01/06/2022
بعد عامٍ ونيف من مغادرته مكان عمله في مشغلٍ للخياطة بمدينة الرياض السعودية، غداة الاستغناء عنه ترافقاً مع إجراءات الحظر التي فرضتها جائحة كورونا، قرر الشاب اليمني جميل محمد 26 عاماً (اسم مستعار) العودة للعمل من جديد في السعودية عقب انحسار جائحة كوفيد-19.
كلّ شيء كان يسير كما أراد عدا مأزق الحصول على شهادة لقاح كوفيد-19، التي بدونها لن يسمح له بدخول الأراضي السعودية، الأمر الذي يمثل مشكلة حقيقية بالنسبة لعامل -بالأجر اليومي- يقيم بمحافظة ريمة (جنوب غرب صنعاء)، ويصعب عليه توفير تكاليف السفر إلى إحدى المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لتلقّي اللقاح.
عوضاً عن ذلك، يقول جميل، إنّه عمد إلى شراء شهادة لقاح مزوّرة من أحد مكاتب السفر والنقل البري بشارع الستين بصنعاء، نظير 400 ريال سعودي (106 دولارات)، وبالفعل تمكن من إنهاء إجراءات سفره من دون عراقيل إلى أن وصل السعودية.
تنصّ المادة رقم (208) من الفصل الأول من القانون على أنّه "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن عشر سنوات كلُّ من اصطنع أو زيَّف ختم الدولة أو ختم رئيس الجمهورية أو موظف عام أو أيّة جهة يُعتبر العاملون فيها من الموظفين العموميين، ويُعتبر في حكم الختم أيّ أداة تستعملها هذه الجهة في شؤونها لإحداث علامة معينة، ويعاقب بالعقوبة ذاتها من استعمل شيئاً مما ذكر، أمّا من استعمل بغير حقّ ختماً أو أداةً صحيحةً وكان من شأن ذلك الإضرار بمصلحة عامة أو خاصة فإنّه يعاقب بالحبس مدّة لا تزيد عن سنتيْن، ويُعفى من العقوبة من أبلغ إحدى السلطات العامة المختصة قبل تمام الجريمة وقبل الشروع في البحث عن مرتكبيها أو سهَّل القبض على باقي الفاعلين ولو بعد الشروع في البحث عنهم".
وفي شأن التزوير المادي في المحررات الرسمية، تنصّ المادة رقم (212) من الفصل الثاني من الباب نفسه على أن "يُعاقب بالحبس مدّة لا تزيد عن خمس سنوات من اصطنع محرراً رسمياً أو في محرر رسمي صحيح بقصد استعماله في ترتيب آثار قانونية، وإذا حصل ذلك من موظف عام أثناء تأدية وظيفته جاز معاقبته بالحبس مدة لا تزيد عن سبع سنوات".
وتنصّ المادة رقم (213) من نفس الفصل على أن "يُعاقب بالحبس مدّة لا تزيد على سبع سنوات الموظف العام الذي يكتب في محرر يختص بتحريره وقائع أو ظروف غير صحيحة أو يغفل إثبات وقائع أو ظروفا حقيقية مع علمه بذلك"، بينما تنصّ المادة (214) على أن "يعاقب أيّ موظف عام ارتكب تزويراً في محرر رسمي ولو لم يكن مختصاً بتحريره بالسجن مدة لا تزيد عن خمس سنوات".
المستشار القانوني عبد الرحمن الزبيب، يشير إلى أنّ تزوير شهادات لقاح كوفيد-19، أو انتحال صلاحيات وزارة الصحة، يُعدُّ فعلاً جرمياً يصنّف على أنّه "جريمة جسيمة"، يُعاقَب مرتكبوها بالسجن، كأن يقوم موظف مختص بإصدار شهادة لقاح بشكل غير قانوني، فإنّه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سبع سنوات، في حين قد تصل عقوبة الحبس إلى عشر سنوات، جزاء تزوير ختم وزارة الصحة.
توفّر مكاتب النقل خدمة الشهادات الإلكترونية من دون تلقّي اللقاح بطريقتيْن، الأولى عبر شهادة تحمل رمز "QR" يقود إلى موقع إلكتروني مزوّر ينتحل اسم وواجهة المنصّة الخاصة بوزارة الصحة اليمنية، تمّ تصميمه بشكل يتطابق مع كلّ تفصيلة في الموقع الرسمي، لكن بالتدقيق في رابطيْ الموقعيْن، نجد اختلافاً في دالّة واحدة فقط، يتحوّل فيها الحرف (i) في رابط الموقع الرسمي، إلى (a)، في رابط الموقع المزيّف.
هذا النوع من الشهادات أقلّ كلفة، ويمكن للمسافر الحصول عليها خلال ساعتيْن أو ثلاث بعد تقديم بياناته للمكتب أو السمسار، ويتراوح سعر الشهادة الواحدة بين 200 و400 ريال سعودي (53-106 دولارات)، وغالباً ما يتمّ حذف بيانات الشهادة من الموقع بعد التأكد من وصول المسافر إلى وجهته.
خلال بحثنا عبر المصادر المفتوحة، استوقفتنا صفحة على منصة فيسبوك، تعلن عن تقديم شهادات لقاح كوفيد-19 (بروابط مزوّرة)، مقابل 500 ريال سعودي (133 دولاراً)، عبر منشورات مموّلة، تستمر لفترة محدودة قبل أن يتمّ حذفها.
أرسلنا للاستفسار عن "الخدمة" عبر بريد الصفحة، وجاء الردّ سريعاً من الطرف المقابل. طلب البيانات الشخصية ورقم الجواز، على أن يرسل برابط الشهادة صباح اليوم التالي. ولكسب الثقة، قال إنّه بإمكان العميل تأجيل تحويل المبلغ، ريثما تصله الشهادة ويتأكد بنفسه من صحتها.
الطريقة الأخرى تعدّ أكثر أماناً، وهي أن يحصل المسافر على شهادة رسمية صادرة فعلياً عن وزارة الصحة برقم حقيقي، تُمنح دون تلقّي اللقاح، لكن يتعين دفع مبلغ يتراوح في المتوسط بين 400 إلى 700 ريال سعودي (106-186 دولاراً)، نظير الشهادة الواحدة، ويستغرق الحصول عليها مدّة لا تقلّ عن يوم أو يوميْن.
يَمنَحُ المكتبُ العميل (المسافر)، سنداً موقعاً بالمبلغ المدفوع نظير شهادة اللقاح، يُكنّى عنه في العادة بعباراتٍ من قبيل "خدمات لوجستية" أو "عبور منفذ"، كما يظهر ذلك في السندات التي حصلنا على نسخ منها.
تحت مبرر الحصول على "عرضِ سعر"، قصدنا 26 مكتباً للنقل في أمانة العاصمة (صنعاء)، مُتنقلين بين شارع الخمسين، وشارع الستين والزبيري، وشارع تعز، والحصبة. أبدى اثنان وعشرون منها استعداداً فورياً لتوفير شهادات بأرقام مزوّرة أو رسمية، وبأسعار متقاربة.
فيما يتعلق بمعدّل الإقبال وقلّة التحفّظات، تعدّ مكاتب السفريات الموجودة في صنعاء (خاضعة لسيطرة الحوثيين) أوفر حظاً من نظيراتها في المحافظات الخاضعة لسلطة الحكومة المعترف بها دولياً، إذ تتحاشى المكاتب الواقعة في المناطق "المحررة"، الإفصاح مباشرة عن نشاطها في بيع الشهادات المزوّرة، مُفسحة الهامش للسماسرة الذين يقومون بالدور عوضاً عنها، وفق ما لمسناه عقب تواصلنا مع مكاتب سفريات في محافظات تعز، وحضرموت، ومأرب.
في حين يختلف الوضع قليلاً بالنسبة لمدينة عدن، من حيث غياب المحاذير الرقابية لدى مكاتب النقل من خلال المجاهرة بعروض الشهادات المزوّرة على المسافرين، دون الحاجة للتواري خلف السماسرة.
بشكلٍ عشوائي، اخترنا ثلاثة مكاتب في عدن، للاستفسار عن إمكانية حصولنا منهم على شهادات لقاح رسمية. أبدت الاستعداد لتوفيرها حال أردنا.
في 4 آب/ أغسطس 2021، أعلنت وزارة الصحة عن اختراق قراصنة لموقعها الإلكتروني، توقّف على إثره الموقع ثلاثة أيام، تمكّن خلالها القراصنة من سرقة مجموعة من أرقام الشهادات الموجودة على الموقع (لم تعلن وزارة الصحة عن عددها).
أحمد التعزي (اسم مستعار)، مدير أحد مكاتب السفريات جنوب صنعاء، يقول عن تلك الفترة "كان لدينا مهندس (مقرصن/هكر)، استطاع أن يسحب لنا عدداً كبيراً من الشهادات، كان نصيب مكتبي منها أكثر من 100 شهادة، إلّا أنّه تمّ إلغاؤها، كانت تلك أكثر فترة حصلنا فيها على أرباح جيدة. كنا نبيع الشهادة الواحدة بـ 700 ريال سعودي، نعطي منها نسبة للمهندس، والبقية ربح صافٍ للمكتب".
بعد عودة الموقع إلى العمل، صار أكثر حماية، وتعذّر اختراقه، لذلك لجأت مكاتب النقل إلى التنسيق مع شبكة من الأشخاص (سماسرة)، تحصل من خلالهم على شهادات رسمية جاهزة من وزارة الصحة، نظير 300 ريال سعودي عن كلّ شهادة تُعطى للمكتب، بحسب التعزي.
وعن آلية التنسيق مع الشبكة الوسيطة، وهوية الأشخاص الذين يتمّ التعامل معهم، يوضح أنّه لا يوجد شخص محدد، إنّما سلسلة من الأشخاص، قد تتواصل مع أحدهم ثم يُحيلك إلى شخص ثانٍ، وربما إلى ثالث أو رابع، إمعاناً في التمويه عن المسؤول الفعلي. كل ذلك يتمّ عبر الهاتف. في النهاية ما يهم صاحب المكتب هو الحصول على الكمية المطلوبة من الشهادات.
التثبت من هذه الجزئية، استدعى التواصل مع سماسرة في محافظات عدن ومأرب وتعز وشبوة وسيئون، بزعم رغبتنا في الاتجار بالشهادات. وجميعهم أكدوا استعدادهم لتزويدنا بشهادات رسمية مهما كان العدد.
وجدنا كذلك أنّ بعضاً من السماسرة يعمل لدى قطاعات تتبع وزارة الصحة. أحد الذين تأكدنا من هويتهم كان موظفاً في مشروع كوفيد-19 التابع لوزارة الصحة العامة والسكان، قال إنّ بإمكانه أن يوفر لنا من 200-300 شهادة رسمية دفعة واحدة، حال قررنا شراءها.
إلى هنا كانت المعطيات كافية لاستبعاد فرضية تحميلِ واقعة اختراق موقع وزارة الصحة أسباب انتشار الشهادات الرسمية في السوق السوداء، إذ إنّ الاختراق لم يَدُم أكثر من أسبوعيْن، فيما استمرت الشهادات بالتدفّق إلى أيدي السماسرة ومكاتب النقل حسب الطلب.
"المريب أنّ الوزارة لم تقم، حين إعادة إطلاق الموقع بعد حادثة الاختراق، بعمل أيّ تغيير في شكل (تصميم) الشهادات، رغم إقرارها بحدوث قرصنة للموقع، مع أنّه من البديهيات أن يتمّ تغيير التصميم وحذف كلّ أرقام الشهادات الجديدة المخزنة على الموقع، الأمر الذي يعزز احتمالية أن يكون الاختراق مفتعلاً لخلط الأوراق والتمويه عن هذه الفوضى التي تدرّ على الهوامير أرباحاً فلكية"، وفقاً للمهندس عمار الفلاحي، المختص في مجال الشبكات.
حاولنا التواصل بأكثر من طريقة مع مسؤولين في وزارة الصحة العامة والسكان بما فيهم الوزير قاسم بحيبح، وعلي الوليدي وكيل الوزارة مدير مشروع كوفيد-19، وإشراق السباعي المتحدث باسم "اللجنة الوطنية العليا لمواجهة الفيروس"، لتوضيح موقفهم إزاء ما يحدث، وإعطائهم حقّ الرد حول الحقائق التي حصلنا عليها، إلّا أنّ ردّاً لم يصل حتى نشر التحقيق.
الرابط الأصلي لنظام البحث على الشهادات الإلكترونية للقاح كورونا التابع لوزارة الصحة اليمنية بعدن
رابط نظام الموقع المزوّر، الذي ينتحل اسم وواجهة موقع وزارة الصحة اليمنية
على متن سيارة ذي دفع رباعي، وصل عبده أحمد السعيدي القادم من محافظة ريمة، ورفاقه الإثنا عشر -بينهم ثلاث نساء- إلى منطقة "الوديعة"، مساء 3 ديسمبر/ كانون الأول 2021، حيث باتوا هناك ليلتهم، على أن يجروا في صباح اليوم التالي فحص PCR، المقرّر قبل التوجه ناحية المنفذ الحدودي.
جاء دورنا في الفحص عند الواحدة ظهراً، تفاجأنا ساعتها أنّ النساء الثلاث اللاتي معنا في الرحلة، لم يكن لديهنّ شهادات لقاح، لاعتقادهنّ أنّ الأمر يقتصر فقط على الرجال، لكن لم نلبث حتى بدأت سمسرة العروض، أشخاصٌ يجولون في وضح النهار بين السيارات والحافلات، بحثاً عن مسافر فاته الحصول على الشهادة. كانت عروضهم تنافسية، حصلت السيدات بعد خمس ساعات من الانتظار على ثلاث شهادات صادرة عن وزارة الصحة بسعر لا يتعدى 1200 ريال سعودي، بعدها توجهنا مباشرة ناحية المنفذ.
يروي السعيدي.
عن الإجراءات في الجانب اليمني من المنفذ، يقول السعيدي إنّها "لم تكن معقدة، ولم تستغرق أكثر من ساعة. يطلبون مطابقات للفحوصات واللقاح في بيانات المسافرين الجدد والزوّار، ومن المقيمين الملحقين في السعودية صورة لبياناتهم على تطبيق "توكلنا"، تثبت تلقيهم اللقاح، بعدها يسمحون لك بالمرور بعد ختم جوازك".
وفي الجانب السعودي من المنفذ، تقتصر الإجراءات -بحسب السعيدي- على التأكد من بيانات المسافرين على تطبيق "توكلنا"، الذي تُخزّن عليه بيانات المسافرين بعد رفعها على منصة "مقيم"، الخاصة بتسجيل طلبات الدخول إلى الأراضي السعودية للمقيمين والزائرين.
يلجأ آلاف المسافرين اليمنيين خصوصاً قاصدي العمل في السعودية، إلى شراء شهادات اللقاح المزوّرة، هرباً من التكاليف، ومشقة السفر إلى المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لتلقّي اللقاح، بحكم عدم توفّر أيّ مراكز للقاح في صنعاء والمحافظات الشمالية الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
شأن كثير من نُظرائه في مكاتب النقل، يبرر التعزي تعامله بالتزوير بوصفه "مصلحة للجميع"، ذلك أنّ معظم اليمنيين يعيشون ضائقة مالية، ويشق عليهم السفر إلى محافظات أخرى لتلقّي اللقاح، إلى جانب الأخطاء التي تتكرر من قبل مراكز التلقيح في أرقام الجوازات أو أسماء الأشخاص، الأمر الذي يعيق الراغبين في السفر ويجرهم إلى متاهة من المعاناة، فيما لو حدث الخطأ من جانب المكتب، فهو المسؤول أمامه، وبمقدوره التعديل بسهولة.
"من الأسباب أيضاً، نفاد جرعات اللقاح في بعض الأحيان، كما حدث عند نفاد لقاح أسترازينيكا (من مطلع يوليو/ تموز، حتى نهاية أيلول/ سبتمبر 2021) إذ تعطلت مصالح كثيرين بسبب ذلك، خصوصاً الذين أخذوا الجرعة الأولى من اللقاح ومن المقرّر بعد أسبوعيْن أن يأخذوا الجرعة الثانية، الأمر الذي جعل المسافرين يتدافعون على شراء الشهادات من المكاتب، خصوصاً المغتربين الذين كانت تأشيراتهم على وشك الانتهاء، ما قد يكلّفهم غرامة تتجاوز 1000 ريال سعودي"، يضيف التعزي.
منذ بداية الربع الأخير من العام 2021، تضاعف الإقبال على الشهادات الصادرة عن وزارة الصحة (غير الحقيقية)، على حساب تراجع نسبة الإقبال على نظيراتها الصادرة عن المواقع المزيفة، تجنّباً لاحتمالية كشفها بعكس الرسمية، حسبما لاحظناه خلال الطواف على مكاتب النقل في صنعاء والحديث مع أصحابها.
تؤكد هذا الاستنتاجَ المقابلاتُ التي أجريناها مع 13 مسافراً يحملون شهادات مزوّرة (في الفترة بين شهر آب/ أغسطس حتى كانون الأول/ ديسمبر 2021)، كان 9 منهم يحملون شهادات صادرة عن وزارة الصحة، فيما كانت شهادات الأربعة الآخرين مخزّنة على الموقع المزيّف.
من واقع عمله، يَذْكر التعزي أسباباً من بينها أنّ
من يحملون إقامة في السعودية صاروا لا يشترون أرقام الشهادات ذات الرابط المزوّر، باستثناء المسافرين للزيارة أو السفر إلى دولة غير السعودية، ذلك أنّ المقيمين يتعين عليهم إرسال شهادة اللقاح قبل السفر إلى وزارة الصحة السعودية عبر منصة (مقيم) للموافقة عليها، وعلى الأرجح أن وزارة الصحة اليمنية تنسق مع نظيرتها السعودية بهذا الشأن.
على حدّ قوله.
ما تمّ توثيقه من حالات يمثّل مسافرين قد لا تختلف ظروفهم ودوافعهم، يتهافتون يومياً على مكاتب النقل وسماسرة الشهادات المزوّرة، في عموم محافظات اليمن، على نحو يتنافى مع القانون، ويسهم في تغذية الفساد.