ARIJ Logo

مصانع "الوحدة العربية".. هواء ملوَّث وحرائق لا تتوقف

تحقيق: وسام حمدي وهاجر زين العابدين
تصوير: محمد صلاح وأشرف سليم

31/12/2020
مصانع شبرا-برومو
quote

النيران اشتعلت وفشلت كلّ محاولاتنا لإطفائها، وباب المصنع كان مقفلاً من الخارج، وبدأ الدخان يكتم على أنفاسنا

هذا آخر ما يتذكره علي جمال (16 عاماً) الطالب بالمرحلة الثانوية، قبل أن يتمكن السعال من أنفاسه ويشعر بسببه بالاختناق ويفقد الوعي. علي، وأحد عشر عاملاً واجهوا الموت عندما حاصرتهم النيران داخل أحد مصانع بلاستيك الأحذية الخفيفة -غير المرخصة- بمنطقة "الوحدة العربية" في شبرا الخيمة، التابعة لمحافظة القليوبية شمالي القاهرة.

الحريق يعود تاريخه إلى أيلول/ سبتمبر 2018، ووقع في مصنع بشارع مسجد الرحمن، كان يحتوي على كميات كبيرة من عبوات المواد اللاصقة، والمذيبات العضوية المساعدة على الاشتعال. طفايات الحريق كانت فارغة، والمياه مقطوعة، أما الباب الرئيسي فأغلقه صاحب المصنع قبل ذهابه إلى منزله من دون الاكتراث بأرواح العمال، وذلك وفقاً لتقرير إدارة الأمن الصناعي التابعة لقسم شبرا الخيمة ثان - حي شرق، الذي أُعِدَّ بناءً على طلب النيابة العامة خلال التحقيق في القضية رقم 1072 لسنة 2019، وتقرير المعمل الجنائي وشهادة المصابين.

أُصيبَ علي بحروق بالغة، وتوفي في الحريق أربعة من زملائه في العمل، وأصيب خمسة آخرون.

المئات من مصانع وورشات البلاستيك لصناعة الأحذية الخفيفة تعمل من دون ترخيص، ولا يتوفر إحصاء رسمي بعددها. هذه المصانع لا تراعي اشتراطات الأمن الصناعي، وتنفث غازات خانقة ومضرّة عبر نوافذها أسفل المباني التي تمارس نشاطها فيها، ويطبق دخانها على أنفاس أكثر من نصف مليون مواطن يقطنون منطقة "الوحدة" بشبرا الخيمة، حيث أظهرت نتائج "قياس جودة الهواء" في المنطقة تخطي الحدود الآمنة التي حددها قانون البيئة.

في هذا التحقيق وثقنا 22 حالة متضررة نتيجة غياب شروط السلامة في هذه المصانع، بين مصابين بأمراض صدرية، وعمال تعرّضوا لحوادث فيها، يعاني بعضهم تشوهات جسدية، وبعضهم الآخر فقد حياته. كما رصدنا غياب تطبيق المصانع لشروط السلامة والأمان المهني، وأجرينا قياساً علمياً لجودة الهواء لكشف تأثيراته في صحة سكان المنطقة المحيطة بالمصانع والورشات.

ترعة ياسين.. لم يبقَ سوى الاسم

لغاية عام 1960 كانت "ترعة ياسين" تروى الأراضي الزراعية بمنطقة شبرا الخيمة، مع مرور السنوات والزحف العمراني، اختفت الزراعات ورُدمت الترعة المائية، ولم يبقَ منها سوى الاسم بعدما تحولت إلى شارع "ترعة ياسين"، أكبر شوارع منطقة "الوحدة"، المكتظّ بورشات صناعة البلاستيك.

بالإضافة إلى هذا الشارع تزدحم عشرات الشوارع الأخرى في منطقة "الوحدة العربية" بمئات الورشات والمصانع، لم يسجَّل منها سوى 94 مصنعاً في شعبة الصناعات الكيماوية التابعة لاتحاد الصناعات، فيما تمتلك سبعة منها فقط سجلاً صناعياً.

ثريا الشيخ، عضو البرلمان المصري عن منطقة "الوحدة العربية"، تقول إنّ عدد مصانع البلاستيك في المنطقة زاد زيادة مطّردة بعد عام 2010، وتقدر عددها بـ 400 مصنع تقريباً، بخلاف 600 مصنع آخر في منطقة شبرا الخيمة، يعمل فيها أكثر من 20 ألف شخص.

منطقة الوحدة بشبرا محدد عليها مناطق تجمعات المصانع

لم تُفلح كل محاولات محمود عبد القادر لإقناع نجله "إيهاب" (14 عاماً) بترك وظيفته في مصنع البلاستيك بشارع مسجد الرحمن، الذي عمل فيه علي جمال أيضاً. كان يراه صغيراً على الالتحاق بتلك المهنة الخطرة. لكن الفتى الصغير ظلّ متمسكاً بالعمل، حتى التهمته النيران، مع ثلاثة آخرين، في حريق المصنع عام 2018.

"إيهاب" كان طالباً في الصف الثالث الإعدادي. انتظر العطلة الصيفية ليغادر مدينته الصغيرة "العوامر" في محافظة أسيوط، متجهاً نحو القاهرة للبحث عن عمل يساعد به والده المتقاعد، ويجمع منه ما يغطي مصاريف دراسته الثانوية. يقول والده: "آخر مرة سافر فيها حاولت إقناعه بعدم الذهاب وبأن أعطيه كل المصاريف التي يحتاجها للدراسة. وعدني أنه سيعود بعد انتهاء الإجازة المدرسية ويكمل دراسته، ومن وقتها مستنيه ومرجعش".

إيهاب ضحية حريق مصنع مسجد الرحمن

وجهت النيابة لصاحب المصنع تهماً بعدم اتخاذ التدابير والاحتياطات اللازمة لتوفير وسائل السلامة الصحية والمهنية وتأمين بيئة العمل، وعدم الالتزام بالاشتراطات اللازمة للوقاية من مخاطر الحريق، وإدارة منشأة صناعية بدون ترخيص، وعدم تحرير عقود عمل للعمال، أو إبلاغ الهيئة التأمينية، وعدم حفظ ملفات تحتوي على بيانات العمال. ورغم صدور حكم ابتدائي على صاحب المصنع بالحبس ثلاث سنوات إلّا أنّ محكمة الاستئناف اكتفت بقرار حبسه سنة واحدة فقط.

محضر حريق المصنع وتحقيقات النيابة كشفت أنّ الحريق استمر نحو ثلاث ساعات، لأنّ طفايات الحريق كانت فارغة ومصدر المياه الوحيد في الحمّام كان مقطوعاً. كما كشفت معاينة النيابة أنّ المصنع مقامٌ على مساحة 70 متراً مربعاً، وأنّ له بابيْن حديدييْن أحدهما كان محكم الإغلاق من الخارج بقفل ومزلاج معدني وقت نشوب الحريق، والثاني كان مغلقاً أيضاً وبجانبه عبوات معدنية تحتوي على مواد لاصقة تستخدم في صناعة الأحذية البلاستيكية مثل "الكولة" (هي مادة كيميائية سامة تنتمي إلى فئة المذيبات العضوية الطيارة)، بالإضافة إلى مادة "التنر" (مذيب عضوي يضاف إليه كحول أحمر ويستخدم في أغراض صناعية في الصباغة والوقود). وتبين أنّ هذه المواد المخزنة أسفل درج المصنع تسببت بزيادة اشتعال النيران، التي اجتاحت غرفة العمال.

تنص المادة "237" من قانون العمل المعدّل سنة 2017 على إلزام المنشأة الصناعية باستخدام وسائل الوقاية من الحريق مع توفير أدوات الوقاية الشخصية المناسبة وتدريب العمال على استخدامها، من دون تحميلهم أيّ أعباء مادية. مع ذلك تؤكد شهادات عدة جمعناها من سكان المنطقة، أنّ شهراً لا يكاد يمر دون نشوب حرائق متعددة داخل مصانع البلاستيك والورشات، بعضها تسهل السيطرة عليه والبعض الآخر تنتج عنه أضرارٌ بالغة بالعاملين وسكان المنطقة. حاولنا الحصول على إحصاء بعدد الحرائق داخل تلك الورش سنوياً، ولكنّ إدارة الحماية المدنية التابعة لوزارة الداخلية رفضت إعطاءنا أيّ بيانات.

الرقابة على المصانع المرخصة فقط

في جولتنا داخل منطقة "الوحدة العربية" تبين لنا أنّ ما يطلق عليه المصنع أو الورشة هو عبارة عن منشأة مقامة على مساحة 70 إلى 100 متر مربع بحد أقصى، وقد يصل ارتفاع بعضها إلى 12 طابقاً. وتتركز الآلات والمعدات الثقيلة والعمال في الدور الأول والثاني والثالث، بينما تخصص المساحات المتبقية لتخزين الإنتاج والمواد الخام. ولا تتوفر داخل تلك الأماكن الضيقة أيّ منافذ للتهوية الجيدة، أو وسائل لحماية العمال من الأضرار التي قد تنجم عن حوادث الحريق، كما لا تتوفر فيها مخارج آمنة للنجاة.

نصت المواد (42)، و(43)، و(44)، و(45) من اللائحة التنفيذية لقانون البيئة رقم (4) لسنة 1994 على إلزام صاحب المنشأة باتخاذ الاحتياطات لعدم تسرّب أو انبعاث أيّ مواد ملوثة للهواء داخل مكان العمل، إلّا وفقاً للحدود المسموح بها بالملحق رقم (8) وكذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على درجة الحرارة وشدة الصوت داخل مكان العمل والالتزام بمدة التعرض بما لا يتجاوز الحدود المسموح بها أيضاً.

محاضر إدارة البيئة بحي شرق شبرا الخيمة وثّقت عدم التزام المصانع بشروط السلامة والأمان. على سبيل المثال وبحسب أحد هذه المحاضر، التي حصلنا على صور ضوئية لثلاثة منها، ويحمل الرقم 33888 والمُحرر في أكتوبر/ تشرين أول 2018، ظهرت مخالفات في عدم تأمين المصنع ضد مخاطر الحريق، ووجود مخاطر كيميائية متمثلة في انتشار الروائح النفاذة داخل وخارج المصنع، وهي ناتجة عن حقن (تشكيل) البلاستيك السائل، وهي عملية يتم فيها تسخين المادة الخام ثم ضخها عبر أنابيب وصبّها في قوالب حديدية لتتخذ الشكل النهائي للأحذية البلاستيكية الخفيفة.

صور المحاضر

ورصدت معاينة "إدارة البيئة" أيضاً ارتفاع "الوطأة الحرارية" داخل المنشأة، وعدم الاحتفاظ بسجل بيئي لبيان تأثير نشاط المنشأة في البيئة.

وبحسب مسؤول "التفتيش البيئي" التابع لوزارة البيئة في المنطقة، عبد الرحيم موسى، فقد بلغ عدد المحاضر التي حررها للمصانع المخالفة بشبرا الخيمة في الأعوام الثلاثة الأخيرة 600 محضر، منها 300 محضر لمصانع بلاستيك الأحذية الخفيفة.

أحمد الباجوري، رئيس الإدارة المركزية للتفتيش والالتزام البيئي، التابعة لوزارة البيئة، يشير إلى أنّ نحو 95% من هذه المصانع غير مرخصة ويقول: "لا يمكننا بالأصل أن نطلق عليها اسم مصانع هي عبارة عن ورش صغيرة، وأُنشئت عشوائياً، وتبدأ إجراءات التعامل معها بتحرير المحضر والإحالة إلى النيابة، وتنتهي بإغلاقها وختمها بالشمع الأحمر".

لكن يبدو أنّ تلك المصانع والورش لا تطالها يد الرقابة من الأساس، بحسب إبراهيم المناسترلي، رئيس "مصلحة الرقابة الصناعية" الأسبق -وهي هيئة تابعة لوزارة التجارة والصناعة معنية بالرقابة على المصانع- الذي أوضح أنّ عمليات التفتيش تقتصر على المصانع المرخصة فقط والمسجلة لدى هيئة التنمية الصناعية، وأنّ الهيئة لا تراقب المصانع غير المرخصة إلّا في حال تقديم المواطنين شكاوى ضدها.

لكن "إدارة التفتيش والالتزام البيئي" قامت بتنفيذ 20 حملة تفتيشية خلال عام 2019، أغلقت خلالها 40 منشأة، حسبما ذكر أحمد الباجوري في مقابلة معه.

هواء ملوَّث

"آلاء أحمد" (24 عاماً) لا تغادر منزلها بلا كمامة، بعدما أُصيبت قبل سبع سنوات بحساسية مزمنة في الصدر. وفي آذار/ مارس الماضي داهمتها أزمة صدرية حادة أخبرها الطبيب بعدها أنّ حالتها تسوء يوماً بعد آخر.

أدخنة وغازات المصانع تحيط بمنزل "آلاء" من كل جانب. تتحدث إلينا وهي تحاول سدّ أيّ فتحات عند أطراف الأبواب والشبابيك تتسلل منها أدخنة المصانع، ولكن بلا فائدة.

تشعر "آلاء" أنّ الأدوية لا تجدي معها نفعاً، كما أنّها لم تعد قادرة على تحمّل تكلفتها التي تصل إلى 1200 جنيه شهرياً. وفوق ذلك فإنّ رضيعتها تتأثر سلباً بهذه الأدوية، ما دفعها إلى تخفيف الجرعات، لكنّ هذا زاد من سوء حالة "آلاء" الصحية. تقول: "جالي اكتئاب ما بخرجش من غرفتي إلّا للضرورة، حالتي الصحية دمرت حياتي".

3.3%
من سكان مصر مصابون بالسدة الرئوية
9 مليون
شخص مصابون بالربو في مصر
17600 شخص
يخضعون للعلاج في المستشفيات الحكومية من أمراض صدرية متنوعة في القليوبية
tomb
67434 مصريّاً توفوا
نتيجة الهواء الملوَّث خلال عام 2016

في الشوارع الضيقة المزدحمة بالمصانع تتصاعد روائح نفاذة تخنق الأنفاس. تنفث المصانع عوادمها عبر "مراوح شافطة" داخل نوافذ حديدية صغيرة في جدران الأدوار الأرضية، بينما تغيب المداخن والفلاتر أو الشفاطات الكربونية في الأدوار العليا.

المادة "42" من اللائحة التنفيذية لقانون البيئة لسنة 1994 وتعديلاته تحدد ضرورة ارتفاع المدخنة أكثر من مرتيْن ونصف على الأقل من ارتفاع المباني المحيطة بها بما فيها مبنى المصنع نفسه.

مصطفى مراد، رئيس "الإدارة المركزية لنوعية الهواء" التابعة لوزارة البيئة، يقول إنّ إنشاء المصانع في حيّز الكتل السكنية وعدم توفير أعمدة لتصاعد العوادم "المداخن"، والاعتماد على "شفاطات" تدفع الانبعاثات بالشوارع، وتصاعد الأبخرة بشكل غير منتظم في مستوى سير المارة، يُعدُّ مخالفة صريحة للمادة رقم (42) من اللائحة التنفيذية لقانون البيئة. إذ ينظم قانون البيئة عملية التخلص من الأبخرة والغازات داخل الأنشطة الصناعية من خلال "مداخن" لها ارتفاعات معينة ومحددة؛ طبقاً لحجم العادم، ويجب أن يصل ارتفاع المدخنة إلى أعلى من أعلى مبنى في المنطقة بثلاثة أمتار.

ويوضح مراد أنّ تصاعد الغازات الهيدروكربونية الضارة، الناتجة عن مخلفات المواد البلاستيكية التي تخضع للتشكيل والتسخين، يسبب أمراضاً صدرية مزمنة سيما مع وجود أعداد كبيرة من السكان في محيطها. علماً أنّ خطورة هذه الغازات تزداد وقت سكون الرياح أو في المناطق المغلقة كما في منطقة "الوحدة العربية" بحسب مراد.

تجربة

أجرينا قياساً لنسبة الغازات الضارة في هواء منطقة الوحدة العربية، بمساعدة معمل "IES للخدمات البيئية" المعتمد من جهاز شؤون البيئة. اخترنا بمساعدة الدكتور رجب عبد الخالق أبو بكر الاستشاري المختص في قياسات البيئة، بؤرتيْن وسط المنازل المحيطة بمصانع البلاستيك. البؤرة الأولى تقع في تقاطع شارع الهجان مع شارع مصطفى الشاذلي، وأظهرت أنّ نسبة أول أكسيد الكربون وصلت إلى 115 مليجراماً/ متر، متعدية الحدود القصوى المسموح بها وفقاً لقانون البيئة وهي 30 مليجراماً/ متر.

ووصلت نسبة ثاني أكسيد الكبريت إلى 395 ميكروجراماً/ متر مكعب، متعدية النسبة المسموح بها وهي 300 ميكروجرام/ متر مكعب، أما ثاني أكسيد النيتروجين فوصلت نسبته إلى 360 ميكروجراماً/ متر مكعب، متعدية النسبة المسموح بها وهي 300 ميكروجرام. وبلغت نسبة الجسيمات الصلبة (الأقل من 2.5 ميكرومتر) 160 ميكروجراماً/ متر مكعب، متعدية المسموح به بنسبة 200%، أما الجسيمات الصلبة الأقل من 10 ميكرومتر، فتعدت النسبة المسموح بها بـ 191%.

البؤرة الثانية كانت في شارع جمال عبد الناصر في منطقة الوحدة العربية، وأظهرت النتائج، أنّ نسبة أول أكسيد الكربون وصلت إلى 43 مليجراماً/ متر. ونسبة ثاني أكسيد الكبريت 390 ميكروجراماً/ متر مكعب، أما ثاني أكسيد النيتروجين فوصلت نسبته إلى 350 ميكروجراماً/ متر مكعب، فيما وصلت نسبة الجسيمات الصلبة (الأقل من 2.5 ميكرومتر)، 95 ميكروجراماً/ متر مكعب، متعدية المسموح به بنسبة 19%، أما الجسيمات الصلبة الأقل من 10 ميكرومتر، فتعدت المسموح به بنسبة 12%.

تقرير القياسات البيئية بمنطقة الوحدة العربية بشبرا الخيمة
أول أكسيد الكربون
ثاني أكسيد الكبريت
ثاني أكسيد النيتروجين
الأوزون
الجسيمات الصلبة أقل من 2.5 ميكرومتر
الجسيمات الصلبة أقل من 10 ميكرومتر
أول أكسيد الكربون
(ميكروجرام/ متر مكعب)
النقطة الأولى
115.2
نسبة التجاوز
385%
النقطة الثانية
42.614
نسبة التجاوز
40%

الحدود المسموحة: 30

ثاني أكسيد الكبريت
(ميكروجرام/ متر مكعب)
النقطة الأولى
395
نسبة التجاوز
13%
النقطة الثانية
390.071
نسبة التجاوز
12%

الحدود المسموحة: 350

ثاني أكسيد النيتروجين
(ميكروجرام/ متر مكعب)
النقطة الأولى
360.043
نسبة التجاوز
20%
النقطة الثانية
350.062
نسبة التجاوز
17%

الحدود المسموحة: 300

الأوزون
(ميكروجرام/ متر مكعب)
النقطة الأولى
220.695
نسبة التجاوز
22%
النقطة الثانية
190.152
نسبة التجاوز
12%

الحدود المسموحة: 180

الجسيمات الصلبة أقل من 2.5 ميكرومتر
(ميكروجرام/ متر مكعب)
النقطة الأولى
160
نسبة التجاوز
200%
النقطة الثانية
95
نسبة التجاوز
19%

الحدود المسموحة: 80

الجسيمات الصلبة أقل من 10 ميكرومتر
(ميكروجرام/ متر مكعب)
النقطة الأولى
287
نسبة التجاوز
191%
النقطة الثانية
168
نسبة التجاوز
12%

الحدود المسموحة: 150

المصادر:
الشبكة القومية لرصد ملوثات الهواء المحيط بجهاز شؤون البيئة.
الدلائل الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية (WHO) في شأن نوعية الهواء وملوثاته.
اللائحة التنفيذية للقانون رقم (4) لسنة 1994 والمعدل بالقانون رقم (9) لسنة 2009 في شأن حماية البيئة.

الحدود القصوى المسموح بها هي طبقاً لقانون البيئة رقم (4) لسنة 1994 والخاص بحماية البيئة وتعديلاته بالقانون رقم (9) لسنة 2009، واللائحة التنفيذية لقانون البيئة الصادرة بالقرار رقم (338) لسنة 1995 والمعدلة بقرار رقم (710) لسنة 2012، والقرار رقم (964) لسنة 2015.

ألزمت المادة (35) من القانون رقم (4) لسنة 1994 والمادة (36) من لائحته التنفيذية المنشآت الصناعية بعدم انبعاث أو تسريب ملوثات للهواء بما يتجاوز الحدود المسموحة الخاصة بنوعية الهواء. وقد حدد القانون اشتراطات معينة لاستخدام وحرق الوقود بالمنشآت الصناعية وذلك في المواد (40) من القانون و(42) من لائحته التنفيذية.

تقول سلوى كمال، الأستاذة الباحثة بقسم بحوث تلوث الهواء بالمركز القومي للبحوث، إنّ زيادة نسب غازات ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد النيتروجين على الحدود المسموح بها تؤثر على الجهاز التنفسي وتصيب الإنسان بحساسية العين والجلد، مضيفة أنّ الجسيمات العالقة في الهواء محملة بتركيزات عالية من الغازات، فهي أتربة دقيقة جداً تدخل إلى الرئتين، ثم تتدفق مع الدم، وتصيب بالتحجر الرئوي والتهابات الغشاء البلوري نتيجة للأتربة المختلطة بالسليكون، وهي من أخطر الملوثات التي تسبب أمراض التحجر الرئوي.

يؤكد على ذلك، استشاري الرصد البيئي ومعالجة المخلفات طه الصباغ، ويوضح أنّ زيادة غاز أول أكسيد الكربون على الحدود المسموح بها في القانون رقم (9) لسنة 2009 ينتج عن الحرق غير التام للوقود الكربوني، وهو غاز سام تأتي سميته من كونه معقداً مع هيموجلوبين الدم ويصعب التفكك ما يؤدي للاختناق ويصيب الجسم بالهزال، ويضعه في حالة مختزلة تصبح فيها كل وظائف الجسم سالبة.

ويضيف الصباغ أنّ الجسيمات العالقة قابلة للاستنشاق، أي يمكنها التغلغل في الرئتين ما يسبب الأمراض الصدرية، وتزداد الخطورة في حالة "تآزر الغازات" أي الاختلاط مع غازات ثاني أكسيد الكبريت، لتؤدي إلى ما يسمى بالتأثير "المتآزر" حيث يعزز كلٌّ من الملوثين سمية الآخر، على عكس ما يحدث عند التعرض إلى ملوث مفرد لأيّ منهما، وهذا ينطبق على كل الحالات التي تعاني من أزمات ربوية وحساسية الصدر والسدة الرئوية المزمنة.

عزيزة السيد، الرئيسة السابقة لحي شرق شبرا الخيمة، تقول إنّ المصانع بدأت قديماً في صناعة الأحذية البلاستيكية الخفيفة، عن طريق كسارة ومكبس (أدوات تستخدم في تصنيع وتطويع البلاستيك وتشكيله لصناعة الأحذية) وكانت الروائح الصادرة عنها بسيطة وأقل ضرراً على البيئة. ولكن مع زيادة وتيرة العمل وعدد المصانع تحولت المنطقة إلى مركز صناعي كبير -غير قانوني- تستخدم فيه خامات أولية رديئة، زادت من انبعاث الروائح الكريهة والأدخنة الضارة.

في عام 2017 قدمت النائب ثريا الشيخ طلب إحاطة إلى وزارة البيئة، بشأن الأضرار الناتجة عن مصانع البلاستيك في شبرا الخيمة، وردت وزارة البيئة في فبراير 2017، بأنّها شنّت حملات على منطقة "الوحدة العربية" في 30 ديسمبر/ كانون أول 2015، وحررت خلالها أربعة محاضر بيئية بالمخالفات لمصانع وورش صغيرة، فيمت أغلقت باقي الورش أبوابها هرباً من حملات التفتيش.

ولكن إغلاق تلك المصانع والورش لم يعد ممكناً، ولم تعد إدارات البيئة تستطيع إجراء ذلك بعد إصدار قانون "تسيير الإجراءات الصناعية" لسنة 2017.

المنزل للبيع

بجوار لافتة علقها على باب منزله وكتب عليها "المنزل للبيع"، وقف رمضان شهاب (55 عاماً)، يقول إنّه عرض منزله للبيع للهرب من مصانع البلاستيك التي تحيط بمنزله من كل جانب، ويتهمها بالتسبب في إصابة أربعة من أفراد عائلته بأمراض صدرية خطيرة.

ابنة شقيق رمضان "شيماء عامر" جلست لتتحدث عن إصابة ابنتها "مريم" بحساسية في الصدر: "طول الليل تصحى تقول مش عارفة أتنفس يا ماما"، نصحتها الطبيبة بترك المنطقة والرحيل بعيداً عن أدخنة مصانع البلاستيك في شبرا حتى تتحسن حالة ابنتها.

شيماء عامر

تقنين على ورق

صدر قانون "تيسير الإجراءات الصناعية" رقم (15) لسنة 2017، عوضاً عن القانون رقم (453) لسنة 1954، الخاص بالمحال الصناعية والتجارية وغيرها من المحال المقلقة للراحة والمضرة بالصحة العامة والخطرة. وكان الهدف من القانون الجديد كما أعلنت الحكومة هو توفير الوقت والجهد وتسهيل الإجراءات على المستثمرين.

سابقاً كان على المستثمر الحصول على موافقة 11 جهة مختلفة ليستوفيَ الشروط، الأمر يستغرق في بعض الأحيان نحو عاميْن. أما القانون الجديد، فقسم الأنشطة الصناعية إلى نوعيْن؛ أنشطة صناعية قليلة المخاطر ويستغرق إصدار رخصتها سبعة أيام فقط، وأنشطة صناعية عالية المخاطر يستغرق إصدار رخصتها شهراً واحداً.

يعارض عبد الرحيم موسى، مسؤول التفتيش البيئي، القانون الجديد ويعتبر ما فيه من نظام "الرخصة بالإخطار"، بوابة لتقنين وضع المصانع المخالفة من دون تنفيذها الاشتراطات بشكل حقيقي على أرض الواقع.

ويقول موسى إنّ القانون الجديد ألغى صلاحيات مفتش البيئة في الإغلاق الفوري لأيّ منشأة من دون ترخيص، وقطع مرافق المياه والكهرباء عنها، طبقاً للمادة الأولى والثانية من القانون القديم. وانحصر دور مفتش البيئة في تحرير المحاضر فقط، التي تُحال إلى المحكمة وتظل شهوراً فيها لتنتهي بتوقيع غرامة مالية على المخالف تبدأ من 2000 جنيه وتصل في أقصاها إلى 20 ألف جنيه فقط. وبحسب موسى فإنّ القانون الجديد وضع قرار الإغلاق بيد هيئة التنمية الصناعية التابعة لوزارة التجارة والصناعة التي تحرر محاضرها حتى تلزم المصانع بتوفيق أوضاعها.

ويلفت "موسى" إلى أنّ هيئة التنمية الصناعية تتجاهل التقارير المرسلة إليها من إدارات البيئة وتحذيراتها من مغبة تقنين أوضاع المصانع المخالفة، وهو أمر جعل من السهل على أيّ مصنع تحضير ملف بيئي على الورق فقط، من دون تنفيذ أيّ خطوات حقيقية لتحقيق الأمن الصناعي والبيئي في المنشأة.

في سبتمبر/ أيلول أرسلنا خطاباً رسمياً إلى هيئة التنمية الصناعية ولم يصلنا رد حتى تنفيذ هذا التحقيق ونشره.

هل هناك حل؟

بكر عبد المنعم، رئيس حي شرق شبرا الخيمة، قال إنّ هناك تفتيشاً دورياً يتمّ على هذه المصانع من خلال حملات بيئية دورية، كما يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفيق أوضاعها، مؤكداً أنّ هناك توجهاً حكومياً لنقل المصانع بعيداً عن المناطق السكنية، إما إلى منطقة بدر التابعة لمحافظة القاهرة أو الخانكة التابعة لمحافظة القليوبية، لإيقاف الأضرار الناتجة عنها، وأنّ القرار الآن لدى محافظ القليوبية. ولكن لم تنفذ أيّ من تلك الحلول حتى الآن.