منهجية التحقيقات الاستقصائية حول حملات التضليل

آخر تحديث: كانون الثاني/يناير 2026

الفهرس

1. مقدمة

تسعى أريج، من خلال هذا الدليل المختصر، إلى تحديد مفهوم واضح ودقيق للتحقيقات الاستقصائية التي تتناول كشف عمليات التضليل والخداع الإعلامية، لا لتفنيدها فقط، بل لكشف الجهات التي تقف وراءها، وتوضيح حجم الخداع ومحاسبة تلك الجهات إذا أمكن، في حال كان هناك خرق لقوانين أو كان للحملات أثر أدى إلى خسائر بشرية أو مادية.

نظمت أريج، عبر شبكة محرريها وبالشراكة مع الشبكة العربية لتدقيق المعلومات (AFCN)، جلسات عمل لتحديد معايير التحقيقات المذكورة ومنهجية إنجازها. ونظراً لحجم حملات التضليل وتشعبها شكلاً ومضموناً وتأثيراً، صار من الضروري خلق شراكة عمل أفقية بين صحافيين/ات متخصصين/ات ومدققي/ات معلومات لديهم/ن خبرة بالرصد والتتبع، واستخدام المصادر المفتوحة ومعالجة البيانات الكبيرة، واستخدام التطبيقات المحدثة يومياً في المجال المذكور.

الدليل المكثف مخصص للصحفيين/ات ومدققي/ات المعلومات، ويسعى لتوضيح مفهوم التحقيقات التي تتناول حملات التضليل، وفق رؤية استقصائية تختلف عن التقارير الإعلامية التي تكشف زيف المعلومات وحملات التضليل من دون التعمق في "هوية" مَن يقف خلفها ويموّل إطلاقها، علماً بأن التحقيقات الاستقصائية التي تتناول قضايا فساد في مجال التضليل أو النشر لجمهور واسع؛ كقضايا التأثير في الانتخابات عبر التلاعب بمنصات التواصل الاجتماعي، أو تزوير حسابات أو خرق بيانات أو بريد إلكتروني، تبقى خارج هذا التعريف، لأنه ينطبق عليها تعريف التحقيق الاستقصائي، بحسب منهج أريج .

المعلومات المضللة - Disinformation: تكون مـن صنيعة وترويج جهات تهدف إلـى خلق الضرر، سواء كان مالياً أو سياسياً أو مادياً، أو يتعلق بسمعة شخص أو جماعة ما.

يتضمن الدليل معايير ومنهجية العمل على تحقيقات استقصائية تتناول التضليل. ويساعد على إعداد خطة عمل واضحة المحاور خلال تنفيذ هذا النوع من التحقيقات.

search icon

2. التحقيق في حملات التضليل

أولاً: التعريف:

التحقيق يرصد ويحلل تغيير أو محاولات تغيير سلوك جماعي عبر ضغط تواصلي (إعلامي) ممنهج (من خلال التأييد، أو الإقصاء، أو المعارضة أو التحريض على العنف) يُمارَس عبر الإعلام بمنصاته المختلفة، بمشاركة خبراء ذوي اختصاص، ومؤسسات استطلاع رأي. كما يكشف التحقيق الكيفية التي تُدار بها هذه العمليات من قبل سلطات تمتلك قدرات مالية وتقنية وبشرية؛ للتحكم والسيطرة في توجهات الرأي العام، ويوضح انتشار الحملات المضللة عبر تتبعها منذ انطلاقتها، كما يُحدد الجهات المنسقة وأهدافها، بالإضافة إلى تحديد وتوثيق المخالفات القانونية والأخلاقية خلال حملة التضليل أو قبلها.

ثانياً: محاور التعريف:

يحدد التعريف معايير العمل وعناصر أساسية في المنهجية المتبعة.

عندما يُجري مدقق/ة المعلومات أو صحفي/ة تحقيقاً استقصائياً لكشف حملات التضليل، لا بد أن تتحقق المعايير التالية في العمل، التي تتصل بديناميكيا عملية التضليل وبيئته؛ وهي:

المعيار الأول: مَن الذي يقف وراء التضليل؟

ويقصد بذلك تحديد:
icon users
1. الفاعل (actor)

الفاعل الأساسي الذي يدير الحملة أو يدعمها بشكل رئيسي. ويشكل هذا الفاعل الجهة التي سيُوجه إليها خطاب حق الرد؛ فلا يوجد تحقيق من دون تحديد جهة أو جهات مسؤولة تُخاطب بخصوص ما يتوصل إليه التحقيق من نتائج.

icon users
2. الفاعلون الفرعيون

الفاعلون الفرعيون أو الشبكة المساندة من مستفيدين ومؤيدين، مع فهم العلاقة أو الارتباط بينهم وبين الفاعل الأساسي. ولا يقتصر ذلك على تحديد هذا الارتباط في العالم الافتراضي (حسابات مواقع التواصل الاجتماعي)، بل يمتد إلى معرفة طبيعة العلاقات (المخطط) التي تجمع الأفراد والمؤسسات في العالم الواقعي، ممن يقفون خلف هذه الحملة. يشكل الكشف عن مصدر تمويل الحملة مسألة أساسية في التعرف إلى من يقف وراء التضليل؛ من المهم تحديد مصدر التمويل خاصة إذا كان متصلاً بحكومات، أو شركات، أو منظمات، أو جميع ما ذكر. وقد يساعد ذلك على جمع دلائل حول الهدف من الحملة.

icon users
3. حجم التمويل:

قد يعكس ذلك حجم الحملة ونفوذ الجهة/ الجهات التي تقف وراء التضليل. كما قد يكون مؤشراً على الأثر أيضاً. ويمكن رصد حجم تمويل حملات التضليل الإلكترونية، التي تنطلق على منصات التواصل، عبر فحص الإعلانات الإلكترونية.

مثال على ذلك، مشروع "Story Killers" الذي كشف عن الاقتصاد المظلم لصناعة المعلومات المضللة في عدة دول. وبيّن التحقيق الصفقات التي أبرمها مسؤولون ومدانون بارتكاب عمليات إجرامية مع شركات "غسيل السمعة" أو شركات دعاية، عملت على نشر معلومات مضللة، لصالح عملائها.

كما يمكن رصد العائد الاقتصادي على الجهات التي تنشر التضليل؛ مثل التحقيق الذي أجرته بلينكات عن تربح المواقع الهندية من إعلانات غوغل، رغم أنها تنشر معلومات مضللة.

icon
4. الدافع:

لا تُطلق حملات التضليل من فراغ، بل يرغب مطلقوها في تحقيق أهداف بعينها؛ وهنا تجب محاولة الإجابة عن هذا السؤال من قبل الصحفيين/ات ومدققي/ات المعلومات: لماذا أُطلقت حملة التضليل؟ يرتبط هذا -في الغالب- بتوقيت أو حدث معيّن؛ مثل التضليل بشأن المناخ الذي يتزامن مع المؤتمرات الدولية ذات الصلة، للحد من تأثيرها ومخرجاتها الخاصة بمواجهة التغيرات المناخية.

كشف تحقيق أريج "العاصفة الإلكترونية" بالتعاون مع "كود فور أفريكا" عن حملات تضليل بشأن تغير المناخ، بالتزامن مع مؤتمرات إقليمية ودولية متعلقة بالمناخ.

المعيار الثاني: كيف يتم التضليل

يكون ذلك بتحديد:
icon
1- قنوات التضليل:

وهي الوسائط المُستخدمة في نشر المعلومات المضللة؛ وتتضمن منصات التواصل الاجتماعي أو وسائل إعلام مختلفة، أو مراكز استطلاع رأي، أو غير ذلك.

icon
2- طرق التضليل:

يساعد ذلك على تحديد نطاق الضرر. كما أن رصد أكثر من طريقة قد يقود إلى تحديد رسم مخطط الفاعلين بشكل أفضل؛ الأمر الذي قد يقود بدوره إلى كشف المزيد حول مصادر التمويل. ومن الطرق المستخدمة على سبيل المثال لا الحصر؛ التزييف forgeries، والمواقع الوهمية proxy/ fake websites، والتلاعب بالمحتوى manipulated content، واستخدام الأنشطة السيبرانية للتضليل cyber enabled disinformation، وصناعة شخصيات مزيفة والترويج لها cultivate false persona، التي قد تبرز في صورة "خبراء"، كما ورد في التعريف، وغير ذلك من الطرق.

مثال على ذلك، تحقيق يتناول الطرق المُستخدمة من قِبل أطراف روسية لنشر معلومات مضللة في إفريقيا.

ووضعت مؤسسة "Disarm" منهجية منظمة لوصف وتحليل سلوكيات التضليل؛ تتضمن إطارين رئيسينِ: DISARM Red، لوصف سلوكيات منشئي التضليل التي تبدأ من التخطيط لحملة التضليل وتحديد جمهورها المستهدف وقنواتها، واستخدام تقنيات التضليل؛ مثل إنشاء صفحات لشخصيات وهمية على وسائل التواصل، مروراً بتنفيذ حملة التضليل بما يضمن انتشاراً واسعاً، وتمويلاً مستمراً، وصولاً إلى تقييم تأثير الحملة في الجمهور المستهدف، DISARM Blue، وسلوكيات الاستجابة المحتملة التي تتمحور حول كيفية مواجهة هذه الحملات، على مستوى المنصات والصحفيين والجمهور العام.

المعيار الثالث: قياس الأثر

يكون ذلك بالتواصل مع الجمهور بشكل مباشر أو بقياس انطباعاتهم، أو بتحليل العواطف لاستجابة الجمهور على قنوات التواصل الاجتماعي عبر أدوات تحليل العواطف (sentiment analysis).

قد تقود المعلومة المضللة إلى نزاعات وحروب وصراعات، فعلى سبيل المثال يمكن أن يقود التضليل حول اللاجئين إلى الضغط على الحكومات لترحيلهم، أو ينتهي بارتكاب أعمال عنف ضدهم من جانب السكان، والتضليل بشأن الانتخابات يؤثر في تحديد توجهات الناخبين، ووصول الأشخاص إلى المجالس المنتخبة.

وفي حال كان المحتوى المضلل ينتشر بواسطة قنوات تدر أرباحاً، فإن معرفة حجم تلك الأرباح تساعد على تحديد جانب من الأثر.

مثال على ذلك، تحقيق Documented الذي كشف عن وجود شبكة مهربين تضلل الجمهور باستخدام Tiktok، وتحفزهم على الهجرة غير الشرعية للولايات المتحدة، كما تؤثر هذه المقاطع في حياتهم أيضاً، حتى بعد الوصول إلى الولايات المتحدة.

كما يكشف تحقيق لأريج بعنوان "لجان خفية" عن تأثير عمل شبكة حسابات وهمية، تعمل في المغرب منذ عام 2021 على استهداف المعارضين السياسيين بمعلومات مضللة، والتأثير في الانتخابات والرأي العام بالمغرب.

المعيار الرابع: المخالفة القانونية والأخلاقية

تنتهك غالبية الحملات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي لوائح المنصات بشكل أو بآخر، عن طريق الترويج للتضليل المتعمد و/أو الخطاب العنصري و/أو خطاب الكراهية، مُشكّلة بذلك تجاوزات أخلاقية وقانونية.

كما تخضع الإعلانات الإلكترونية السياسية للقوانين واللوائح الداخلية، وتجب مراقبة مدى التزامها بهذه اللوائح. وفي حال كان التضليل عبر وسائل الإعلام، فإن المحتوى يجب أن يخضع أيضاً لضوابط وقوانين لجهة التزامه بالمعايير المهنية والأخلاقية. وفي ضوء ذلك كله، يجب أن يتضمن التحقيق تحديد وتوثيق المخالفات القانونية والانتهاكات الأخلاقية.

مثال على ذلك، تحقيق "عنصرية للبيع" المذاع على "بي بي سي"، الذي يكشف استغلال أحد الصينيين للأطفال الأفارقة، في نشر محتوى عنصري على مواقع التواصل الاجتماعي.

paper icon

3- ملحق

أولاً: استخدام أدوات كشف حملات التضليل المنسقة

icon

مؤشرات حملات التضليل:


  • تحديد الكلمات المفتاحية أو الوسوم

مثال: #خدعة_التغير_المناخي و#خدعة_المناخ و#أكذوبة_التغير_المناخي.

  • البحث عن أنماط المعلومات المضللة

مثال: مجموعة معلومات مضللة يتكرر نشرها في عدة حسابات، وفي توقيتات موحدة، بالتزامن مع أحداث مرتبطة بالحملة.

  • توقيتات النشر

ذروات النشر غير المنتظمة تشي بوجود تفاعل منسق بشري وآلي وشبه آلي، مدفوعاً بأغراض معينة.

  • نمط وطبيعة النشر

تطغى على الحملات المضللة المنسقة أنماط إعادة النشر والردود، أكثر من المنشورات الأصلية.

  • تكرار المحتوى

يعد تكرار المحتوى نفسه مؤشراً على الحملات المنسقة. ويمكن اكتشاف ذلك عن طريق تحميل ملف النشر من برامج رصد وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وتنظيف النصوص، ثم تحليل التشابه الحرفي وغير الحرفي.

  • تحليل المشاعر

تحليل المشاعر المسيطرة على الحملة، ومعرفة طبيعة ذكر الكلمات المفتاحية الأكثر تكراراً على الحملة من حيث الإيجابية أو السلبية أو الحياد.

وتنقسم الحملات إلى:

مع الأخذ في الاعتبار أن التحليل باللغة العربية ما زال يعتريه الخلل والخلط، ويستلزم مراجعة بشرية.

icon

الحسابات المتفاعلة

الحساب الذي أطلق الحملة أو أطلق الحشد

في برامج "رصد وسائل التواصل الاجتماعي"، يوجد قسم مخصص للمنشورات التي ذكرت الكلمات المفتاحية أو الوسوم، وترتيبها من الأقدم إلى الأحدث. يطلعنا هذا الترتيب على أول منشور في الحملة. وتتبع هذه الخطوة خطوة فحص صاحب الحساب؛ لمعرفة إذا ما كان قد أطلق في السابق حملات أخرى، واحتمالية ارتباطاته بجهات معينة مرتبطة بالحملة، وذلك عبر أدوات تتبع الأشخاص وتحليل الوجوه.

الحسابات الأكثر تفاعلاً على الوسم

يجب معرفة الحسابات الأكثر نشراً وتفاعلاً مع الحملة، وتحليل توجهات هذه الحسابات، وعلاقاتها ببعضها بعضاً. إلى جانب ذلك، يجب رصد الحسابات الأكثر تفاعلاً من حيث إعادة النشر أو الإعجاب أو الاقتباس أو التعليق على منشورات الحملة. وتتيح هذه الخصية برامج رصد وسائل التواصل الاجتماعي مثل Talkwalker، كما تتاح على برامج أخرى أكثر تقدماً مثل Meltgo وFedica.

شبكة العلاقات

يجب إجراء بناء شبكي عبر تحميل ملف يحتوي على الحسابات التي نشرت المنشورات الأصلية (عدد أقل)، والمتفاعلين مع هذه الحسابات (العدد الأكبر). وتوفر برامج رصد وسائل التواصل الاجتماعي، مثل Talkwalker، إمكانية تحميل ملف المنشورات، والحسابات الناشرة والمتفاعلة.

تقع الحسابات الأكثر تأثيراً في الحملة، في مركز الشبكة، وتتحلق حولها الحسابات المتفاعلة مع الحملة، وتعمل هذه الحسابات دور المضخم للحملة والمروج لمضمونها، لضمان الوصول لأكبر عدد من الجمهور، والتأثير في الرأي العام.

ويجرى بناء الشبكة عبر برنامج Gephi، بعد تنظيف قاعدة بيانات النشر على الحملة، والاكتفاء بالحسابات الناشرة والحسابات المتفاعلة. ويتيح هذا البرنامج التحليل الإحصائي لمدى مركزية الشبكة، وكلما كانت أكثر مركزية، يعد هذا مؤشراً على تنسيق الحشد على الحملة.

آلية الحسابات

يمكن الكشف عن آلية عمل الحسابات، عبر تحليل الفوارق الزمنية بين منشورات الحسابات المؤثرة في الحملة؛ ويعد النشر في أوقات ثابتة ومنظمة مؤشراً على آلية النشر. كما يمكن تحليل معدلات النشاط من حيث كونها طبيعية وبشرية أم لا، بمعنى أن الحساب ينشر على مدى يوم كامل، ثم ينقطع عن النشر لأيام أو ربما شهور، ثم يعاود النشر ضمن سياق حملة أخرى بشكل كثيف. كما يمكن استخدام الحساب في إعادة النشر من حساب بعينه أو حسابات مجموعة معينة تتبنى أيدلوجية ما، وهو ما يجعله حساباً آلياً يستخدم في التضخيم.

وتوجد برامج لاستخراج توقيتات النشر أو إعادة النشر من حساب ما، وتحليلها إحصائياً للكشف عن انتظام النشر من عدمه، إلى جانب تحليل الحساب نفسه، من حيث تاريخ الإنشاء وحداثته، وعدم وجود نبذة شخصية، أو صورة شخصية، أو صور مولدة بالذكاء الاصطناعي.


ثانياً: بعض الأدوات المُستخدمة في تحليل الحملات

ثالثاً: مكتبة إعلانات مواقع التواصل الاجتماعي

ملحوظة: تُحدّث هذه الأدوات باستمرار، وقد يتوقف بعضها عن العمل، وفقاً لسياسات مواقع التواصل الاجتماعي والشركات.