلة من خلال اقتراح تقدمت به مؤسسة save the children البلجيكية لوزارة الصحة بعمل قاعدة بيانات لأطفال الشوارع لتأسيس نظام تأمين صحي لهم، وإعطاؤهم وجبات عينية، هذا بجانب ما تقوم به بعض السيارات المتنقلة التابعة لجمعية فرنسية بالرعاية الصحية لهؤلاء الأطفال في أماكنهم”.

وخلال حوارنا مع د. نجوى أوضحت أنها لا تعرف شيئاً عن عيادة الأمل الموجودة بمستشفى أبو الريش”.

وتقترح د. نجوى وضع إستراتيجية قوية للربط بين وزارة الصحة والجمعيات الأهلية ووزارة الداخلية وزارة التضامن الاجتماعي.

وأوضحت دائرة الإعلام بالأمم المتحدة لعام 2004 في موقعها على الإنترنت، أن أطفال الشوارع الذين يعملون سعاة لتجار المخدرات، كثيرا ما يقتلون، إما لأنهم عرفوا أكثر مما ينبغي أو سرقوا أكثر مما يجوز أو وقعوا في أتون الصراعات بين العصابات والتجار.

ويوضح محمود بدوى، محامى بالجمعية المصرية للمساعدة القانونية للأحداث أن “عدم تسجيل مواطن بسجلات الوفاة، بينما كان مسجلاً بسجلات الميلاد يعطي الفرصة لآخر أن يعيش بشخصيته، فإذا كان متهماً يهرب من الأحكام، كما يفتح ذلك باباً لاختلاط الأنساب من خلال الدخول فى علاقات محرمة، بجانب مشاكل الميراث، وتزداد خطورة هذا الأمر وسط مجتمع ليست له أية قيم وتقاليد ولا أعراف كمجتمع أطفال الشوارع”.ورفضت وزارة الداخلية التصريح لـ “ولاد البلد” بخصوص قضية عدم تسجيل وفيات أطفال الشوارع، لكن أحد ضباط الشرطة – رفض ذكر اسمه- أوضح أنه عندما يتم العثور على جثة خلال الحملات بالأماكن المجهولة تُأخذ صور لها وتجمع كل المعلومات المتعلقة بها، ويتم مراجعة هذه المعلومات مع الجمعيات المعنية بهؤلاء الأطفال ودور رعاية الأحداث، فإن لم تظهر أية معلومات خاصة بها في هذه الأماكن، تدخل المشرحة حيث يقوم الأطباء الشرعيين بتشريح الجثة والتحقق من العلامات الموجودة بالجسد، لكتابة تقريرهم حول سبب الوفاة وتوقيتها وغيرها من التحليلات، ويتم إعطائها رقماً كودياً بعد أسبوعين من كتابة التقرير- إذا لم يظهر من يعرفها – لتدخل ضمن لائحة المجهولين.

ورغم صدور تصريحات من فترة لأخرى عن الحملة القومية لرعاية أطفال بلا مأوى (أطفال الشوارع) التي تتبناها السيدة سوزان مبارك، إلا أن حالة هؤلاء أطفال الشوارع مازالت كما هي، بل تزداد سوءاً بزيادة أعدادهم فلا يوجد رعاية صحية ولا تأهيل واسع للتعامل مع هؤلاء الأطفال؛ فالجمعيات قليلة وإمكانياتها ضعيفة، مما يجعل هناك بيئة خصبة لزيادة أعداد الموتى الذين لا يعلم أحد عنهم شيئاً، إن لم يكن هناك زيادة لأعداد المواليد والموتى بلا سجلات أيضاً.

ويبين تقرير لمنظمة “هيومان رايتس ووتش” على الإنترنت عن انتهاك أطفال الشوارع في مصر أن الحكومة المصرية تجري حملات اعتقال جماعية في حق أطفال الشوارع، حيث يتعرض الأطفال المحتجزين للضربَ والإيذاء الجنسي والابتزاز سواء على يد الشرطة والمحتجزين الجنائيين البالغين، ومن المعتاد أن يتم حرمانهم من الطعام والفراش والعناية الطبية.

بينما تحكى د.هنا أبو الغار، مؤسِسة عيادة الأمل للرعاية الصحية لأطفال الشوارع: “في يوم شديد البرودة في شتاء 2006 قمنا بتوليد إحدى الفتيات، ونظراً لعدم توافر مكان للمبيت بالجمعية خرجت بالطفل بعد الولادة مباشرة، وحين استيقظت في اليوم التالي وجدت الطفل توفى من شدة البرد”.

وذكر بعض الأطفال بفريق “قد الحياة” لرعاية أطفال الشوارع، أنه إذا أصيب أحد زملائهم، فإنهم يذهبون به إلى المستشفى، لكن إذا قتل أو مات أحدهم فإنهم يقوموا بدفنه أو تركه خوفاً من الشرطة (اللى بتضربنا).


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.