متعاقدو "الريف المصري" يحصلون على أراضٍ غير قابلة للزراعة
تحقيق شعبان بلال
26/11/2021
هكذا كان المتوقع
وهكذا هو الواقع
بين المتوقع والواقع.. قصة فشل استصلاح أرض المغرة
قرر محمد حفظي التخلّي عن نمط حياته في مدينة العبور بالقاهرة والانتقال إلى واحة المغرة في العلمين بمحافظة مرسى مطروح (شمالي مصر) التي تبعد عن بيته مسافة 245 كيلومتراً، حيث المشروع القومي "المليون ونصف مليون فدان" الذي أعلنت عنه الحكومة المصرية عام 2016.
علم حفظي من خلال وسائل الإعلام والصحف الرسمية في مصر عن طرح أراضٍ للتمليك من قبل الدولة، ليسارع بالذهاب إلى
شركة تنمية الريف المصري الجديد
للاستعلام عن الأرض وطُرق الشراء لتحقيق حلمه الذي طالما داعبه بامتلاك قطعة أرض لزراعتها
"كان هذا حلمي الذي سعيت لتحقيقه، وحانت الفرصة عندما تمّ الإعلان عن المشروع القومي لزراعة الأراضي، كأنّها جنة فيها كل الموارد والإمكانيات التي تؤهلها للزراعة".
أقدم حفظي بالشراكة مع 22 آخرين في تشرين أول/ أكتوبر 2019 على التعاقد مع شركة تنمية الريف المصري الجديد لاستصلاح مساحة تبلغ 230 فداناً، موزعين بالتساوي على كلٍّ منهم، إلّا أنّه تفاجأ بعدم صلاحية المياه الجوفية لري الأرض، وبالتالي استحالة زراعتها.
وكانت شركة تنمية الريف المصري الجديد طرحت في عام 2016 مليوناً ونصف المليون فدان للاستصلاح في أربع مناطق رئيسية هي المغرة وغرب المنيا وتوشكى والفرافرة القديمة. وتعاقد مع الشركة التي تضم ممثلي وزارة المالية والزراعة والإسكان، 13 ألف منتفع.
حفظي ليس الوحيد الذي تضرر من أرض المغرة، إذ صدرت شكاوى عن عشرات من المتعاقدين مع "الريف المصري"، تتمثل في صعوبة استصلاح الأراضي التي تسلموها في واحة المغرة التي تصل مساحتها الإجمالية إلى 280 ألف فدان، نظراً لارتفاع درجة الملوحة في الآبار الجوفية.
يأتي هذا مخالفاً لأحكام المادة السادسة من القانون رقم (143) لسنة 1981 التي تُلزم الحكومة بتوفير مصدر ريّ لمشروعات استصلاح الأراضي.
فيما أجرت وزارة الموارد المائية والريّ دراسة في مارس/ آذار 2021 أشارت إلى
أنّ درجة الملوحة في معظم أراضي المغرة تتراوح ما بين 3 آلاف و10 ألف جزء في المليون، ما يُفقد الأرض قدرتها على دعم زراعة محاصيل ذات جدوى اقتصادية.
مركز التميّز المصري كان واجهة حفظي وشركائه لتحليل عيّنة أخرى من البئر،
وبيّن التحليل الذي أُجريَ في كانون أول/ ديسمبر 2020 أنّ درجة ملوحة البئر الجوفي في الأرض المخصصة تبلغ 10 آلاف و400 جزء في المليون.
ويضيف التقرير أنّ هناك 90 فداناً من إجمالي 230 فداناً تعاقد عليها حفظي وشركاؤه غير صالحة للزراعة بصورة كاملة،
كون تربتها صخرية وقلوية وملوحتها عالية.
وبحسب الدكتور حسن الشاعر، مدير مركز التميّز المصري للزراعة الملحية التابع لمركز بحوث الصحراء، فإنّ درجة الملوحة التي تزيد عن 7 آلاف جزء في المليون، لا تصلح إلّا لزراعة بعض المحاصيل التي تُستَخدم كعلف حيواني.
درجة الملوحة العالية لم تمنع حفظي من المحاولة، فقد زرع عدة محاصيل على رأسها البصل والبونيكام (محصول علفي) والبرسيم الحجازي، لكنّها جميعها انتهت باحتراق المحصول بسبب درجة الملوحة العالية، ما تسبب في خسارته.
بعدها تقدم حفظي بشكوى إلى شركة الريف المصري حملت الرقم 4553، مطالباً بحلّ مشكلة الملوحة والتعويض عن مساحة 90 فداناً، لكنّه لم يلقَ أيّ استجابة، بل طالبته الشركة بزراعة الأرض والالتزام بدفع الأقساط في مواعيدها المحددة في العقد.
وينصّ القانون المصري رقم (143) لسنة 1981 بشأن الأراضي الصحراوية ولائحته التنفيذية رقم (198) لسنة 1982 في مادته (17) على أن يُمنح من اشترى أرضاً يتوفر لها مصدر ريّ من الأراضي الخاضعة لأحكام هذا القانون بقصد استصلاحها أو استزراعها، مهلةً لإتمام ذلك مدتها 5 سنوات من تاريخ توفير مصدر الري.
ارتفاع الملوحة
نظراً لأنّ العديد من المتعاقدين مع الشركة واجهوا أزمة الملوحة المرتفعة، تأسس تحالف
باسم "تحالف المغرة"، لجأ أعضاؤه لمركز التميّز المصري، لدراسة وتقييم مكونات التربة والموارد المائية الموجودة في 20 قطعة أرض، مساحة كلٍّ منها 238 فداناً بإجمالي 4760 فداناً.
الدراسة التي أجراها مركز التميّز والتي خرجت باسم التحالف، قسّمت المنطقة المدروسة إلى 4 نماذج تربة:
ملوحة أقلّ من 3 آلاف جزء في المليون
تربة رملية غير ملحية ذات طبقات شديدة القلوية وطبوغرافية خفيفة التموّج
موجود بنسبة قليلة للغاية
تصلح لزراعة معظم المحاصيل بعد معالجة المياه
ملوحة من 3 آلاف إلى 6 آلاف جزء في المليون
تربة رملية وملحية خفيفة إلى معتدلة ذات طبقات شديدة القلوية وطبوغرافية مستوية تقريباً إلى مموّجة
موجودة بنسبة بسيطة
تصلح لزراعة بعض المحاصيل العلفية
درجة ملوحة من 7 آلاف إلى 12 ألف جزء في المليون
تربة رملية شديد التملّح دون طبقات صمّاء ذات طبوغرافية خفيفة التموّج
موجودة بنسبة كبيرة
لا تصلح لزراعة أيّ محاصيل خُضَر أو فاكهة إلّا بعض المحاصيل العلفية
درجة ملوحة المياه أعلى من 12 ألف جزء في المليون
تربة رملية شديدة التملّح ذات طبقات شديدة القلوية وأخرى متصلبة طينية شديدة التملّح وطبوغرافية مموجة
موجودة بنسبة متوسطة
غير صالحة إلّا لزراعة بعض المحاصيل العلفية البسيطة
يشير الدكتور حسن الشاعر مدير مركز التميّز المصري للزراعة الملحية بمركز بحوث الصحراء التابع لوزارة الزراعة، إلى أنّ خواص التربة في المغرة تتباين من منطقة إلى أخرى، بل وداخل المنطقة الواحدة، وهي خواص تعرقل إمكانية استصلاح الأراضي، فضلًا عن أنّ معظم الأراضي بها طفلة ولا يمكن استصلاحها.
ويضيف أنّ مركز بحوث الصحراء يعمل الآن على تقييم ملوحة المياه الجوفية والتربة في منطقة المغرة بناءً على طلبٍ من الحكومة، مشدداً على أنّ مشكلة المشروع هي أنّه لم يُبنَ في الأساس على أسس علمية، ولم تستعن الشركة بمراكز بحثية أو جامعات لوضع الأسس الفنية الصحيحة لاستصلاح هذه المساحات العملاقة، التي تأتي في إطار مشروع قومي يعدُّ من أهم المشروعات الزراعية.
تقريران متضاربان
لم تمنع المسافة التي تزيد عن 170 كيلومتراً بين مسقط رأس محمد حسب الله في مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية وبين المغرة، تعاقده مع شركة الريف المصري لاستصلاح قطعة الأرض رقم 119 في عام 2018.
وعلى العكس من حفظي، تسلّم حسب الله أرضه وبها بئر مياه جوفية، ولكنّ الشركة "قدمت له تقريريْن متضاربيْن عن درجة ملوحة مياه البئر"، وفقاً لحسب الله.
تقرير يظهر أنّ ملوحة التربة تبلغ 4 آلاف جزء في المليون
فعند التعاقد في آب/ أغسطس 2018 تسلّم حسب الله تقريراً يوضح أنّ درجة ملوحة المياه هي 2150 جزءاً في المليون، وهو ما دفعه مع شركائه إلى قبول التعاقد على الأرض باعتبار أنّ هذه الملوحة يمكن معالجتها بالتكنولوجيا الحديثة، لكن عند استلام الأرض في تشرين أول/ أكتوبر 2018، قدّمت له الشركة تقريراً آخر أظهر أنّ ملوحة التربة تبلغ 4 آلاف جزء في المليون.
ولكنّ عيّنة المياه التي أجرى حسب الله وشركاؤه لها فحصاً في مركز البحوث الزراعية -مركز حكومي تابع لوزارة الزراعة المصرية- بتاريخ تموز/ يوليو 2021، أظهرت أنّ درجة الملوحة تبلغ 10,560 جزءاً في المليون.
تقرير يُظهر أنّ درجة الملوحة تبلغ 10,560 جزءاً في المليون
يقول الدكتور محمد وصيف، أستاذ صيانة الأراضي بمركز البحوث الزراعية، إنّ هذه الدرجة من الملوحة تستحيل معها زراعة الخُضَر والفاكهة ذات الجدوى الاقتصادية، لأنّها لا تحتمل الملوحة.
ويضيف الدكتور محمد وصيف، أنّ النموذج القابل للتنفيذ في المغرة، بناءً على درجة الملوحة الحالية، هو إنشاء مزارع إنتاج حيواني وزراعة محاصيل علفية تتحمل درجات الملوحة العالية، مثل بنجر العلف الذي يتحمل درجة ملوحة 6 آلاف جزء في المليون.
قدّم حسب الله وشركاؤه مذكرة إلى شركة
تنمية الريف المصري الجديد
طالبوا فيها باتخاذ اللازم حيال ملوحة المياه، وأضافوا في المذكرة أنّهم قاموا بزراعة عدة محاصيل، منها اللب والبطيخ والقمح والشعير والبونيكام، وآخرها زراعة مساحة 120 فداناً من الزيتون، لكنّ حالة الزراعة تدهورت بسبب الملوحة،
ما أدى إلى خسارة يقدّرها بما يزيد عن 4 ملايين جنيه على مدار أكثر من عاميْن.
لم يتلقَّ حسب الله وشركاؤه أيّ استجابة من شركة الريف المصري، مثله مثل حفظي.
مخالفة قانونية
عدم استجابة الريف المصري لشكاوى المتضررين دفعهم إلى رفع دعاوى قضائية ضدّ الشركة ووزير الزراعة بصفته الوظيفية، ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتعمير.
رفع المحامي بالنقض هشام عيسوي أكثر من 35 دعوى قضائية خلال عام 2021 ضدّ شركة الريف المصري، موكلاً عن 35 شركة تضمّ كلٌّ منها عدداً يتراوح ما بين 10 و23 متضرراً.
وتطالب الدعاوى، التي حصلنا على نسخة منها، شركة الريف المصري بتوفير مصدر مياه عذبة صالحة للريّ والزراعة، وفترة سماح مدتها خمس سنوات من تاريخ إيجاد هذا المصدر، كفرصة للزراعة قبل تسديد باقي الأقساط.
واستند عيسوي في
دعواه
إلى
تقارير المراكز البحثية الرسمية،
ومنها تقارير مركز البحوث الزراعية
ووزارة الموارد المائية والريّ،
عن ارتفاع ملوحة الأرض.
ويقول عيسوي إنّ شركة الريف المصري لم تحدد درجة ملوحة المياه في منطقة المغرة البالغة 286 ألف فدان، في شروط العقد أو عند التعاقد مع المنتفع، وهو ما كان يجب توفره في البداية.
وهو ما تأكدنا منه بعد الاطّلاع على بنود العقد.
فشل الحل
ولجأ مؤسسو 3 شركات تعاقدت مع الريف المصري، في آذار/ مارس 2021، إلى رئيس مجلس الوزراء رافعين له شكوى رقم 17457 لمطالبته بالموافقة على توصيل المياه العذبة من محطة تحلية مياه الصرف الزراعي الجاري إنشاؤها جنوبي الحمام إلى منطقة المغرة، بعد فشل محاولتهم تحلية المياه للدرجة التي تسمح بالزراعة.
وجاء رد رئيس قطاع التوسع الأفقي والمشروعات بوزارة الموارد المائية والري على هذه الشكوى بالقول إنّ كميات مياه الصرف الصحي والزراعي التي ستتمّ معالجتها عن طريق محطة المعالجة، مخصصة لمناطق محددة ولا يوجد أيّ فائض في كميات المياه يمكن توجيهها إلى منطقة المغرة.
خسارة الأهل والمال
بمجرّد إطلاق المشروع في 2016، سارع شوقي مجاهد، من محافظة البحيرة التي تبعد 200 كيلومتر عن المغرة، إلى التعاقد مع شركة الريف المصري، أملاً في تكرار تجربته الناجحة في استصلاح أراضٍ تابعة لمشروع الخريجين، إلّا أنّ خيبة الأمل لاحقته بعد دفع المقدم واستلامه الأرض.
يوضح مجاهد، الممثل القانوني للقطعتين رقم 589 و590 بالمغرة، أنّه اكتشف هو وأفراد من عائلته شاركوه في هذا الاستثمار أنّ ملوحة المياه في القطع المتعاقد عليها تتراوح ما بين 3 آلاف و10 آلاف جزء في المليون، بحسب تقرير صادر عن وزارة الريّ،
وبالتالي فهي لا تصلح لريّ المحاصيل الزراعية ذات الجدوى الاقتصادية، فتوقف عن الزراعة.
فما كان من شركة الريف المصري إلّا توجيه إنذار رسمي له في 20 أيار/ مايو الماضي، باتخاذ إجراءات قانونية وسحب قطعتيْ الأرض في حالة عدم القيام بترخيص البئر الجوفي لقطعتيْ الأرض محل التخصيص، وتقديم خطة عاجلة لاستصلاح وزراعة ما لا يقلّ عن 60% من مساحة الأرض في مدة لا تتجاوز 36 شهراً من تاريخ استلام قطعة الأرض.
أفسد هذا التعاقد علاقة شوقي بأفراد من عائلته وأشقائه، بعد اتهامهم له بتوريطهم في شراء أرض يصل سعر الفدان فيها إلى 20 ألف جنيه تقريباً، بينما لا يتناسب مردودها الاقتصادي مع ما أنفقوا من أموال.
وانقطعت علاقة مجاهد مع أشقائه بسبب هذا المشروع الخاسر.
وما يزال حفظي وحسب الله ومجاهد وغيرهم العشرات من منتفعي منطقة المغرة ينتظرون إيجاد حلّ إما بتوصيل مياه عذبة صالحة للزراعة، أو أن يحكم لهم القضاء بتعويض عن خسائرهم.
- تحقيق
- شعبان بلال
أُنجِزَ هذا التحقيق بدعمٍ من أريج.