ARIJ Logo

شركات تنتهك حقوق عمال نظافة مشافي غزة

بعض أدوات السلامة مفقودة و رواتب ناقصة تصلهم متاخرة

تحقيق: محمود أبو الهنود

لا يشكوعمال نظافة قطاع غزة من نقص في قوانين العمل واللوائح التنظيمية التي يفترض أن تحفظ حقوقهم المادية والمعنوية، وتكفل لهم بيئات عمل صحية، لكن مع ذلك تشهد ظروف الكثير من العمال أوضاعا يمكن وصفها بالكارثية في ما يتعلق بظروف فئة كبيرة منهم، لا سيما عمال النظافة ممن يعملون لدى شركات خاصة في القطاع الصحي. فابتداء من تقاضيهم رواتب هي أقل من نصف الحد الأدنى المنصوص عليه قانونا، وانتهاء بعدم توفير وسائل الحماية لهم من خطر المخلفات الطبية، مرورا بحرمانهم من الإجازات مدفوعة الأجر، يعاني هؤلاء تداعيات ذلك اقتصاديا واجتماعيا وصحيا، في ظل حالة صعبة أصلا يعيشها قطاع غزة، ما يجبرهم على القبول بشروط عمل سيئة فرارا من شبح البطالة.

يقدر عدد العاملين بقطاع النظافة لدى الشركات الخاصة في المنشآت الصحية بغزة ب ٩٠٠ عامل، موزعين على ٨٣ مركز صحي ومشفى، ويتبعون ١٣ شركة نظافة تعمل في محافظات قطاع غزة الخمس (غزة، الشمال، الوسطى، خانيونس، رفح). ويتلقى هؤلاء أجوراً أقل من الحد الأدنى الذي حدده القانون، ويعملون في بيئات عمل خطرة، بسبب عدم التزام بعض شركات النظافة بتوفير متطلبات الصحة والسلامة المهنية لهم. وبحسب ما يوضح علي الجرجاوي، المحامي بمركز الديمقراطية وحقوق العاملين، فإن خصخصة قطاع النظافة في وزارة الصحة الفلسطينية في العام 2005 ساهمت بحصول المستشفيات والمراكز الصحية على جودة أكثر في خدمة النظافة، لكنها" انعكست بشكل سلبي على واقع العمال وحقوقهم".

man icon
900
عامل
hospital icon
83
مركز صحي ومشفى
clean icon
13
شركة نظافة
Ghaza map
5
محافظات غزة

الحكومة الفلسطينية كانت قد أصدرت في العام 2012 قانون الحد اﻷدنى للأجور الذي يحدد أجر العامل الشهري بواقع 1450 شيكل (420 دولارا). وفي العام 2017 أصدر وزير العمل آنذاك قرارا بإلزام أصحاب العمل بتطبيق الحد الأدنى للأجور، لكن وفقا لنتائج مسح القوى العاملة الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في 2019 فقد بلغت نسبة العاملين في القطاع الخاص ممن يتقاضون أجرا شهريا أقل من الحد الأدنى في قطاع غزة 80% ، بمعدل أجر 652 شيكل شهريا.

إحصائية صادمة سيما عندما تتم ملاحظة انعكاساتها الواقعية في تفاصيل حياة الأشخاص المتضررين. ومن هؤلاء بسام الشاب الثلاثيني، الذي يعمل لدى شركة نظافة منذ ثلاث سنوات براتب شهري لا يتجاوز ال700 شيكل (200دولار)، بينما يعيل أسرة تتكون من ثمانية أفراد. يقول بسام أنه يذهب إلى مكان عمله سيرا لتوفير نفقات مواصلاته. ويضيف:" في كثير من اﻷوقات يذهب أطفالي للمدرسة بدون مصروف يومي. بالكاد أستطيع تدبير المأكل لهم، وأقف حائرا ومحرجا أمام أسئلتهم حول ظروفنا المعيشية.. وفي كثير من الأوقات لا أجد ما أجيبهم به فالتزم الصمت". معاناة بسام لا تنحصر في الأجر الهزيل الذي يتقاضاه، إذ تعرض للعديد من إصابات العمل الطفيفة والمتوسطة جراء تعامله مع المخلفات الطبية. و في منتصف العام الماضي 2019 اضطر إلى تلقي علاجات وتطعيمات طبية على مدار ثلاثة أشهر، بعد إصابته بجروح في يده سببها مشرط طبي كان ملقى في أكياس المخلفات الطبية التي يجمعها، حيث يقوم بذلك دون إرتداء قفازات خاصة كان يفترض بالشركة التي يعمل فيها توفيرها له.

بالإضافة إلى حالة بسام فقد وثق هذا التحقيق ثلاث حالات أخرى لإصابات عمل، تعرضت اثنتان منها للوخز بإبر مستخدمة أثناء جمع المخلفات الطبية، وواحدة لالتهابات جلدية بسبب عدوى انتقلت من أحد المرضى.

قرار مجلس الوزراء رقم (11) لسنة 2012م بشأن إعتماد الحد الأدنى للأجور في جميع مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية

استناداً لأحكام القانون الأساسي المعدل لسنة 2003م وتعديلاته، وعلى قانون العمل رقم (7) لسنة 2000م، والاطلاع على قرار مجلس الوزراء رقم (46( لسنة 2004م بلائحة تشكيل لجنة الأجور، وعلى كتاب رئيس لجنة الأجور بتاريخ م2012/10/7 بشأن الحد للأجور، وبناءً على تنسيب وزير العمل/ رئيس لجنة الأجور، وبناءً على الصلاحيات المخولة لنا قانوناً، وبناءً على مقتضيات المصلحة العامة، قرر مجلس الوزراء بتاريخ 2012/10/09م ما يلي:

مادة (1)

اعتماد الحد الأدنى للأجور في جميع مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية على النحو الآتي: 1. يكون الحد الأدنى للأجر الشهري في جميع مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية وفي جميع القطاعات مبلغا وقدره (1450 شيقل) ألف وأربعمائة وخمسون شيقلاً شهرياً. 2. يكون الحد الأدنى لأجور عمال المياومة وخاصة العاملين بشكل يومي غير منتظم، إضافة الى العمال الموسميين مبلغاً وقدره (65 شيقل) خمسة وستون شيقلاً يومياً. 3. يكون الحد الأدنى لأجر ساعة العمل الواحدة للعمال المشمولين في الفقرة “2” أعلاه مبلغاً وقدره (8.5 شيقل) ثمانية شواقل ونصف الشيقل للساعة الواحدة.

مخاوف ومطالب

بحسب إستبانة أعددناها في فبراير 2020، شملت ثلاثين من عمال النظافة لدى شركات خاصة تبين أن 10% من أفراد العينة تعرضوا ﻹصابات عمل خلال تعاملهم مع المخلفات الطبية، وأن 50% لديهم مخاوف حقيقية من إمكانية تعرضهم لإصابات العمل.

chart 50%
شركات النظافة لا تلتزم بتوفير القفازات شديدة التحمل للوقاية من إصابات العمل، أو الأحذية الخاصة
chart 57%
شركات النظافة لاتلتزم بتوفير الكمامات بشكل مستمر
chart 63%
يواجهون مخاطر صحية أثناء تعاملهم مع المنظفات مثل الكلور
يتلقون راتبا يقدر ب700شيكل
66%
progress bar
جميع أفراد العينة يحصلون على رواتب شهرية أقل من الحد اﻷدنى للأجور
يتلقون راتبا يقدر ب770شيكل 33%
chart 47%
من أفراد العينة يضطرون أحيانا للذهاب إلى مكان عملهم سيرا، أو البحث عن وسيلة مواصلات غير مكلفة
chart 83%
يطالب شركات النظافة بإعطاء العمال حقوقهم كاملة باﻹجازات مدفوعة اﻷجر،
chart 80%
يرون أنه يجب تشكيل نقابة تمثل عمال النظافة وتدافع عن حقوقهم
download

مخلفات الرعاية الصحية

تندرج المخلفات الناجمة عن الرعاية الصحية، ضمن المخلفات الناقلة للعدوى، ومنها المخلفات الملوثة بالدم وسوائل الجسم الأخرى، ومخزونات العوامل المُعدية التي تخلفها أعمال المختبرات، أو مخلفات المرضى في أجنحة العزل والمعدات (مثل الممسحة والضمادة  والمعدات الطبية التي تُستعمل مرة واحدة، والأجسام الحادة التي تشمل المحاقن والإبر والمشارط والشفرات التي تُستعمل مرة واحدة، وذلك وفق تقرير حديث صادرعن منظمة الصحة العالمية نشر في فبراير/2018،ويشير التقرير إلى أن مخلفات الرعاية الصحية تحتوي على كائنات مجهرية قد تكون مضرّة ويمكنها نقل العدوى إلى اﻵخرين.

إصابات عمل وإنذارات

تشترط وزارة العمل على شركات النظافة المتقدمة للمناقصات، التي يتم طرحها بالتعاون مع وزارتي الصحة والمالية، أن تلتزم بالمعايير والشروط الخاصة بتوفير وسائل الوقاية الشخصية اللازمة لحماية العاملين من مخاطر وأمراض المهنة، لكن الشركات، على ما يبدو، لا تتقيد بذلك. يعلق على ذلك أحمد المدهون، رئيس قسم الصحة والسلامة المهنية بوزارة العمل الفلسطينية بغزة، موضحا أن الوزارة وجهت إنذارات خطية لعشر شركات نظافة من قبل دائرة التفتيش نهاية عام 2018، لمخالفتها بعض بنود المناقصات وقانون العمل، كما تم توجيه محضري ضبط لشركتي نظافة، وتحويل ملف شركة أخرى للنيابة العامة، لعدم إلتزامهم بتطبيق شروط المناقصة وتوفير وسائل الوقاية المهنية.

من جهته يشير د. رامي العبادلة مدير دائرة مكافحة العدوى باﻹدارة العامة للمستشفيات بوزارة الصحة بغزة، إلى أن عشر إصابات عمل تم تبليغ وزارة الصحة بها خلال 2018. ويوضح أن دور وزارة الصحة يتمثل بوضع المواصفات والاشتراطات الصحية المطلوب الإلتزام بها، باﻹضافة إلى متابعة خدمات النظافة التي تقدمها تلك الشركات في المستشفيات ومراكز الرعاية اﻷولية، مؤكدا أن المناقصات الأخيرة التي تم طرحها تضمنت بشكل أساسي ضرورة إلتزام الشركات بتوفير وسائل السلامة المهنية لهؤلاء العاملين، وتوفير الفحص الإبتدائي لهم قبل العمل، والتطعيمات، والإلتزام بما جاء في قانون العمل الفلسطيني ومنحهم الإجازات المنصوص عليها في القانون

السلامة المهنية قانونا

تشير المادة (90) من قانون العمل الفلسطيني على أن مجلس الوزراء يتولى بالتنسيق مع جهات اﻹختصاص إصدار الأنظمة الخاصة بالصحة والسلامة المهنية وبيئة العمل متضمنة، وسائل الحماية الشخصية والوقاية للعاملين من أخطار العمل وأمراض المهنة. كما تؤكد المادة (1) من قرار مجلس الوزراء الفلسطيني رقم (49) لسنة 2004 على أنه يتوجب على صاحب العمل توفير الإحتياطات، والتدابير اللازمة لحماية العمال من الأخطار المهنية التي قد تنجم داخل بيئة العمل، وتوفير وسائل الوقاية الشخصية المناسبة للعاملين كالملابس الواقية، والنظارات، والقفازات، والأحذية وغيرها وإرشادهم إلى طريقة إستعمالها.

paper

انتهاكات بالجملة

ظروف معيشية صعبة، وأجر شهري ضعيف لا يصمد لأيام أمام متطلبات الحياة، وبيئة عمل غير آمنة، وفوق كل ذلك يتم حرمان عامل النظافة أبو محمد من الإجازات مدفوعة الأجر المنصوص عليها قانونا. يقول أبو محمد:" باستثناء الإجازة الأسبوعية يتم حرماننا من إجازات الأعياد، والمناسبات الرسمية، والإجازات المرضية، والسنوية. هذه الإجازات المدفوعة هي حق من حقوق أي عامل، لكننا لا نحصل على أي منها".

 وفقا لفايز العمري، المدير التنفيذي بمركز الموارد العمالية بغزة (مؤسسة أهلية)، فإن العاملين بهذا القطاع يعانون، إضافة لما سبق، من تأخر وعدم إنتظام صرف رواتبهم، وقد يصل التأخير أحيانا إلى أكثر من ستة أشهر. ويقول أن معظمهم، رغم ذلك، يتمسك بعمله نتيجة البطالة المستشرية في قطاع غزة، نسبة البطالة وازدياد معدلات الفقر. كما أن الكثير منهم يترددون في تقديم الشكاوى خشية أن يتم فصلهم من العمل.

حول ذلك تقول منى رستم، مديرة مركز الديمقراطية وحقوق العاملين فرع غزة، أن المركز تلقى بالفعل خلال العامين اﻷخيرين العديد من الشكاوى من قبل عمال نظافة يعملون بالقطاع الصحي، تتعلق غالبيتها بتدني اﻷجور وتأخر صرفها، والفصل التعسفي، واﻹجازات. وأشارت إلى أنه تم تنفيذ حملة زيارات ميدانية بالتعاون مع وزارتي الصحة والعمل، وتوثيق العديد من الانتهاكات لحقوق هؤلاء العمال، لافتة في الوقت نفسه إلى أن العديد من تلك المشكلات تم حلها بالفعل، وأن هناك "تحسن" في تعامل بعض الشركات مع قضايا العمال.

paper

النقابة ضرورة

يجيب أبو حازم، مدير شركة نظافة، عن السؤال حول عدم التزام شركات النظافة بتطبيق الحد اﻷدنى للأجور وتأخر صرف الرواتب بالقول أن المشكلة سببها "عدم توفر الدعم الحكومي الكافي في المناقصات التي يتم طرحها للتعاقد مع شركات النظافة، و ظروف الحصار والإنقسام الفلسطيني"، الأمر الذي إنعكس برأيه بشكل سلبي على واقع عمال وشركات النظافة.

وحول عدم اﻹلتزام بتوفير أدوات السلامة المهنية يقول أحمد الهندي، ناطق بإسم شركات النظافة، أن الشركات تلتزم ببنود المناقصة "حسب الإمكانيات المتاحة لها"، وأن الأوضاع المالية الصعبة التي تعاني منها هذه الشركات بسبب "عدم الإنتظام بتسديد مستحقاتها" من قبل الجهات الحكومية، جعل الكثير منها يلتزم، فقط، بتوفير المتطلبات الأساسية للعمل والمهمة لنظافة المستشفيات وصحة المرضى، مضيفا أن الكثير من الشركات تعاني من تراكم الديون لصالح التجار والشركات الموردة.

جزء مهم من حل مشكلة عمال النظافة قد يكون بتشكيل نقابة تمثلهم وتدافع عن حقوقهم، بحسب ما ترى رستم، التي أوضحت أن مركز الديمقراطية وحقوق العاملين سبق أن درب مجموعة من العمال ليكونوا ممثلين لزملائهم في المهنة، وأن هناك خطوات مهمة في هذا الصدد قد تفضي قريبا إلى تشكيل جسم نقابي.

وفي سياق اقتراح الحلول أيضا يؤكد د. سلامه أبو زعيتر، رئيس النقابة العامة للعاملين بالخدمات الصحية، على ضرورة تعزيز الدور الرقابي لوزارة العمل، وضرورة أن تراعي المناقصات الجديدة، التي يتم طرحها للتعاقد مع شركات النظافة تطبيق قانون العمل الفلسطيني، خصوصاً ما يتعلق منها بالحد اﻷدنى للأجور، والعمل على إلزام الشركات بتقديم ضمانات وتأمينات بنكية، بما يكفل دفع رواتب العمال مع نهاية كل شهر، وتوفير جميع وسائل الوقاية والسلامة المهنية، ومنح عاملي النظافة الإجازات المنصوص عليها في قانون العمل الفلسطيني.

paper
شكوى عمالية تقدم بها عدد من المراكز العمالية ﻹنصاف عمال النظافة
paper
مذكرة تقدمت بها عدة مراكز عمالية لوزارة العمل لتطبيق قانون الحد اﻷدنى للأجور على عمال النظافة.