أنا مش بَفارق جهاز الأكسجين علشان أقدر أعيش ومبعرفش أنام بالليل من ضعف التنفس"
قبل عامين خضع أحمد (43 عاماً) للكشف الطبي، أخبره الأطباء أنّه يعاني تليّفاً في الرئة اليمنى، ويحتاج إلى جرعات تنفس اصطناعي (أكسجين) يومية.
قضى أحمد العامين متردداً على الأطباء، أملاً في الشفاء لكن من دون جدوى، تمكّن المرض من جسده، ولم يعد يستطيع الذهاب إلى الطبيب أو المستشفى باستمرار؛ للحصول على جرعة أكسجين تُبقيه على قيد الحياة من دون ألم.
على مسافة كيلومتر من مصنع شركة السكَّر والصناعات التكاملية المصرية، في مدينة كوم أمبو يعيش أحمد بمنطقة الألبان. الهواء ملوث مخلوط بانبعاثات المصنع الضارة (أول أكسيد الكربون)، التي كانت سبباً رئيسيّاً في مرضه بالتليّف الرئوي وتدهور صحته، بحسب ما ينقله "بهي الدين" عن حديث الأطباء معه.
يكشف هذا التحقيق عن تسبب أدخنة مصنع شركة السكَّر والصناعات التكاملية المصرية التابع لوزارة التموين في تلويث بيئة مدينة كوم أمبو، وزيادة انبعاثات غاز أول أكسيد الكربون عن الحدود المسموح بها، بالتزامن مع زيادة معدلات إصابة السكان والعمال بأمراض صدرية وتنفسية مزمنة، في ظل تقاعس وزارة البيئة ومحافظة أسوان عن إلزام المصنع باتخاذ التدابير اللازمة للحماية أو تنفيذ قرار إغلاق بحقه، كما تنصّ المادة 22 (1) من القانون رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته.
يعود أحمد بهي الدين ليقول إنّ الأطباء نصحوه بعدما تعذر علاجه، بنقل مكان سكنه بعيداً عن مصنع السكَّر إلى مكان نقي الهواء، لكنّه لا يستطيع توفير إيجار منزل بديل.
شخص في مصر مرضى بحساسية الصدر، والربو والسدة الرئوية المزمنة، نتيجة التدخين والتعرض لعوادم السيارات والجلوس أمام الأفران أو استنشاق المواد المتطايرة، بحسب ما أعلنته الجمعية المصرية للأمراض الصدرية خلال مؤتمرها السنوي رقم 21 عام 2016.
تشير بيانات مستشفى صدر كوم أمبو إلى أنّ عدد المرضى المسجلين لتلقي العلاج عام 2019 بلغ 1113 شخصاً، بينهم 180 مصاباً بسدة رئوية، و74 حالة تليّف رئوي، و721 مريضاً بالتهاب شُعبي، هذا بالمقارنة مع عدد حالات أمراض الصدر في مستشفى إدفو، الذي يبعد مسافة 50 كيلومتراً عن مدينة كوم أمبو، إذ بلغت في عام 2019 ما مجموعه 917 حالة، منها 30 مصاباً بسدة رئوية، و13 حالة تليّف رئوي، و311 مريضاً بالتهاب شُعبي، وفقاً لمدير مستشفى إدفو الدكتور ناصر أبو غانم.
اختصاصي النساء والتوليد بمستشفى أسوان العام، محمد حسني، أثبت في دراسة ماجستير أُجريت على 600 سيدة عام 2013، الآثار المترتبة على تعرّض النساء الحوامل لهواء ملوث بأدخنة مصنع السكَّر، وأنّ السيدات اللواتي يقطنّ مدينة كوم أمبو أكثر عُرضة للأمراض التنفسية الحادة، وتسمّم الحمل، والولادة المبكرة، والعيوب الخلقية، ووفاة الأجنّة، من اللواتي يقطنّ على مسافة 40 كيلومتراً من المدينة.
ويقول حسني في مقابلة معه إنّ "تأثيرات الغازات المُنبعثة من مصنع السكَّر وهي أول أكسيد الكربون، وأكسيد الكبريت، كانت واضحة في السيدات الحوامل والأجنة".
تقع مدينة كوم أمبو في محافظة أسوان جنوبي مصر، على مسافة ألف و200 كيلومتر من العاصمة القاهرة، ويبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة، حسب إحصاء الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2019.
تشير دراسة "الملوثات الكيميائية وآثارها على الصحة والبيئة"، التي أعدّها الدكتور الشحات حسن، أستاذ الكيمياء المساعد بالمركز القومي للبحوث، إلى انتقال ملوثات الهواء لمسافات بعيدة، إذ يمكن أن تنتقل الغيوم لمسافة 1000-1500 كيلومتر عن مصادر التلوث الصناعي.
المدير السابق لمستشفى صدر كوم أمبو، الدكتور جمال عرابي، يؤكد أنّ المواطنين الذين يقطنون محيط مصنع شركة السكَّر والصناعات التكاملية يُصابون بالأمراض التنفسية الرئوية.
خلال عمل "عرابي" في المستشفى، أجرى الكشف الطبي على مرضى جراء استنشاق هواء مخلوط بالأدخنة المنبعثة من المصنع. مشيراً إلى أنّ الاكتشاف المتأخر للمرض التنفسي يُصعب علاجه كونه يتحول إلى تليّف رِئوي يصيب منطقة تبادل الغازات في الرئتين، وتلازم المريض حتى وفاته.
تقرير التفتيش البيئي الذي أجراه جهاز شؤون البيئة فرع جنوب صعيد مصر على مصنع شركة السكَّر يوم 16 أبريل/ نيسان 2019 أثبت أنّ قياس انبعاث أول أكسيد الكربون وصل إلى 3111 مجم/ م3، متجاوزاً الحد المسموح به (250 مجم/ م3)، ووصول نسبة الأتربة المستنشقة إلى 5.8 مجم/ م3 لتتخطى النسبة المسموح بها التي تبلغ 3 مجم/ م3 بالمخالفة لنص المادة 36 من اللائحة التنفيذية لقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته.
مدير عام جهاز شؤون البيئة في أسوان ممدوح السيد يقول إنّه أمهل المصنع 60 يوماً لمعالجة المخالفات وفقاً لأحكام القانون، بعدها أحال ملف المصنع بالكامل إلى النيابة العامة للتحقيق فيها.
وزير التموين طلب مُهلة شهريْن لتوفيق أوضاع مصنع السكَّر"
وفقاً لمحافظ أسوان، أشرف عطية، في اتصال هاتفي في فبراير/ شباط الماضي. ويضيف المحافظ أنّه طالب وزير التموين بضرورة تحويل تشغيل المصنع من حرق عصارة القصب إلى التشغيل بالغاز الطبيعي لضمان عدم صدور أيّ انبعاثات ضارة على الصحة والبيئة، مبرراً عدم إصدار قرار بإغلاق المصنع حتى الآن بالقول إنّ "ذلك يؤثر في مخزون سلعة السكَّر في مصر".
يتلكأ مصنع السكَّر في تشغيل خطوط إنتاجه بالغاز الطبيعي تحسباً لرفع تكلفة الإنتاج، وتتراوح تكلفة المليون وحدة حرارية من الغاز الطبيعي لاستخدامات المصانع بين 5.5 و6 دولارات بحسب نوعية المصنع، وهو ما يزيد بمقدار النصف تقريباً مقارنة باستخدام وقود آخر (الفحم- مازوت- قش الأرز- أعواد القصب بعد عصرها)، وذلك بحسب بيانات وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية لوسائل إعلام محلية في مارس/ آذار الماضي.
يعترف مدير مصنع شركة السكَّر، هاشم محمد، باعتماد خطوط إنتاج المصنع على استخدام حرق قش القصب بعد عصره لتوفير الطاقة اللازمة للتشغيل، وهذا يوفر في استهلاك الكهرباء، مقارنة بالأنظمة العادية أو استخدام الغاز، وأنّ المصنع في الوقت الحالي غير مجهز لتحويل خطوط الإنتاج للعمل بالغاز الطبيعي.
وينتج المصنع 200 ألف طن من السكّر سنوياً من عُصارة مليونيْ طن من قصب السكَّر، ويعمل في المصنع 2000 عامل على مدار 24 ساعة يومياً، بحسب هاشم. الذي يقول إنّ المصنع يوفر مصائد وفلاتر للتخلص من البخار والأدخنة وتعمل بكفاءة طول العام، واصفاً شكاوى السكان بـ "الكيدية". كما يطالب هاشم العمال المتضررين القاطنين داخل المصنع، بنقل مسكنهم خارجه، ويرى أنّ المخالفات التي رصدتها البيئة هي وجهة نظرها فقط.
رئيس شركة السكَّر الحكومية التي يتبع مصنع سكَّر كوم أمبو لها، محمد عبد الحليم، قال في رده على التحقيق، إنّ المصنع لا ينبعث منه غاز أول أكسيد الكربون، وأنّ ما يخرج عنه هو غاز ثاني أكسيد الكربون الذي تمتصه النباتات. كما شكك في الحالات المرضية التي تعيش في محيط المصنع.
مأساة أحمد بهي الدين تتشابه مع تسع حالات أخرى رصدها التحقيق، من بينها طبيب الأنف والأذن والحنجرة عبد المنعم محمود الذي انتدبته محافظة الإسكندرية عام 1994 للعمل في مستشفى كوم أمبو بمحافظة أسوان.
في عام 2011، كان يقطن منزلاً على بعد كيلومتريْن من مصنع السكَّر، بدأ يشعر بأعراض المرض: ضيق في التنفس، وصعوبة في النوم والحركة، "شخص الأطباء حالتي بأنّها حساسية صدر ناجمة عن استنشاق هواء مخلوط بأدخنة"، يقول محمود.
تفاقم مرض "محمود"، وتحول تدريجياً إلى تليّف رئوي، ما اضطره في عام 2014 إلى ترك مكان سكنه في مدينة كوم أمبو، والذهاب إلى مكان سكن جديد يبعد مسافة 50 كيلومتراً عن المدينة، مستجيباً لنصيحة الأطباء بالابتعاد عن مصدر التلوث.
الأستاذ المساعد في قسم طب الصناعات بكلية طب جامعة عين شمس، وليد صلاح يؤكد أنّ زيادة تركيز أول أكسيد الكربون في الهواء على الحدود المسموح بها يصيب مباشرة الشُّعب الهوائية للعاملين داخل المصنع والسكان المحيطين.
ويوضح صلاح أنّ سبب ارتفاع نسب انبعاثات أول أكسيد الكربون هو عدم احتراق الوقود داخل خطوط الإنتاج بشكل كامل، ناصحاً العمال بارتداء ملابس الوقاية داخل المصنع للحد من ارتفاع نسب تعرّضهم للأمراض الصدرية.
وثّق مُعِدُّ التحقيق بالصور عدم توفير إدارة مصنع السكَّر ملابس وأدوات الوقاية والحماية للعاملين من الانبعاثات والأتربة الضارة. ورفض العمال التحدث عن وضعهم الصحي، خوف تسريحهم، لكنّ ست البنات حامد، زوجة أحد العمال وافقت على التحدث لإيصال قصة معاناتها مع المرض، تقول إنّها انتقلت للعيش مع زوجها في المساكن المخصصة للعمال داخل حرم المصنع منذ 11 عاماً.
"يحجزوني في مستشفى الصدر بكوم أمبو أربعة أيام وبفضل مركّبة جهاز التنفس الاصطناعي، وبعمل ده كل 15 يوماً" بهذه الطريقة تقول ست البنات (50 عاماً) إنّها تسعى إلى البحث عن علاج لمرض التليّف الرئوي، لكن من دون جدوى أو حتى تحسّن.
تقول عزيزة بشق الأنفس، إنّها كانت تعمل قبل عاميْن في محل "خياطة وسرفلة" بمنطقة القسرية التي تبعد عن مصنع السكَّر مسافة 100 متر.
وتضيف عزيزة أنّ الأطباء أخبروها أنّها مصابة بتليّف في الرئتين ولا بدّ من خضوعها لجرعات التنفس الاصطناعي لمدة 15 يوماً كل شهر، لتتمكن من الشهيق والزفير والبقاء على قيد الحياة.
نبيل لبيب (45 عاماً) رفض الأطباء إجراء جراحة لاستئصال مرارته، بعدما تبين لهم أنّه يعاني تليّفاً رئوياً حاداً، إذ تشكل الجراحة خطراً على حياته، ليكمل نبيل حياته بمرضيْن.
يعيش نبيل مع زوجته وأربعة أبناء في شقة سكنية بمنطقة الإصلاح القبلية، التي تبعد عن مصنع السكَّر 300 متر، ودفعه مرضه إلى التوقف عن العمل منذ ما يزيد على ثلاث سنوات.
محاسن يوسف، وسيدة إبراهيم، ومريم لمعي، وعامر حسن ومحمد عبد الله، خمس حالات ممن التقاهم مُعِدُّ التحقيق يعانون تليّفاً رئوياً، وينتظرون مع مئات المرضى وآلاف السكان المعرضين أن تتبدل الأوضاع، وأن يتمّ تركيب فلاتر لتقليل الانبعاثات الضارة على البيئة وصحة السكان أو تحويل تشغيل المصنع للغاز الطبيعي.
مدير عام الشؤون القانونية بمصنع شركة السكَّر والصناعات التكاملية المصرية، أحمد بيومي حمّل المرضى مسؤولية مرضهم، قائلاً إنّ المصنع تمّ إنشاؤه عام 1912 قبل وجود أيّ سكان في المكان، وإنّ السكان هم من زحفوا بالبناء إلى المنطقة القريبة من المصنع، "لذلك يجب ألّا نحمّل المصنع نتيجة تضررهم".
على النقيض من حديث "بيومي"، يقول رئيس مدينة كوم أمبو، أحمد عبد الوهاب، إنّ المدينة تأسست عام 1902، أي قبل بناء مصنع شركة السكَّر بعشرة أعوام.
بعد انتهاء مهلة محافظ أسوان لوزير التموين لتوفيق أوضاع المصنع، صرّح المحافظ أشرف عطية في رد مكتوب، بأنّه ينسق مع الدكتور علي المصيلحي، وزير التموين، لتنفيذ عدد من الإجراءات لتوفيق الأوضاع البيئية لمصانع سكَّر كوم أمبو، في مقدمتها القضاء على السحابة السوداء الناتجة من انبعاثات المصنع، مشيراً إلى أنّ المحافظة ستتابع توصيل الغاز الطبيعي لمصانع السكَّر، ومنع استخدام "المازوت" لتوفير بيئة نظيفة وصحية.
كما نوّه المحافظ إلى استغلال فترة توقف مصانع السكَّر في منتصف مايو/ أيار الماضي وحتى الأول من ديسمبر/ كانون الأول المقبل، لانتهاء موسم حصاد قصب السكَّر، في رفع كفاءة المراجل والفلاتر في مصانع السكَّر مع متابعة الصيانة الدورية، علاوة على الإسراع في تركيب المرجل الجديد بعد موافقة وزير التموين بناءً على مخاطبة المحافظ له، وذلك ضمن خطة الإحلال والتجديد للمراجل القديمة.
وفي خطاب رسمي رداً على تساؤلات مُعِدِّ التحقيق، أكّد المركز الإعلامي لوزارة التموين والتجارة الداخلية، تركيب مرجل (Boiler) جديد بمصانع كوم أمبو بطاقة 120 طن بخار/ ساعة متوافقاً مع البيئة عوضاً عن أربعة مراجل "ديا" قديمة.
وأشار المركز إلى تركيب فلاتر بمصنع الخشب الحبيبي التابع لمصنع سكَّر كوم أمبو لامتصاص الأتربة، إلى جانب إعادة تأهيل 6 مراجل "ديا" بالاشتراك مع جهاز شؤون البيئة لخفض الانبعاثات، وإعادة تشغيل أبراج التبريد لإعادة تدوير المياه، وإعادة استخدامها مرة أخرى عوضاً عن صرفها في المصارف.
وعلى الرغم من كل ذلك، ما زالت الانبعاثات تتصاعد من فوهات مداخن المصنع فوق سماء مدينة كوم أمبو، فيما يتضرر الطرف الأضعف بكتم أنفاسه حتى الموت.