سوريا
بينما كان محمد المسكي ذو السنوات الثماني، يلهو أمام محل والده في منطقة سوق الحميدية قرب المسجد الأموي في العاصمة دمشق، سقط فجأة على الأرض من دون حراك، وثمة دماء سالت على جبينه. الأب أسعف الابن إلى أحد المشافي الحكومية، ظانّاً أن الأمر مجرد حادث صغير، وهو ما اعتقده الأطباء أيضاً، فقرروا على عجل وقف النزيف وإغلاق الجرح، لكن قلب الأم كان يهمس بشيء آخر، فالجزء السفلي من جسد ابنها كان مشلولاً، لهذا، رفضت إخراجه من المستشفى دون إخضاعه لصورة أشعة، وهنا كانت المفاجأة، فثمة رصاصة اخترقت الرأس الصغير واستقرت في جمجمته.
الرصاصة أطلقها مجهول في الأول من شهر كانون الثاني عام 2015، حيث شهد الصباح استمراراً لاحتفالات المبتهجين بالسنة الجديدة ممن اعتادوا توديع سنة واستقبال أخرى برصاصات في الهواء عشوائيّاً.
ورغم أن القانون السوري جرّم هذا الفعل منذ عقود، لكن حتى اليوم، لم يفلح في منعه، خصوصاً أن سوريا تعيش حالة من عدم الاستقرار بسبب الوضع الأمني في سوريا منذ عام 2011، وما تلا ذلك من حروب ونزاعات أدت كلها إلى مزيد من انتشار السلاح بين أيدي المواطنين والميليشيات، ما ضاعف من عمليات إطلاق النار وانعدام المحاسبة في نفس الوقت.
يقول المحامي رامي هاني الخير إن قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 تاريخ 1949، وتعديلاته المتلاحقة، حسم أمر استخدام السلاح بشكل عشوائي، فاعتبر بالمادة 312 أن "الاجتماع مسلح" إذا كان شخص أو أكثر يحملون أسلحة ظاهرة أو مخبأة أو مخفية، والعقوبة 6 أشهر إلى سنتين في حال كان السلاح مسدساً، أو قد تتراوح بين سنة إلى ثلاث سنوات إذا كان الفعل يتعلق بأسلحة أو ذخائر أو أعتدة حربية أو بقطع مفصولة، وذلك حسب المادة 315، كما يعاقب القانون بالحبس 6 أشهر على الأكثر كل من حمل سلاحاً أو ذخائر بدون ترخيص، وذلك بموجب المادة 314 من القانون نفسه.
ويتابع الخير أن "من يقوم بإطلاق الرصاص بشكل عشوائي يرتكب عدة جرائم أقلها إرهاب المواطنين، وتُشدد هذه الجريمة في حال أسفرت عن حدوث ضرر ما بالأملاك العامة والأملاك الخاصة"، كحال ريتا المقيمة بالقرب من حي جوبر في دمشق التي تعرضت سيارتها لطلق ناري خلال احتفالات رأس السنة عام 2015، لكنها لم تستفد من القانون، لأنها لم تعرف من أين جاءت الرصاصة ولا من أطلقها، واضطرت لتصليح سيارتها على نفقتها الخاصة.
وبالعودة للقانون، وحسب المحامي الخير: "في حال أسفرت هذه الظاهرة عن مقتل شخص، فنحن هنا أمام جريمة من نوع آخر، وهي جريمة القتل غير المقصود، التي تصل عقوبتها إلى السجن ثلاث سنوات، إذ تنص المادة 550 من قانون العقوبات على: "من سبب موت أحد عن إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة، عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات".
والعقوبة هنا كان يمكن أن تشمل من أصاب خالد في ليلة الاحتفال بالعام 2019، فبينما كان يقف الشاب مع أصدقائه في حي نهر عيشة في دمشق، للاحتفال بالعام الجديد، شعر بألم غريب في كتفه وكأن شخصاً ضربه، فسأل أصدقاءه من فعل هذا معه، وبعد دقائق، شعر ببرودة في كتفه، وبدأ الدم ينزف، وعلى الفور، نقله أصدقاؤه للمستشفى، وتمكن من النجاة، لأن الجرح الذي خلفته الرصاصة في كتفه كان سطحيّاً، وتحقيق الشرطة في وقت لاحق لم يجد جواباً، وجرى تصنيف الحادثة على أنها نتيجة "رصاص طائش ضد مجهول".
وحسب أرقام نشرتها وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، ففي مطلع عام 2021، تعرض 26 شخصاً للإصابة بالرصاص الطائش في عدد من المحافظات السورية، وتكرر الأمر نفسه في ليلة رأس السنة لعام 2022، إذ توفي شخص وأُصيب ثمانية آخرون في محافظة اللاذقية.
قصة الصغير محمد في ألمها، وغيره من الضحايا، لا تختلف كثيراً عن قصة علي النجدي، الشاب العشريني الوسيم، الذي ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بقصة وفاته عام 2019، حين خسر حياته بسبب رصاصة طائشة مجهولة المصدر استقرت في قلبه بعدما اخترقت كتفه الأيسر.
يخبرنا هادي النجدي ابن عم الفقيد، بأن الصدفة هي التي جمعت علي مع هادي ومجموعة من الأصدقاء لقضاء بعض الوقت في منطقة دمشق القديمة عند حجارة الكنيسة المريمية الأثرية، وهو مكان إقامة علي، وخلال وقوفهم، لاحظوا تغيّر لون علي ومن ثم تعرضه للإغماء، وبعدها، أدركوا إصابته برصاصة في كتفه. يقول هادي بحرقة: "الخميس 12 تموز 2019، تاريخ لا أنساه ولن أنساه، حينما حاولنا إسعافه، كان الأمر صعباً كثيراً، فليل الخميس في منطقة باب شرقي يشهد ازدحاماً عادة بسبب كثرة الإقبال على المنطقة ومطاعمها، ولا يوجد إلا طريق واحد للخروج من المنطقة، ولذلك، حين وصل علي للمستشفى، كان قد فارق الحياة"، يتابع هادي أن الخطوة الأصعب كانت إبلاغ عائلة علي بالأمر، فالصدمة كبيرة، ولم يتمكنوا حتى اليوم من الخروج منها.
التحقيقات يومها حصرت الاحتمالات برصاص أُطلق خلال حفل في قلعة دمشق، أو احتفالات بنتائج الثانوية العامة مصدرها منطقة دويلعة، ويشرح هادي بأن الشرطة عاينت المكان، وحققت مع الأشخاص الذين كانوا مع علي حينها، وفي النهاية، أُغلق الملف، والجواب: تسجيل الحادث ضد مجهول جديد.
علي توفي بسبب استقرار الرصاصة في القلب، وهي من الحالات الخطرة، ومحمد أيضاً خسر حياته لأن الرصاصة استقرت في الدماغ، ولم يكن من السهل إخراجها، والأطباء قالوا إنه يمكن التكيف معها، لكن وضع الصغير لم يتحسن واستمر بالتراجع، وما هي إلا ستة أيام، حتى فارق الحياة، حسب ما ذكرت والدته منى شبيب.
ويقول الدكتور أحمد نزار محمد، طبيب أذن وأنف وحنجرة ومؤسس منصة الصحة السورية (ميد دوز) إن 22% من المصابين بالرصاص تكون إصاباتهم قاتلة، كما أن 70% من المصابين هم من الذكور، وذلك حسب إحصائيات عدد من المشافي في السنوات العشر الأخيرة.
ويتابع الدكتور محمد أن الإصابات الأكثر خطورة تصيب المناطق المحورية في الجسم أو محور الخط الناصف، مثل الدماغ والوجه والرقبة ومنطقة الصدر ومنتصف البطن أو الإصابة في الطحال أو الكبد، وتكون السيطرة عليها عملية ليست بالسهلة، فكلما كانت أقرب للخط الناصف للجسم، كانت الإصابة أكبر.
المشكلة في ظاهرة الرصاص الطائش أن الضحية لا تعرف من أصابها، والجاني لا يعرف ماذا فعل، رغم علمه المسبق بأن سلاحه المُشهر في الهواء ستنتج عنه مقذوفات تعود بالتأكيد للأرض، فكل رصاصة تنطلق في الجو، لا بد أن تعود للسقوط، كما يوضح صلاح الدين الخطيب، وهو محامٍ وبطل دولي في الرماية، والرئيس السابق للاتحاد العربي السوري للرماية.
ويوضح بأنه عند إطلاق الرصاص بدون توجيه على هدف محدد، سيسقط المقذوف بشكل حر متجهاً للأرض، وتعتمد قوته على مركز الثقل وقانون الجاذبية الأرضية، وتختلف زاوية سقوطه حسب زاوية الفوهة، وهناك أسلحة يكون سقوط المقذوف فيها بعد كيلومتر أو كيلومترين أو ثلاثة كيلومترات، وهناك مقذوفات من مسدسات تنطلق حوالي 100-200 متر وتسقط بعدها.
وبرأي الخطيب، فإن أي زاوية تسديد عشوائي تُعتبر خطرة، ولا يمكن الاعتماد على زاوية محددة، ففي حالة الإطلاق خلال الفرح أو الحزن، لا يمكن القول إن من يمسك السلاح سيتمكن من الالتزام بزاوية محددة، ومن يصوب بزاوية 90 درجة بشكل عمودي، قد يصيب أحد الموجودين في التجمع حوله، ومن يُطلق بزاوية 45 درجة، فهذا يعني أنه سيتسبب بإصابة مباشرة لمن حوله. وعن المدى القاتل للأسلحة، ذكر الخطيب بعض الأسلحة مثل الكلاشينكوف المعروف سوريّاً بـ"الروسية"، يصل مداه القاتل حوالي ألف متر، والقناصات تصل لأكثر من 1400 متر، أما رصاص المسدسات من عيار 9 مليمتر و38 و45 أو 6 مليمتر، فيمكن أن يصل مداها بين مئة ومئتي متر.
وبعيداً عن الاحتفالات والمناسبات، قد يكون الحظ العاثر من نصيب شخص بريء لا ذنب له مر بالصدفة في منطقة تشهد خلافاً استخدم خلاله المتشاجرون السلاح، وهو ما حدث مع طفل صغير في السويداء.
ففي عام 2005 بتاريخ 25 آب الساعة السادسة مساء، حدث شجار بين عائلتين تسكنان بجوار منزل غسان أبو طافش في السويداء. خرجت زوجته وبعض الجيران لمتابعة ما يحدث، ومن بين المشاركين كان ابنه الصغير ذو السنوات السبع، وبعدما كان الشجار تلاسناً بالكلام وتشابكاً بالأيدي، تطور إلى إطلاق نار، ما أدى إلى إصابة اثنين من المتشاجرين، واستقرت رصاصة ثالثة في ظهر الصغير الذي كان يبعد حوالي أربعين متراً عن المتشاجرين.
يقول أبو طافش إن الرصاصة تسببت بنزيف داخلي وقطع الوريد الذي يغذي القلب، ولم يقف النزيف رغم إسعاف الطفل، ليفارق الحياة في المستشفى، مخلفاً صدمة كبيرة لوالديه اللذين لم يرزقا إلا بمولود واحد.
القضية سجلت على اعتبارها "قضاء وقدراً" نتيجة تدخل وجهاء المحافظة، لأن عائلة الطفل لم تكن طرفاً في الشجار، وتم إيقاف القاتل حسب مجريات اتخاذ العدالة مجراها وفق بند الحق العام، ثم خرج من السجن، لأن الصلح تم عشائريّاً ودُفعت الدية.
جرح السيدة منى وعائلتها لم يلتئم حتى اليوم، والأمر ذاته ينطبق على عائلة علي النجدي وغيرهما الكثير من الضحايا، فهؤلاء رحلوا تاركين لأسرهم الحسرة والحزن، وضبطاً للشرطة يُغلق بكلمة "ضد مجهول"، لعدم القدرة على تحديد جهة إطلاق النار، رغم أن القانون -حسب المحامي الخير- يُحتم على السلطات المختصة تقصي الجريمة الحاصلة وتنظيم ضبط أصولي بما حدث، وتحويل هذا الضبط للنائب العام الذي يأمر بالتوسع بالتحقيق والتقصي، ويجب على قوى الأمن الداخلي أخذ إفادات الشهود على الحادثة وصولاً للجاني الذي اقترف الجريمة".
لا شك أن الأوضاع غير الطبيعية التي خلفتها الحرب في سوريا تلقي بظلالها على عمل مؤسسات الأمن في سوريا، ولكنه، وطالما بقي الجناة خارج أسوار السجن، وطالما بقيت غالبية القصص تنتهي بكلمة جريمة مسجلة "ضد مجهول"، ستبقى أرواح العشرات من السوريين مهددة بأن تكون رخيصة، ثمنها رصاصة يطلقها مُحتفل أو شخص حزين يُشيّع ضحية من معارفه.