ARIJ Logo

"مبارك كول"..

طلاب "مبارك - كول" .. ضحايا المصانع وصمت وزارة التعليم

تحقيق: رحمة ضياء

شاهد/ي خلاصة التحقيق في أقل من دقيقتين

عام مضى ولا يزال الحزن حاضراً في بيت الطالب مروان مصطفى. اندمل جرحه بعدما خلّف عجزاً دائما في اليد اليمنى، وغصّة عند ذويه إلى اليوم.

مروان أحد ضحايا برنامج "التعليم المزدوج" الفني، والمعروف بـ"مبارك كول". حُلم تصدّره وزارة التربية والتعليم للطلبة، إلا أنه تحوّل كابوساً في بعض الأحيان في المدارس والمصانع، التي يتدرب فيها 50 ألف طالب، يمثلون 2% من إجمالي طلبة التعليم الفني في مصر.

275
مدرسة على مستوى الجمهورية
3000
منشأة تدريبية

يكشف هذا التحقيق تشغيل طلاب وطالبات في البرنامج كعمالة رخيصة في مصانع قطاع خاص تحت مسمى "التدريب العملي" بمخالفة لقانون الطفل رقم 12 لسنة 96 المعدل بقانون 126 لسنة 2008 في ما يتعلق بعدد ساعات العمل وقصور إجراءات السلامة، يحدث ذلك في ظل ضعف رقابة وزارة التربية والتعليم، ما يعرضهم للإصابات تصل أحياناً إلى الوفاة.

التحقيق يرصد الانتهاكات التي يتعرض لها الطلاب بين 5 محافظات هي (الجيزة، بورسعيد، الشرقية، الفيوم، السويس).

جمع التحقيق شهادات لـ50 طالباً وذويهم (20 شهادة عبر مقابلات، و10 شهادات من استبيان، 20 شهادة من شكاوى مكتوبة جمعها المركز المصري للحق في التعليم من طلاب حصلنا على نسخ منها)، تنوعت بين الاستغلال وإساءة المعاملة، أو الإصابة بعاهة مستديمة، ناهيك عن حالتي وفاة وثقها التحقيق إلى جانب حالة أخرى نشرت في الصحف المصرية، في أقل من ثلاث سنوات من 2015 وحتى 2018 على النحو التالي.

7
التعرض لإصابات
6
حالات الوفاة
100
التعرض للإهانة وإساءة المعاملة
100
تجاوز عدد ساعات العمل المسموح بها للطفل
1991

زيارة الرئيس الراحل حسني مبارك لألمانيا وتوقيع اتفاقية دعم لتطوير التعليم الفني في مصر، وبلغت قيمة الدعم في المرحلة الأولى 28.5 مليون يورو.

1995

انتهاء مرحلة التجهيزات وانطلاق برنامج "مبارك كول" في مدينة العاشر من رمضان بعدد محدود من التخصصات المهنية وصل حالياً إلى 49 تخصصاً.

2007

توقف الدعم الألماني بعد انتهاء مرحلة التجريب والتطوير، وتخرج خلال هذه الفترة 24 ألف طالب وطالبة.

2015-20

بداية شراكة جديدة مع برلين أعقبت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لألمانيا، لتعزيز البرنامج في صورة عمالة وخدمات وأجهزة، ولا تتضمن تمويلاً مباشراً.

عاهة مستديمة

في يوم 5 شباط \ فبراير 2019، ذهب مروان مصطفى (15 عاماً)، طالب الصف الأول في مدرسة مبارك كول بمدينة 6 أكتوبر، إلى مصنع (ف) لتجهيز المنسوجات والطباعة بالمنطقة الصناعية الثانية بالمدينة بعدما أوفدته إليها وزارة التربية والتعليم لتلقي تدريب عملي لأربعة أيام أسبوعياً.

اقتصرت الفترة التدريبية في المصنع على تنفيذ طلبات المشرفين، يناديهم الطلاب بـ"الأسطوات" (جمع اسطى)، وتنحصر في "هات لنا أكل"، "أكنس الأرض"، "شيل الكرتونة" رغم أن تخصصه الدراسي هو الطباعة، وحين كان يقف إلى جوار أحدهم ليشاهد ويتعلم، يزجره الأسطى "اقعد على جنب"، بحسبما يروي مروان.

وفي هذا اليوم طلب منه أحد الأسطوات غسل ماكينة بالتنر رغم علمه المسبق أنه مصاب بحساسية ضد هذه المادة. طلب مروان أن يمهل ليرتدي القفاز فكان رد الأسطى "أنا لسه هستناك يا ابن...". انزعج مروان من الشتيمة، وتجمد في مكانه، فقذفه الأسطى بمقص حديد، تفاداه بيده اليمنى، وأدى لقطع في الوتر الباسط للأصبع الأوسط، ما استلزم إجراء جراحة ووضع جبيرة لمدة أسبوعين، بدأ بعدها العلاج الطبيعي، وفقاً لما ورد في محضر الشرطة والتقرير الطبي النهائي، المدون بتاريخ 26 شباط \ فبراير 2019.

لا تزال أسرة مروان، حتى تاريخ نشر التحقيق، تتردد على النيابة لمتابعة القضية، والحصول على تقرير للمرة الثانية من الطب الشرعي، في انتظار قصاص عادل لابنهم، الذي انتقل لمصنع آخر يقتصر عمله فيه على تسجيل الحضور والانصراف في دفتر، والقيام بأعمال بسيطة باستخدام يسراه.

تم ارسال خطاب رسمي بالبريد المسجل بعلم الوصول إلى إدارة مصنع (ف) للمنسوجات والطباعة، لمعرفة موقفها من المعلومات الواردة أعلاه، وعلى الرغم من مرور أكثر من عام على إرسال الخطاب في 2 إبريل/ نيسان 2019، لم نحصل على أي إجابة.

أعين الرقابة المغلقة

يلتحق طلاب التعليم المزدوج بالتدريب في المصانع، بموجب عقد بين أربعة أطراف هم المدرسة، والمصنع، والطالب، والوحدة الإقليمية في كل محافظة (وسيط بين المدارس والمصانع).

وينص البند الثاني من العقد على التزام المنشأة التدريبية بتوصيل المهارات العلمية اللازمة للطالب طبقا لخطة وزارة التعليم، وتوفير بيئة آمنة مع كافة وسائل الأمان الصناعي وملابس الوقاية وتدريبه على استخدامها وإلزامه بتطبيقها، والالتزام ببنود قانون الطفل الخاصة بتدريب الصبية. فيما ينص البند التاسع على صرف المنشأة التدريبية بدل تدريب شهري للطلاب بقيمة 300 جنيه للصف الأول (19 دولار تقريباً)، و400 للصف الثاني (25 دولار تقريباً)، و500 للصف الثالث(32 دولار تقريباً).

ولا تلتزم مصانع تدريب الطلاب، بغالبية هذه البنود، سواء بدل التدريب الذي لا يحصل عليها الطلاب كاملاً، أو عبر استغلالهم في أعمال بعيدة عن منهج التدريب، أو تشغيلهم لعدد ساعات يصل إلى 10 و12 ساعة يومياً، بمخالفة لقانون الطفل الذي يمنع تشغيل الأطفال أكثر من ست ساعات، مع تمتع الطفل بساعة راحة متفرقة بحيث لا يعمل أكثر من أربع ساعات متواصلة. 

ويرجع عبد الحفيظ طايل مدير المركز المصري للحق في التعليم، الانتهاكات التي يتعرض لها الطلاب وخرق المصانع بنود العقد إلى "ضعف رقابة وزارة التربية والتعليم على منشآت التدريب، وتخاذلها في القيام بدورها في حماية الطلاب".

قرار وزاري رقم 444 لسنة 2015

ينص القرار الصادر عن وزير التعليم السابق الهلالي الشربيني، على تشكيل لجنة إشرافية بكل محافظة تضم ممثلين عن وزارة التربية والتعليم والوحدات الإقليمية، بالإضافة إلى معلم يذهب لمتابعة الطلاب في المصانع مرة أسبوعياً، على أن يخصص له بدل انتقال.

ويضيف طايل أن عقد التدريب نفسه "يضع الطالب تحت رحمة صاحب المصنع" لأنه يجعل درجات الانتاج العملي، التي ينجح الطالب أو يرسب بموجبها، في يد أصحاب منشأت التدريب. ووثق المركز المصري للحق في التعليم شهادات لانتهاكات مماثلة يتعرض لها طلبة التعليم المزدوج في فيلم تسجيلي بعنوان "دبلوم صنايع"، استمع خلال إعداده لشهادات نحو 500 طالب وطالبة بمختلف المحافظات، ويصف ما يحدث لطلاب مبارك كول بـ"انتهاك كامل لحقوق الطفل".

"التعليم المزدوج" جلجلة الطلبة

شهد صباح يوم 29 مايو/ أيار 2018، آخر ابتسامة للطفل مكاريوس شكري (15 عاما) طالب مدرسة 6 أكتوبر للتعليم المزدوج. ودع بها أسرته ومنزله بحارة السماح في حي الطوابق بالجيزة، طالبا للعلم، وعاد شهيداً للإهمال!

كان مكاريوس يخرج من منزله في تمام السابعة صباحا ليذهب إلى مصنع (ه) للصناعات الغذائية في الجيزة، ولا يعود إلا في السابعة مساء. وفي نهاية الشهر يأخذ 200 جنيه (12 دولاراً) أو 250 جنيهاً (15 دولاراً) من دون أن يشكو من طول ساعات العمل، بحسب ما يقول شقيقه مينا شكري.

وتوفي مكاريوس بعد سقوط مصعد المصنع به، "كان يحمل ألواحاً ثقيلة من الصاج وعندما سقط المصعد، وقعت فوقه" يقول شقيقه.

نعت وزارة التربية والتعليم مكاريوس في بيان بتاريخ 29 مايو/ أيار 2018، قدمت خلاله التعازي لأسرته وقالت إنها "ستفتح تحقيقاً موسعاً في ملابسات الحادثة لكي تحفظ حقوق الطالب الفقيد الجنائية والتأمينية، ولضمان عدم تكرار مثل تلك الحوادث" إلا أنه حتى تاريخ نشر التحقيق لم تصدر الوزارة أية بيانات تفيد بقيامها بهذا التحقيق.

وحرر شقيق مكاريوس محضراً بقسم كرداسة يتهم فيه المصنع بالإهمال، إلا أن القضية انتهت بتنازل أهل مكاريوس مقابل تعويضٍ مادي من المصنع وفق مينا شكري، مبرراً موقف الأهل بقوله "تنازلنا عن القضية مقابل تعويض مادي لأننا لم نكن سنحصل على شيء غير ذلك".

تم ارسال خطاب رسمي بتاريخ 2 إبريل/ نيسان 2019، بالبريد المسجل بعلم الوصول، لمصنع (ه) للصناعات الغذائية بالاتهامات الخاصة باستغلال الطلاب وتشغيلهم لعدد ساعات أكثر من المنصوص عليها في قانون العمل وعدم الالتزام بقيمة بدلات التدريب المقررة في العقود، ولم يصل منهم أي رد حتى نشر التحقيق.

وتقول هدى إبراهيم، معلمة بمدرسة السادات الصناعية (بنات) بالسويس، إن هناك حوادث مماثلة يتم التعتيم عليها إعلامياً: "لأنه "لا يوجد من يفتش على المصانع أو يسألها عما تفعله بالطلاب".

حادثة أخرى تعود لعام 2015، أهدرت روح سلمى صابر حسين طالبة بمدرسة إسكو للتعليم المزدوج، صعقتها الكهرباء خلال تدريبها في مصنع للملابس الجاهزة بمحافظة القليوبية.

انتهاكات بالجملة في المحافظات

وفي بورسعيد تحكي بسنت عادل، طالبة متخرجة من مدرسة أحمد زويل للتعليم المزدوج في بورسعيد (حصلت على الدبلوم سنة 2017) "كنت أشتغل مثل العمال ثماني ساعات وأحيانا 10 ساعات، نصنع ضفائر السيارات، وكنت أنتظر فترة الراحة القصيرة وهي ساعة مقسمة على مرتين حتى أجلس قليلا لأريح قدمي وظهري، وفي أخر الشهر ينال العامل ألفي جنيه فيما أحصل على 250 جنيه رغم أننا نبذل الجهد نفسه."

ويقول محمد زكريا حسونة، وكيل الأنشطة في مدرسة أحمد زويل للتعليم المزدوج ونقيب المعلمين المستقلين في بورسعيد، إن المدارس في حال شد وجذب دائم مع المصانع في محاولة لتحسين أوضاع الطلاب قدر الإمكان. ويضيف أنه "المدارس نجحت في دفع المصنع للتوقف عن تشغيل الفتيات في غير تخصصاتهم والالتزام بالمنهج الدراسي، إلا أن نظام التعليم المزدوج ينزع السلطة من يد المدرسة ويضعها في يد الوحدات الإقليمية بكل محافظة في ما يخص توزيع الطلاب على المصانع".

الوضع سيان في الفيوم تقول شيماء.ع، طالبة بقسم الغزل والنسيج بالمدرسة الفنية بالحادقة في الفيوم، "يطلب مننا إنتاج من 100 إلى 200 قطعة في اليوم هنجيب صحة منين؟!"

عشرون دقيقة هي أقصى مدة راحة تحصل عليها الطالبات المتدربات بمصنع (ط) للملابس الجاهزة في قرية العزب بالفيوم خلال ثماني ساعات عمل، بحسب روايات الطالبات خلال لقاءات معهن.

الإصابات هي شيء معتاد وسط الطالبات كما تقول الطالبة ر.م زميلة شيماء في المدرسة والمصنع، "نتعرض للجروح في أيادينا بشكل مستمر سواء من إبر المكينات (الآليات) أو خلال عملنا في التشطيب بالقصافة ولا يوجد صيدلية في المصنع".

ويصف محمود البدوي، خبير تشريعات الطفل، ورئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث، ظروف عمل طلاب "مبارك كول" بأنها إحدى "أشكال استغلال الأطفال في أسوأ أشكال العمالة".

ارسل خطاب للمصنع (ط) للملابس الجاهزة بهذه الانتهاكات بتاريخ 7 فبراير/ شباط 2019 بالبريد المسجل بعلم الوصول ورغم التأكد من استلامه للخطاب عبر رقم التتبع لم يصل أي رد منه إلى الآن.

في محافظة الشرقية، يتذكر أحمد العطار، طالب سابق بمدرسة ومصنع (ق.م) بقرية الجوسق، (حصل على الدبلوم 2017) حادثة وقعت معه: "أصابني عامل بسلاح أبيض احتجت لأربع غرز وذهبت وقتها لطبيب على نفقتي لعدم وجود طبيب في المصنع وتم تغريم الجاني بخصم ثلاثة أيام من راتبه".

وليس هناك أبواب للشكوى أمام الطلاب: "المدير لا يبالي بما يحدث لنا في المصنع، وعندما تأتي لجان من الوزارة إلى المدرسة نشكوى لها لكنها لا تفعل شيئاً".

ورغم الحرص على مراسلة كافة المصانع الوارد ذكرها في التحقيق بالبريد المسجل بعلم الوصول للتأكد من استلامها للخطابات وإعطائها فرصة للرد على ما ورد إلا أن أحداً منهم لم يرد.

التعاون الألماني

ردت وكالة التعاون الإنمائي الألمانية بتاريخ 15 نوفمبر/ تشرين الثاني على إيمايل ارسل لها في 24 يوليو/ تموز 2018 باعتبارها تقدم دعماً للحكومة المصرية لتعزيز برنامج "مبارك كول"،وجاء في الرد أن "أفضل طريقة لتحقيق متطلبات نظام التعليم المزدوج هي وضع المتدربين فى بيئة عمل واقعية لمدة ثلاث سنوات، وإذ أن المتدربين لا يتمتعون بنفس درجة الخبرة أو الحرفية أو الإنتاجية مثل العمال الفعليين، فلا يمكن أن يحصلوا على أجور كاملة".ولفتت الوكالة إلى دعمها للوزارة عبر التدريب داخل المصانع على السلامة والصحة المهنية. 

رد وزارة التربية والتعليم والقطاع الخاص

نائب وزير التربية والتعليم لشؤون التعليم الفني د.محمد مجاهد قال من جهته: "لا أحب أن أضع رأسي في الرمال وأقول إنه ليس هناك سلبيات ولكن في الوقت نفسه لا نريد أن نكبر الأمور وأعمم الأمر كي لا نخسر منظومة التعليم المزدوج". وعلق على ما يتعرض له الطلاب من استغلال داخل المصانع: "استغلال الطلاب أمر خاطئ وسنحاول إيجاد طرق لتلافي ذلك". إلا أنه حتى تاريخ نشر التحقيق لم تعلن الوزارة عن إجراء واحد لتصحيح الأوضاع التي أقر الوزير أنها خاطئة.

في حين لم ير د.محمد حلمي هلال ممثل للمركز الوطني لتنمية الموارد البشرية التابع لاتحاد جمعيات رجال الأعمال (أحد الجهات الإشرافية) أن هناك مشكلة في عمل الطلاب لـ ثماني ساعات يوميا، قائلا "نحتاج أن يكون أولادنا رجالاً وأن يتحملوا طالما هناك عائد جيد".

وأقر بوجود انتهاكات تصدر عن بعض الوحدات الإقليمية وجمعيات المستثمرين لاستغلال الأطفال كعمالة رخيصة. وأوضح أن اتحاد جمعيات رجال الأعمال طالب الوزارة بأن تتبع كل الجهات الإشرافية للمركز الوطني حتى تخضع لمسؤوليته، مع وعد مماثل لوعد نائب الوزير بالعمل على تقويم الأخطاء حتى تستقيم المنظومة.

وفيما يخص الحوادث التي يتعرض لها الطلاب علق بقوله: "طالما هناك صناعة ستحدث إصابات"، مشيراً إلى وجود صندوق طوارئ من تبرعات المستثمرين للتعامل مع هذه الحوادث".

يبقى أن تعدد الجهات الإشرافية بين المدارس والوحدات الإقليمية الموزعة على المحافظات والمركز الوطني لتنمية الموارد البشرية والوزارة، أتاحت لكل جهة منها إلقاء اللوم على غيرها، ولكن تظل المسؤولية الأكبر على عاتق وزارة التربية والتعليم في حماية طلاب "مبارك كول" من ظروف العمل في تلك المصانع.