الجمعة ٢٣ - أغسطس - ٢٠١٩ ٠٣:٢٩ صباحاً

الإهمال والتحايل وراء الســـموم الفطرية فى الخــــبز المدعّم

17 نيسان 2014

الإهمال والتحايل وراء الســـموم الفطرية فى الخــــبز المدعّم

17 نيسان 2014
سعادة عبد القادر

جريدة المال  – يتذمر الطفل «عبد الله» يوميا من وجود رمل في رغيف «العيش» كلما جلس مع أسرته لتناول الطعام. إلا أن والده محمد سالم ينهره، ويجبره على إكمال طعامه.

خبز عائلة سالم هو «العيش» المدعوم، الذي يشكل عماد فطور المصريين، بسعر خمسة قروش للرغيف. على نمط أسرة سالم الغذائي تعيش غالبية سكان الشرقية البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة، قرابة 8 % من عدد سكان مصر.

توصل كاتب هذا التحقيق من خلال التوثيق الميداني والمعاينة -على مدة ستة أشهر- إلى أن الشوائب المخلوطة عمدا بالخبز والمضرة بصحة المستهلك تنتج عن حالات غش ممنهجة يقوم بها قائمون على (شون) ساحات تخزين القمح الحكومية وأصحاب ساحات خاصة، وسط إهمال مديرية تموين الشرقية.

تشكّل «الشون» حلقة وسيطة – إلى جانب 28 صومعة – في مسار صناعة تشمل عدة قطاعات، بدءا من زراعة القمح مرورًا بتخزينهِ ثم طحنه وأخيرا خبزه  .. المزيد ..

ورغم عدم توافق الشون مع الاشتراطات الصحية للتغذية لم تتخذ الحكومة اجراءات لتعديل الوضع الصحى لها، وبدأت الثلاثاء الماضى استلام اقماح الموسم الجديد من المزارعين.

ووجد أيضا أن «الشون» المحظورة عالميا، تخلو من لوائح شروط ومواصفات للتخزين، ما يجعل هذه العملية عشوائية يختلط القمح فيها بالتراب، وتسطو عليه القوارض والحشرات. كما يعمد أمناء شون حكومية، خاصة إلى خلط القمح بكسر مكرونة، تراب أو ملح لزيادة وزن المخزون، من أجل تعويض الفاقد، امتثالا لأنظمة هيئة السلع التموينية التي تغرمّهم أثمان النقص أو التلف. وتصل مدد تخزين القمح في العراء إلى عام، ويزيد قبل توريده إلى المطاحن بعيدا عن رقابة مديرية التموين، التي تتداخل صلاحياتها مع جهات إشرافية أخرى، ما يجعل الدقيق غير صالح للاستهلاك الآدمي، بحسب التحاليل المرفقة وآراء أطباء.

رحلة القمح:

أمام أحد المخابز في مدينة بلبيس/ الشرقية تتوقف شاحنة لتفريغ طن من الدقيق (20 كيسا يفترض أن تنتج 11 ألف رغيف)، هي حصة مخبزه اليومي من الدقيق المدعم.

يفتح صاحب المخبز شيكارة (كيس) منها ليجد حال الدقيق سيئا للغاية لا تصلح لإنتاج رغيف خبز مطابق للمواصفات، وفق مقاييس وزارة التموين. إذ يكسوه اللون القاتم وتملؤه الرطوبة، وملمسه شديد الخشونة ..المزيد ..

أبلغ صاحب المخبز مكتب مديرية تموين بلبيس بالواقعة في آذار/ مارس 2013. إلا أن «المكتب تجاهل الشكوى كعادته»، فلجأ إلى جمعية خدمة المجتمع وحماية المستهلك، التي طالبت «التموين» بمعالجة المخالفة. لكن مراقبي التموين اكتفوا بتحرير محضر بالواقعة دون أن يتابعوا الإجراءات.

شكاوى محفوظة :

سامي عمر مفتش أول بمكتب إدارة تموين بلبيس يرفض التعليق على هذه الشكوى بالتحديد. لكنّه يبرر بطء استجابة مكتبه للبلاغات وضعف الرقابة على الشون والمطاحن بانخفاض عدد مفتشي التموين، وغياب ترتيبات حمايتهم الأمنية. إذ يعمل 16 مفتشاً بمكتب مديرية بلبيس، منهمكين في محاولة فرض الرقابة على آلاف المنشآت، جميع السلع التموينية ومنافذ إنتاجها وبيعها، علاوة على عدم كفاية وسائل النقل المخصصة لهم للتحرك سريعاً.

سجلت عشرات الاعتداءات على مراقبين – سيما في الأرياف. في إبريل 2013، قتل مفتشا تموين في البحيرة (350 كيلو مترا عن الشرقية)، برصاص صاحب مخبز وشقيقه، بعد أن حررا مخالفات عديدة بحق المخبز.

بسبب هذا النقص المزمن وقلّة المخصصات، تنخفض وتيرة المراقبة على الشون من 15 يوما- بموجب أنظمة ولوائح إدارة التموين- إلى ستة أشهر، «من الموسم للموسم»، ما يجعلهم يتغاضون عن المخالفات، بحسب العربي أبو طالب، رئيس اتحاد مفتشي التموين بمصر.

ويجادل أبوطالب بأن عدد مفتشي التموين على مستوى مصر لا يتجاوز 13 ألفا، مكلفين بالرقابة على ستة ملايين منشأة من بينها 515 شونة. في الشرقية – أكبر منتج للقمح في مصر- 750 مفتشًا يراقبون 67 شونة، 9031 مخبزاً بلدياً و755 مخبزاً سياحياً و50 ألف محل تجاري وسوق مرخصة، كما يفترض أن يتتبعونا 150 ألف محل وسوق غير مرخصة.

في مصر صنفان من الدقيق؛ «الحر» المتداول في السوق مقابل 3200 جنيه للطن (450 دولارًا) و«المدعّم» المخصص لاستخدامات الخبز المدعّم استخرج %80 مقابل 900 جنيه (150 دولارًا) والذى ينتج منه الخبز بسعر 20 قرشًا للرغيف، واستخراج 82 % ويوزع بالمجان على المخابز لإنتاج رغيف خبز مدعّم بسعر خمسة قروش للرغيف في مخابز مخصصة لذلك  … المزيد ..

خصّصت مصر 21.7 مليار جنيه (3.10 مليار دولار) في موازنة 2012/ 2013 لدعم العيش ومدخلاته؛ 16.2 مليار جنيه (2.3 مليار دولار) للخبز و نحو 5.5 مليار جنيه (800 مليون دولار) لدعم شراء القمح من الفلاحين. يباع الرغيف المدعم بخمسة قروش أي خمس سعر الرغيف الحر.

تفقد الدولة نحو 1.6 مليون طن قمح سنويا قيمته 4 مليارات جنيه (580.75 مليون دولار) بسبب سوء تخزين القمح بالشون.

يمثل الخبز 20 % من طعام الأسرة في مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، علما بأن نسبة الفقر تحوم حول 40 % من السكان. ويؤثر حجم استيراد مصر على مؤشر بورصة هذه السلعة الاستراتيجية، إذ ذكرت وكالة (بلومبرغ) المتخصصة أن الأسعار أخذت منحى صعوديا في 2013 «على خلفية زيادة الطلب عليه من جانب كبرى الدول المستوردة، على رأسها مصر». في موسم 2012/ 2013، خزّن في شون الشرقية وصوامعها 791 ألف طن بزيادة 30 ألف طن علي الموسم الذي سبقه والبالغ إجماليه 761 طنًا من القمح المخزن بالشون.

محطة التخزين :

يوزع القمح المخزن بشون وصوامع محافظة الشرقية بعد طحنه، على منطقة شرق الدلتا المكونة من 10 محافظات لإنتاج الخبز المدعم وهي: الشرقية، الغربية، كفر الشيخ، الدقهلية، الإسكندرية، البحيرة، المنوفية، دمياط، الإسماعيلية، والقليوبية. ويقدر عدد السكان فيها نحو 49 مليون نسمة، بحسب موسوعة ويبكيديا.

أصل الداء :

 في شونة بمدينة ديرب نجم تتناثر أطنان من القمح بين بقايا أجولة (أكياس) تحول لونها من البني إلى الكاكي بفعل الزمن، وتحت وطأة هجمات الحشرات والفئران والطيور.

تتساقط حبات القمح من الأكياس الممزقة المصنوعة من خيش على الأرض ترابية أو أسمنتية. لا يحمي المخزون سوى أسلاك شائكة تفصلها عن أراضٍ زراعية تغمرها المياه أو مساكن يلقي سكانها بمهملاتهم في قلب الشونة .. المزيد ..

تمتزج الأتربة بالقمح من الأسفل. وتتساقط عليه مياه الأمطار في الشتاء وحبات الندى فجراً. مشهد يراه المسافرون يوميا على طرق محافظة الشرقية، حيث تنتشر 67 شونة؛ 43 منها تابعة لبنوك التنمية والائتمان الزراعي، وسبع تملكها الشركة القابضة للصوامع، فيما تملك شركة مطاحن شرق الدلتا 17 أخرى.

في جولات ميدانية شملت 10 من 67 شونة في الشرقية على مدى ستة أشهر، شاهد كاتب التحقيق أن جميعها تخزن قمحا متعفنا تبلله مياه المطر والندى إلى درجة أن حبات القمح أنبتت، في مخالفات للمواصفات القياسية للقمح… المزيد 

ولاحظ كاتب التحقيق أن أمناء شون يلجأون إلى الغش بدافع الاختلاس أو هربا من عقوبة الحبس بين سنة وخمس سنوات، في حال وجدت لجان تسلم القمح الحكومية نقصا في الشحنات المخزنة لديها، في مخالفة لقانون الغش التجاري .. المزيد.

 

من الحقل إلى الشونة :

«لجنة (استلام القمح) في الشونة تجري فحصا بسيطا بالعين المجردة من دون أجهزة فحص، وفي أغلب الأوقات لا تجريها»، هكذا يشرح الحاج محمد أبو عامر طريقة استقبال إنتاج حقله في شونة الصالحية الجديدة.

 

محاضر معلقة :

رغم سوء التخزين وخلط القمح بمواد مضرة، لم تصدر عقوبات رادعة بحق المخالفين بسبب تراخي الأجهزة الرقابية وضعف قانون الغش التجاري.

ففي المحضر 27341 لسنة 2011 جنح بلبيس، تم توجيه اتهام لأمين شونة بخلط 100 طن من القمح المنتج محليا والمخزن لديه بالأتربة.

وجاء في المحضر أن «القمح المخزن قد نخره السوس وتغذت عليه الفئران والطيور، بالإضافة إلى إهدار بعض منه في أرضية الشونة أثناء النقل والتعبئة، لينتهي المحضر بعدها بالحفظ في نيابة بلبيس الجزئية دون عقوبات».

محمود عناني المحامي بالدستورية العليا يقول إن هزلية وضعف قانون الغش التجاري وراء انتشار عمليات الغش والاختلاس لكون مواده غير رادعة لمن يقوم بعملية الغش بل تشجعه علي ذلك.

ويضيف أن عقوبة الغش التجاري الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تتجاوز 5 سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تتجاوز 30 ألف جنيه وهى لم تكن عقوبة رادعة لمن غش سلعة أو غذاء وربح من ورائه ملايين الجنيهات، مشددا على ضرورة سن قانون جديد يغلظ العقوبة.

ويسجل المحضر 8026 لسنة 2013 جنح الزقازيق ضبط شاحنة وهي تفرّغ 67 طناً من القمح واردة من إحدى الشون بتاريخ 2013/2/16. ويفيد المحضر بأنه “لدى فحص الشحنة تبين وجود كتل من القمح متعفنة وزنها حوالي خمسة أطنان لم يتم استبعادها من الشونة قبل تحميل السيارة للمطحن». ولا يزال المحضر في النيابة ولم يحول إلى المحكمة حتى الآن.

مسئولية مشتركة :

تتعاقد الجهات الحكومية الثلاث: بنك التنمية والائتمان الزراعي وشركة مطاحن شرق الدلتا والشركة القابضة للصوامع – مالكة الشون العامة- مع شون خاصة، حين يزيد محصول القمح علي الطاقة الاستيعابية للشون والصوامع الحكومية.

“كيلو القمح اللي بنستلموا للتخزين بالشونة لازم نسلموا كيلو”، هكذا بدأ (هـ.أ.) حديثه، وهو أمين وصاحب شونة خاصة تتعامل مع شركة مطاحن شرق الدلتا بمركز الزقازيق. رفض جميع أمناء الشون الحكومية الحديث بالمطلق.

صاحب الشونة – الذي يصر على عدم كشف هويته- يقول إنه يخزن القمح على 10 أفدنة يملكها مقابل خمسة جنيهات (80 سنتا)، عن كل طن، بدءا من 1 أيار/ مايو وانتهاء في 30 نيسان/ أبريل من العام التالي.

رقابة مفقودة :

ليس هناك دور رقابي لأي جهة حكومية على هذا القمح إلا لدى تسلمه من الشونة بعد تدقيق اللجنة الحكومية المشتركة ..المزيد.

يوضح هـ.أ. أنه يتسلم 35 ألف طن من القمح في السنة لتخزينها، بموجب محضر من لجنة استلام القمح. وهي ذات اللجنة التي تورد القمح المخزّن من الشونة إلى المطحن.. .

ويشتكي أيضا من أن “أجولة الخيش من الدرجة الثالثة أو الرابعة والمتبقية من العام السابق، ما يجعلها لا تصمد طويلا في العراء وتتمزق فيتسرب منها القمح”.

لذلك “لا نفرّط في أي حبة قمح وإن كانت تالفة أو لا تصلح للطحن حتى لا نُحاسب على فقدها او مقاضاتنا. ولا تتم هذه الفعلة دائما بنية حسنة”، على ما يضيف.

 

تقارير حكومية تؤكد عدم الصلاحية :

تقارير رسمية مرفقة تثبت أن عينتين من بين ثلاث عينات قمح مخزّن بالشون، كانتا غير مطابقة لاحتوائهما يرقات «طفيليات» وحشرات حية. وأثبت تقرير آخر لعينة دقيق مدعّم أنها غير صالحة لارتفاع نسبة التراب «الرماد بها» . … المزيد

«المال» تحلل عينة من القمح

يؤكد أستاذ المحاصيل بكلية الزراعة جامعة القاهرة وخبير بورصات الحبوب د. نادر نورالدين أن “تخزين القمح في الشون يخالف الأعراف العالمية التي تقوم على التخزين في صوامع للمحافظة على القمح من التلف والهدر. ويؤكد عدم صلاحية تلك الأقماح المخزنة بالشون للاستهلاك الآدمي لإصابتها بالفطريات التي تخلف وراءها سمومًا تصيب الإنسان مثل الافلاتوكسين”.

أثبتت نتائج تحليل عينة من القمح لدى معمل هيلز بيرد لمصلحة صحيفة «المال» احتواء القمح سموما فطرية بخاصة «أفلاتوكسين»، وهي الأخطر على صحة الإنسان. ووجد التحليل في العينة – التي جمعها معد التحقيق من ثلاث شون- سموم فطرية من نوع الافلاتوكسين بمقدار 25.2 جزء في البليون من الكيلوجرام، ويبلغ الحد الأقصى المسموح به 20 جزءا في البليون كما حددته هيئة الرقابة على الغذاء والدواء الأمريكية  FDA ، ذكرت أن القليل جداً من هذا السم يمثل خطراً على صحة الإنسان … المزيد.

يشير الدكتور عبد الرحمن النجار، أستاذ السموم الإكلينيكية والمدير الأسبق لمركز السموم بكلية طب قصر العيني، إلى خطورة سموم «الافلاتوكسين» قائلاً إن “عددًا كبيرًا من الفطريات التي تصيب الحبوب لها القدرة على إفراز نحو عشرين مركباً ساماً يمكن أن تؤدي إلى موت الإنسان والحيوانات والدواجن، هذه الفطريات شديدة الخطورة. كما وصفها البنك الدولي في تقريره عام 1993 عن سموم الحبوب والأغذية بأنها السبب في ضياع %40 على الأقل من عمر البشر في الدول النامية، ثم وصفتها الأكاديمية الدولية للعلوم في الولايات المتحدة عام 1996 بأنها السبب الأول في انتشار السرطان في العالم.

ويؤكد النجار أنه ثبت علميا أن سموم الافلاتوكسين تنتقل إلى الإنسان عن طريق الحبوب المخزنة وعلى رأسها القمح وتصيبه بأمراض منها تليف وسرطان الكبد، وسرطان الرئة عند استنشاق الفطريات المتطايرة في الأماكن القريبة من مخازن القمح المكشوفة في العراء، مشيراً إلى أن الافلاتوكسين تتحمل درجة الحرارة المرتفعة ولا تزول بالطهي ويكفي منها 2 مليجرام لتدمير كبد الإنسان.

وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية يوم 4 فبراير 2014 – اليوم العالمي لمكافحة السرطان – أن سرطان الكبد سيصل ذروته خلال السنوات العشر المقبلة حيث تشير الإحصائيات إلى أن 600 ألف مريض بسرطان الكبد، يتوفى سنويا في العالم من بينهم 11-8 ألف وفاة في مصر .

وأشارت المنظمة إلى أن السبب الرئيسي وراء زيادة انتشار سرطان الكبد في مصر هي الفيروسات الكبدية وفطر الأفلاتوكسن الذى ينمو على القمح والحبوب التي يتم تخزينها بطريقة سيئة في أماكن بها رطوبة عالية تزيد من فرص تكاثر الفطر.

 

منظمات المجتمع المدني تشكو سوء التخزين :

«أجولة الدقيق التي تأتي إلى جميع المخابز بمدينة بلبيس لا يُدّون عليها أي تاريخ إنتاج»، بهذه العبارة استقبلنا ابراهيم الزهار، عضو اللجنة الشعبية لخدمة المجتمع وحماية المستهلك، مؤكداً تسلم شركات المطاحن القمح من الشون تالفاً وغير صالح للطحن، ومع ذلك تقوم بطحنه وتعبئته مع عدم كتابة أي تواريخ انتاج لتجد ثغرة في القضية تخرج منها في حالة مقاضاتها.

وتلزم وزارة التموين المطاحن بوضع تاريخ الإنتاج والصلاحية على أجولة الدقيق، وهي 9 شهور من تاريخ الإنتاج (الطحن).

ويؤكد الزهار أن الجمعية تتلقى يوميا العديد من شكاوى أصحاب المخابز بوصول دقيق غير مطابق للمواصفات، نتيجة سوء تخزين القمح المطحون.

ويضيف بعد تعدد شكاوى أصحاب المخابز للجمعية من كثرة الشكاوى لمديرية التموين من توريد أحد المطاحن دقيقًا غير مطابق للمواصفات والجودة لونه أسود قاتم وخشن الملمس، قامت الجمعية بالذهاب إلى المخابز التي وردت منها الشكوى واستدعاء مباحث التموين التي قامت بتحرير محاضر.

ويؤكد الزهار أن الدقيق الذي يأتي من المطاحن إلى المخابز «أسود اللون، خشن الملمس» نتيجة عدم تنقية القمح من الزوائد، مثل الأعواد والحبوب المكسورة والضامرة والمصابة بالحشرات والحبوب النجيلية الأخرى والمواد الغريبة التي تختلط به أثناء الحصاد ومن سوء التخزين.

ويتساءل الزهار عن دور المكتب الرقابي في هذه العملية، مشيرا إلى أن صاحب المخبز لا يستطيع معرفة الدقيق الفاسد إلا بعد فتح العبوة وبدء عملية العجن، أما مكتب صيانة الحبوب فلديه متخصصون يعرفون مدى فساد القمح قبل وصوله إلى المطحن ثم إلى المخبز.

ويوضح أنه عندما تقدم بشكوى لمكتب صيانة الحبوب بإدارة التموين عن سوء حالة الدقيق الوارد للمخابز من المطاحن، لكونه الجهة المنوطة بها الرقابة على تسلم الدقيق من المطحن وتسليمه إلى المخابز، كان الرد: «أي صاحب مخبز، في حال سوء الدقيق، عليه إرجاعه إلى المطحن الوارد منه». ثم يتساءل الزهار “كيف يقوم صاحب المخبز بذلك في حين أن عملية رد الدقيق غير المطابق ستعطل العمل في المخبز علاوة على شحنه على نفقة المخبز إلى المطحن. ولذلك فإن أصحاب المخابز يضطرون لاستخدام الدقيق الفاسد، وتحويله إلى خبز غير صالح للاستهلاك.

ومع ذلك يتبادل المسئولون إلقاء اللوم بعضهم على بعض وكل منهم ينفي المسئولية عما يحدث للمواطن في النهاية؛ فمنهم من يقول إنه غير مختص بالرقابة وآخر يسوق نقص المفتشين كعذر لعدم القدرة على فرض رقابة كاملة.

مواجهة المسئولين :

ذكر الدكتور أحمد جاويش، مدير بنك التنمية والائتمان الزراعي بالشرقية أن البنك يجمع القمح من المزارعين ويضعه في الشونة بطريقة الصب تمهيداً لتعبئته في أجولة من الخيش وتخزينه، مؤكداً عدم صلاحية تلك الأجولة للتعبئة، بسبب تهالكها واستخدامها أكثر من مرة على مدار سنوات.

أما رئيس مجلس إدارة مطاحن شرق الدلتا كمال قطب فنفى أي مسئولية قائلا «جميع الأقماح المخزنة بالشون التابعة للجهات الحكومية الثلاث هي ملك لهيئة السلع التموينية التابعة لوزارة التموين.. ونحن كمطاحن شرق الدلتا، أو غيرنا من الجهات المالكة للشون لا يتعدى دورنا جهات مالكة لشون تخزين قمح ولا سلطة رقابية لنا».

ورغم مواجهته بالمحاضر الرسمية التي حررت، نفى قطب بشدة وجود قمح متعفن أو محتوي حشرات بالمطاحن. وأكد أن لجاناً من مديريات التموين بالمحافظات يفترض بها أن تقوم بالرقابة الدورية على جميع الشون المخزن بها القمح.

لكن قطب يرى أن تخزين القمح بالشون الترابية يسهم بشكل كبير في فقد كميات تصل إلى أكثر من20 % موضحاً أن نسبة فقد القمح في مصر مرتفعة بسبب تخزين القمح في شون بالعراء، وكمية القمح المخزن لدى شركة مطاحن شرق الدلتا تصل إلى 256 الف طن منها 202 ألف طن مخزنة في العراء بالشون و54 ألف طن فقط مخزنة بالصوامع… المزيد .. .

أما محمد عبد الله مسلم، رئيس قسم صيانة الحبوب بمديرية تموين محافظة الشرقية، وهي جهة الرقابة على «الشون»، فقد كان المسئول الوحيد الذي أقر بسوء تخزين القمح المحلي في الشون وتعرضه للتلف والسرقة.

ويحث مسلم الحكومة على سرعة توفير التمويل اللازم لبناء صوامع معدنية مجهزة تستوعب الإنتاج المحلي من القمح، مطالبا بأن تضع ذلك في أولوياتها لأنه «ليس هناك شيء أهم من الحفاظ على صحة شعب عدده 90 مليون نسمة وفي تزايد مستمر واساس طعامه القمح.

تم اعداد هذا التحقيق الأستقصائي بدعم شبكة “اريج” اعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية ضمن برنامج تدعيم الأعلام لتغطية قضايا الأدارة العامة في المحافظات.


الصحفي



تعليقاتكم