الحكومة المصرية مستأجر أبدي ومالك العقار في المحاكم

كيف تُماطل الحكومة المصرية في إخلاء الآف المباني التي تستأجرها من مواطنيها؟

تحقيق: محمد حميد

كفر الشيخ/ خريف 1977، بنك ناصر الاجتماعي المملوك للحكومة المصرية يوقع عقدًا مع المواطن أحمد مرسي، لاستئجار الطابقين الأول والأرضي من عقاره بشارع الخليفة المأمون وسط المدينة.

اتفق البنك على دفع إيجار قدره 110 جنيهات شهريًا، للطابقين اللذين تزيدُ مساحتهم على 650 مترًا مربعاً. هذا الإيجار كان يُماثل نحو 275 دولارًا أمريكياً، وفقًا لسعر صرف الجنيه أمام الدولار نهاية سبعينيات القرن الماضي، اليوم يساوي نحو سبع دولارات فقط!

بعد نحو 22 عامًا من التاريخ السابق، طلب مرسي من البنك إخلاء الطابقين، رافضًا تجديد عقد الإيجار، حيث "ينص القانون على أن فترة الإِجارة هي خمسة أعوام قابلة للتجديد، في حال لم يُخطر أحد الطرفين برغبته في الإخلاء"؛ لكن المسؤولين الحكوميين امتنعوا عن تنفيذ طلبه.

في هذا الوقت، كانت الحكومة المصرية تُخطط للخروج من المباني التي تستأجرها من مواطنيها في غضون خمس سنوات، أو إعداد عقود جديدة للمباني التي يصعب عليها التخلي عنها، وذلك بحسب قرار أصدره رئيس الوزراء المصري كمال الجنزوري (1996 - 1999) أثناء ترؤسه لجلسة مصغرة لرئاسة مجلس الوزراء في إبريل/ نيسان 1997.

بعد هذا الرفض الحكومي، لم يكن أمام مرسي إلا اللجوء للمحاكم، أقام دعوى قضائية أمام محكمة كفر الشيخ الابتدائية قُيدت برقم 192 عام 2000، مطالبًا فيها بطرد الحكومة من أملاكه.

مرسي واحد من بين آلاف المواطنين الذين يُؤجرون أملاكهم للحكومة المصرية، التي تستخدمها كجزء من مبانيها الرسمية سواء للعمل أو كاستراحات لموظفيها. وتُشير أقرب التقديرات التي حصلنا عليها من مصادر حكومية إلى أن عدد المباني التي تستأجرها الحكومة من مواطنيها تُقدر بنحو 190 ألف عقار، وذلك من بين 417 ألف و 593 عقارًا هي إجمالي المباني الحكومية الرسمية في البلاد، وفقًا لنشرة التعداد السكاني الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2017.

يُوثق هذا التحقيق، مماطلة بعض الوزارات والشركات العامة والبنوك التابعة للحكومة المصرية في الخروج من المباني التي تستأجرها من المواطنين بمبالغ مالية أقل من القيمة السوقية حاليًا، إذ تتراوح هذه المبالغ بين 12 و300 جنيهًا (1 : 20 دولارًا)، وفقًا لسعر صرف الجنيه الحالي أمام الدولار؛ مخالفة بذلك أحكام قضائية صادرة عن المحكمة الدستورية العليا قضت بشكل نهائي بإعادة هذه الحقوق لأصحابها.

إيجار خارج الزمن

محمد، الأبن الأكبر لأحمد مرسي، شاب في منتصف العقد الرابع، يقول :"كنت صغيرًا في ذاك الوقت"، لكني بعد مراجعة أوراق أبي وجدت أن إيجار بنك ناصر الحكومي لم يزد عن 310 جنيهات، على الرغم من انخفاض قيمة الجنيه، وتحرير سعر الصرف.
كان الجنيه المصري فقد حوالي 50% من قيمته، بعدما قرر رئيس مجلس الوزراء الدكتور عاطف عبيد (1999- 2004) تعويم الجنيه وفك ارتباطه بالدولار الأمريكي، وترك المعاملات المالية لسوق العرض والطلب، فيما عُرف حينها بـ"التعويم المُدار".

icon

اضغط على الصورة لإظهار الإحصائية

1980
-5%
حجم صغير
40 قرشا
ما فقده الجنيه أمام الدولار
1990
-375%
حجم كبير
1.5 جنيهًا
ما فقده الجنيه أمام الدولار
2000
-242%
حجم كبير
3.40 جنيهًا
ما فقده الجنيه أمام الدولار
2010
-191%
حجم متوسط
6.5 جنيهًا
ما فقده الجنيه أمام الدولار
2020
-248%%
حجم متوسط
16.16 جنيهًا
ما فقده الجنيه أمام الدولار
2000
5%
حجم صغيز
40 قرشا
ما فقده الجنيه أمام الدولار

ما فقده الجنيه أمام الدولار

يُواجه أشرف مصلح، 45 عامًا، أحد ملاك العقارات في مدينة زفتى بمحافظة الغربية، نفس أزمة عائلة مرسي، قائلاً: "عندي ثلاث جهات حكومية مُستأجرة، الأولى هي الشركة القابضة للقطن والغزل والملابس التابعة لوزارة قطاع الأعمال بمبلغ شهري لا يزيد عن 135 جنيهًا (8.5 دولارًا)". الجهة الثانية هي الشركة المصرية للاتصالات التابعة لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، واصفًا إيجارها الشهري بـ"الملاليم".أما الجهة الثالثة، مصلحة الشهر العقاري، جهاز حكومي خاص بالتوثيق، حيث يستأجر منه شقة منذ عام 1972، بقيمة 12 جنيه شهريًا (أقل من دولار).

ويلفت مصلح إلى أنه رغم انتقال مصلحة الشهر العقاري لمقر آخر جديد، وتصفية أعمال شركة الغزل بمدينة زفتى، لكنهما لا يزالان يحتفظان بالمباني، رافضين الخروج منها.

تتشابه هذه الأزمات مع ورثة صالح عبد الحفيظ الذي استأجرت منه وزارة العدل المصرية فيلا على النيل بمدينة بنها بمحافظة القليوبية، لاستخدامها استراحة للمستشارين، عام 1950، بأجرة شهرية قٌدرت بـ25 جنيهًا (دولار ونصف)، بحسب عقد الإيجار الذي حصلنا على نسخة منه.

ويُعاني محمد فتوح، أحد ملاك العقارات بمدينة زفتى، من المشكلة ذاتها، إذ تستأجر منه الجمعية التعاونية الاستهلاكية التابعة لوزارة التموين ثلاث محلات تزيد مساحتها عن 90 مترًا مربعا، بإيجار شهري حوالي 120 جنيهًا (7.6 دولارًا).

ويقول لمعد التحقيق، إن إيجار المحل الواحد في هذه المنطقة يتجاوز 7 آلاف جنيه شهريًا (450 دولارًا)، وأنه رفع دعوى قضائية ضد الحكومة عام 2019، وينتظر الحكم.

عدد المباني المؤجرة بالإيجار القديم في المحافظات المصرية “السكن - العمل

icon

اضغط على المحافظات لإظهار البيانات

المصدر: التعداد السكاني المصري العام للعام 2017 - الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

اشتراكية الرأسمالية

يُعاود محمد مرسي قائلاً :" أثناء نظر محكمة كفر الشيخ الابتدائية للقضية، عام 2001، طلب بنك ناصر رفضها، مستندًا لنص المادة 18 من القانون 136 لسنة 1981، التي قُننت وضع المُستأجر في عدم الإخلاء، بل وإمكانية مدَّها وتأبيدها".

وعليه اضطر لرفع دعوى قضائية أخرى أمام المحكمة الدستورية العليا، طالب فيها بإبطال دستورية المادة 18.

"المادة 18 هي نتاج للقوانين الاشتراكية التي صدرت خلال أنظمة حكم مختلفة"، هكذا يُؤرخ عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع الدكتور وليد جاب الله، مراحل تنظيم العلاقة الإيجارية في البلاد.

ويشرح في افتتاحية ورقة مقترحة لتعديل قانون رقم 136، حصلنا على نسخة منها، أن الأصل في تنظيم العلاقة الإيجارية القانون المدني رقم 131 الصادر سنة 1948، لكن مع إقرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر دستور 1956، تغير ذلك بعد نص المادة السابعة على تنظيم الاقتصاد القومي بخطط مرسومة تُراعي العدالة الاجتماعية.

وحتى بعد إتمام الوحدة العربية بين مصر وسوريا عام 1958، نص الدستور المؤقت على هذه المادة أيضًا، وكانت هذه المادة حجر الأساس لتدخل الدولة في توزيع السلع والخدمات، خاصة مع تبني حكومة عبد الناصر النظم الاشتراكية بصدور قوانين 1961، بحسب عضو الجمعية المصرية للاقتصاد.

ويلفت جاب الله إلى أنه مع تبني دستور 1971 نظام المزاوجة بين الاشتراكية والرأسمالية، صدر القانون رقم 49 لسنة 1977، و136 لسنة 1981، اللذين مثلاَ بداية قوانين الانفتاح الذي أقره رئيس الجمهورية الراحل أنور السادات.

إلى أن حُذف كل ما يخص الاشتراكية في دستور 1971، بعد نص المادة الرابعة منه على حرية النشاط الاقتصادي، وهي المعمول بها أيضًا في دستور 2014 أيضًا، وفقًا لعضو جمعية التشريع، مضيفًا "لكن رغم ذلك لم تتدخل الدولة لإعادة التوازن بين المُؤجر والمُستأجر، وهو ما يُحتم على المُشرَّع التدخل لتصحيح ذلك التشوه".

icon

اضغط على الرقم لإظهار القانون

icon

اضغط على الرقم لإظهار القانون

2001

نص ورقم القانون

القانون رقم 14 بتعديل قيمة الزيادة السنوية على الوحدات المستغلة لغير السكنى بقيمة ثابتة 1 : 2%.

1958

نص ورقم القانون

القانون رقم 55 بشأن خفض بنسبة 20% على الأماكن المنشأة من سبتمبر 1952 حتى يونيو 1958

1952

نص ورقم القانون

القانون رقم 199 بشأن خفض بنسبة 15% على القيمة الإيجارية للوحدات التي أنشأت من يناير 1944 حتى سبتمبر 1952

2006

نص ورقم القانون

القانون رقم 137 الخاص بتوثيق العقود الإيجارية

1997

نص ورقم القانون

القانون رقم 6 بشأن زيادة الأجرة القانونية للوحدات المستغلة لغير السكنى بنسبة 10%

1981

نص ورقم القانون

القانون رقم 136 بشأن ضوابط لتحديد قيمة الإيجار

1962

نص ورقم القانون

القانون رقم 46 بشأن تحديد القيمة الإيجارية وتشكيل لجان للتظلم من القيم الإيجارية

1961

نص ورقم القانون

القانون رقم 168 بشأن خفض بنسبة 20% على إيجارات الأماكن المنشأة من يونيو 1958 حتى نوفمبر 1961

1941

نص ورقم القانون

القانون رقم 151 في شأن منع الملاك من زيادة القيمة الإيجارية وامتداد العقود تلقائيًا

1977

نص ورقم القانون

القانون رقم 49 بشأن إلغاء جميع قوانين الإيجارات السابقة عليه واستحداث أحكام جديدة بشأن الإيجار

1920

نص ورقم القانون

القانون رقم 11 الخاص بتقييد أجور المساكن
القانون رقم 4 في شأن سريان تقييد الأجور على كل المساكن السكنى وغيرها

1996

نص ورقم القانون

القانون رقم 4 بشأن وقف التعامل بقوانين الإيجار القديم والعمل بالقانون المدني المصري في شأن الإيجار

1965

نص ورقم القانون

المصددر: ورقة بحثية حول الإيجار القديم صادرة عن المجلس السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة

الحكم التاريخي

إلى ذلك، يُوضح محمد مرسي، أنه لا يستطيع تقدير حجم الأموال المصروفة على قضية إخراج بنك ناصر، مضيفًا :"اللي أقدر أقوله إنها انتقلت من محكمة لأخرى، ومن دايرة للتانية من دون جدوى طوال سنوات".
ويُتابع :"سافرت السعودية لسنين اشتغل، وبعدين رجعت، لكن برده معرفتش أخد حقي"، مشيرًا إلى أن ذلك دفعه لاستئجار محل للعمل في الشارع حيث البنك يستأجر عقاره، لكن "مش زي إيجار البنك، لأ بالآلاف الجنيهات".
مهلة الـ5 سنوات التي حددتها الحكومة المصرية للخروج من الوحدات التي تستأجرها من مواطنيها انتهت منذ عام 2002، بحسب قرار حكومة الجنزوري، سنة 1997، إضافة لانتهاء العمل بقوانين الإيجار القديمة واعتماد القانون المدني المصري في تنظيم العلاقات الإيجارية.

عقود الإيجار القديمة، هي تلك التي وُقعت قبل صدور القانون رقم 4 لسنة 1996، والذي أنهى العمل بالقانون رقم 49 لسنة 1977 والقانون رقم 136 لسنة 1981 اللذين يُنظمان العلاقة بين المُؤجر والمُستأجر، ونص على تطبيق نصوص القانون المدني المصري في شأن الإيجار.

وتكشف وثيقة مسربة ممنوعة من التداول، أن لجنة السياسات الاقتصادية بالحزب الوطني المنحل بأمر قضائي، اقترحت مشروع قانون لتنظيم العلاقة الإيجارية، عام 2007، طالبت فيه بإلغاء العمل بقوانين الإيجار القديمة، لما رأت فيه من ظلم لأصحاب العقارات.

وطالبت اللجنة في الوثيقة التي حصلنا على نسخة منها، بتطبيق أحكام القانون المدني المصري على كل الأماكن المُؤجرة، سواء تلك التي تستأجرها الحكومة أو أشخاص طبيعيين.

فضلاً عن سريان أحكام القانون المقترح على الأماكن المُؤجرة التي يحكمها القوانين أرقام رقم 49 لسنة 1977 و136 لسنة 1981، مع إعطاء مهلة 5 سنوات أمام الجهات المُستأجرة منذ صدور القانون، لكن هذا المُقترح لم يرى النور.

و يُشير محمد مرسي إلى أن والده توفي العام 2015، فيما ظلت حقوقهم عالقة في أروقة المحاكم حتى أنهم يئسوا من الحصول على أملاكهم التي تستولي عليها الحكومة، و تناسوها تمامًا؛ لكن محاميهم محمد بدوي طلب في فبراير/ شباط 2018، تصحيح شكل الدعوى القضائية بأن يحلوا كورثة بدلاً من والدهم الراحل.

ويُضيف، أنه في مايو/ آيار 2018، يعني بعد 18 سنة في المحاكم، قضت المحكمة الدستورية بطرد الحكومة، بعدما أصدرت حكمها بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 18 من القانون 136 لسنة 1981، التي تنص بألا يجوز للمُؤجر طلب إخلاء المكان ولو انتهت المُدة المُتفق عليها في العقد، لتشمل أيضًا عقود إيجار الأماكن المُؤجرة للأشخاص الاعتبارية التي تستعملها في غير أغراض السكن.

كما حددت المحكمة في متن الحكم، بدء تنفيذ وسريان الحكم في اليوم التالي لانتهاء دور الانعقاد التشريعي العادي السنوي لمجلس النواب والذي انتهى في يوليو/ تموز من نفس السنة 2018.

وعن تفسير منطوق الحكم، يقول المحامي بالنقض والدستورية العليا ياسر زبادي، إن الحكومة أو الدولة كـ"كيان اعتباري" لا تموت وبالتالي فعقود الإيجار معها تعني "التأبيد والإلزام اللانهائي"، بعكس عقود إيجار الأشخاص الطبيعيين التي تنتهي إما بوفاة المُستأجر أو من يمتد له العقد.

الشخص الاعتباري هو كيان ذاتي مستقل يستهدف تحقيق غرض معين، بخلاف الشخص الطبيعي "الإنسان".

ويوضح زبادي في مقابلة مع معد التحقيق، أن الخلل هنا هو إعطاء ميِزة للشخص الطبيعي عن الاعتباري، بالمخالفة للدستور المصري الصادر في 2014، الذي نص على المساواة في المراكز القانونية، وحماية الملكية الشخصية. ويُضيف، أن هذه الفقرة من القانون، سلَبت المالك حقه في طلب إخلاء الوحدة المُؤجرة، حتى بعد انتهاء مدة الإيجار المُتفق عليها في العقد.

عدد المباني الحكومية (السكن - العمل)

icon

اضغط على المحافظات لإظهار البيانات

المصدر: التعداد السكاني المصري العام للعام 2017 - الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

أحكام أخرى

في أعقاب هذا الحكم الذي وُصف بـ"التاريخي"، انهالت الدعاوى القضائية المُطالبة بطرد الحكومة من أملاكهم، اكتفينا في نسخة التحقيق بتوثيق 5 منها، حكم فيها القضاء المصري بإنهاء عقود الإيجار مع الحكومة.

البداية من الحكم الصادر في 2021، من محكمة جنوب القاهرة الابتدائية في الدعوى رقم 850، بإنهاء عقود الإيجار التي وقعتها شركة قها للأغذية المحفوظة التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، عامي 1962 و1963، مع المواطن أحمد رأفت عبد العظيم.

وفي نهاية العام 2020، صدر حكم ثاني من المحكمة الدستورية العليا بأحقية عبد الوهاب المدثر في استرداد عقاره الذي كان يُؤجره لمديرية أمن الإسكندرية منذ عام 1961، في الدعوى رقم 126 لسنة 37 قضائية.

أيضًا حكم آخر، صدر في يونيو/ حزيران 2020، بعدما قضت محكمة جنوب القاهرة بإنهاء عقد الإيجار الذي وقعته شركة عمر أفندي التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام عام 1940، مع عائلة محمد السيد غريب، وإعادة العقار لهم، بحسب نص الدعوى رقم 707.

وفي مطلع عام 2020، قضت محكمة النقض بإخلاء العقار الذي استأجرته الهيئة القومية للبريد في مدينة المحمودية بمحافظة البحيرة منذ عام 1963، وإعادته للمالك محمد عبد المحسن خاطر، وفقًا للدعوى رقم 13626 لسنة 82 قضائية.

ثم هناك الحكم الخامس، الذي أصدرته محكمة جنوب القاهرة الابتدائية، بإخلاء عقارات محلات هانو وبنزايون والصالون الأخضر بوسط القاهرة والتي تتبع شركة بيوت الأزياء الراقية التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، وإعادته إلى مالكه علي القيسي، وفقًا للدعوى رقم 821 لسنة 2019.

مماطلة حكومية

" كان المحامي الخاص بنا قد تُوفي، ومضى عامين على صدور حكم الدستورية العليا، لكن بنك ناصر لازال يُماطل في الخروج من الطابقين الأول والأرضي"، حسبما يروي محمد مرسي، مضيفًا أنه لم يجد أي تعاون من جانب الجهات المنوط بها تنفيذ الأحكام القضائية.
ويتفق المحامي بالنقض والدستورية ياسر زبادي مع ذلك قائلاً:" الحكومة تلجأ للمماطلة والتسويف في تنفيذ الأحكام القضائية النهائية، سواء بإطالة أمد الدعاوى القضائية أو بغيرها". ويعتقد أن ذلك قد يتسبب في فقدان ثقة المواطن بحكومته.

ليس هذا فقط ما تفعله الحكومة، لكن معد التحقيق رصد قيام الحكومة المصرية باستخدام قانون المنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990 لـ"مصلحتها"، عبر إضفاء صفة "المنفعة العامة" خاصة على المدارس التي تستأجرها من المواطنين، إذ منذ صدور الحكم بعدم الدستورية، في 2018، أحصى معد التحقيق 32 قرارًا حكوميًا نُشرت في الجريدة الرسمية تقضي بإضفاء صفة "المنفعة العامة"على مدارس مؤجرة.

كما ينص القانون على تعويض المالكين، طبقًا للأسعار السائدة في السوق وقت صدور قرار نزع الملكية، مضافًا إليه نسبة 20% من قيمة التقدير، وأن تدفع الجهة الحكومية كل المبلغ في غضون شهر واحد.

كما يُوضح زبادي، أن الحكومة المصرية تقدمت بمشروع قانون يخص الكيانات الاعتبارية فقط، بناء على إلزام المحكمة الدستورية لها بذلك، والذي تضمن إعطاء مهلة 5 سنوات للحكومة للانتقال، خلالها تزيد الأجرة 5 أمثال، إضافة لزيادة سنوية بنسبة 15%.

لكن مشروع القانون الحكومي تضمن خللا دستوريا، كونه يُعطي ميزة للشخص الاعتباري عن الشخص الطبيعي، باعتبار أن المصدر الرئيسي سواء للشخص الطبيعي أو الاعتباري واحد وهو عقد الإيجار، بحسب فتوى صادرة من مجلس الدولة المصري، حصلنا على نسخة منها.

وحتى الآن لايوجد مشروع قانون رسمي تقدمت به الحكومة أو اللجنة التشريعية بالبرلمان المصري، لتعديل قوانين الإيجارات، وفقًا لرئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب المصري سعد حمودة.

إلى ذلك، رفض المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري، هاني يونس، الرد على اتصالاتنا سواء عبر الهاتف أو تطبيق الواتس آب.

قيمة الإيجارات المدفوعة من جانب الحكومة خلال أخر 5 أعوام

2021/ 2020
الإجمالي السنوي
794.1 مليون
قيمة إيجارات الهيئات الخدمية
517.8 مليون
قيمة إيجارات الإدارة المحلية
100.5 مليون
قيمة إيجارات الجهاز الإداري
175.7 مليون
2020/ 2019
الإجمالي السنوي
686 مليون
قيمة إيجارات الهيئات الخدمية
458 مليون
قيمة إيجارات الإدارة المحلية
34 مليون
قيمة إيجارات الجهاز الإداري
194 مليون
2019/ 2018
الإجمالي السنوي
576 مليون
قيمة إيجارات الهيئات الخدمية
388 مليون
قيمة إيجارات الإدارة المحلية
27 مليون
قيمة إيجارات الجهاز الإداري
161 مليون
2018/ 2017
الإجمالي السنوي
550 مليون
قيمة إيجارات الهيئات الخدمية
385 مليون
قيمة إيجارات الإدارة المحلية
23 مليون
قيمة إيجارات الجهاز الإداري
143 مليون
2017/ 2016
الإجمالي السنوي
344.7 مليون
قيمة إيجارات الهيئات الخدمية
59.8 مليون
قيمة إيجارات الإدارة المحلية
22.2 مليون
قيمة إيجارات الجهاز الإداري
262.8 مليون

المصدر: البيان المالي التحليلي للموازنة العامة للدولة من 2021- 2016

الإجمالي
الإجمالي السنوي
2950.8 مليار
قيمة إيجارات الهيئات الخدمية
1808.6 مليار
قيمة إيجارات الإدارة المحلية
206.7 مليون
قيمة إيجارات الجهاز الإداري
936.5 مليون

خسارة للجميع

بعد تنهيدة طويلة ونصف ابتسامة كَحلّت وجهه الأسمر، يحكي محمد مرسي، أن 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، كان آخر يوم لبنك ناصر. مضيفًا :"دلوقتي في ناس عايزة تستأجر مني الطابقين بـ165 ألف جنيه في الشهر، يعني حوالي 11 ألف دولار، قيس بقى حجم الخسارة والمرارة".

هذه الخسارة لاتتوقف على مرسي أو المواطنين، لكن الحكومة تخسر أيضًا، إذ يمنعها ضآلة مبالغ الإيجار القديم من تحصيل الضريبة العقارية على هذه المباني، طبقًا للمادة 18 من قانون الضريبة على العقارات المبنية رقم 196 لسنة 2008 وتعديلاته الصادرة في 2020.

كما تنص المادة السابقة، على إعفاء الوحدات العقارية السكنية التي يقل إيجارها السنوي عن 24 ألف جنيه، وإعفاء أي عقار يُستخدم للأغراض التجارية أو الصناعية أو الإدارية أو المهنية يقل إيجاره السنوي عن 12 ألف جنيه.

في النهاية يختم محمد مرسي حديثه :"والله الإيجار اللي كانت بتدفعه الحكومة طيلة الـ43 سنة كنا بنطلعه لله".