ARIJ Logo

مخاطر المصارف الإلكترونية في الجزائر

حمدي بعالة

22/02/2022

في الجزائر، أصبحت "بايسيرا Paysera"، وهي شركة خدمات مالية ليتوانية، أكثر شعبية من البنوك المحلية بفضل السهولة التي تقدمها في عمليات صرف العملة. لكن إذا كانت خدمات هذه الشركة قد دفعت بالسوق الموازية إلى العصر الرقمي، ماذا عن المخاطر؟

يقترب أحد المارة من مجموعة رجال جالسين حول طاولة ويلعبون الورق. يتبادل بضع كلمات مع أحدهم. يقوم العميل بعد ذلك بمسح رمز الاستجابة السريعة على هاتف تاجر العملات غير القانوني، ليعطيه الأخير المُعادل النقدي بالدينار غير القابل للتحويل، بعد أن تلقى تقريبًا 200 يورو. يدور المشهد في ساحة بور سعيد وسط العاصمة الجزائر. فقد صار الناس في هذه الساحة، وهي مكان رمزي لسوق العملة الموازية في الجزائر مذ وٌجدت، يعتمدون على التكنولوجيا الحديثة التي جعلت جزءا كبيرا من مبادلاتهم يتم عبر معاملات افتراضية.

في ذات الوقت، وعلى بعد بضع عشرات الأمتار من هذا المكان، يوجد أحد ملاحق البنك المركزي وعديد وكالات البنوك التجارية المعتمدة، يتم فيها فرض قواعد صارمة على العملات الأجنبية، ما يدفع الزبائن إلى تبادلها عن طريق المعاملات غير القانونية. وإذ تسمح لهم هذه المبادلات بالتصرف في أموالهم بأريحية، فهي تفتح الباب أيضًا أمام احتمالات ضارة بالاقتصاد الوطني، وحتى غير مشروعة.

وما جعل هذه القفزة ممكنة، هي الخدمة التي يوفرها تطبيق "بايسيرا Paysera"، و هي شركة خدمات مالية افتراضية مقرها ليتوانيا. يتم استخدامها في 200 دولة حول العالم، بما في ذلك الجزائر. ويمكن هذا التطبيق عملاء الشركة من تلقي الأموال وإرسالها بعملة اليورو (من وإلى حسابات بايسيرا وكذلك إلى الحسابات في البنوك التقليدية). كما توفر الشركة إمكانية الحصول على بطاقة الائتمان الدولية "فيزا"، وإجراء عمليات الدفع عبر الإنترنت.

في الجزائر، فرض تطبيق "بايسيرا" نفسه بين العديد من الخدمات المماثلة (Payoneer Wise Skrill وغيرها)، التي استخدمها الجزائريون لسنوات، ولو أن ذلك كان على نطاق أصغر، بفضل سهولة استخدامها. ما دفع بها إلى تصدر المشهد المصرفي، هو الطلب المتزايد على الخدمات البنكية، إذ أصبح الزبائن أكثر تطلبا منذ إدخال خدمات الجيل الثالث (2013) والرابع (2016) للإنترنت، في وقت بقيت المنظومة البنكية الوطنية محافظة على جمودها.

تقول فايزة، 31 سنة، و هي عاملة في شركة خاصة بالجزائر العاصمة ومترجمة مستقلة في أوقات فراغها: "جزء كامل من مدخولي لم أكن لأستفيد منه لولا بايسيرا". وتضيف: "لقد بدأت ترجمة النصوص على منصات الإنترنت لفائدة زبائن في أنحاء كثيرة من العالم في عام 2018 وكان عليّ إيجاد طريقة لتحصيل مستحقاتي". بعد محاولتها استخدام حسابها البنكي في الجزائر من دون جدوى، إذ طُلب منها تقديم عقود عمل، اقترح عليها أحد الأصدقاء استخدام "بايسيرا".

مثل فايزة، يعمل الآلاف من مقدمي الخدمات بالجزائر من مترجمين و مخططين للرسومات البيانية ومبرمجين على الإنترنت ويتلقون أجورهم بفضل هذه الخدمة الليتوانية.

راسلت " توالى" المتحدث باسم "بايسيرا" عبر البريد الإلكتروني لكنه هذا الأخير رفض الكشف عن عدد زبائنها الجزائريين والإفصاح عن القيمة الإجمالية السنوية للمعاملات من وإلى الجزائر. لكن هناك مؤشرات أخرى تجعل من الممكن تقييم استخدام الخدمة الليتوانية في الجزائر. على متجر Google Play، تظهر بايسيرا في المركز السابع بين التطبيقات المالية التي تم تنزيلها في الجزائر، متقدّمة بفارق كبير عن تطبيقات البنوك الجزائرية مثل "سوسيتي جينيرال الجزائر Société Générale Algérie" التي حلت في المركز الثالث عشر، أو " القرض الشعبي الجزائري CPA" الذي جاء في المركز الأربعين و"البنك الوطني الجزائري BNA"، الذي يتبعه في المركز الثالث والأربعين.

" يجد الكل ضالته في السوق الموازية "

تؤكد مصادر مطلعة على خبايا السوق الموازية للعملة أن بعض المعاملات على "بايسيرا" تصل قيمتها إلى عشرات الآلاف من اليوروهات، وهذا دون أدنى وجود للشركة الليتوانية في الجزائر. قال لــ "توالى" ألكساس روزينتاليس، مسؤول الاتصال في بايسيرا: "إذا ما وضعت الجزائر تشريعات مناسبة للتكنولوجيات المالية، فيمكننا البحث عن شريك محلي لتقديم خدماتنا محليًا".

لا يقدم مديرو بايسيرا شركتهم على أنها "بنك" ولكن "مؤسسة دفع إلكتروني". في أيلول/ سبتمبر 2020، صرح كوستاس نوريكا، أحد المؤسسين والمساهم الرئيسي في بايسيرا قائلا: "لسنا بنكًا ولا نعتزم أن نصبح كذلك، لكننا سنفتح فرعا ليكون بنكًا". سيسمح هذا للشركة بتقديم خدمات أخرى، خاصة منح القروض.

" إذا استقطبت بايسيرا جزءًا من مدخرات الجزائريين وحولتها إلى عملة صعبة، فهل يمكننا اعتبارها منافسا للنظام البنكي الجزائري مع أن الاخير لا يقوم بهذا الدور ولا يوفر وسائل فعالة للمعاملات تٌمكن من جذب الإدخار"، تتساءل فتيحة طلاحيت، الخبيرة الاقتصادية والباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، والتي تركز أعمالها على تحولات الاقتصاد الجزائري عقب الحقبة الاشتراكية.

من جهة أخرى، تشكلت بيئة اقتصادية كاملة حول بايسيرا في الجزائر، فيها من يعرض خدمات توصيل بطاقات فيزا للزبائن، ومن يتطفل بصرف العملات افتراضيا وحتى دفع معادلها النقدي بالدينار على الحسابات البريدية الجارية (CPP). في الأصل، معظم هؤلاء المقدمين للخدمات كانوا ينشطون في السوق الموازية للعملة على الطراز القديم قبل أن يطوروا خدماتهم مواكبة للتكنولوجيا.

عصام (47 عاما)، تاجر في حي فرحات بوسعد (ex-Meissonier) في الجزائر العاصمة، هو أحد هؤلاء. يدير عصام صفحة على فيسبوك من متجره للملابس الجاهزة، حيث يعرض شراء وإعادة بيع أموال اليورو على بايسيرا. يقول: "هذا دخل إضافي، كما أن هذه الخدمة تسمح لي بالحصول على مبالغ بالعملات الأجنبية من أجل استيراد الملابس".

نشأت السوق الموازية للعملة في الجزائر بعد صدور القانون (رقم 78/02)، المؤرخ 11 شباط/ فبراير 1978. منح هذا النص، الذي وقعه الرئيس الراحل هواري بومدين، الدولة وهياكلها سلطة احتكار التجارة الخارجية. و تطبيقا لذلك، تم وضع رقابة صارمة على صرف العملات على مستوى البنوك، وكان على المتعاملين الاقتصاديين الخواص، وكذلك الأفراد الذين يحتاجون صرف العملات الأجنبية بالدينار أو العكس -مثل المسافرين أو المغتربين- إيجاد طريقة لسد حاجياتهم من مختلف العملات.

حافظت الجزائر، كغيرها من البلدان الاشتراكية، على سياسة قائمة على نظام أسعار الصرف المتعدد حتى عام 1990، حيث تخلت عنه بعد اعتمادها توصيات صندوق النقد الدولي. بهذا الخصوص توضح السيدة طلاحيت : "بدءا من هذه اللحظة، ستتسامح السلطات الجزائرية مع السوق الموازية للعملة كبديل لنظام أسعار الصرف المتعدد الرسمي، واستبدالها بسعر صرف مزدوج قانوني/غير قانوني مسموح به".

وتضيف أنه مع تحرير التجارة الخارجية انطلاقا من عام 1994، اتخذت السوق الموازية للعملة أبعادًا كبيرة، ما جعلها "مؤسسة غير رسمية تأسيسية" للنظام النقدي الجزائري. "لم تٌقمع هذه السوق بأي شكل من الأشكال من قبل السلطات، بل على العكس، فقد تم دمجها في السياسة النقدية"، تشير الباحثة طلاحيت.

ويحافظ بنك الجزائر المركزي اصطناعيا على قيمة الدينار الرسمية مقابل العملات الأجنبية، إذ كانت دائمًا أعلى بحوالي 35٪ ​​منها في السوق الموازية (في وقت كتابة هذه السطور، 1 يورو يساوي 158 دينارًا بالسعر الرسمي مقابل 214 و215 ديناراً في السوق الموازية). ومن هنا ظهر تجار العملة في جميع أنحاء البلاد، ينشطون في السرية، بممارسة صرف العملات، إما كمهنة أو على هامش نشاط تجاري رئيسي.

في عام 2004، أصدر بنك الجزائر المركزي مذكرة تفسيرية فيها تعليمات إلى بنك التنمية المحلية (BDL) بالسماح للأفراد وأصحاب الأعمال الحرة (الصحفيون على وجه الخصوص) بالاستفادة فقط من 50٪ بالعملة الأجنبية من مستحقات خدماتهم، على أن تُدفع الـ 50٪ المتبقية بالدينار.

في الآونة الأخيرة، زادت اللوائح من تعقيد الوصول إلى العملات الأجنبية من القنوات الرسمية. وإذ أصدر مجلس الوزراء تعليمات بالسماح للمصدرين بالتصرف في كامل مداخيلهم بالعملة الصعبة، وضعت البنوك مزيدا من العراقيل وأصبح الأمر يتطلب إعلانًا مسبقًا عن المشروع وتقديرًا للمبالغ التي من المفترض تلقيها عن كل عملية تصدير للخدمات، ما دفع عديد المستقلين إلى إغلاق حساباتهم واعتماد حلول مثل ما توفره بايسيرا. لأنه و في كل الأحوال، كما صرح وزير الداخلية الأسبق، دحو ولد قابلية، في عام 2012، ردا على سؤال حول محاربة السوق السوداء، "يجد الكل ضالته في هذه السوق".

اعتقالات

لا يمكن إنكار أن السوق الموازية للعملة، والتي أصبحت الآن "رقمية" بفضل بايسيرا، سهلت الحياة بالنسبة للعديد من الجزائريين. ومن المعروف أيضًا حتى قبل العصر الرقمي، أن أي سوق غير رسمية محاطة بالكثير من المخاطر بالنسبة للمتعاملين. وأجاب عصام، صاحب متجر حي فرحات بوسعد، عندما سُئل عما إذا كانت الشرطة قد داهمته من قبل بسبب نشاطه المتعلق بالعملة، أن ذلك لم يحدث. وأضاف: " في وقت سابق من هذا العام، تم إلقاء القبض على تاجر آخر في السوق".

في نيسان/ أبريل 2021، و في إطار حملة قمع الحراك الشعبي، تعرض العديد من النشطاء للملاحقة بتهمة التمويل المزعوم من الخارج، ولا سيما من طرف قادة حركة رشاد، المصنفة "منظمة إرهابية". ونتيجة لذلك، تم استهداف بعض تجار العملة، وحتى بعض العاملين في البنوك، والذين طالتهم موجة من الاعتقالات.

إلى جانب الحراك ورشاد والبعد السياسي لهذه الحلقة، لطالما اتُهمت السوق الموازية للعملة بالترويج لأنشطة غير مشروعة ، بل وحتى إجرامية مثل تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

"يجب أن نعرف أيضًا ما هو موقف السلطات الجزائرية" من بايسيرا، تتساءل السيدة طلاحيت مرة أخرى. و تسترسل قائلة: "أليست بالنسبة إليهم طريقة لتحرير سعر صرف الدينار دون جعل الدولة تأخذ أي مخاطرة؟ لأن كل المخاطر سيتحملها الخواص، مع المحافظة على سعر صرف رسمي أكثر فائدة للمعاملات التي تجريها الدولة و المحظوظين من المستفيدين من النظام".

المؤكد هو أن خدمة مثل "بايسيرا" كانت لتنقذ أحد الصاغة الجزائريين من مصيبة. ففي عام 2018، وفي محاولة للالتفاف على التشريعات الجزائرية خلال عملية لاستيراد المجوهرات، حاول الصائغ صالح مناوي نقل ما يقرب من 150 ألف يورو نقدًا في قناته الشرجية إلى تركيا، قبل أن ينتهي به المطاف في أحد مستشفيات إسطنبول لأنه لم يتمكن من سحب المبلغ.