ميزانية المخاطر
"قد تضطر الخزانة العامة لسداد تعويضات نتيجة الفصل في قضايا التحكيم
المرفوعة على الحكومة المصرية أو تسويتها ودياً"، عبارة جاءت في
البيان المالي عن مشروع الموازنة العامة المصرية لعام 2021-2022 تحت
بند المخاطر المالية دون الإشارة إلى المبالغ المخصصة لها.
جدير بالذكر أنّ مصر من الدول التي تلتزم بدفع التعويضات المترتبة
عليها في قضايا التحكيم الدولي، وفقاً لدراسة بعنوان "امتثال الدولة
لتعويضات منازعات الاستثمار"، نُشرت عام 2020 في دورية "ICSID
Review".
الأمر نفسه ينطبق على عدم إعلان قيمة التسويات التي قدمتها مصر
كتعويضات للمستثمر الأجنبي مقابل إنهاء قضايا التحكيم، التي وصلت إلى
37 قضية، وفقاً لقطاع التحكيم والتسويات الدولية في وزارة العدل. 11
من تلك القضايا رُفعت بمركز "إكسيد"، الذي نظر في 26 قضية منذ عام
2011، بنسبة 68% من مجمل عدد القضايا المقيّدة ضد مصر، بحسب بيانات
المركز نفسه منذ عام 1984.
قضايا التحكيم ضدّ مصر بعد عام 2011
أسباب الزيادة المطّردة في قضايا التحكيم المرفوعة ضدّ مصر في
"الإكسيد" خلال العقد الأخير يمكن حصرها في عاملين، الأول هو
القرارات الحكوميّة سواء تلك التي جاءت بناءً على التغيرات السياسية
والاجتماعية التي شهدتها البلاد إبان الثورة المصرية أو غير ذلك،
وتمثل 12 قضية.
فيما يتمثل العامل الثاني بالدعاوى القضائية التي رفعها نشطاء وأشخاص
بصفتهم ضدّ هيئات حكومية بسبب صفقات شابها الفساد، وأخرى طالبت بعودة
شركات ومصانع إلى ملكيّة الدولة عقب خصخصتها وعددها 7 قضايا.
وتتعدد جنسيات المستثمرين الأجانب أصحاب قضايا التحكيم المرفوعة ضدّ
مصر في "الإكسيد" بعد عام 2011، نتيجةً لاتفاقيات الاستثمار التي
وقّعتها مصر مع دول أجنبية وعددها 115 اتفاقية، تتيح بنودها للمستثمر
حقَّ اللجوء إلى التحكيم الدولي لتسوية النزاع مع البلد المضيف.
%38 من إجمالي قضايا "الإكسيد" ضدّ مصر -بعد عام 2011- البالغ عددها
26 قضية ما زالت قيد التحكيم، بينما حُسم 12% فقط من القضايا لصالح
مصر، بواقع ثلاث قضايا.
ما يقرب من نصف عدد القضايا أيضاً تمّت تسويتها، من بينها 5 قضايا
سُحبت قبل أو بعد صدور حكم لصالح المستثمر، الأمر الذى فسّره مستشار
التحكيم التجاري الدولي فاتح جابي بأنّ "القضية لا تُسحب إلّا بعد
التفاوض على حلٍّ ودّي، والتفاوض يتيح للمحكّم احترام المبادئ
الأساسية للتقاضي، وقد يقوم باستبعاد قواعد قانونية، أو قواعد مراكز
التحكيم".
ويرى جابي أنّ سبب زيادة قضايا التحكيم ضدّ مصر هو التفريط في
الموارد والأصول عند إبرام العقود مع المستثمر الأجنبي، مع عدم
الشفافية وبيروقراطية الجهاز الإداري الحكومي.
أحجية إسبانية
سجّل مجال الغاز الطبيعي والمحاجر النسبة الأعلى من مجموع قضايا
التحكيم المرفوعة ضدّ مصر بعد عام 2011 بواقع 23%، تلاه قطاعا البناء
والصرف الصحي بنسبة 15% و11% لكلٍّ منهما.
مجالات قضايا التحكيم ضدّ مصر
قضية "يونيون فينوسا جاز الإسبانية" Unión Fenosa -شركة مشتركة بين
"Naturgy ناتورجي" 50% و"Eni إيني" 50%- واحدة من أشهر قضايا قطاع
الغاز الطبيعي، وتحمل رقم (ICSID Case No. ARB/14/4).
تتهم الشركة الإسبانيّة مصر في دعوى "الإكسيد" بالإخلال بمبدأ
المعاملة العادلة بعد وقف إمدادات الغاز الطبيعي عام 2012 لمصنع
إسالة دمياط الذي تملك الشركة نسبة 80% منه، لصالح سدّ عجز السوق
المحلي.
صدر الحكم لصالح المستثمر عام 2018 بتغريم مصر 31 مليار جنيه (2
مليار دولار أمريكي). وخلال عام 2020 توصّل الجانبان إلى اتفاق تسوية
دون الإعلان عن قيمته، إلّا أنّ شركة "ناتورجي" أعلنت انسحابها من
شركة "يونيون فينوسا" مقابل تعويض من الحكومة المصرية يصل إلى 9360
مليون جنيه (600 مليون دولار أمريكي)، إضافة إلى وضع يدها على الأصول
الخاصة بالشركة خارج مصر بقيمة 4680 مليون جنيه (300 مليون دولار
أمريكي).
أما "إيني" فزادت من حصتها في مصنع إسالة دمياط من 40% إلى 50% لتعزز
من وجودها في السوق الأوروبي، وخلال شهر آذار/ مارس 2021 شهد مصنع
دمياط استئناف العمل بعد توقف دام ثماني سنوات.
تنبغي الإشارة هنا إلى انتقادات وجهها تقرير حقوقي صادر عن المبادرة
المصرية للحقوق الشخصية حول "فساد تعاقدات الغاز في عصر مبارك"
للحكومة المصرية، بسبب إخفاء قيمة عقود بيع الغاز للشركات الأجنبية
من ضمنها "يونيون فيونسا" قبل حلها، إضافة إلى العقود طويلة الأجل
التي يعقدها الجانب المصري مع الجانب الأجنبي.
تواصلنا مع حمدي عبدالعزيز المتحدث باسم وزارة البترول لسؤاله حول
آلية مساءلة المتسبب في تدويل الخلاف مع المستثمر الأجنبي، وهل هناك
مراجعة للعقود القديمة والجديدة للحيلولة دون تكرار تلك القضايا،
لكنّه لم يرد.
طعون الخصخصة
في واقعة مشابهة أدى بطلان عقد الخصخصة -بيع القطاع العام- بين
المستثمر الأجنبي والدولة إلى رفع الدعوى التحكيمية (رقم ICSID Case
No. ARB/11/32) عام 2011 من قبل شركة "إندوراما" Indorama
الإندونيسية، بعد صدور حكم من القضاء الإداري في الدعوى (رقم 34517
لسنة 65 قضائية) ببطلان عقد شركة "مصر شبين الكوم للغزل والنسيج".
طالب المستثمر الإندونيسي -يملك 70% من غزل شبين- الحكومة المصرية
بتعويض قدره 156 مليون دولار أمريكي. وبحلول عام 2015 وصلت الحكومة
إلى تسوية مع الجانب الإندونيسي بلغت 50 مليون دولار أمريكي، رغم أنّ
قيمة شراء المستثمر للشركة لم تتعدَّ نسبة 16% من المبلغ المذكور.
وخلال عام 2018 عادت الشركة إلى الظهور في السوق المصري، بعد إعلانها
الاستحواذ على الشركة المصرية الهندية لإنتاج البوليستر، وذكرت
"إندوراما" عبر موقعها الإلكتروني أنّ الشركة المصريّة ستعزز بذلك
طاقتها الإنتاجية بنسبة 10%.
قضايا بطلان عقود الخصخصة مع المستثمر الأجنبي جاءت على إثر دعاوى
قضائيّة وجَّهت اتهامات لهيئات حكومية مصرية ببيع أملاك الدولة بأقلّ
من قيمتها السوقيّة، ومع حلول عام 2014، صدر قرار رئيس الجمهورية
السابق عدلي منصور (رقم 32) بمنع الأشخاص الطبيعيين من الطعن في
العقود مع المستثمر الأجنبي، للحد من دعاوى التحكيم المترتبة على
ذلك.
تجاهل حقّ الرد
واجهت مُعِدَّة التحقيق عقبات في الحصول على معلومات حول متوسط أتعاب
تلك المكاتب، وعدد القضايا التي أُسندت إليها في الشرق الأوسط، بعد
تجاهل الشركات الثلاث الرد على أسئلة أُرسلت لها عبر البريد
الإلكتروني.
غير أنّ المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قدّرت متوسط تكلفة التقاضي
للقضية الواحدة بالإكسيد بـ 8 ملايين دولار أمريكي، بحسب ورقة بحثية
حملت عنوان (استثمار في مواجهة العدالة)، ما يعنى أنّ متوسط إجمالي
التكلفة التي تكبدتها مصر خلال مرحلة التقاضي وحدها لـ 26 قضية
-رُفعت بالإكسيد بعد عام 2011- ربما بلغ 208 ملايين دولار.
رفضت هيئة قضايا الدولة أيضاً الردّ على سؤال حول آلية اختيار مكاتب
المحاماة التي تمثل مصر في قضايا التحكيم، وتفاصيل التوصيات التي
تقدمها الهيئة مع تمثيل مصر في كل قضية.
وبالعودة إلى القضايا ضدّ مصر في "الإكسيد" نجد أنّ متوسط عدد سنوات
التقاضي في العقد الأخير بلغ 44 شهراً، وهو أعلى من متوسط مثيلتها
بمركز "الإكسيد" البالغ 39 شهراً، وفقاً لموقع التحكيم الدولي التابع
لـ"Aceris Law LLC"، فيما تراوحت سنوات التقاضي بين عام وتسعة أعوام
للقضية الواحدة.
ورغم التعتيم على قيمة تسوية قضايا التحكيم، إلّا أنّ دفعة المصاريف
الإدارية الأوليّة للقضية الواحدة تتراوح ما بين 1.6 مليون جنيه (100
ألف دولار أمريكي) و2.4 مليون جنيه (150 ألف دولار أمريكي)، وتصل
تكلفة اليوم الواحد إلى 47 ألف جنيه (3 آلاف دولار أمريكي)، فيما
تعتمد التكلفة النهائية على التعويض المطلوب، وتعقيدات القضية،
والاستعانة بخبراء، وأتعاب شركات المحاماة.
دعاوى التحكيم ضدّ مصر ذات التعويضات المعلنة
يصل إجمالي التعويضات المعلنة المطلوبة من قبل المستثمر الأجنبي في
13 قضية رُفعت ضدّ مصر -من أصل 40 قضية رصدها مركز "الأونكتاد"- إلى
22 مليار دولار أمريكي، بمتوسط تعويض يصل إلى 1.7 مليار دولار أمريكي
للقضية الواحدة.