هروب عن طريق البحر وأطفال خارج السجل العراقي
اقرأ التفاصيل
"قاومت شهرين في الغابات تحت الثلوج والأمطار، وعبرت البحر وكدت أن أغرق. تحملت الحبس والجوع والخوف والبرد، وتساءلت إن كان فعلي يستحق كل ذلك. نعم، أردت الهجرة من العراق بأي وسيلة بسبب الدين المفروض عليّ".
وُلد شاكر (اسم مستعار، 37 عاماً) مسجلاً مسلماً، بسبب قيد بدأ بإسلام جده وانتقل إلى أبنائه وأحفاده، فيما واصلت العائلة ممارسة الديانة الإيزيدية سراً. اكتشفت الأسرة الأمر عند مراجعة دائرة الأحوال المدنية. يقول: "كانوا متوترين ويكتمون غضبهم، ثم انفجر الخلاف في المنزل. أخبرتني أمي باكية أن جدي أعلن إسلامه واختفى، وكان والدي قاصراً، ثم مُنع بعد بلوغه من العودة إلى دينه". وتجنب أفراد العائلة الحديث عن القضية لما تسببه لهم من ألم.
أحب شاكر فتاة، لكنه تركها من دون أن يكشف لها حقيقة قيده. يقول: "قد تتفهم، غير أن عائلتها سترفض زواجها من شخص مسجل مسلماً. يصعب على الآخرين تصديق أنني بقيت إيزيدياً". ويضيف: "تحطمت حياتي وأمنياتي. أخبرتني أمي أن الخسارة ستتكرر مع أخريات".
حاول تصحيح قيده بمساعدة صديق، وسافر للمرة الأولى إلى بغداد، لكنّه عاد بعد إبلاغه بخسارة القضية. وبعد تخرجه، بدأ يفكر في الهجرة، وغادر العراق عام 2016 عبر البحر بصورة غير قانونية.
كان بعض أبناء أعمامه، الذين يحملون القيود نفسها، قد هاجروا إلى ألمانيا، وأخبروه أنه سيتمكن هناك من الزواج من دون أن يظهر في أوراقه مسلماً. يقول: "واجهت الموت مرات عديدة، غير أن الأمر استحق ذلك. كان بقائي في العراق يعني الرضوخ للقانون، وأن يعيش أطفالي إيزيديين في السر، ويمارسوا دينهم كأنه عيب أو عار".
بعد عام من تقديم طلب اللجوء، حصل شاكر على الإقامة الإنسانية. ويقول إن انتماءه الإيزيدي ساعده، لكن تسجيله مسلماً في البطاقة العراقية صعّب عليه إثبات هويته، ودفعه إلى إنفاق مبالغ كبيرة على وثيقة تؤكد انتماءه. ويضيف: "قبل مجيئي، أعددت ملفاً من عشرات الأوراق عن هويتي الدينية المسلوبة، وخشيت أن تعده سلطات الهجرة أمراً غير مهم. تجاهل الجميع قضيتي في بلدي، فكيف سينظر إليها الآخرون؟".
تزوج شاكر دينياً على يد رجل دين إيزيدي، وله ثلاثة أطفال، أكبرهم في التاسعة. يعيش أطفاله من دون وثائق عراقية، لأن الزواج غير مصدق في المحكمة، ولا توجد وثيقة تثبت زواجه أو نسب أطفاله إليه، فيما يعني استخراج هويات لهم تسجيلهم مسلمين. يقول: "يقتلعونني وأطفالي من بلدنا. استخرج أصدقائي وثائق لأولادهم تحمي مواطنتهم، وعجزت عن ذلك. يعرف أطفالي دينهم، ويجهلون المصير الذي ينتظرهم في العراق الذي زاروه غرباء بجنسياتهم الألمانية".
ويقول إن أحد النافذين عرض تعديل خانة الديانة مقابل المال، كي يتمكن من تسجيل أطفاله. وعرض شاكر خمسين ألف يورو لإعادة كلمة "إيزيدي" إلى قيده، واستمرت المحاولات شهوراً قبل إبلاغه باستحالة الأمر. كما تواصل مع نواب ورجال دين إيزيديين، فطالبوه بالصمت. يقول: "يصرح ممثلونا علناً بخوفهم من الحديث بصراحة عن المادة. هذا أمر جنوني، وأعجز عن تقبله".
يحاول شاكر إقناع والديه وإخوته ببيع ممتلكاتهم والهجرة إلى ألمانيا، حتى يتمكنوا من ممارسة طقوسهم علناً. ويقول: "هذه عبودية. يتحكمون بنا ويقررون نيابة عنا الدين الذي نتبعه بالقوة. بسبب قرار اتخذه جدي هرباً من عصابة، تدمرت حياة أكثر من عشرين فرداً على مدار أجيال من دون سبب". ويتساءل عن مصير أقاربه الذين ما زالوا في العراق، مضيفاً: "قد يحاسبني ابني يوماً لأني أنجبته، حينما يرى أن لا أحد يعترف بدينه".