ضيف العدد - وديع العبسي مدير وحدة الصحافة الاستقصائية بمؤسسة الثورة للصحافة ومشرف (أريج) باليمن.

كيف تؤثر الأجواء الأخيرة منذ سقوط صنعاء ومغادرة الرئيس ثم هبوب (عاصفة الحزم) على أمن وسلامة الصحفيين والمؤسسات الاعلامية؟

للأسف أخذ تدهور بيئة العمل الإعلامي منحاً تصاعدياً؛ ما أثّر سلبا على أمن وسلامة الصحفيين والوسائل الإعلامية عموماً، لجهة إسكات الصوت الذي لا يريح أو لا يتوافق مع أهداف هذا الطرف أو ذاك. وقد أخذ هذا التأثير أشكالاً متعددة من تهديدات واعتقالات وديع العبسيوتعسف وأحيانا تعرض للقتل. كما أفرز هذا التصاعد الدراماتيكي للأزمة السياسية انقساما حادا ومزعجا بين الصحفيين أنفسهم، تبعاً لاختلاف انتماءاتهم لهذه الجهة أو تلك، وهي أيضاً الانتماءات التي أثّرت سلباً على التعاطي معهم، فيما كان هناك قسم ثالث من الصحفيين يحاول تلمس الحيادية والموضوعية في أدائه. حقيقة الواقع العنيف الذي يعيشه اليمن سواء بسبب الأحداث الداخلية أو بعد دخول ضربات ما يعرف بقوى التحالف خلط الأوراق وألحق الأذى بحرية الرأي وأمن كوادره من الصحفيين. لذلك فان الواقع شهد تعمداً في هذا الاتجاه سواء من قبل جماعة أنصار الله (الحوثيين) أو التحالف العربي؛ فكما أن أنصار الله اعتقلوا واقتحموا مقرات إعلامية، وكانت لهم قوائم بأسماء شملت صحفيين “مطلوبين للعدالة” تحت مبرر الأضرار بالوطن والعمل ضد الجماعة، فإن قوى التحالف العربي عبثت أيضا بواقع الإعلام فقصفت قنوات إعلامية كما حدث مع قناة (اليمن اليوم) وقناة (المسيرة)، فقتلت عاملين في الأولى.

 

كم عدد ضحايا الإعلام والمعتقلين أو المخطوفين خلال هذه الفترة؟

ﺑﺤﺴﺐ إﺣﺼﺎﺋﻴﺎﺕ ﺍلاﺗﺤﺎﺩ ﺍﻟﺪﻭﻟﻲ ﻟﻠﺼﺤﻔﻴﻴﻦ وصل عددهم ﺳﺘﺔ..وبالنسبة للمعتقلين ليس هناك رقم دقيق، لكنه كبير بلا شك. في الواقع ما يحدث في هذا الجانب اعتقالات تستمر ﻟﻔﺘﺮﺍﺕ ﺯﻣﻨﻴﺔ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﻧﺤﻮ 12 ﺳﺎﻋﺔ، وأحيانا أشهر كما حدث مع الزميل سامي الغباري.

ما دور الصحافي وتحديداً الاستقصائي في العمل ضمن هذه الظروف؟

تبرز أهمية الصحافي الاستقصائي كونه الأقدر والأكثر كفاءة في الكشف عن خبايا الأحداث وتقديمها بصيغة تتجاوز العرض إلى التحليل والدعم بالإثباتات. وكونه الأقدر على تحديد حركته بناء على ما لديه من معلومات وما يعتقد أنها ستقود إلى نتائج. مع ذلك تبقى قناعتي بأنه ليس في المقدور دائما العمل بأدوات الاستقصائي دون الأخذ بالاعتبار الزمن والواقع الذي سيتلقى هذا النتاج الصحفي المميز. فإذا كان الكشف العادي بالطريقة الصحفية اليومية لحقائق لا تصب في مصلحة (س) وهو في زمن حرب يمكن أن يجعل من الصحفي وبكل بساطة هدفاً له وربما يكون هذا معروفاً وحاصلاً في كثير من المناطق. إلا أن ثمة استثناء في مناطق أخرى تجعل من دور الاستقصائي وبالاً عليه وخطراً أكيداً، وهي التي لا تزال تعاني من سيطرة القوى النافذة مع تجميد لتطبيق القانون.

كيف يستطيع الصحافي المواءمة بين أمنه الشخصي وولائه لمهنته بينما يقف وحيداً بين أجندات متصارعة وصناعة إعلام منقسمة بين مؤيد ومعارض للحوثيين ولعاصفة الحزم؟

في المجتمعات التي يتمتع فيها الصحافي بقدر من الأهمية لا شك بأنه في ظرف الصراعات والحروب تظهر أهميته كباحث عن الحقيقة، كما هي مجردة من أي تأثيرات خارجية. الأمر يختلف في مجتمعاتنا العربية، ومنها اليمن، حيث كل الظروف تظهر ضده سواء في الجانب الأمني أو لجهة حياته المعيشية. وما يحصل اليوم في اليمن يوضح ذلك، حيث وضع الصحفيين عموماً على قدر كبير من الخطورة والصعوبة في آداء مهامهم. وهو هنا لا يستثني أحداً كيفما كان موقفه من الأحداث الجارية سواء مؤيداً أو معارضاً. هذا التعقيد لا يبدو غالباً متعمداً الصحفيين دون غيرهم وإنما هو نتاج طبيعي للأزمة الحاصلة. فهناك صعوبة كبيرة في الوصول إلى مصادر المعلومات، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو سهولة الحركة. فإذا أمكن للصحفي المغامرة في الشق الأمني فإنه لا يمكنه الحركة نتيجة شحة الموارد المادية، ولذلك يحاول الصحفي قدر الإمكان التقصي حول الأحداث بالهاتف، أو من خلال مواقع الاتصال الاجتماعية، هذا في حال توافرت الكهرباء في الجهة التي يعمل بها. ويحدث أحيانا أن يتلقى الصحفي تسريبات من أطراف سياسية لبعض المعلومات لكنها تبقى دائما خارج اليقين لأنها تحمل (نفَس) طرف سياسي بذاته، ولذلك غالبا ما تجد المواقع الإخبارية تعج بأخبار الإثارة.

ما حال المؤسسات الإعلامية الرئيسية الخاصة والعامة؟ من منها ترك ومن منها أجبر على الإغلاق؟ ومن منها انتقل للخارج ومن بإمكانه نقل الصورة الحقيقية؟

طبعا انعكاس الوضع الأمني والاقتصادي كان كبيراً وواضحاً على الوسائل الإعلامية (فضائيات، صحف وإعلام الكتروني). ففي واحدة من متشابهات الانتهاكات لحرية الاعلام وفرضية حياديته بالنأي به عن نزاع الأطراف المتصارعة: توقف القنوات الفضائية الحكومية (اليمن وسبأ) عن طريق النايل سات. فيما كانت حصة الحوثيين فضائيات (سهيل، يمن شباب والسعيدة). طبعا قناة (السعيدة) كانت عاودت بثها مرة أخرى من القاهرة. وحدثت أيضا اقتحامات  لمكاتب بعض القنوات مثل؛ (الجزيرة، العربية وبلقيس). فعل الانتهاك يتشابه في الشكل والمبرر باعتبار أن “صوت هذه الوسيلة مزعج ولا يتسق مع حركتي ولا يخدم هدفي”. على مستوى الصحف، فإن الوضع المالي الصعب وانعدام الوقود تسبب في توقف إصدار صحيفتين حكوميتين هما يومية (14اكتوبر) الصادرة في عدن ويومية (الجمهورية) الصادرة من تعز. وهناك أيضاً صحفاً ومواقع إخبارية الكترونية نالها نصيب من تشدد الحوثيين لتتوقف عن الاستمرار مثل صحيفة (أخبار اليوم والمصدر). وكذلك مواقع (المصدر أونلاين، مأرب برس وﺍﻟﻤﺸﻬﺪ ﺍﻟﻴمني، اﻹﺻﻼﺡ ﻧﺖ ﻭﺍﻟﺼﺤﻮﺓ ﻧﺖ) ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ ﻟﺤﺰﺏ ﺍﻹﺻﻼﺡ.. وﻣﺤﺮﻙ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﺍﻟﻴﻤﻨﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻞ (صحافة نت). كما طال التضييق الخدمات الإخبارية عبر الموبايل ل (خدمة الأهالي والثوري والصحوة). وفي هذا الوقت أيضا كان هناك حجب لمواقع إخبارية الكترونية في السعودية التي تقود (التحالف العربي)، حيث حجبت السلطات السعودية  ﺼﺤﻴﻔﺔ (ﺍﻟﻤﺆﺗﻤﺮﻧﺖ) الالكترﻭﻧﻴﺔ التابعة لحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وأيضاً موقع ﻭﻛﺎﻟﺔ (ﺧﺒﺮ) ﻟﻸﻧﺒﺎﺀ و (ﺍﻟﻤﻨﺘﺼﻒ ﻧﺖ) ﺍلإﺧﺒﺎﺭﻱ وكذا ﻣﺤﺮﻙ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻞ ‏(ﺻﺤﺎﻓﺔ ﻳﻤﻦ). كل ذلك يشير إلى أن محاولات إقصاء الرأي كانت حاضرة في أجندات مرتكبي القصف والفعل المسلح.

 

هل من بقايا لإعلام مستقل ينقل وجهتي النظر ويحاسب المتسببين؟

المتاح من الإعلام الذي يحاول الاستمرار يخض لتجاذبات الانتماءات للأطراف المتنازعة أو التوجهات بين مؤيد لما يقوم به الحوثيون أو معارض له ومؤيد لعاصفة الحزم أو معارض لها؛ لذلك يصعب القول إن هناك من لا يزال يعمل باستقلالية تامة، وإن كانت قناة (السعيدة) المستقلة تحاول تمثيل هذا الدور.. قناة السعيدة تعلن في هذه الآونة احتمالية توقفها عن البث نظرا لانعدام الوقود.

 

الصحافة الاستقصائية مهمة في حال الحرب والويلات والكوارث بسبب تأثيرات ذلك على المدنيين والخدمات المقدمة لهم أو قتل الأبرياء من المدنيين واستخدامهم دروعا بشرية؟ إذاً، هل من الممكن جمع المعلومات والحقائق في ظل هذه الظروف؟

أعتقد أنه أحياناً يكون من الحكمة التعاطي مع الواقع كما هو، وحسب ما تفرضه مجرياته بعيداً عن التشبث بمفاهيم لا تنسجم مع تركيبة المجتمع وثقافته ومعتقداته، هذا إذا ما أردنا تحقيق الإنجاز الصحفي. وفي ذات الوقت من الحكمة مراعاة السلامة الشخصية، وكذا تأثير الكلمة التي يمكن قولها على مستوى تأثيرها السلبي أو الإيجابي لمصلحة تهدأة الواقع لا تأزيمه بلا طائل. في اليمن حيث تركيبة تتقاسمها أطراف عدة، يصبح من المهم أن تراعي القصة التي يمكن أن يقدمها الاستقصائي مدى إمكانية تأثيرها لجهة التغيير الإيجابي. فلا يكون الأمر لمجرد الإثارة أو تحقيق السبق بلا معنى. نحن أمام واقع مؤمن بفكرة وأي قصة غير مرغوب فيها يمكن أن تطرح، إنما ستفسر على أنها تأتي في سياق زعزعة اللحمة الداخلية وثقة المجتمع بقادتهم من متخذي القرار، وصولاً إلى الاتهام بالخيانة العظمى.. وهذه مسألة يعاني منها بعض الزملاء الآن.

كيف يضمن الصحافي أمنه الشخصي وهو غير مدرب على التعامل مع الكوارث والحروب والصراعات، ودون وسائل حماية تصرف له كالخوذ والسترات الواقية؟

طبعاً من التهور أن يكون الصحفي على كل هذا النحو من النقص لجهة حيازته إمكانات السلامة، سواء من حيث التأهيل أو امتلاك أدواتها، ثم إذا به يريد تغطية منطقة نزاع مسلح. هنا لا يمكن لأي قوانين ضمان سلامة الصحفي. ونعلم بأنه في النزاعات لا يجري في غالب الأحيان احترام لأي مواد قانونية تتعلق بهذا الأمر. لذلك فعلى الصحفي ووسيلته الإعلامية عدم المجازفة بتحريك هذا الأمر، ما لم يجرِ تأهيل الصحفي وتزويده بوسائل السلامة.

ماذا بإمكان المنظمات العربية والأجنبية المعنية بشؤون تطوير ومهننة الإعلام تقديمه من دعم للزملاء والمؤسسات التي حافظت على استقلاليتها حتى الآن؟

لا أعلم بالضبط ما الذي بمقدورها تقديمه كفعل مباشر، لكني أتصور أن عليها ممارسة ضغوط أكبر باستنادها إلى سلطة قانونية أقوى، بحيث يصبح لشجبها أو إدانتها تأثير واضح وملموس يجنب الإعلام وكوادره هذه الاستهدافات في أي مكان في العالم. الواضح اليوم هو إمعان في عدم احترام حيادية الإعلام. لا أحد يراعي هذا الجانب، ولا أعتقد أن إقرار أن يكون هناك يوم عالمي (لمكافحة إفلات قتلة الصحفيين من العقاب) إلا دليلاً على أن الصحفي لا يزال يعمل في كل الظروف بلا ضامن حقيقي لحمايته. طبعاً بالنسبة للراهن اليمني ومعاناة الإعلامي فيه فلربما نحن بحاجة إلى عملية توثيق لكل الانتهاكات من جميع الأطراف. فليس الحوثيون فقط من ضربوا بالنصوص الدولية المعنية باحترام الإعلام حياة الصحفيين عرض الحائط، بل حتى قوى التحالف التي اخترقت المشهد اليمني بدعم دولي.

 

هل من نصيحة للزملاء الاستقصائيين الذين يصرون على ممارسة دور السلطة الرابعة في مثل هذه الظروف؟

ربما أقرب ما يمكن قوله هنا هو إعادة تأكيدات أساتذة الاستقصاء بأنه ما لم يكن هناك هامش ضامن لأمن وسلامة الصحفي فإنه لا شيء يستحق أن يدفع الصحفي حياتهمن أجله. وربما يمكن لي أن أدعم هذا الاستخلاص الذي خرج به رواد الصحافة الاستقصائية من عمل سنوات طويلة باستنتاج أو خلاصة أخرى مفادها أن استمرار وجود هذا الصحفي الجاد والأمين بين مجتمعه، بحيث يكون قادراً على ممارسة عمله هو أفضل بلا شك من فقدان المجتمع له. وعموما إذا كان ولابد من تواجد الصحفي في مناطق الخطر فمن الضروري أولاً أن يكون على دراية بكيفية تغطية النزاعات المسلحة وأن يحدد خط حركته ومبتغاه، ويُشعر زملاءه باستمرار بمكان تواجده. وكذلك ضرورة أن يكون مزوداً بخوذة وسترة واقية من الرصاص ويمتلك مهارات أساسية في الإسعافات الأولية. ولا يفوتنا التأكيد  على ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺎﺕ، ﻭمجموعات النزاع عموماً ﺣﻮﻝ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﺣﺘﺮﺍﻡ ﺣﻴﺎﺩية ﺍﻟﺼﺤفيين والإعلام.