هذه رسالة استغاثة استقبلتها فيروز الجوهري، مترجمة الإشارة بالمجلس القومي لشؤون الإعاقة، في الثانية صباحاً من فتاة صمّاء تسكن طنطا (دلتا مصر)، محبوسة في المنزل منذ سنوات ومقيّدة بالسلاسل كي لا تهرب وتتزوج من شاب سليم.
"عزيزة" الفتاة الصمّاء التي تواصلت مع الجوهري عبر تطبيق واتساب كانت تستخدم هاتف والدتها التي حُبست معها في الغرفة. توجهت الجوهري إلى مقرّ عملها، وكتبت مذكّرة بحالة الفتاة قدمتها لمكتب خدمة المواطنين بالمجلس. تقول :"إحنا منقدرش ناخد إجراء بس أنا قدمت المذكرة عشان نصعّد الأمر للمجلس القومي للمرأة وحقوق الإنسان ويتحركوا". متابعة: "عزيزة قاعدة في بيت إخوتها اللي زوروا شهادة إنّها معاقة ذهنياً، بالتالي كل الناس من حولها يخشون التدخل، عشان كده كانت بتبعت لي رسائل من تليفون والدتها ثم انقطع الاتصال بيننا بعد وفاة أمها".
تلفت الجوهري إلى أنّ زوجها محمود فتحي، محامٍ ومترجم لغة إشارة، سافر متطوعاً إلى حيث تسكن عزيزة بطنطا، لكنّ الجيران حذروه من سطوة أخيها وتهديده لأيّ شخص يسعى لتحرير الفتاة، إذ يشيع أنّها مختلّة عقلياً وله حقّ الوصاية عليها.
تؤكد ميادة إمام، مترجمة الإشارة المعتمدة من المجلس القومي لشؤون الإعاقة، وجود العديد من الحالات المماثلة لحالة عزيزة. إذ تتعامل بعض الأسر المصرية مع بناتهنّ من الصمّاوات باعتبارهنّ فاقدات للأهلية وتمنعهنّ من الزواج، وهو أمر يخالف الدستور المصري والمواثيق الدولية.
تقول إمام: "لما الأم بيجي لها بنت صمّاء بتداريها ومتجوزهاش. بيقولوا هانجوزها ليه دي هبلة". وخلال عملها الميداني في صعيد مصر، تبيّن أنّ من بين 60 امرأة صمّاء يوجد فقط 15 منهن متزوجات، وهؤلاء يسكنّ في بيوت مشتركة مع العائلة ما يجعلهنّ عرضة للتعنيف من الزوج وعائلته أيضاً.
تشرح إمام أوضاع هؤلاء الفتيات اللاتي يُحرمن من الزواج، ويُمنعن من التعليم، أو الخروج من المنزل، فتقول: "التواصل بين الأهالي وبناتهم منعدم، وبيتعاملوا مع البنت الصمّاء على أنّها معاقة ذهنياً. بعض هؤلاء الفتيات نجون من عمليات الختان الشائعة في الصعيد، ليس لجرمية هذا الفعل، لكن لأنّ أمهاتهنّ يجدن أن (لا فائدة) من ختانهنّ ما دمن لن يتزوجن!". وتشير إمام إلى أنّ الأهل يرفضون تزويج الشاب الأصمّ من فتاة صمّاء مثله، خوفاً من إنجاب أبناء ضعاف السمع.
بحسب هبة هجرس، عضو المجلسيْن القومي للمرأة والقومي للأشخاص ذوي الإعاقة، فإنّه في حال تَعرُّضِ فتاة صمّاء لعنف أسري من الأهل أوالزوج، أو منعها من اختيار شريكها وإجبارها على الزواج من شخص لا تريده، يمكنها أن تلجأ إلى المجلس القومي للمرأة، لتقديم شكوى بنفسها، بحضور محامين متطوعين. علماً أنّه لا يوجد في الإدارة مترجمو إشارة، فيتمّ التواصل مع مترجم عبر تقنية الـ "الفيديو" لترجمة كلام الشاكية للمحامي.
عندما سألنا نادية عبد الله، عضو المكتب الفني للمجلس القومي لشؤون الإعاقة، حول المذكرة التي قُدِّمت بخصوص "عزيزة" قالت: "لازم تبعت هي الاستغاثة من تليفونها لشرطة النجدة، الذين يتواصلون بدورهم معنا.. صعب نلف وراها وجايز تطلع في الآخر كذبة". متابعة: "أهلها خايفين يعملوا شكوى أو بلاغ من مجهول حتى، لازم في البداية الشرطة تروح وتتحرى ليه أخوها حابسها".
وبحسب عبدالله يجب أن ترسل الفتاة، صورة من إثبات الشخصية وعنوانها الحالي، مع شكوى مكتوبة للمجلس القومي للمرأة، لأنّه الجهة المنوط بها متابعة مثل هذه الشكاوى.
لم يختلف ردّ المجلس القومي للمرأة كثيراً عما سبق، إذ أكدت هجرس أنّ من تتعرض لانتهاك لا بدّ لها أن تلجأ للمجلس وتطلب المساعدة بنفسها. وأضافت: "الصمّ غير فاقدي الأهلية بالتالي لازم هما اللي يبلغوا، والبنت دي(عزيزة) هي اللي لازم تتقدم بالشكوى، مينفعش أدخل على حد بيته وأقول إنّ هنا فيه مشكلة".
بعد تفشي فيروس كوفيد_19 أطلق "المركز التقني لخدمات الأشخاص ذوي الإعاقة" التابع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تطبيق "واصل" للصمّ وضعاف السمع في أبريل/ نيسان 2020، ويتمّ من خلاله تحويل الاستفسارات والشكاوى إلى النجدة، أو المطافئ، أو الإسعاف، أو شكاوى الكهرباء، والإبلاغ عن حالات كورونا من الصمّ، إلى الجهات المسؤولة التي تعمل بدورها على سرعة الحل أو الرد على الاستفسار.
البعض اعتبر أنّ التطبيق يمكن أن يساعد الكثير من الفتيات الصمّاوات ممن يتعرضن للعنف، غير أنّ الأمر يتطلب ابتداءً اقتناء هواتف حديثة. وخلال المقابلات التي أجريناها مع الفتيات، من هذه الفئة، تبيّن أنّ نسبة كبيرة منهنّ، يرفض أهلهنّ أو أزواجهنّ منحهنّ هذا النوع من الهواتف. عدا ذلك فإنّ انخفاض نسبة المتعلمين بين الصمّ، تعني أنّ عدداً محدوداً منهم قد يستفيد من التطبيق الذي يطلب من مستخدميه، إدخال بعض البيانات مثل الاسم، ورقم الهاتف، ونوع الخدمة.
المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في العام (2017)،
ما تتعرض له الفتيات الصمّاوات، يخالف نص المادة (23) من اتفاقية الأشخاص ذوي الإعاقة، الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي وقعت عليها مصر، والتي تؤكد على عدم حرمان الأشخاص ذوي الإعاقة من الحق في الزواج وتأسيس الأسرة برضا كامل.
ينصّ القانون المصري رقم (10) لسنة 2018 بشأن ذوي الإعاقة على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة من ذوي الإعاقة، وقد كفل لهما الحقوق والواجبات من دون تمييز، وتمّ إجراء تعديلات على التشريعات لضمان تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص للفتيات والنساء ذوات الإعاقة في مصر، والحد من العنف والتمييز السلبي ضدهن، إذ يُمنع الحجر على حريتهنّ أو تقييد حقهنّ في الاختيار بإرادتهنّ المستقلة.
قبل أن تُكمل عامها العشرين، زفّ الجار نبأً كانت تنتظره ريهام عمر (من ضعاف السمع) وهو رغبة ثلاثيني في خطبتها، لكنّه كان يعاني من إعاقة تسببت في بتر قدميْه، إضافة إلى تعرّضه لحادث أثّر على قدرته الجنسية. وافقت ريهام، على نحو تعجّب منه المحيطون بها.
"يكفي أن أجد لقمة نظيفة ونومة مريحة"، هذا كان ردها على محاولات إقناعها بعدم الزواج من شاب لا يفارق كرسيه المتحرك.
ريهام شقيقة لأربعة إخوة وأخوات أصحاء، وآخر يشاركها معاناتها مع الصمم، في أسرة متواضعة مادياً تسكن ضاحية شبرا الشعبية (شمال القاهرة)، وتقيم داخل شقة من حجرة واحدة.
شقيقها الأصم لم يحتمل الوضع، هرب من البيت وتعلم العيش بمفرده. أما ريهام فلم يكن لها مفر غير الزواج. عاشت راضية مع زوجها المقعد 5 سنوات، في منزل (غرفة وصالة) لا تزوره الشمس، لكن هذا الحال لم يَدُمْ طويلاً. تحكي أختها: "جوزها فقد الوعي وهي شالته نيمته على السرير وغطته وبعتت لنا إنّه مريض، ولما إخواتي وصلوا لقوه ميت وهي مش فاهمة".
باتت مضطرة للعودة إلى بيت أبيها لكن لم يكن مرحّباً بها، فتعرضت للطرد، أحياناً في منتصف الليل، كما استولى أشقاؤها على إرثها من زوجها. وبعد عام، تقدم آخر للزواج بها، كان هذه المرة أربعينياً تطلّق مرتيْن، ولديه أبناء شباب.
لم يبالِ الزوج بتعلم لغة الإشارة، حتى بعد أن رُزق من زوجته الصماء بطفلة سليمة، وإلى الآن بعد 6 سنوات من الزواج، لا يفهم زوجته في أحيان كثيرة، فيستعين بزوجة شقيقها الأصم في محادثة فيديو، فقد تزوج أخوها من متحدثة، حرصت على تعلم لغة الإشارة للتواصل مع زوجها.
تقول شقيقتها: "ريهام كانت محرومة من التواصل، وحتى الآن لا أحد يتحدث معها، أو يسعى إلى تعليمها. وفي السابق عاشت معنا حياة قاسية في مواجهة الفقر وفقدان الأم. بعد وفاة والدتي كانت الأكثر معاناة بيننا مع وجود زوجة أب غير سعيدة برعاية ستة أطفال، من بينهم اثنان من الصم".
لحلّ أزمة التواصل بين الصمّ وذويهم، دشّن جمال سالم، المدرّس ومترجم الإشارة بمركز الصف التابع لمحافظة الجيزة، مبادرة لتعليم لغة الإشارة لآباء وأمهات الطالبات بمدرسة الأمل التي يعمل فيها، مؤكداً أنّها كانت بالمجان، ومع ذلك لم يهتم أحد بالحضور من الأسر أو الأزواج.
منع الفتيات من الزواج، أو رفض الأهالي تزويج أبنائهم للبنات الصمّاوات، سلوك تقوده المخاوف من إنجاب مزيد من الأطفال الصمّ. لكنّ هويدا (37 عاماً) هي أم لتوأميْن (محمود ومحمد) يبلغان من العمر عشرين عاماً وليسا من الصمّ، رغم أنّها وزوجها من ضعاف السمع.
تشير هويدا إلى دور أسرتها وأسرة زوجها في تبديد مخاوفها، خاصة أنّها تزوجت في سن صغيرة (16 سنة) وبعد عام رُزقت بولديْها. وتقول إنّ أسرة الزوج تعلمت لغة الإشارة لتسهيل التواصل معها، ومساعدتها في تربية ابنيها. عندما كانا رضيعيْن لم تكن تسمع بكاءهما فاعتمدت كلياً على والدة زوجها التي كانت توقظها ليلاً لإرضاعهما. ومع مرور الوقت تعلمت وضعهما بطريقة معينة على السرير كي تشعر بحركات أقدامهما عند الاستيقاظ.
تقول: "عندما انتقلت من بني سويف للقاهرة ونزلت أشتغل، كانوا بيخافوا عليا من الطريق والتعامل مع الناس، لكن دائماً كنت أقول ربنا سمعي ولساني.. ولادي اتعلموا لغة الإشارة لوحدهم من غير مدرس ولا دروس وبقوا يفهموني، وحالياً محمود في كلية تربية رياضية ومحمد بيدرس علوم الأرض في جامعة بني سويف".
وعبرت هويدا عن غضبها من تعامل الأسر مع أطفالهم ضعاف السمع قائلة: "أهل الشخص الأصمّ هم اللي بيسجنوه في البيت فبيطلع مش فاهم، وبيكبر مش متفتح وعنيد".
أما محمد عبد الله عبد الهادي، مترجم الإشارة بالتليفزيون المصري، فقد وُلد لأب وأم من الصمّ، وكان يتعرّض لمضايقات في طفولته من الجيران الذين كانوا يقولون كلما رأوه "ابن الخُرس أهو". يقول: "قررت تعلم لغة الإشارة بشكل احترافي بعد موقف حدث مع والدتي. كانت تشاهد مسلسلاً على التلفاز، ثم انقطعت الحلقة، وظهر أحد المذيعين على الشاشة بملامح عابسة، ما يعني حدوث أمر ما، فبكت والدتي بشدة وانتابها القلق عليّ أنا وإخوتي. وحين رجعت للمنزل وجدتها في حالة انهيار بسبب عدم فهمها لما يقوله المذيع. صممت وقتها أن أساهم في ترجمة نشرات الأخبار، والمسلسلات، والمسرحيات للغة الإشارة. وأنشأنا المؤسسة المصرية لحقوق الصم، التي تُخرّج دفعات من مترجمي الإشارة".
ويلفت عبدالهادي إلى أنّ المؤسسة تهدف إلى تسهيل التواصل بين الأبناء الصمّ وأسرهم، خاصة فيما يتعلق بأمور الزواج، إذ تحاول إقناع الأهالي بعدم إجبار بناتهم على الزواج من الأقارب لحفظ الميراث أو للتخلص من عبء وجود فرد أصمّ في البيت، كما تشجع الصمّ على الزواج من بعضهم البعض.
في سؤال ورد لدار الإفتاء المصرية حول مدى شرعية زواج "المعاق" بشكل عام، أكد الدكتور علي جمعة في رده، على موقع الدار الإلكتروني، على حق ذوي الإعاقة في الزواج ما دامت أركان الزواج متوفرة، وما دام المعاق "محاطاً بالحرص على مصلحته محفوفاً برعاية منافعه".
وقال في جوابه: "لا يُمنع المعاق من الزواج مخافة إنجابه لأبناء معاقين، لأنّ الزواجَ شيءٌ والإنجابَ شيءٌ آخر، فالزواج فيه أُنسٌ ورحمةٌ ومودةٌ ومعانٍ ساميةٌ كثيرةٌ بالإضافة إلى الإنجاب، مع الرجوع في مسألة الإنجاب وعدمه أو تأخيره إلى أهل الاختصاص في كل حالة بحسبها. وتصرفات القَيِّم تجاه المعاق تكون مقيدةً بالمصلحة؛ فإن كانت مصلحة المعاق تقتضي تزويجَه فإنّ على القيّم أن يُبَادِرَ إلى تزويجِهِ، ويؤثم إن أخَّره دون سبب".
عزت الصفتي، مأذون صفط اللبن، إحدى قرى مركز كرداسة في محافظة الجيزة، حضر ثلاثة أعراس للصمّ لإتمام اجراءات الزواج، لكنّ واحداً فقط من الأزواج حرص على إحضار مترجم إشارة أثناء عقد القران.
يعتبر الصفتي أنّ ارتداء الفتاة لفستان الزفاف مؤشر قوي على قبولها، مشيراً إلى أنّه يحاول حفظ حقوق الفتيات والتأكد من رضا الطرفين قبل التوقيع على قسيمة الزواج، رغم أنّه لا يعرف لغة الإشارة.
يقول: "عندما يكون الزوج والزوجة من الصمّ، يتولى الوالدان إحضار الأوراق اللازمة إلى مكتب المأذون، والاتفاق معه على كافة التفاصيل، وأثناء عقد القران يضع والد العريس يده في يد والد العروس وتُقال الصيغة الشرعية للزواج، ويقتصر دور العروسين على التوقيع على قسيمة الزواج فقط".
يضيف: "لو حسيت إنّ المؤخر قليل أو فيه ظلم للبنت، بسأل، والأهل بيقولوا إن ده اتفاق بيننا وبالتالي مقدرش أتدخل".
ماريان سامي فوزي (30 عاماً)، ودينا صلاح (27 عاماً) من قرية الحي بمركز الصف، راقبتا عن قرب قصص فتيات صمّاوات مثلهنّ، عشن قصص زواج فاشلة انتهت بالطلاق فقررتا عدم الزواج، والتفرغ للرسم على الزجاج.
أسرة ماريان منحتها الحرية فيما يتعلق بالدراسة وتعلّم الرسم، أو حتى السفر في رحلات مع الكنيسة. لذلك وجدت في هذه الأنشطة تعويضاً مُرضياً لا تضطر معه للقبول بزواج تعيس تعاني فيه مثل صديقاتها المتزوجات من المعاملة السيئة والإهمال سواء من الزوج أو من أهله.
قررت ماريان أن تعيش حياة أشبه بالرهبنة، فقد تقدم لخطبتها أكثر من شاب لكنّها رفضتهم جميعاً لأنّهم من المتكلمين. تقول: "جوازات البنات الصمّاوات أغلبها وحشة. أنا كده قلبي صافي لربنا وهاعيش كده".
تشاركها "دينا" الرأي ذاته، مبيّنة أنّ بعض الشباب يفضلون الفتاة الصمّاء بحثاً عن التزامات أقلّ، فهم لا ينظرون إليها نظرتهم إلى المرأة السليمة. وتقول إنّها حالياً تبحث عن عمل في الشركات الحكومية ضمن نسبة الـ 5% التي خصصتها الدولة لذوي الإعاقة، وفي الأثناء تقضي وقت فراغها في زيارة صديقاتها أو أقاربها.