لاعبون إسرائيليون من نادي إيروني أرييل لكرة القدم يحضرون حصة تدريبية في ملعبهم في مستوطنة أرييل الإسرائيلية غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلة في 21 أيلول/سبتمبر 2016 (جاك غيز/وكالة فرانس برس)
المصدر: AFP
يرتدي قفازاته، يشد أربطة حذائه، ويتجه نحو المرمى متأهباً لصد أي هجمة. لكن الهجمات لم تأتِ هذه المرة من داخل المستطيل الأخضر.
يضج المكان بدوي الانفجارات، وتمطر السماء قنابل مسيلة للدموع. تنتشر رائحة خانقة في أرجاء الملعب؛ فيسعل "العاصي"، وتفيض عيناه بالدموع، فيما تنطفئ الأضواء الكاشفة واحدة تلو الأخرى. فجأة يتحول ميدان اللعب إلى ساحة معركة، تحاصره قوات إسرائيلية مدججة بالسلاح.
بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أصبح تدريب حارس مرمى المنتخب الفلسطيني للشباب، مهدى العاصي، معركة يومية يخوضها ضد الحواجز، والاقتحامات، وتضييق الحركة. يقول عن ذلك: "أكثر من مرة كنت أطلع قبل التمرين بثلاث أو أربع ساعات، وفي النهاية يرجعونا من الحاجز من دون سبب".
على بعد كيلومترات من موقع العاصي، تتوهج أضواء ملعب كرة قدم داخل مستوطنة جفعات زئيف الإسرائيلية، المقامة على أراضٍ في بلدة بيتونيا بالضفة الغربية. هناك، يخوض فريق بيتار جفعات زئيف، تدريباته بحرية على أرض يُصنفها القانون الدولي أرضاً فلسطينية محتلة.
اضغط لمزيد من التفاصيل
يكشف هذا التحقيق عن إجراء توسعات في أندية المستوطنات، في سنوات ما بعد الحرب على غزة. كما يوضح استفادة الفيفا من بث مباريات من داخل هذه المستوطنات. ورغم أن الاتحاد الأوروبي أعلن التزامه بالقانون الدولي، الذي ينص على أن إنشاء المستوطنات غير قانوني، يخالف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) القانون الدولي بتقديم الدعم المالي للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، الذي تحت مظلته تشارك فرق المستوطنات في البطولات المحلية، في حين يواجه الفلسطينيون على بُعد كيلومترات قليلة إغلاقاً للمرافق الرياضية، وقيوداً على رياضتهم، بالإضافة إلى هدم الملاعب.
يصف العاصي كيف تحولت التنقلات الاعتيادية بين المدن الفلسطينية إلى رحلة استنزاف وإذلال بسبب الحواجز العسكرية الإسرائيلية. ولا تقتصر المعاناة على التأخير والمنع، بل تمتد، وفق شهادته، إلى استهداف الأنشطة الرياضية نفسها، عبر اقتحام القوات الإسرائيلية للملاعب.
تعرضت 292 منشأة رياضية إلى التدمير الكلي أو الجزئي في الضفة الغربية وقطاع غزة، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بحسب البيانات التي حصلنا عليها من الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم.
ومنذ ذلك التاريخ، أعلن الاتحاد الفلسطيني تعليق الدوري. تقول سوزان شلبي، نائبة رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم: "أصبح من الخطر بمكان أن يُنظم الدوري؛ فالحواجز تزداد، والبوابات الإلكترونية تغلق المدن وتحجز السكان داخلها".
وتضيف أن جدولة المباريات أصبحت شبه مستحيلة: "لا نستطيع جدولة الدوري؛ فيمكن أن تغلق البوابات في موعد للمباراة، ما يؤدي إلى إلغائها".
ومنذ ذلك التاريخ، أعلن الاتحاد الفلسطيني تعليق الدوري. تقول سوزان شلبي، نائب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم: "أصبح من الخطر بمكان أن ينظم الدوري؛ فالحواجز تزداد، والبوابات الإلكترونية تغلق المدن وتحجز السكان داخلها".
وتشرح أن جدولة المباريات أصبحت شبه مستحيلة: "لا نستطيع جدولة الدوري؛ فيمكن أن تغلق البوابات في موعد للمباراة، ما يؤدي إلى إلغائها".
فلسبورت_اصابة العشرات بالاختناق جراء إلقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي قنابل الغاز على ملعب فيصل الحسيني
المنشآت: تدمير كلي، تدمير جزئي، تهديد بالهدم، اقتحام
مصدر البيانات: الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم
عقب إلغاء الدوري، لم يعد العاصي قادراً على التدريب المنتظم، فلجأ إلى مدرب خاص، يقول: "بسبب الحرب لا تقام أي مباريات في الوقت الحالي. والمباريات هي العامل الأساسي لتطور لاعب الكرة، لذا أتدرب مع مدرب خاص".
ويفرض عليه ذلك عبئاً مادياً إضافياً، لكنّه يصر على تحمله من أجل استمراره في ممارسة الرياضة؛ أملاً في رفع علم بلاده في المحافل الدولية.
وبينما يواجه لاعبو كرة القدم الفلسطينية صعوبات جمة، تواصل أندية المستوطنات توسيع أنشطتها، وتطوير ملاعبها، مستفيدة من دعم يقدمه الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا".
أُسّست مستوطنة "أرئيل" الإسرائيلية في آب/أغسطس 1978، متمددةً على أراضٍ صادرها الاحتلال من مواطنين فلسطينيين في محافظة سلفيت بالضفة الغربية المحتلة؛ تحديداً ضمن نطاق أراضي بلدات سلفيت، وإسكاكا، ومردة، وكفل حارس.
وفي سياق تكثيف التوسع الاستيطاني وترسيخ البنية التحتية، أعلن رئيس بلدية المستوطنة، يائير شطبون، في عام 2025، عن إطلاق خطة ممتدة تضمنت تخصيص ميزانية ضخمة لتطوير القطاع الرياضي، وشملت إنشاء ملعب جديد في شارع "إفراته/إفراتا"، إلى جانب التوسع في إنشاء مزيد من ملاعب كرة القدم والمنشآت الرياضية في مختلف أنحاء المستوطنة.
رئيس بلدية المستوطنة، يائير شطبون يعلن إطلاق خطة لتطوير القطاع الرياضي في المستوطنة.
رئيس البلدية: سكان اريئيل الأعزاء، نحن نتواجد الآن في شارع "افراتا" بملعب كرة القدم الصناعي الجديد. نحن نبني الآن مشروعاً كان متوقفاً، لكننا خصصنا قبل شهرين ميزانية ضخمة لنستطيع أن ننفذ هذا المشروع لصالح سكان اريئيل.
المشروع مذهل وجميل وهو فقط جزء من "مشروع ضخم" من ملاعب كرة القدم، ملاعب الرياضة وحدائق للعب. اعلموا أننا نطمح الى تحقيق ذلك في كل مكان وسنصل تدريجياً الى جميع أنحاء المدينة. نُشرف على العمل عن قُرب لنتأكد أننا ملتزمين بالوقت النهائي للانتهاء، يجب أن نكون في الميدان؛ لكي نرى تنفيذ المشروع.
كما أعلن رئيس البلدية إطلاق مشروع آخر لتحديث الملعب الرئيسي لنادي إيروني أرئيل، يشمل تغيير أرضيته بعشب صناعي مطابق لمعايير الفيفا.
رئيس بلدية المستوطنة، يائير شطبون يعلن إطلاق خطة لتطوير القطاع الرياضي في المستوطنة.
كل شيء يبدأ بالأحلام، ولكن الأحلام تحتاج أيضاً إلى الإصغاء إليها. يسعدنا أن نعلن عن تحقيق حلم حقيقي آخر.
نائبة رئيس البلدية "إيلا ڤينر": في نهاية هذا الموسم، سنقوم بتحديث هذا الملعب الذي تم إهماله لسنوات، واستبدال العشب الطبيعي بالعشب الصناعي على أعلى مستوى، وفقًا لمعايير الفيفا.
رئيس البلدية: نعم على مستوى الفيفا، وباستثمار بملايين الشواقل، سنواصل الحلم والتنفيذ من أجلكم، سكان أريئيل. بالتوفيق!
اضغط/ي على الزر لتصفح معلومات النادي
وتنص المادة 49، الفقرة السادسة، من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب على أنه: "لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها".
وانتقد تقرير صادر عن "هيومن رايتس ووتش" عام 2016، تمويل الفيفا لمباريات تقام داخل المستوطنات، نظراً لكونها "غير قانونية بموجب القانون الدولي الإنساني".
وبحسب سوزان شلبي، نائبة رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، تعود قضية أندية المستوطنات إلى عام 2013، حين كانت عناوينها منشورة على الموقع الرسمي للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، قبل أن تُزال لاحقاً مع تزايد الاهتمام الدولي بالقضية. تقول: "لم يتخذ الفيفا أي موقف تجاه هذه الأندية، ما أدى إلى زيادة عددها من خمسة أندية إلى ما يقارب تسعة أندية الآن".
وتضيف: "الفيفا بتحكي لك أرجع للأمم المتحدة، الأمم المتحدة شو بتحكي؟ تقول هذه أراضٍ محتلة".
رسالة المرشح السابق لرئاسة الفيفا طوكيو سيكسويل يستعرض فيها خيارات موقف الفيفا إزاء أندية المستوطنات
ولم يقتصر موقف الفيفا على الصمت تجاه أندية المستوطنات؛ بل امتد لبث مباريات أُقيمت داخلها.
تُظهر الأدلة الرقمية أن منصة "الفيفا بلاس"، التابعة للفيفا، بثت وأرشفت ثلاث مباريات على الأقل من ملعب هار حوما، الكائن في القدس الشرقية المحتلة، ثم نقلت روابط المباريات إلى منصة DAZN، في وقت كان ملف أندية المستوطنات قيد الطعن أمام محكمة التحكيم الرياضية.
وتتضمن صفحة الدوري الإسرائيلي لكرة القدم للشباب، على منصة "الفيفا بلاس"، إعادات لمباريات خاضها فريق نورديا يورالزيم على ملعب هار حوما في القدس المحتلة. كما تعرض صفحة الاتحاد الإسرائيلي على المنصة مباريات مباشرة وأخرى معادة من مسابقاته؛ من بينها مباريات أُقيمت على الملعب ذاته.
ونشر موقع "Inside World Football" في الأول من حزيران/يونيو 2026، أن منصة "الفيفا بلاس"، بعد أن بثت وأرشفت مباريات من مستوطنة هار حوما، أحالت روابطها على منصة DAZN.
وتبدو العلاقة بين المنصتين وثيقة؛ إذ تؤكد DAZN أنها تتيح محتوى منصة "الفيفا بلاس" للمشاهدة عند الطلب. كما تصف نفسها بأنها "البيت الجديد للفيفا بلاس".
وبحسب تقرير مجموعة المناصرة Scottish Sport for Palestine، تُحقق منصة "الفيفا بلس" عوائد مالية من خلال الإعلانات والرعاية، بالإضافة إلى التوسع التجاري، وزيادة قاعدة جمهورها. وبناء على ذلك، قد تسهم المباريات التي تبثها المنصة، بما فيها تلك الخاصة بالأندية المرتبطة بالمستوطنات، في تحقيق إيرادات لـ"الفيفا"، الذي يوفر في المقابل منصة لعرض مباريات هذه الأندية ولاعبيها.
تُظهر ميزانيات الفيفا نمطاً واضحاً من الدمج المالي الشامل، يحول من دون تتبع الإيرادات التي تحققها منصاته الرقمية؛ إذ تُدرج عوائد البث الرقمي ضمن بنود مالية مجمعة في الميزانية الكلية للاتحاد، التي تقترب من 13 مليار دولار خلال الدورة المالية الحالية (2023 - 2026).
وتشير الميزانية إلى أن إيرادات البث التلفزيوني وحدها بلغت ثلاثة مليارات و92 مليون دولار من مباريات عام 2026.
يقع ملعب هار حوما، الذي أقيمت عليه المباريات التي بُثت على "الفيفا بلس"، في حي حومات شموئيل خلف الخط الأخضر؛ أي خارج حدود عام 1948، وتحديداً في الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل بعد حرب عام 1967.
وتقع منطقة هار حوما، المعروفة تاريخياً بجبل أبو غنيم، في القدس الشرقية؛ وهي جزء من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وبالتالي تُعدّ المستوطنة والمنشآت المقامة عليها غير قانونية، بموجب القانون الدولي.
ومن بين الأندية التى تخوض مبارياتها على ملعب هار حوما، الذي بثت منه منصة "الفيفا بلس" عدة مباريات، هو النادي الرياضي القدس، الذي أسّسه عام 2019، الملياردير لورانت ليفي (فرنسي-إسرائيلي الجنسية)، مالك مجموعة "أوبتيكال سنتر"؛ إحدى أكبر سلاسل متاجر بيع النظارات والسمعيات والطب البصري، ولها مئات الفروع في أوروبا وكندا وإسرائيل.
وصفت منظمات حقوقية وإعلامية ليفي بأنه "صهيوني متطرف" يتبنى رؤية "إسرائيل الكبرى"، التي تنفي الحق الفلسطيني في الوجود.
وخلال الحرب على غزة، أرسل ليفي بصفته المالك الوحيد لـ"أوبتيكال سنتر" نظارات وعدسات لاصقة مجاناً لجنود الجيش الإسرائيلي المنتشرين في غزة.
واتهم نواب في البرلمانين الأوروبي والفرنسي، ينتمون لتيار "فرنسا الأبية"، الشركة بالإسهام المباشر في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية، عبر توفير التجهيزات البصرية للجنود.
في آذار/مارس 2026، أصدرت لجنة الانضباط في الفيفا قراراً بشأن الشكوى التي تقدم بها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، خلال مؤتمر الفيفا الـ74، المنعقد في أيار/مايو 2024، اعتراضاً على مشاركة أندية المستوطنات في الدوري الإسرائيلي.
تضمن القرار رفض اتخاذ أي إجراءات بحق أندية المستوطنات؛ نظراً لما وصفه بـ"الوضع القانوني غير المحسوم للضفة الغربية، بموجب القانون الدولي العام".
في المقابل، غرّمت لجنة الانضباط الاتحاد الإسرائيلي 150 ألف فرنك سويسري (190 ألف دولار أميركي)، بعد أن خلصت إلى إدانته "بارتكاب انتهاكات جسيمة ومنهجية؛ تتعلق بالتمييز والعنصرية، وتسامحه مع رسائل مسيسة وعسكرية، وإقصاء الفلسطينيين من البنية التحتية الرياضية في الضفة الغربية".
يقول ستيف كوكبيرن، رئيس برنامج العدالة الاقتصادية والاجتماعية في منظمة العفو الدولية، رداً على إعلان الفيفا رفضه اتخاذ إجراء ضد الأندية التي تتخذ من المستوطنات الإسرائيلية مقراً لها: "تقاعس عن فرض قواعد الفيفا الخاصة، كما أن القرار ينتهك القانون الدولي بشكل صارخ. كانت لدى الفيفا فرصة واضحة للدفاع عن حقوق الفلسطينيين والالتزام بالقانون الدولي، غير أنه باتخاذه هذا القرار، اختار بشكل معيب أن يتخلى عن كليهما".
ويضيف: "أعلنت محكمة العدل الدولية، بوضوح تام، أن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية غير مشروع، وأن المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية".
كما أرسلت منظمة العفو الدولية رسالة إلى الفيفا واليويفا، بتاريخ الأول من تشرين أول/أكتوبر 2025، تدعوهما إلى تعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم في بطولاتهما، إلى حين استبعاد الأندية التي تتخذ من المستوطنات غير القانونية، داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، مقراً لها من المشاركة في الدوريات الإسرائيلية لكرة القدم.
رسالة منظمة العفو الدولية لكل من الفيفا واليويفا لتجميد عضوية اتحاد الكرة الإسرائيلي
يقول عمر شاكر، مسؤول ملف الأراضي المحتلة وإسرائيل بـ"هيومان رايتس ووتش": "إن ملكية بعض هذه الأراضي المُقامة عليها الملاعب ترجع إلى عائلات لديها لاعبون لا يستطيعون الوصول إليها واللعب عليها".
يشير شاكر إلى أن لوائح الفيفا واضحة: "لا يمكنك لعب مباريات على أراضي أي دولة عضوة، من دون الحصول على إذن صريح منها".
عن مشاركة أندية المستوطنات في الدوري الإسرائيلي، يرى ساجد كراكرة، مدرب منتخب فلسطين تحت 20 عاماً، ذلك جزءاً من سياسة أوسع، قائلاً: "مشاركة الفرق الرياضية تهدف إلى تقوية ودعم المستوطنات".
على النقيض من وضع المستوطنات، يستنكر كراكرة الشلل التام الذي أصاب المنظومة الرياضية في الضفة الغربية، موضحاً أن المقارنة بين واقع اللعبة قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما بعده، تعكس استراتيجية غير معلنة لتقويض النشاط الكروي المحلي، وتجريد اللاعب الفلسطيني من جاهزيته البدنية والفنية.
ويضيف أنه قبل اندلاع الحرب، ورغم القيود التي فرضها الاحتلال، كان النشاط الرياضي يسير بانتظام بنسبة تراوحت بين 70 و80 في المئة؛ إذ نجح الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، تحت مظلة الاتحادين الآسيوي والدولي، في إدارة دوري منتظم.
لم يقتصر الأمر على ملاعب كرة القدم، بل توصلنا خلال التحقيق إلى حدوث توسعات في البنية التحتية الرياضية في المستوطنات؛ نتيجة لمشروعات تدعمها مؤسسة "ميفال هبايس" (اليانصيب الوطني الإسرائيلي).
ويضم مجلس إدارة "ميفال هبايس" شخصيات مركزية مرتبطة مباشرة أو بشكل غير مباشر بمشروع الاستيطان؛ من بينهم رؤساء بلديات، وقيادات محسوبة على حزب الليكود، ومجالس المستوطنات.
ويبرز في مقدمتهم إيتسيك لاري، الرئيس الحالي لـ"ميفال هابايس"، والرئيس التنفيذي السابق لـ"التوتو"؛ الهيئة المسؤولة عن المراهنات الرياضية في إسرائيل.
ويشارك أعضاء بارزون في إدارة المؤسسة؛ مثل رئيس بلدية موديعين مكابيم ريعوت، حاييم بيباس وبنيامين بيتون.
كما تُعلن مؤسسة "ميفال هبايس" رسمياً أنها مملوكة للسلطات المحلية، وتُظهر صفحة الحوكمة الخاصة بها أن شخصيات من الحكومة المحلية تشغل مناصب في هيكلها الإداري، وأن رئيس بلدية مدينة معاليه أدوميم، بيني كشريل، كان عضواً في مجلس إدارتها.
وتُظهر بيانات منشورة على موقع مؤسسة "ميفال هبايس" أن نحو 46 في المئة من أرباح اليانصيب تُحوَّل مباشرة إلى السلطات المحلية، من دون تمييز بين السلطات الواقعة داخل إسرائيل وتلك القائمة في المستوطنات. كما تستثمر المؤسسة 51 في المئة من أرباحها في بناء المنشآت الرياضية وتطويرها.
ومن أبرز المشروعات التي مولها "ميفال هبايس"؛ افتتاح مجمع سببأ الرياضي (Sababa Sports Center) في مستوطنة إفرات. ويتضمن المجمع مسبحاً شبه أولمبي بتمويل جزئي من اليانصيب.
بحسب الإعلان الرسمي الصادر عن "ميفال هبايس"، افتُتح المركز في 14 كانون الثاني/يناير 2026، ضمن شراكة صريحة مع مجلس مستوطنة إفرات.
تشير البيانات الرسمية إلى أن المشروع حصل على 15 مليون و700 ألف شيكل (خمسة ملايين و234 ألف دولار أميركي) استثماراً مباشراً من "ميفال هبايس" في البنية التحتية الرياضية، وثلاثة ملايين شيكل (نحو مليون دولار) إضافية منحة مخصصة لتغطية العجز ودعم تشغيل المركز، وفق محاضر مجلس إفرات الصادرة في شباط/فبراير 2026.
تتجاوز وظيفة مركز "سَبَبّأ" الرياضي في مستوطنة إفرات كونه منشأة ترفيهية محلية، ليتحول إلى حلقة وصل استراتيجية لربط الأنشطة المقامة في المستوطنات بالمنظمات الدولية؛ إذ إن اللوتو الإسرائيلي عضو في اللوتو الأوروبي والدولي، وهو ما يجعله ملتزماً بالمعايير الدولية.
تموّل منشآت رياضية في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية عبر منظومة تمويل تبدأ من أموال اليانصيب والمراهنات التي يدفعها المواطنون في إسرائيل.
شراء تذاكر اليانصيب
المراهنات الرياضية
اليانصيب الوطني الإسرائيلي منذ عام 1951. تخصيص جزء كبير من الأرباح لدعم المجتمع من خلال تمويل المشاريع العامة، بما في ذلك البنية التحتية الرياضية والثقافية والتعليمية.
وزارة الثقافة والرياضة الإسرائيلية
السلطات المحلية والمجالس الإقليمية (بما في ذلك المستوطنات)
شركاء إضافيون (أحياناً) مثل: جهات مانحة أخرى
بعض هذه المنشآت تقع داخل
المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة
تستخدمها الأندية الرياضية المحلية في التدريبات والمباريات الرسمية
تشارك هذه الأندية في مسابقات ينظمها الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم (IFA)
بعض المباريات تدخل ضمن منظومة المنافسات المعترف بها من قبل FIFA أو ترتبط ببرامج ودعم UEFA بشكل غير مباشر
المصادر الرئيسية: مفعال هبايس | Toto | وزارة الثقافة والرياضة الإسرائيلية | تقارير الكنيست ومراقب الدولة | مواقع البلديات والمجالس الإقليمية
وتشارك الأندية الرياضية، الواقعة في المستوطنات في الدوري الإسرائيلي، فيما تُظهر عناوينها الرسمية أنها تقع داخل أراضٍ فلسطينية محتلة. ورغم ذلك، يواصل الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، بصفته عضواً في "الفيفا" و"يويفا"، تلقي تمويل منهما لتطوير اللعبة.
يذكر تقرير "هيومان رايتس ووتش"، الصادر عام 2016، أن السجلات المالية للفيفا واليويفا تظهر أنهما حوّلا في السنوات الأخيرة ملايين الشواكل سنوياً إلى الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، وذلك في إطار علاقة مالية متبادلة؛ إذ يحصل الفيفا واليويفا على عائدات من المباريات الإقليمية والدولية التي تُشارك فيها الفرق الإسرائيلية.
كما يذكر التقرير أنه من خلال السماح للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بإقامة مباريات داخل المستوطنات، فإن الفيفا يمارس نشاطاً تجارياً يدعم المستوطنات الإسرائيلية، وهو ما يتعارض مع التزامات حقوق الإنسان التي أكدها أخيراً.
وبحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية، صادر في آذار/مارس 2026، قدّم كل من الفيفا واليويفا تمويلاً للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، استمر حتى بعد الحرب على غزة عام 2023.
ويُعدّ برنامج هاتريك (HatTrick)، أحد أبرز برامج الدعم التي استفاد منها الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم؛ إذ يُعيد البرنامج توزيع أكثر من نصف صافي إيرادات بطولات كأس الأمم الأوروبية على الاتحادات الوطنية الأعضاء؛ لدعم تطوير اللعبة على مختلف المستويات.
ويُقسم التمويل إلى ثلاثة مسارات: تمويل استثماري، يُقدم دفعة لمرة واحدة تصل إلى خمسة ملايين يورو لكل اتحاد للمشروعات الاستراتيجية، ومدفوعات تضامنية سنوية تبلغ نحو مليون يورو في السنة، لتغطية تكاليف تشغيل الاتحاد الوطني، وحوافز سنوية إضافية تصل إلى مليوني يورو سنوياً، لتحفيز تنفيذ برامج اليويفا في عدة مجالات؛ منها: تطوير البرامج الرياضية النسائية والتدريب، وتطوير الحكام، وبرامج الناشئين والحوكمة.
ولا يُدفع التمويل مباشرة للأندية أو للمشروعات المحلية، إنما يُمنح للجمعيات الوطنية الأعضاء -مثل اتحاد كرة القدم الإسرائيلي- لتمويل المشروعات الرياضية.
في السنوات الأخيرة، أسهم هذا التمويل في تحديث أكثر من 60 في المئة من ملاعب كرة القدم الوطنية في أوروبا، وتمويل أكثر من ألف ملعب لكرة القدم، وثلاثة آلاف ملعب مصغر، وتمويل المئات من مشروعات تنمية كرة القدم النسائية وشبكات التدريب الشبابي.
وبلغ إجمالي المخصصات والتمويلات المقدمة من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ضمن برنامج هاتريك للاتحاد الإسرائيلي 17 مليون يورو (17 مليون و300 ألف دولار)، ما بين عامي 2024 و2028، بزيادة بلغت 21 في المئة عن الدورة السابقة. ويحصل كل اتحاد وطني عضو في "يويفا" على المبلغ ذاته.
وفيما يخص التمويل المباشر، موّلت مؤسسة يويفا للأطفال، التي يرأسها رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ألكسندر تشيفرين، مشروع "دوري الأحياء"، الذي ينفذه نادي هبوعيل (كتامون) القدس أو جمعية مشجعيه كتامون معادون أوهاديم.
ووفقاً لموقع يويفا للأطفال، قدمت المؤسسة نحو 320 ألف يورو (نحو ثلاثمئة و70 ألف دولار) للمشروع بين عامي 2020 و2023، في حين كانت تُقام مباريات لنادي هبوعيل داخل مستوطنات إسرائيلية حتى عام 2025، كما أن الجمعية المستفيدة من التمويل مسجلة في عنوان داخل مستوطنة هار أدار.
ولا يقتصر الأمر على التمويل الأوروبي؛ فأعضاء اليويفا من الاتحادات سبق أن تعاونوا مع أندية المستوطنات؛ ففي مارس/آذار 2023، استقبلت مؤسسات كروية إسبانية، بحضور الاتحاد الإسباني، وفداً من نادي بيتار معاليه أدوميم، الذي يتخذ من مستوطنة معاليه أدوميم المقامة في الضفة الغربية المحتلة مقراً له.
شمل البرنامج زيارة إلى مقر رابطة الدوري الإسباني، وجولة داخل مرافق نادي أتلتيكو مدريد، إلى جانب زيارات لعدد من الأندية والمؤسسات الرياضية الإسبانية؛ بينها خيتافي ومؤسسة رايو فايكانو.
وبحسب تصريحات لمديرة النادي، اوسنات كادوري، كان وفد النادي ضيفاً على أتلتيكو مدريد، كما رافقت إدارة الاتحاد الإسباني "لا ليغا"، الوفد طوال الزيارة.
بحسب مجموعة المناصرة الاسكتلندية، تعكس هذه الزيارة اندماج نادٍ ينشط داخل مستوطنة إسرائيلية في أنشطة ومؤسسات كرة القدم الأوروبية، رغم موقعه في أرض محتلة، بموجب القانون الدولي.
على النقيض من موقفها من ملاعب وأندية المستوطنات، تحركت الفيفا واليويفا لتعليق مشاركة الأندية الروسية؛ عندما غزت روسيا أوكرانيا عام 2022، وهو ما يفسره البروفيسور مايكل لينك، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، بـ"المعايير المزدوجة"، مضيفاً: "لا يوجد فرق جوهري بين الغزو الروسي غير الشرعي، وسعي إسرائيل المستمر منذ 58 عاماً لاحتلال وضم الأراضي الفلسطينية".
مرّر للأسفل لعرض صفوف المقارنة
وعلى نقيض موقفها الداعم لملاعب وأندية المستوطنات، تؤكد مفوضية الاتحاد الأوروبي أن المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتشكل عقبة رئيسة أمام السلام وحل الدولتين.
وتلتزم دول الاتحاد بعدم الاعتراف بأي تغييرات تطرأ على حدود عام 1967، بما فيها القدس، وتطبق سياسة "لا اتفاقيات"؛ لضمان عدم سريان اتفاقياتها الثنائية مع إسرائيل على المستوطنات.
يقول البروفيسور مايكل لينك، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية: "بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة يدخل في إطار جرائم حرب".
ويشير إلى أن هذا التوصيف يستند إلى نظام روما الأساسي لعام 1998، الذي وقعت عليه 125 دولة، وإلى قرارات متكررة صادرة عن مجلس الأمن، والجمعية العامة، ومجلس حقوق الإنسان.
انطلاقاً من هذه القاعدة، يتحدث لينك عن أندية كرة القدم المقامة داخل تلك المستوطنات، قائلاً: "هي أيضاً امتداد لهذا العمل غير القانوني بموجب القانون الدولي، بل وغير قانوني حتى بموجب لوائح الفيفا نفسها".
كما تُبرز المناقشات الرسمية في البرلمان الأيرلندي تصاعد الضغوط السياسية والتشريعية الرامية إلى مساءلة الهيئات الرياضية الدولية، جراء تمويل الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم؛ إذ شهدت الجلسة البرلمانية المنعقدة في التاسع من حزيران/يونيو 2026 نقاشات برلمانية مكثفة، وأسئلة موجهة للحكومة.
وطالب النواب بتعليق العضوية الرياضية الدولية لإسرائيل؛ بسبب استمرار انتهاكاتها، ووجود ما لا يقل عن عشرة أندية إسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
أحد أكثر مبررات الجهات الرياضية الدولية هو أن "الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة". يرفض لينك هذا الطرح بشكل قاطع، قائلاً: "الرياضة أعمال تجارية ضخمة".
ويؤكد أن التزام الرياضة بالقانون الدولي ضرورة: "إن القول بأن الرياضة منفصلة عن السياسة لا يتوافق مع تاريخ الرياضة على مدى السنوات الـ 45 الماضية".
كما يذكر الدكتور جيمس دورسي، الباحث في سياسات كرة القدم الدولية، أن فصل الرياضة عن السياسة مبدأ خاطئ؛ فهما في الواقع "توأمان ملتصقان ببعضهما بعضاً".
ويدحض الدكتور مارك دوجدج، الأكاديمي والباحث البارز في علم اجتماع الرياضة، مبدأ الحياد الذي يكرره الفيفا واليويفا عند مواجهة قضايا سياسية، قائلاً: "إن الحياد ليس حياداً أبداً. إنه دائماً ما يتماشى مع النهج السائد للأقوياء".
تواصلت "أريج" مع كل من الفيفا واليويفا للحصول على تعليق بشأن استمرار دعم اتحاد الكرة الإسرائيلي، رغم توسع أندية إسرائيلية في المستوطنات غير القانونية، لكنّنا لم نتلقَّ أي رد من الطرفين، حتى تاريخ نشر التحقيق.
بعض المشروعات الرياضية التي انطلقت ما بين 2023 و31 تموز/يوليو 2026. رتبت المعلومات بحسب المستوطنة أو المجلس المحلي، وصنفت كالتالي:
تتضمن قائمة وزارة الثقافة والرياضة 15 موافقة مرتبطة بالمستوطنات والمجالس الإقليمية محل البحث، بإجمالي دعم قدره نحو ستة ملايين شيكل (مليوني دولار)، وتكلفة نشاط مؤهلة قدرها نحو ثمانية ملايين شيكل (2.67 مليون دولار). وحددت الوزارة 31 كانون الأول/ديسمبر 2026 نهاية لصلاحية التنفيذ.
لا يبدو أن هناك حدوداً لتوسعات ملاعب المستوطنات؛ ففي خطوة تعزز سياسات الضم والتوسع، صادقت الحكومة الإسرائيلية بين كانون الأول/ديسمبر 2025 وشباط/فبراير 2026 على إنشاء ممر يربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس الشرقية؛ وهي المنطقة التي تحتضن ثلاثة أندية في المستوطنات تابعة للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم؛ نادي بيتار معاليه أدوميم، وبيتار جفعات زئيف، ويروني يهودا.
يأتي هذا المخطط ليعكس توجهاً سياسياً، أكده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالإشارة إلى أن توسيع "معاليه أدوميم" يرسخ قناعته بأنه "لن تقوم دولة فلسطينية على الإطلاق".
يؤكد حارس مرمى منتخب فلسطين، مهدي العاصي، أنه يحاول قدر المستطاع ألا تسمح له الصعوبات بالتراجع، مواصلاً تدريباته اليومية رغم كل شيء: "بحاول أتمرن وأتعب، برغم الظروف"، مضيفاً "صعب عليهم يوقفوا في طريقنا".
من المدرجات، قد تبدو جميع الملاعب متشابهة: عشب، ومرميان، وخطوط بيضاء. لكن في هذه القصة، لم يكن موقع الملعب تفصيلاً عابراً.
خلف كل مباراة سلسلة من القرارات: مَن سمح بتسجيل النادي؟ مَن موّل المنشأة؟ مَن نظم المسابقة؟ مَن نشر النتيجة أو نقل الصورة؟ ومَن اختار ألا يسأل أين أُقيمت المباراة؟
أنتج هذا التحقيق بالشراكة بين أريج و Bridges Investigations