ARIJ Logo

التواصل المقطوع

لا أحد يصغي إلى الصُمّ وضعاف السمع في المستشفيات ودوائر المعاملات

تحقيق: آيات خيري
تصوير فوتوغرافية: علي زرعي
فيديو: إسلام مصدق
شاهد/ي خلاصة التحقيق في أقل من دقيقتين
تباين عالي
تباين منخفض
تكبير الخط
تكبير الخط
شاهد القصة بلغة الإشارة
شاهد القصة بلغة الإشارة

تأخُّر تشخيص الطفل "يوسف محمد" أربعة أشهر، ما تسبب باصابته بعاهة جديدة، ليفقد ثلاث حواس؛ ورث ذو السبعة أعوام الصمم والبكم عن والديه، فيما أفقده النظر غياب لغة الإشارة في المستشفيات، بعدما أصيب بمرض "مياه زرقاء" في العين.

466 مليون شخص
يعانون من فقدان السمع في العالم
34 مليون طفل
يعاني من فقدان السمع في العالم
المصدر: منظمة الصحة العالمية

سلسلة من الزيارات إلى مستشفيات الدولة في محافظتي البحيرة والإسكندرية، ولكن أحداً لا يصغي..الطفل يئن، الأب والأم يحاولان شرح ما يحدث بأيديهم، ثلاثتهم لا يسمعون ولا يتكلمون.. ولا أحد يفهم روايتهم.

غياب متقنو "لغة الإشارة" عن المستشفيات الحكومية، كان عائقاً أمام حق "يوسف" في العلاج، ولكنّه ليس وحده، إذ يواجه ما يزيد عن ثلاثة ملايين أصَمّ أزمات يومية داخل المؤسسات والمصالح الحكومية المصرية.

في العام 2014 أقرت مصر دستوراً جديداً، تلزمها المادة (81) منه، بـ "ضمان حقوق ذوي الإعاقة والأقزام، وتهيئة المرافق العامة والبيئة المحيطة بهم، ودمجهم مع غيرهم من المواطنين"، بينما ألزمت الموادُ الواردة في قانون رقم (10) لسنة 2018، الهيئات الحكومية بتأهيل موظفيها للتعامل مع ذوي الإعاقة بشكل يتناسب مع إعاقتهم"، ما دفع عدداً من مؤسسات الدولة إلى الإعلان في وسائل الإعلام المحلية عن فتح برامج تدريبية لموظفيها لإتقان لغة الإشارة.

يوثّق التحقيق 15 حالة تعرضت لمشكلات بسبب "التواصل المقطوع" مع موظفين حكوميين، ويرصد عبر جولة مع ثلاثة من الصُمّ وذويهم، داخل مؤسسات حكومية في ثلاث محافظات مصرية، القاهرة، وبني سويف في صعيد مصر، والبحيرة في الدلتا، معاناة الصُمّ وذويهم اليومية بين الدوائر الرسمية والمشافي.

الطفل "يوسف" واحد بين عدد غير متفق عليه من الصُمّ وضعاف السمع في مصر.

2,855,400
شخص
3.58%
من إجمالي عدد السكان
4,000,000
شخص
icon person
8,000
طفل من ضعاف السمع يولدون سنوياً.
icon person

ينجم فقدان السمع عن أسباب وراثية، ومضاعفات عند الولادة، وأمراض معينة معدية، وبعض أنواع عدوى الأذن المزمنة، واستخدام عقاقير معينة، والتعرض للضوضاء المفرطة والشيخوخة.

المصدر: منظمة الصحة العالمية

إعاقة ثالثة

الاستشاري في أمراض العيون، شريف جمال، يقول إن تأخير تشخيص المياه الزرقاء من عين الطفل المصاب تؤدي إلى مضاعفات، تصل إلى تدمير العصب البصري، ومعه فقدان الرؤية، وأوضح أن حالات الإصابة بمياه زرقاء وخاصة بين الأطفال تحتاج تدخلا سريعاً وحاسماً لإنقاذ بصر الطفل.

وهذا ما لم يحدث مع "يوسف" قبل أربع سنوات، بحسب والده الأصُمّ محمد حبشي، الذي يعمل في طلاء الأخشاب، إذ ضاقت به السبل لعلاج ابنه في المستشفيات الحكومية لغياب مترجم الإشارة، ولم يجد مفراً من اللجوء إلى جدة الطفل أسرار السعداوي (53 عاماً) للتحدث بالنيابة عنهم إلى الأطباء، وبدأت السيدة في رحلة متأخرة للعلاج، ووصلت لتشخيص دقيق وطالب الأطباء بإجراء جراحة عاجلة، ولكن الوقت فات، دخل الطفل "يوسف" غرفة العمليات، ورغم نجاح الجراحة في إزالة المياه الزرقاء من عينه إلا أنه فقد بصره.

البند الرابع من المادة (16) في اللائحة التنفيذية للقانون رقم (10) لعام 2018 يلزم "وزارة الصحة والوزارات والأجهزة المعنية بتقديم الخدمات الطبية في أقرب مكان إلى ذوي الإعاقة، وكل منهم على أساس اختياره الحر، وبما يحفظ كرامته واستقلاله الذاتي، وتلتزم بذلك الجهات التابعة للوزارة المختصة بالصحة أو المستشفيات الجامعية".

وحددت اللائحة التنفيذية للقانون الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2733 لسنة 2018، في المادة (7) "لغة الإشارة" ضمن "وسائل الاتصال المناسبة بين ذوي الإعاقة، وبين غيرهم من غير ذوي الإعاقة"، وكذلك "الاعتراف بلغة الإشارة لغة رسمية لذوي الإعاقة السمعية".

تدريب الموظفين

أعلن عدد من مؤسسات الحكومة المصرية تدريب العاملين على لغة الإشارة، وشارك في التنظيم وتدريب الموظفين الجمعية المصرية لحقوق الصُمّ.

وزارة التضامن الاجتماعي
30
موظفاً
وزارة العدل
50
موظفاً
البنك الأهلي المصري
180
موظفاً
وزارة القوى العاملة
09
ممثلو 9 مديريات في تسع محافظات
الشركة القابضة لمياه الشرب
07
ممثلو 7 شركات في سبع محافظات
محافظة بني سويف
لم تعلن عدداً
محافظة المنيا
لم تعلن عدداً
محافظة سوهاج
لم تعلن عدداً
محافظة أسيوط
لم تعلن عدداً
محافظة الأقصر
لم تعلن عدداً
محافظة الوادي الجديد
لم تعلن عدداً
محافظة مطروح
لم تعلن عدداً

هذا لم يترك أثره داخل تلك المؤسسات. الباحثة في شؤون الصُمّ، منى صفوت، تدفع ببعض من أسباب ذلك بعد تجربتها في تنظيم مبادرة تدريب عدد من موظفي الهيئات الحكومية على لغة الإشارة عام 2015 في محافظة القليوبية، بالتعاون مع الهيئة العامة للاستعلامات، وتقول إن ذلك لم يجدِ نفعاً، ولم تُعمم التجربة على كافة المؤسسات الحكومية، ومع مرور الوقت نسي بعض الموظفين ما تعلموه.

بين ثلاث محافظات

في العام 2019 ومن محافظة البحيرة حيث يعيش "يوسف محمد" وأسرته من الصُمّ، بوثق التحقيق بالصوت والصورة خلال جولة ميدانية على مستشفيات الدولة معاناة يوسف. رافقت الأم "حنان" طفلها "يوسف" إلى مستشفى "دمنهور العام" وهو المستشفى الحكومي الأكبر في محافظة البحيرة (6.5 مليون نسمة)، على بعد 175 كيلومتراً عن القاهرة.

استقبل الطفل ووالدته موظف لم يعِ في البداية إعاقتهما، وأخذ يكرر سؤاله: "ماذا تريدون"، برهة وانتبه الموظف، ودوّن اسماً عشوائياً في ورقة حجز الكشف، ودفع بها للأم وأشار لها نحو حجرة الطبيب.

داخل غرفة الكشف وقف طاقم التمريض عاجزاً أمام حالة "يوسف"، حاولوا استيعاب أوجاع الطفل من والدته الصمّاء ولكن أحدا لم يفهم إشاراتها، جاء طبيب الاستقبال وعجز أيضا عن تشخيص الحالة، لتخرج "حنان" من المستشفى خائبة.

أول مستشفى يستعين بمترجم لغة الإشارة

"محمد" و"محمود" شقيقان من الصُمّ، يعيشان في محافظة بني سويف جنوب مصر، لأسرة متوسطة الحال، يعمل والدهما ياسر فتحي سائق "توك توك"، محمد (19 عاماً) فقد حاستي السمع والكلام بعد مجموعة من العمليات الجراحية، ومحمود (16 عاماً) ولد من دونهما، بحسب رواية والديهما.

1.1 مليار شاب
يتعرضون لخطر فقدان السمع بسبب الضوضاء في السياقات الترفيهية
43 مليون شاب
يعانون من فقدان السمع المسبِّب للعجز والناجم عن أسباب مختلفة
المصدر: منظمة الصحة العالمية

قصد "محمود" مستشفى بني سويف الجامعي، وهو أول مستشفى يعلن عن الاستعانة بمترجم معتمد للغة الإشارة في قسم الطوارئ، بحسب ما أعلنت إدارة المستشفى. استقبلت "محمود" ممرضة نفت وجود مترجم إشارة بالمستشفى أو طبيب مختص. وطالبت محمود بالعودة في اليوم التالي، ليخضع لكشف طبيب على أن يحاول تشخيص حالته بالإيماء.

كانت الوجهة الثانية لـ "محمود" هي مستشفى بني سويف العام، المستشفى الأكبر في المحافظة البالغ عدد سكانها أكثر من ثلاثة ملايين شخص. لم يكن الوضع أحسن حالا هناك، سأل "محمود" موظف الاستقبال عن مترجم الإشارة، نفى وجوده، ووجهه نحو غرفة الكشف، وداخلها حاولت الطبيبة جاهدة فهم الطفل، إلا أن محاولاتها لم تنجح، وبعدما استنتجت من أحد المرافقين أن الألم في المعدة، وصفت الطبيبة بعض الأدوية المسكنة.

أرسلنا إلى وزارة الصحة خطاباً عبر إيميل رسمي، في 7 مايو/آيار 2020، ولكن لم يصلنا أي رد لغاية تنفيذ التحقيق، رغم تواصلنا تليفونياً مع المكتب الإعلامي للوزارة أكثر من مرة.

كعب داير

هيثم سامي (37 عاماً)، موظف في إحدى شركات الأدوية، قضى يوماً "كعب داير" داخل وزارة التموين، ينتقل "هيثم" من مكتب لآخر، كل موظف يحيله الى موظف آخر، ولا أحد يفهم لغته ولا أحد يصغي إليه.

وفي النهاية استقر به الأمر لدى موظفة حاولت استيعاب مشكلته من حركة يديه، ولكن من دون جدوى ظنت أنه يطلب إصدار بطاقة تموين جديدة، ولكنه كان يريد إضافة مستفيد جديد على بطاقته، يخرج بعدها "هيثم" من الوزارة ويحمل معه مشكلته من دون حل.

أرسلنا إلى وزارة التموين خطاباً عبر ايميل رسمي، في 7 مايو/آيار 2020 ولكن لم يصلنا أي رد لغاية تنفيذ التحقيق.

من التموين إلى أحد فروع بنك مصر بمحافظة القاهرة، لإجراء تعديلات على حسابه. لم يختلف الأمر عما هو عليه في وزارة التموين، لم يجد فيه من يفهم لغته، وكان الحل في النهاية تقديم طلبه كتابةً، ولكن "هيثم" رفض هذا الحل، معتبراً أنه غير مجدِ مع الصُمّ وضعاف السمع، إذ لا يجيد عدد كبير منهم القراءة والكتابة.

62
لم يلتحقوا بالتعليم
7
تسربوا من التعليم
9
ملتحقين حاليا بالتعليم
23
أنهوا تعليمهم

نسب التعليم بين الصُمّ وضعاف السمع حسب إحصاء الجهاز المركزي في 2017

مترجمة الإشارة في الاتحاد النوعي للصُمّ وضعاف السمع، نجلاء محمد، أرجعت أمية أكثر من ٦٠ ٪؜ من الصُمّ إلى قلة عدد المدارس المخصصة لهم، ونوهت بأن غالبية المعلمين في مدارس الصُمّ لا يجيدون لغة الإشارة، وفي حاجة للتدريب عليها. وكيل أول وزارة التربية والتعليم لشؤون التربية الخاصة، هالة عبد السلام، صرحت بأن عدد مدارس الصُمّ في مصر يبلغ 193 مدرسة موزعة على المحافظات، وثلاث مدارس فقط لضعاف السمع.

الباحثة في شؤون الصُمّ، منى صفوت، تقول إن المدارس المخصصة لهم تولي الاهتمام الأكبر بالتعليم المهني من "النجارة والزخرفة والحياكة"، أكثر من اهتمامها بتعليم القراءة والكتابة.

progress bar

من المعاقين لم يتعلموا بسبب الإعاقة

تقدم عضو لجنة التعليم في مجلس النواب المصري، فايز بركات، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 بطلب إحاطة إلى وزير التربية والتعليم، طارق شوقي، لتحسين أوضاع مدارس الصُمّ وضعاف السمع، التي وصفها بـ"الرديئة".

وفي مارس/آذار 2020، أعلن وزير التربية والتعليم، طارق شوقي، في مؤتمر "دمج ذوي الإعاقة في المدارس الحكومية"، عن تدريس لغة الإشارة لجميع الطلبة، لتسهيل التواصل بينهم وبين زملائهم من الصُمّ وضعاف السمع، على أن يبدأ ذلك من العام الدراسي 2021/2020.

قاموس موحد للغة الإشارة

في العام 2017 خرج مئات الصُمّ إلى التظاهر أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري (ماسبيرو)، مطالبين بدقة نقل الأحداث من خلال لغة إشارة موحدة، وأشار المئات من المتظاهرين إلى استخدام مترجمي الإشارة على شاشات التليفزيون لغة تختلف في الكثير من معانيها عن ما يتقنوه، ما تسبَّب في عدم استيعاب الأخبار واللقاءات المترجمة.

"مرت ثلاثة أعوام ولم يتغير شيئاً" يقول أسامة محمد، واحد ممن شاركوا في الاحتجاجات للمطالبة بضرورة توحيد قاموس لغة الإشارة، سواء في القنوات التليفزيونية أو بين مترجمي الإشارة عامةً، كما طالب أيضاً بتكبير حجم نافذة مترجم الإشارة التي تظهر أسفل شاشة التلفاز في بعض البرامج، لافتاً إلى أن صغر حجم الشاشة يعيق متابعة الأحداث، فضلاً عن عدم توفرها في كافة البرامج ونشرات الأخبار.

كلها مطالب مشروعة وحق أصيل بحسب المادة (78) من اللائحة التنفيذية للقانون رقم (10): "التزام كافة وسائل الإعلام القومية والخاصة بإتاحة اللغات اللازمة؛ لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من المحتوى الإعلامي واستيعابه وتيسير تواصلهم مع المواد الإعلامية والمشاركة فيها بشكل مناسب".

غير أن رئيسة قطاع التليفزيون المصري، نائلة فاروق، قالت في ردها على ذلك، إن ماسبيرو يعتمد على مترجمين معتمدين من الجمعيات الأهلية المعنية بشؤون الإعاقة، وهم مدربون على لغة الإشارة جيداً.

"تعميم قاموس موحد للغة الإشارة"، هو طلب جملة من الصُمّ وضعاف السمع ومترجمي لغة الإشارة ممن تحدثنا إليهم. وتوضح مدير إدارة التربية السمعية بوزارة التربية والتعليم سابقاً، دكتورة حنان محسن، أن لغة الإشارة كغيرها من اللغات المنطوقة، لها قواعد لغوية ناظمة، وتختلف في اللهجات من صعيد مصر إلى الإسكندرية.

ذلك على الرغم من إعلان وزارة الاتصالات في عام 2015، عن إطلاق قاموس إلكتروني موحد للغة الإشارة، وصفته بأنه "الأول" من نوعه، ونشرته داخل مدارس الصُمّ وضعاف السمع.

وفي عام 2019 يتكرر الأمر، إذ أهدت الكنيسة القبطية قاموسا للغة الإشارة، إلى وزارة التربية والتعليم المصرية، وصفته بأنه "الأول" في الشرق الأوسط، في إطار بروتوكول تعاون مع وزارة التربية والتعليم، ولكن كل هذه المحاولات لم تحل الأزمة، وهو ما ظهر في خلافات متعددة بين الصُمّ وضعاف السمع ومن يصحبهم من مترجمي لغة الإشارة إلى المؤسسات الحكومية.

توكيل عام

icon quote

أشعر أنني لست ببشر، الجميع يتعامل معي ومع الصُمّ كحيوانات

icon quote

أشعر أنني لست ببشر، الجميع يتعامل معي ومع الصُمّ كحيوانات

هذه كانت ترجمة ما قالته حنان محسن (57 عاماً) بلغة الإشارة، إذ أمضت عام 2018 ما يزيد على ثلاث ساعات داخل مكتب شهر عقاري "عابدين"، في محاولة لإقناع موظفي المكتب بإصدار توكيل عام لولدها الوحيد حتى يتمكن من إدارة حسابها البنكي، لتسديد مصروفاته الجامعية خلال فترة سفرها، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل، بعدما رفضوا إجراء أيّ تعامل رسمي معها من دون مترجم إشارة معتمد. إذ رفضت ذلك لفقدان الثقة فيهم، بحسب تعبيرها.

المترجم المعتمد، شريف آدم، يبرر فقدان مترجمي الإشارة ثقة الصُمّ وضعاف السمع إلى خلافات متعددة كان شاهداً على بعض منها، نشبت لأخطاء في ترجمة مطالب الصُمّ إلى موظفي الحكومة في المصالح والمؤسسات، لغياب القاموس الموحد للغة الإشارة، ما يزيد ويعمق من أزماتهم وقضاء حوائجهم، وخاصة في الأمور المتعلقة بالوثائق والعقود في الشهر العقاري. ويدافع "آدام" عن زملائه بأن هناك اختلافات واضحة بين إشارات الصُمّ وضعاف السمع وترجمتها التي يتقنها غالبية مترجمي الإشارة.

قبل عام 2012، كانت وزارة العدل تلزم الصُمّ بضرورة إحضار مساعد قضائي قبل إجراء أي معاملات حكومية داخل الشهر العقاري. وبحسب رئيس المؤسسة المصرية لحقوق الصم، نادية عبد الله، يحتاج الأصُمّ لتقديم طلب إلى المحكمة لتعيين أحد أقاربه كمعين أو مساعد قضائي، ويرفق بالطلب تقريراً طبياً بحالته الصحية، وينتظر تحديد جلسة ليقر قاضٍ بذلك.

المؤسسة المصرية لحقوق الصُمّ وضعاف السمع حصلت على حكم قضائي من محكمة القضاء الإداري في يونيو/ حزيران عام 2012 يحمل رقم "٢٨٦٥١ لسنة ٦٦ ق"، يُلزم وزير العدل ومصلحة الشهر العقاري بوضع خيارات متعددة في تعاملات الشهر العقاري مع الصُمّ، بحسب نادية عبد الله، رئيس المؤسسة، مشيرة إلى أن الحكم يسمح للأصمّ المتعلم باستخدام الكتابة للتعبير عن مطالبه، وإنهاء إجراءاته بنفسه من دون مساعد قضائي أو مترجم. فيما سمح الحكم أيضا بالاستعانة بمترجم لغة إشارة معتمد من إحدى الجهات أو جمعيات الصُمّ.

غير أن بعض موظفي مكاتب الشهر العقاري تعنتوا في تنفيذ القرار، والبعض الآخر لم يكن على علم به، وخاصة ببند السماح للصم "المتعلمين" بمتابعة معاملاتهم عن طريقة الكتابة، بحسب ما تروي "عبد الله" وبعض من الصمّ.

وهو ما ظهر جلياً مع علي خليفة (40 عاماً) موظف بديوان محافظة القاهرة، إذ عانى من ذلك قبل ثلاثة أعوام لتحرير توكيل عام لشقيقته في شهر عقاري شبرا الخيمة، يُمكنها من التصرف في شقته بيعاً أو شراءً، ولكن موظفي مكتب الشهر العقاري رفضوا تحرير التوكيل بالاعتماد على الكتابة والقراءة، مطالبين بإحضار مترجم معتمد للغة الإشارة لإنهاء الأمر.

يتكرر الأمر مع "حنان محسن" مرة أخرى في مايو/آيار 2020، إذ تعنت موظف شهر عقاري عابدين في إنهاء توثيق عقدٍ لمقر جمعية أهلية للصُمّ "تحت التأسيس" بواسط الكتابة، أخبرته أنها "دكتورة جامعية" وتستطيع التعبير عن مطالبها بوضوح ومن دون الحاجة لمترجم إشارة، ولكن الموظف رفض.

أرسلنا إلى وزارة العدل خطاباً عبر إيميل رسمي، في 7 مايو/آيار 2020، ولكن لم يصلنا أي رد لغاية تنفيذ التحقيق. فيما حصلنا على رد من المستشار ماجد أبو بكر، عضو المكتب الفني بإدارة الشهر العقاري التابع لوزارة العدل المصرية، ويقول إن هناك تعميماً على كافة مقرات الشهر العقارى بإنهاء تعاملات الصُمّ المتعلمين بالكتابة والقراءة. وطالب أبو بكر المتضررين بتقديم مذكرة رسمية، وتعهد إحالتها لجهات الفحص والتحقيق، مضيفاً أن هناك متابعة دورية على مكاتب الشهر العقاري.

حاولنا التواصل مع المجلس القومي لشؤون الإعاقة أكثر من مرة عبر الهاتف، لعرض ما توصل له التحقيق ولكن من دون رد، غير أن الأمين العام السابق للمجلس القومي لشؤون الإعاقة، وعضو مجلس النواب، هبة هجرس، تبرّر أزمات الصُمّ وضعاف السمع بتأخر الحركة الحقوقية لذوي الإعاقة السمعية، فهي أبطأ من غيرها بين الإعاقات الأخرى.

وترجعها إلى عدم اعتراف الصُمّ وضعاف السمع بأنهم من ذوي الإعاقة من الأساس، بل يعتبرون أنهم أصحاب لغة مختلفة، وهو أمر سائد ليس في مصر وحدها ولكن على مستوى العالم. وأضافت أن أزمة لغة الإشارة أزمة عالمية، وأن تعليم الصُمّ القراءة والكتابة يحل 70 % من أزماتهم، إلى جانب ضرورة استعانة المؤسسات الحكومية بالتكنولوجيا المتقدمة في توفير برامج ترجمة لغة إشارة في الهواتف المحمولة، وخط ساخن ب"فيديو كول" لمترجمي الإشارة.

الفيديو الأول
الفيديو الثاني
الفيديو الثالث
الفيديو الرابع
الفيديو الخامس
الفيديو السادس
الفيديو السابع
الفيديو الثامن
tebuconazole
tebuconazole