ARIJ Logo
06/03/2022

جميل الجعـدبي

على ربوة مطلّة غرب العاصمة اليمنية صنعاء يرقد 60 خبيراً صينيا تحت ثرى اليمن، قضوا نحبهم بعيداً عن وطنهم في ظروف مناخية قاسية، أثناء تعبيد أول طريق أنشأته الصين في اليمن، مطلع ستينيات القرن العشرين.

الطريق الممتد بطول 231 كيلومتراً، أنجز خلال الفترة من شباط/ فبراير 1959 حتى كانون الثاني/ يناير1962 مثّل شريان حياة لمعظم سكان المحافظات الشمالية وربطهم بميناء الحديدة. لكن هذا الطريق بقي عُرضة لعوامل التعرية والصيانة الإسعافية، والحرب وآثارها، وعوامل أخرى كالأوزان الزائدة لشاحنات نقل البضائع، والتي تكاد تجهز على البقيّة الباقية منه.

ساهمت مشكلة الأوزان الزائدة في تدمير أجزاء من الطريق لعدم التزام سائقي الشاحنات بالأوزان المحددة في قانون الأوزنة. حيث أكد تقرير مشروع إدارة أصول الطرق باليمن الصادر عن البنك الدولى عام 2012، أن ضعف السيطرة على حمولة المركبات يُسرّع في تدهور الطرقات، مستشهداً بطريق صنعاء- الحديدة، والذي "لم يكن ليصل إلى هذه المرحلة من التدهور لو أنه كان يصان دورياً مع ضبط الوزن المحوري".

وأشار تقريرالبنك الدولي إلى أن سياسات الحكومة تسمح للشاحنات بنقل حمولات تزيد خمسة أطنان عن المسموح به، وأن شاحنات نقل الوقود لا تدفع أية غرامات على تجاوز الحمولة، ويسمح لمن يحجز من المخالفين بالعبور إذا دفعوا الغرامة.

ووفقا لمسؤولين في مؤسسة الطرق تقدر حجم الاوزان الزائدة ضعف الحمولة القانونية، مشيرين الى أن ما تحمله شاحنتين إثنتين خارج اليمن تحمله شاحنة واحدة تعبر هذا الطريق.

حفريات متكررة وحوادث مرورية متزايدة

بعد أشهر على ترميم 22 كيلومتراً من طريق صنعاء - الحديدة في العام 2019، كنموذج نجاح يحتذى به وفقاً لتصنيف مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع والبنك الدولي (المؤسسة الدولية للتنمية)، عادت التشققات إلى سطح الطريق من المدخل الغربي لمدينة صنعاء.

وخلافاً لما خطط له، لم يزد هذا المشروع من فترة حياة الطريق المتهالك، ولا في ارتفاع مستوى السلامة المرورية سوى لأشهر، قبل عودة الحفريات للطريق الذي يعاني من ضغط في حركة المرور تتجاوز 10 ألف مركبة يومياً، بما فيها شاحنات نقل البضائع والمساعدات الإنسانية.

عبر نافذة تلقي الشكاوى والاستفسارات في موقع مكتب مشاريع الأمم المتحدة، تلقينا رداً عبر الرقم الخاص برسائل "واتساب" غير ممهوراً بتوقيع مسؤولي المكتب.

في ردّه على سؤال مواجهتنا، قال مكتب مشاريع الأمم المتحدة، إنه نفذ إصلاحا صحيحا للطرق، مستدركا: "لا يمكن أن يمنع مثل هذا التأثير إذا حدث بسبب تجاوز حمولة المحور كما يسمح القانون".

وشدد على وجوب تطبيق قانون الحمل المحوري: "وإلا فإن كل ما نقوم بإصلاحه لن يستمر وسيعود تدريجياً إلى حالته السيئة". وحذر من أن الأحمال الثقيلة الزائدة فوق حدود التصميم تسبب اضراراً على السطح، وأحيانا على الرصيف بالكامل.

عند منطقة الخُسَمة (تبعد 7 كلم عن صنعاء)، تنتشر الحفريات على سطح الطريق بامتداد يصل 50 متراً. يقول سكان محليّون إنها تعود بعد فترة قصيرة من إصلاحها. وخلال فترة تنفيذ التحقيق في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، أصيب طفل ورجل في حادثيّ سير.

يقول عصام محمد، مالك ورشة سيارات بالمنطقة "الحوادث المرورية في الخُسَمَة تتزايد بسبب الحفريات. معظم السائقين يخرجون من خط السير بمحاذاة الأسفلت هرباً من الحفريات".

يعلق عصام حول حادثة وقعت مؤخراً "كان هناك طفل يقف على حافة الطريق في المنطقة الترابية من الطريق منتظراً مرور السيارات للانتقال إلى الجانب الآخر، وبينما هو ينتظر كادت سيارة أن تخطف روحه عندما حاول السائق الهرب من الحفر المنتشرة في الشارع".

وكحلول فردية، بادر عصام بردم بعض تلك الحفر عبر نقل كميات من الرمل مخلوطة بزيت سيارات مستخدم على أمل أن تتماسك وتظل لوقت طويل لتقليل الحوادث.

من جانبه، يقدر العقيد محمد المندي، مدير مرور مديرية بني مطر في محافظة صنعاء، عدد حوادث السير في المديرية من حادثين إلى 5 حوادث يومياً.

ويقول مسؤول شرطة المرور إن "شاحنات البضائع تحمل ضعف الوزن المقرر لها، ما يؤدي أحيانا إلى انقلاب الشاحنة وسط الطريق وتوقف حركة السير لمدة يوم".

إلى منطقة مناخة (تبعد 80 كيلومتراً عن صنعاء)، يقول فواز العميسي مدير مركز صيانة الطريق هناك، إن: "الحمولات الزائدة تسببت بـ 80% من دمار الطريق (...) نرمم جزءا من الطريق وننتقل لجزء آخر فتكون الأضرار قد ظهرت في الجزء السابق"، معتبراً أن مهام فريقه لا تعدو كونها "محاولات لإنعاش الطريق فقط".

ويقدّر نسبة مرور المركبات يومياً بين 60 إلى 100 شاحنة بأوزان زائدة، "شاحنات النفط تحمل 120 ألف لتر، وهو ضعف الحمولة الافتراضية 60 ألفا".

وبحسب العميسي، تسببت الأوزان الزائدة في تهشم سطح الأسفلت وتموّج طبقته، واتساع رقعة الحفريات "لقد أصبح الطريق شبه متهالك"، ويحذر "إذا لم يوجد توجه سريع لإنقاذه فربّما ينهار كلياً". ويضيف: "كنا قبل 3 سنوات نرمم 5 أمتار من الأسفلت على طول الطريق، بينما اليوم توجد مناطق تصل 100 مترا تحتاج إلى الترميم".

بموازاة ذلك، قال المتحدث باسم شركة النفط بصنعاء، عصام المتوكل إنّ "وزن شاحنات نقل الوقود وفقا للمعايير المسموح بها لا غير"، ولفت إلى أن عدد الشاحنات العابرة خط الحديدة صنعاء نادرة بسبب إغلاق الميناء واحتجاز السفن.

قانون أوزان بلا موازين

لا يسمح قانون الأوزان والأبعاد الكلية لمركبات النقل بزيادة الوزن الإجمالي لمركبات نقل البضائع عن 20 طناً للشاحنة ذات المحورين، و28 طناً لذات الثلاثة محاور، و33 طناً للشاحنة ذات المحورين مع مقطورة ذات محور واحد، و 41 طناً لذات الأربعة محاور، و 45 طناً لذات الخمسة محاور أو أكثر.

القانون صدر في العام 1994، إلاّ أنه بقي حبيس الأدراج، حتى إعداد هذا التحقيق، وهو ما يؤكده تعهد حكومة صنعاء عند تشكيلها أواخر 2016، فقد جاء في برنامجها من ضمن المهام التي تنوي تنفيذها "تفعيل قانون الأوزان المحورية والأبعاد الكلية لمركبات النقل، ومواصلة تشغيل محطات الوزن المحوري القائمة".

وأوكل القانون مهمة إدارة محطات الوزن المحوري وضبط مخالفات الشاحنات إلى لجنة من مندوبي هيئة الطرق، ووزارات الداخلية والنقل والمالية.

وأجاز القانون التصالح مع المخالف في حال دفع غرامة مخفضة، تساوي نصف الغرامة القانونية، وهو ما فتح ثغرة للالتفاف على القانون، فقيمة الغرامات المفروضة هنا لا تتناسب مع حجم الأضرار التي تتعرض لها الطرقات جراء الحمولات الزائدة.

وبعد عام على صدور القانون، صدر القانون (رقم 22 لسنة 1995) في أيار/ مايو 1995 بإنشاء صندوق صيانة الطرق، وتم فرض نصف ريال يمني عن كل لتر بنزين لدعم الصندوق لإصلاح الطرقات.

القانون بقي هو الآخر أسير الروتين الحكومي لمدة عام منذ صدوره حتى موافقة البرلمان عليه في السابع من كانون الأول/ ديسمبر 1996. بموجب القانون أضيف مندوبون من خمس وزارات (الإنشاءات والإسكان، والتخطيط والتنمية، والإدارة المحلية، والصناعة، والنفط) ليصبحوا مشرفين على الصندوق إلى جانب الجهات المختصة بالطرق.

لكن بعد 38 يوماً من إصدار القانون أُجري تعديل عليه في كانون الثاني/ يناير 1997 ليكون رئيس الوزراء هو المشرف على الصندوق بدلاً من وزير الإنشاءات.

وبعد 3 سنوات جاء قانون جديد بتعديلات قضت بإلغاء التعديلات السابقة وأعادت مهام الإشراف على صندوق صيانة الطرق إلى وزير الإنشاءات بدلاً من رئيس الوزراء.

رفع القانون الجديد رسوم استخدام الطرق من نصف ريال لكل لتر بنزين/ ديزل إلى 5 في المئة من تكلفة كل ليتر، بحسب بيانات صندوق صيانة الطرق، وجاء هذا القانون ليعالج شح موارد الصندوق من الرسوم والغرامات المفروضة على المخالفات، ويحقق قدراً من الموائمة بين أضرار الأوزان الزائدة وتكاليف الصيانة، إلاَّ أنه بقي مع وقف التنفيذ لمدة 12 سنة حتى العام 2012.

التطبيق الجزئي لقانون إنشاء الصندوق (رقم 27 لعام 2000) لم يدم طويلاً، فسرعان ما لاحت في الأفق بوادر نزاع حكومي داخلي على أحقية صرف أموال الصندوق، تجلّت في اتهام مسؤولي الصندوق لوزارة المالية بـ "عدم الانتظام في التوريد والتصرف بمبالغ كبيرة من دون معرفة الصندوق، ولأغراض ليس لها علاقة بقانون إنشاء الصندوق".

بعد 10 سنوات على صدور القانون السابق، جاء القرار الجمهوري (رقم 15 لسنة 2009)، الذي صدر في 18 شباط/ فبراير 2009، ليعيد رئيس الوزراء للإشراف عليه تحت منصب رئيس المجلس الأعلى للطرق، ككيان إداري مستحدث مختص بالطرقات، تم فيه استبدال الوزراء بمندوبي الوزارات.

نفخ في قربة مقطوعة

يعتقد المهندس محمد الحكيمي، رئيس قسم الأسفلت بمؤسسة الطرق، أن المشكلة تكمن في عدم تعاون الجهات المختصة لتنفيذ قانون الأوزان على أرض الواقع. وفي تقييمه لحجم الأضرار الناتجة عن الأوزان الزائدة في طريق صنعاء - الحديدة، لفت الحكيمي إلى وجود طريقين اثنين "خط صنعاء - الحديدة، وخط ذمار - الحسينية"، وقال إنّ مشاكل الأوزان الزائدة فيهما مستمرة "من الثمانينات حتى الآن.

بلهجة شعبية يلخّص المشكلة: "كُلّما رمّمنا كُلما تخرّب، وكله باتجاه الحديدة، والحمولة الزائدة تدمّر لنا الخط"، وعن الأسباب انتقد الحكيمي عدم وجود عمل إرشادي وتوعوي "كلّ واحد يرمى على الثاني، هذه هي المشكلة".

بعد عملية الترميم يقول إن الحمولات الزائدة تضغط على الطريق، فتؤدي إلى انهيار أو تشقق أو تصدع، وبالتالي تقصير عمره الافتراضي، بدلا من 10 سنوات يتراجع إلى سنة أو سنتين في بعض الأحيان".

"ننفخ في قربة مقطوعة"، قال الحكيمي الذي كان يغربل على طاولة مكتبه آنية ممتلئة بالحصى الأسود للفحص المخبري، مبدياً تذمره "نحن يد واحدة مكملة لأياد أخرى مسؤولة عن الموضوع".

قال إن "خسائر الوزن المحوري تكلفهم مبالغ باهظة جداً، تكاليف الترميم تأتي على حساب مشاريع أخرى".

في الأثناء يتوزّع 120 عاملاً مقسمين على فريقين يعملان باستمرار في صيانة الطريق، الذي يعد الشريان الوحيد لإمداد سكان صنعاء والمحافظات المجاورة لها بالمواد الغذائية والأدوية والوقود، منذ احتدام المواجهات والتدخل العسكري الخارجي في اليمن في آذار/ مارس 2015.

أضرار ظاهرة على سطح الطريق

في سياق متصل، يوثق دليل صيانة الطرق الأردني الصادر عام 2008 عشرة أضرارا تظهر في سطح الطريق بسبب الحمولات المحورية وكثافة المرور، وتظهر الصور الموثقة تشابهاً كلياً مع أضرار طريق صنعاء - الحديدة الذي اجتمعت في بعض مقاطعه كل هذه الأضرار، مثل مقطع منطقة المساجد (10 كلم تقريبا).

بالإضافة إلى ذلك، جاءت التشققات التمساحية (تشبه جلد التمساح) على رأس قائمة الأضرار المتشابهة، يليها التدميع، ثم التّخدد، فالتّدرج، والزّحف، ثم الانبعاج والتموّج، وتشققات جوانب الطريق.

وبالعودة إلى بيانات وزارة النقل، يلاحظ ارتفاع حركة النقل البري لشاحنات نقل البضائع في صنعاء من 23 ألف شاحنة في آب/ أغسطس 2020 إلى 44 ألفا في الشهر نفسه من العام التالي، وفي الحديدة إرتفعت من 16 ألفاً إلى 18 ألف شاحنة.

تبيّن الإحصائيات السنوية المتوفّرة ارتفاع حركة النقل البرّي لشاحنات البضائع في صنعاء من 135 ألف شاحنة عام 2019 إلى 400 ألف شاحنة عام 2020، والحديدة من 146 إلى 224 ألف شاحنة.

خارطة النقل البري لشاحنات البضائع لشهر اغسطس 2021

السودان

وعود حكومية على الورق بتفعيل القانون

أعلنت حكومة صنعاء نيتها تفعيل قانون "محطات الوزن المحوري"، وتبعتها تصريحات عدة، كان آخرها ما خرج به اجتماع وزيري الصناعة، والطرق في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، من تأكيد على التنسيق بين الوزارتين لتفعيل محطات الوزن المحوري وتطبيق القانون.

وفي 2 أيلول/ سبتمبر 2019 ناقش محمد قحيم، القائم بأعمال محافظ الحديدة مع مسؤولي المحافظة آليات تفعيل القانون. وفي آب/ أغسطس 2021، أعلن رئيس هيئة تنظيم شؤون النقل البري وليد الوادعي، أهمية تفعيل القانون. وفي 27 حزيران/ يونيو 2021 أكد وزير النقل على نفس الموضوع وهو تفعيل القانون.

وفي العام 2020 أكد نائب رئيس الوزراء وزير المالية، على ضرورة التعاون لتفعيل القانون وإنشاء محطات الوزن المحوري بصورة عاجلة.

وفي تصريحات أخرى للحكومة، توعدت بمعاقبة وضبط مخالفي الأوزان، لكنها تشبه وعود عرقوب، فلم تتخذ إجراءات عملية لتنفيذها للحد من استنزاف عجلات شاحنات الأوزان الزائدة طبقات أسفلت طريق صنعاء - الحديدة.

بينما أعلن عبد الله القيري من صندوق صيانة الطرق عن اعتزام الصندوق إنشاء محطات وزن على الطرق الرئيسة في 22 موقعاً في شباط/ فبراير 2021، وهو ما لم ينفذ.

وفي ندوة متخصصة حول الموضوع، كشف مدير الأشغال بالحديدة حميد شرف، تضرر محطة الوزن المحوري على طريق كيلو ١٦ بقصف الطيران وتدميرها بالكامل.

ولكن حتى قبل تفاقم الأزمة واندلاع الحرب عام 2015 وتعطل المحطات، لم يكن الوضع بأحسن حال، ففي حوار صحفي سابق في عام 2013 قال نائب مدير محطة الحديدة عادل العرشي إن "المحطات بنيت منذ الثمانينيات وكانت في مواقعها السليمة، لكن التوسع السكاني تطلب توسيع شبكة الطرق وبقيت المحطات وسط التجمعات السكانية المستجدة، وفقدت فعاليتها".

وتشير الإحصائيات المتوفرة رصد محطات الوزن عام 2012، ما يقارب ستة آلاف شاحنة تمت مخالفتها لزيادة الوزن من إجمالي ما يقارب مئة ألف مركبة دخلت 4 محطات في محافظتي تعز والحديدة.

ولا توجد سوى محطة واحدة عاملة موجودة في منطقة باجل (تبعد 120 كلم عن صنعاء) تابعة لهيئة الزكاة، وليس لها علاقة بقانون الأوزان.



توجهنا بالسؤال الى صندوق صيانة الطرق، وزارات الأشغال والنقل والمالية، عن أسباب عدم تفعيل محطات الأوزان المحورية، إلا أنه لم يصلنا رد في ظل تداخل الصلاحيات وتراشق التهم بين كل الأطراف بشكل غير رسمي.