ليبيا
واقع سياسي متأزم تعيشه ليبيا، يتمثل في صراع مسلح على السلطة، وحَراك من أجل السيطرة على مقدرات الدولة ومواردها، إلى جانب اقتتال قبلي؛ كلها عوامل تؤثر سلبا على ممارسة العمل الصحفي في ليبيا.
إضافة إلى قصور التشريعات المُنظِمة لقطاع الإعلام والصحافة منذ عهد "القذافي"، الذي يتواصل اليوم، على الرغم من وجود الجهات التشريعية بعد الثورة، والتي تتقاعس هي الأخرى عن القيام بدورها، في اقتراح قوانين تنظّم الإعلام وتحمي الإعلاميين.
رضا فحيل البوم، صحفي ليبي (49 عاماً)، قبُض عليه في العاصمة طرابلس وعُرض على النيابة العامة، وحُوكم بتهمة "ممارسة العمل الصحفي بدون إذن الدولة" وفق المادة (25) من قانون المطبوعات (رقم 76 لسنة 1972)، إضافة إلى المادة (28) من نفس القانون، التي تجرّم "التعامل مع منظمات أجنبية دون إذن من الدولة"، بحسب ما ذكره رضا.
لم تهتم الحكومات الليبية المتعاقبة بعد الثورة، باستحداث جسم حكومي حقيقي ينظم الإعلام، فرغم استحداث وزارة للإعلام في كانون الأول/ ديسمبر 2012 بقرار رقم 13 من المؤتمر الوطني العام، وتغيير تسميتها إلى الهيئة العامة للإعلام والثقافة والمجتمع المدني في نيسان/ أبريل 2016 بقرار رقم 208 من الحكومة الليبية المؤقتة، وأخيراً إنشاء المؤسسة الليبية للإعلام بقرار 597 لعام 2020 من قبل حكومة الوفاق الوطني برئاسة "فائز السراج"؛ إلا أن تلك المساعي أخفقت، ولم تنجح في خلق جسم حكومي قوي، يُمثل الصحفيين، وينظم مجالهم.
وفي استبيان أجريناه وشارك فيه 57 صحفيّاً وصحفية من مناطق مختلفة في ليبيا، يرى 55 منهم أن القوانين الليبية الحالية، لا توفر الحماية اللازمة للصحفيين؛ والتي تشمل الاعتقال والحبس والملاحقة القانونية، خلال تأدية عملهم.
ورغم الانقسام الحاد في ليبيا، إلا أن أطراف الصراع بمجملها، اتفقت على اعتبار الصحفيين أعداء لها، في شرق البلاد حُوكم الصحفي إسماعيل الزوي في محكمة عسكرية، ووجهت له تهم "دعم الإرهاب" و"التخابر" و"العمل لصالح قنوات أجنبية من دون تصريح"، وقد كان يعمل صحفيّاً ومصوراً مُستقلاًّ. وبعد 17 شهراً من الاحتجاز والحبس الاحتياطي، حُكم على "الزوي" بالحبس المؤبد، وهو ما يُعد حكماً مشدداً، قضى منه قرابة ثلاثة أعوام -بما في ذلك مدة الحبس الاحتياطي- قبل أن يصدر قرار بالعفو عنه.
لم تتوقف الانتهاكات القانونية ضد الصحفيين عند هذا الحد، في مدينة العجيلات (غرب العاصمة طرابلس)، اعتقل الصحفي مختار الهلاك؛ بسبب شكوى قدمها مسؤولون في التعليم ومديرية الأمن، بعد تناوله عبر صفحته الشخصية -على منصات التواصل الاجتماعي- ملفات فساد تتعلق بالأمن والتعليم بالمدينة. وعانى ظروف احتجاز صعبة، وُحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات مع وقف التنفيذ.
يقول الهلاك: "ينظر للصحفي في ليبيا على أنه إرهابي، في ظل وجود الصراعات والمجموعات المسلحة، وعدم وجود قوانين تدافع عن الصحفيين وتحميهم، أو بيئة حقيقية للعمل الصحفي، وأدعو كافة المهتمين بالمجال الإعلامي لتوحيد الجهود لإنشاء نقابة تحمي حقوق الصحفيين".
وفي وسط ليبيا، وبسبب انتقاداته المتكررة للمجلس البلدي وأعماله، اعتقل الصحفي (ع.ر) مئة يوم من قبل مجموعة مسلحة من دون توجيه أي تهمة، وأطلق سراحه بعد ذلك، وأيضاً من دون أي توضيح. واضطررنا لحجب اسم الصحفي ومدينته حفاظاً على سلامته.
وفي ذات الاستبيان الذي أجريناه، يُحمّل 25 صحفيّاً مسؤولية عدم وجود تشريعات قانونية تنظم الإعلام للأجسام التشريعية منذ 2011 وحتى الآن، بينما يرى 11 آخرون أن الإعلاميين يتحملون المسؤولية أيضاً، وأخيراً، يرى 31 صحفيّاً ممن شملهم الاستبيان، أن كل ما ذُكر يتحمل المسؤولية من جهته.
انتهاكات متكررة واجهها الصحفيون؛ دفعتهم لإنشاء جسم يحميهم كنقابة للصحفيين مثلا، إلا أن كل تلك المحاولات لم تنجح، لتلعب منظمات المجتمع المدني المعنية بالإعلام هذا الدور ولو بشكل جزئي، في سبيل التخفيف من حجم تلك الانتهاكات، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
أما على الصعيد النقابي، فقد قامت مجموعة من الصحفيين بتشكيل لجنة تأسيسية لنقابة الصحفيين الليبيين مُكونة من صحفيين من مختلف المناطق، كما تنظم بعض المؤسسات دورات تدريبية على السلامة المهنية والسلامة الرقمية وغيرها، وتحاول مد يد العون لأولئك الصحفيين الذين تعرضوا لانتهاكات طالت حقوقهم القانونية، إلا أن تلك المجهودات تبقى محدودة في ظل ارتفاع وتيرة تلك الاعتداءات.
وفي ظل كل هذه الانتهاكات، يظل الوضع القانوني للصحفيين هشّاً للغاية، ويبقى الصحفيون الليبيون معرضين للاختطاف والمنع من العمل والاحتجاز بغير حق، طالما لا قوانين تحميهم، ولا بوادر رسمية تسعى لإنقاذهم من سطوة من يستغل غياب تلك التشريعات.