ARIJ Logo
Logo

سرّ غاز "مجدي راسخ" الذي لا ينضب

محمد زيدان

clock icon 03/10/2023

بعد عاميْن من زواج علاء مبارك، النجل الأكبر للرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك من هايدي، ابنة رجل الأعمال الهارب مجدي راسخ عام 1996، اتجه راسخ إلى الاستثمار في مجال الغاز الطبيعي، وأنشأ في 26 أيار/ مايو 1998 شركة "ناشيونال جاس" بموجب قرار الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة (رقم 961 لعام 1998).

قبيل رحيل نظام مبارك بأشهر، وتحديداً في 19 أيار/ مايو عام 2010، استصدرت شركة "ناشيونال جاس" قراراً من محكمة الاستئناف في باريس بالتحفظ على أموال الهيئة المصرية العامة للبترول في الخارج، بادعائها أنّ حكماً قد صدر لصالحها من مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، بتغريم الهيئة المصرية العامة للبترول نحو 254 مليون جنيه، كفارق أسعار تستحقه الشركة، نتيجة ارتفاع أسعار الاحتياجات الأساسية لتنفيذ مشروع توصيل الغاز الطبيعي للمناطق السكنية والتجارية والصناعية بمحافظة الشرقية بين عاميْ 1999 و2008.

ولكن في 3 نيسان/ أبريل 2014، أصدر المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار "إكسيد" حكماً برفض الدعوى التي أقامتها شركة "ناشيونال جاس" ضدّ الهيئة المصرية العامة للبترول.

وكانت الهيئة المصرية العامة للبترول أبرمت في 6 كانون الثاني/ يناير 1999 اتفاقية امتياز لمدة 20 عاماً مع شركة "ناشيونال جاس" لتوصيل الغاز الطبيعي للمناطق السكنية والتجارية والصناعية ومحطات القوى لمحافظة الشرقية. بموجب العقد، تلتزم الشركة بمحاسبة وتحصيل قيمة الغاز المباع للعملاء والمستهلكين وسداد مستحقات الهيئة من قيمة الغاز المحصّلة.

وفي 16 حزيران/ يونيو 2021، قررت نيابة الأموال العامة العليا، (في القضية رقم 5298 لسنة 21 جنايات مصر الجديدة ورقم 96 لسنة 2021 جنايات أموال عامة عليا)، إحالة صهر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، رئيس مجلس إدارة شركة ناشيونال جاس الأسبق (هارب)، محمد مجدي حسين راسخ، ومحمد هاني أحمد محمد فريد رئيس مجلس إدارة شركة ناشيونال جاس الأسبق (هارب)، وحسام رضا جنينة رئيس مجلس إدارة شركة ناشيونال جاس الأسبق (هارب)، للمحاكمة الجنائية أمام محكمة جنايات القاهرة لاتهامهم بالامتناع عن توريد مستحقات الهيئة المصرية العامة للبترول من قيمة الغاز المحصّلة من المستهلكين، والمقدّرة بنحو مليار جنيه مصري.

يبيّن نصّ تحقيقات هيئة الرقابة الإداريّة المرفق بأمر إحالة نيابة الأموال العامة العليا -حصل مُعِدُّ التحقيق على نسخة منه- أنّ الشركة استمرت بالوفاء بالتزاماتها حتى تاريخ 1 تموز/ يوليو 2010، وامتنعت بعد ذلك عن توريد مستحقات الهيئة عن قيمة الغاز المحصّلة من العملاء، ورفضت التوقيع على المصادقات الخاصة بكميات وقيم الغاز المسحوبة خلافاً للعقد المبرم بين الطرفيْن والذي انتهى في 29 كانون الثاني/ يناير 2019. وتبيّن كذلك أنّ المسؤوليّة تقع على المتهمين إلى جانب متهم آخر متوفى، وفقاً لتحريات أحمد محيي الدين القاضي عضو هيئة الرقابة الإداريّة، الشاهد السابع في التحقيقات.

ورغم النزاع القضائي القائم بين الحكومة المصرية ممثلة بالهيئة المصرية العامة للبترول وشركة "ناشيونال جاس" وانتهاء العقد المبرم بينهما في 2019، إلّا أنّ وزارة البترول ما زالت تنشر على موقعها الرسمي عنوان شركة "ناشيونال جاس" ووسيلة التواصل معها، ضمن شركات توصيل الغاز الطبيعي للمنازل والمناطق الصناعية، في الوثيقة الخاصة بإجراءات توصيل الغاز.

مجدي راسخ و"ناشيونال جاس" و"Fleet Energy"

يكشف هذا التحقيق كيف خدع مجدي راسخ الحكومة المصرية على مدار أكثر من 10 سنوات من خلال حصوله على اتفاقيات وصفقات من وزارة البترول، لاستيراد الغاز الطبيعي وتوريده إلى المنازل والمصانع، مثل نشاط شركته الأولى "ناشيونال جاس"، ولكن هذه المرة ممثلة في شركة أخرى وهي "Fleet Energy" التي تمّ تأسيسها في بنما عام 2007 مع مكتب تشغيل رئيسي في دبي.

التحقيق يستند إلى وثائق مسرّبة حصل عليها "الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين" ( ICIJ logo )، وشاركها مع "أريج" وعدد كبير من الناشرين حول العالم، ضمن مشروع أُطلق عليه اسم "أوراق باندورا". التسريبات هذه يحقق فيها أكبر مشروع تعاون صحفي عابر للحدود في التاريخ، وتضمّ ملايين الوثائق من مكاتب محاماة، حول الملاذات الضريبيّة، وتكشف عن الأصول والصفقات السريّة والثروات الخفيّة لأثرياء -من بينهم أكثر من 130 مليارديراً- وأكثر من 30 من قادة العالم وعدد من الهاربين أو المدانين ومشاهير الرياضة وغيرهم، إضافة إلى قضاة ومسؤولي ضرائب وأجهزة مكافحة التجسس.

وظهر اسم راسخ في الوثائق الخاصة بشركة Fleet Energy مع المهندس عصام كفافي الذي يشغل منصب رئيس مجلس إدارة Fleet Energy، التي لديها عدة شركات تابعة: (Fleet Energy Hydrocarbons Ltd. DMCC, Fleet Tanking Inc., Fleet Fuel FZC, Fleet Offshore Petroleum Services Inc., Fleet Oil and Gas S.A) وجميعها شركات تابعة ومملوكة بالكامل لشركة Fleet Holdings Inc.

وتكشفت إحدى الوثائق تحت بند "المعلومات السرية للعميل"، أنّ محمد مجدي حسين راسخ "مجدي راسخ"، حامل جواز سفر (رقم 45519) من مواليد 23 كانون الأول/ ديسمبر 1943، وعنوانه 26 شارع محمد غنيم، مصر الجديدة، القاهرة، قد أسس شركة FLEET OIL & GAS S.A في 16 كانون الثاني/ يناير 2008.

وأظهرت الوثائق أنّ "راسخ" هو المالك المستفيد Beneficial Owner لشركة FLEET OIL & GAS S.A من خلال مكتب المحاماة ALEMAN, CORDERO, GALINDO & LEE TRUST (BELIZE) LIMITED، ووضع اسم عصام كفافي ممثل الشركة الحالي كـ Client of Record.

وبحسب الموقع الإلكتروني الرسمي للشركة، يقع مكتبها الرئيسي في مدينة دبي بمنطقة أبراج بحيرات جميرا، ولديها فرعان في شارع 261 بحي المعادي بالقاهرة في مصر، والآخر في العاصمة الروسيّة موسكو.

وعن عمل Fleet Energy مع الحكومة المصريّة، في عام 2010، مُنِحت الشركة الحق في معالجة 1-1.5 مليون برميل من النفط الخام شهريّاً في مصفاة "ميدور"، حيث قامت بعمليات بيع متتالية لمنتجات كانت قد أُنتِجَت للهيئة المصرية العامة للبترول، وتؤكد Fleet Energy أنّها تحظى بعلاقة عمل ممتازة مع الهيئة.

في عام 2014، تمّ بيع 510 آلاف طن متري من الجازولين وزيت الغاز، من خلال شركائها الاستراتيجيين للهيئة المصرية العامة للبترول.

ويرد في موقع شركة Fleet Energy الإلكتروني أنّ لديها شراكات تجارية نشطة مع شركة النفط الروسية "روسنفت"، وشركة "روسنفت" التجارية التابعة لها بجنيف، وشركة "شِل" للنقل والتجارة، و"كاز موناي غاز" الكازاخستانية، و"رومبِترول" الرومانية، و"أو إم في" للإمدادات والتجارة، والهيئة المصرية العامة للبترول EGPC، والمصرية القابضة للغازات الطبيعية EGAS، والشركة الإسبانية للبترول، و"لوك أويل" الروسية، و"أويل ليبيا"، ومجموعة "كولمار" المُساهِمة البلغارية، و"بتروسا" الجنوب إفريقية، و"بتروتشاينا"، و"ساراس إس. بي. إيه" الإيطالية، و"إينوك" الإماراتية للإمداد والتجارة، و"مصافي عدن" بما في ذلك غيرها من المصافي الخاصة والأخرى المملوكة للدولة، وشركات التوزيع بالجملة والتُجَّار داخل السوق. ويتألف عملاؤها من شركات نفط وطنيّة كالمؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، ودول في شمال وشرق أفريقيا.

وفي تموز/ يوليو 2015، ظهر عصام كفافي، رجل مجدي راسخ والشريك التجاري لشركة "روسنفت" الروسيّة، أثناء توقيع الهيئة المصريّة العامة للبترول والشركة المصريّة القابضة للغازات الطبيعيّة "إيجاس" وثيقتيْ شروط مع شركة "روسنفت" الروسيّة لتوريد منتجات بترولية والغاز الطبيعي المسال إلى مصر، وقد سلمت روسنفت في 6 أيار/ مايو 2016 مصر أولى شحناتها من الغاز الطبيعي المسال.

وفقاً لحسابات التواصل الاجتماعي الخاصة بـ "كفافي"، ولد عصام في 9 آب/ أغسطس 1961، وحصل على ماجستير في الهندسة من جامعة حلوان عام 1986، وعمل chairman في شركة ناشيونال جاس التي أسسها مجدي راسخ من عام 1996 حتى عام 2000، وانتقل بعدها لإدارة شركة "تطوير مشاريع الشرق الأوسط" في دبي بين عاميْ 2000 و2007، وبعدها أسس شركة Fleet Energy ويتولى رئاسة مجلس إدارتها حتى تاريخ نشر التحقيق.

وتكشف وثيقة بسجلات بنما صادرة في حزيران/ يونيو 2015، أنّه تمّ منح محمد مجدي حسين راسخ توكيلاً عاماً Power of Attorney وتعيينه ممثلاً قانونيّاً لشركة Fleet Energy Inc، ليتصرف بصفة فردية باسمها ونيابة عنها في أيّ وجميع الدول وأجزاء العالم المُتصلة بتجارتها عند الحاجة، ويؤدي جميع الأشياء التمثيلية التي يمكن للشركة نفسها أن تفعلها وذلك منذ 12 شباط/ فبراير 2010، وهي ذات الصلاحيات التي مُنحت لعصام كفافي رئيس مجلس إداراتها في 17 تموز/ يوليو 2009، الذي يحمل جواز سفر بريطانياً (رقم 800370988).

وتشير إحدى المراسلات من مكتب المحاماة ALEMAN, CORDERO, GALINDO & LEE (PANAMA) S.A إلى أنّه تمّ في 25 آذار/ مارس 2010، وفقاً لتعليمات عصام كفافي، منح توكيل عام مصدّق من القنصلية المصريّة لمحمد مجدي حسين راسخ، وفتحُ حساب مصرفي. مع وضع الشركة نفس العنوان الخاص بمراسلات راسخ (26 شارع محمد غنيم، هليوبوليس، القاهرة).

فيما تشير وثيقة أخرى لاجتماع مجلس إدارة شركة FLEET ENERGY INC بتاريخ 12 شباط/ فبراير 2010، أنّه تقرر فتح حساب مصرفي مع EURO BANK EFG قبرص، ويتمّ تشغيله بشكل فردي أو مشترك من قبل عصام جمال كفافي، أو محمد مجدي حسين راسخ، وأنّهما بموجب ذلك، مخولان نيابة عن شركة FLEET ENERGY INC، بالتوقيع وسحب الأموال من خلال هذا الحساب، وإدارة أيّ معاملات أخرى أيّاً كان نوعها مع EURO BANK EFG قبرص، مع منحهم أوسع الصلاحيات، بما في ذلك التفويض لتعيين أيّ بدائل قد يرونها مناسبة أو ضرورية.

وتمّ توريد معاملات عام 2015 كافة عن طريق عطاءات؛ إمَّا فردية أو عن طريق شركائها التجاريين "روسنفت" للتجارة. ووصل الحجم الإجمالي للإمدادات إلى نحو 450 ألف طن متري من شحنات احتوت بالأساس على زيت الوقود والغاز الطبيعي، وتمّ توصيلها إلى مرافئ الهيئة المصرية العامة للبترول في العين السخنة والسويس والإسكندرية.

وتؤكد Fleet Energy أنّها تُعتبر حالياً، جزءاً من شبكة الإمدادات المباشرة بين "روسنفت" والهيئة المصرية العامة للبترول؛ لتوريد منتجات البترول والنفط الخام، بالإضافة إلى توريد الغاز الطبيعي المسال مع شركة إيجاس. وخلال عام 2016، تمّ إمداد مصر بما يزيد عن 1.5 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المُسال، والمنتجات البترولية التي تتكون من زيت الوقود، وزيت الغاز، والغاز الطبيعي المُسال.

وفي تموز/ يوليو 2017، مَنَحَت الشركة المصريّة القابضة للغازات الطبيعية، شركة Fleet Energy الموافقة الأوليّة لاستيراد الغاز الطبيعي المُسال.

وأتى منح هذه الموافقة المبدئيّة بالاستيراد بالتزامن مع إصدار قانون تنظيم أنشطة سوق الغاز في آب/ أغسطس 2017، الذي سمح للقطاع الخاص للمرة الأولى باستيراد الغاز من الخارج -بحسب المادة (36)، الفصل الثاني منه- بعدما كان الاستيراد مقتصراً على الحكومة. وذلك قبل نحو شهر من إصدار تصديق الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على قانون تنظيم أنشطة سوق الغاز ونشره في الجريدة الرسمية المصريّة بداية آب/ أغسطس 2017.

وفي أيار/ مايو 2018، على هامش منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي الثاني والعشرين، وقعت شركة Rosneft اتفاقية تعاون إطارية مع Fleet Energy وFleetliner Energy SA، تتضمن توجه الطرفيْن لاستكشاف إمكانيات إنشاء مشروع مشترك من أجل تطوير سلسلة إمداد لمزيد من إمدادات الغاز للمستهلكين الصناعيين في مصر.

قضية "أرض سوديك"

علاقة مجدي راسخ المالية الإشكالية مع الدولة المصرية، لا تقتصر على قطاع النفط، فقد أعلنت النيابة العامة في 20 شباط/ فبراير 2021، على صفحتها الرسميّة في "فيسبوك"، عن توقيع "اللجنة القومية لاسترداد الأموال والأصول والموجودات في الخارج" تعاقداً لتسوية وتصالح المتهمين محمد إبراهيم سليمان، ومحمد مجدي حسين راسخ فيما نُسب إليهما ببعض القضايا.

ووقّعت اللجنة برئاسة المستشار حمادة الصاوي، النائب العام المصري، عقد تسوية وتصالح في الطلبيْن المُقدميْن من المتهمين سليمان وراسخ، للتصالح عن الاتهامات المنسوبة إليهما، وبلغ إجمالي ما قدماه لصالح الدولة ملياراً و315 مليوناً و701 ألف و24 جنيهاً.

في الوقت الذي كانت شركة راسخ وكفافي تبرم الاتفاقيات النفطيّة مع الحكومة المصرية، كانت محكمة النقض المصرية تحكم في جلستها في 21 كانون الأول/ ديسمبر 2016، بتأييد أحكام الإدانة الصادرة عن محكمة جنايات القاهرة بجلستها بتاريخ 21 سبتمبر/ أيلول 2015 والتي تضمن معاقبة محمد مجدي حسين راسخ، رئيس مجلس إدارة شركة السادس من أكتوبر للتنمية والاستثمار "سوديك"، غيابياً بالسجن المشدد لمدة 5 سنوات. وهو ما كان يُعدُّ حكماً نهائياً في قضية "سوديك" التي وجهت فيها المحكمة للمتهمين اتهامات بالتربح والإضرار العمدي بالمال العام.

وتعود أحداث هذه القضية إلى اتهام محمد مجدي حسين راسخ، بالحصول على مساحات من الأراضي بمدينتيْ الشيخ زايد والجيزة الجديدة بأسعار تقلّ عن قيمتها السوقية، وذلك بالتواطؤ مع محمد إبراهيم محمد سليمان، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الأسبق، وبعض المسؤولين بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

القضية باختصار: كيف منحت وزارة البترول المصرية هذه الاتفاقيات الخاصة لتوريد الغاز وفتح السوق المصري أمام شركة يشارك فيها رجل الأعمال مجدي راسخ ممثلة ظاهرياً في شخص عصام كفافي؟، في الوقت الذي كان "راسخ" يواجه حكماً بالسجن المشدد لمدة 5 سنوات نتيجة إدانته بالتربح والإضرار العمدي بالمال العام، ويحاكم حالياً أمام محكمة جنايات القاهرة، لاتهامه وآخرين بالامتناع عن توريد مستحقات الهيئة المصرية العامة للبترول من قيمة الغاز المحصلة من المستهلكين والمقدّرة بنحو بمليار جنيه مصري.

حتى لحظة نشر هذا التحقيق، لم يرد كلٌّ من راسخ وكفافي وشركاتهما على استفساراتنا.