لم يمنع ضيق ذات اليد فاطمة سعيد من تدبير 100 ألف أوقية موريتانية (300 دولار) لصاحب مركز رقّية شرعية استعد لعلاج طفلتها المومنة محمود من وجع مزمن في رأسها، بعد أن ادّعى أن سببه "مس من الجن يتطلب علاجه شهرا". إلا أن حال طفلتها تفاقمت في غياب العلاج الحقيقي، لمرض "استسقاء الرأس"، كان شخّصه أطباء مستشفى الصداقة بنواكشوط بتاريخ 12 آذار/ مارس 2018؛ بـ "تجمّع مياه في الدماغ يتسبب في خلل للجهاز العصبي المركزي".
"قضيت شهرًا ترددت خلاله أربع مرات على مركز الرقية الشرعية، أملًا في شفاء طفلتي لكن دون جدوى"، حسبما تستعيد فاطمة رحلة عذاب عائلتها. "كل ما تغيّر أنني خسرت أموالي التي دفعتها بالتقسيط على مرتين، وتراجع وضع طفلتي من سيئ إلى أسوأ"، تقول فاطمة لمعد التحقيق الذي التقاها بمركز الرقية الشرعية أواخر فبراير/ شباط الماضي.
"العلاج" الذي وفّره صاحب مركز أحباب الرسول للرقية الشرعية كان على شكل "قراءة القرآن على طفلتي"، حسبما تشرح فاطمة، مستذكرة كيف " أنه سيزودها أيضا بعبوات ماء مقروء عليها آيات ضد السحر من القرآن، بجانب بعض الأعشاب التى اكتشفت فيما بعد أنها لم تغير حالة ابنتها".
عثمان حسن* طبيب تحاليل بمصحة الشفاء – عرض عليه معد التحقيق فحوص المومنة ابنة فاطمة، فقال إنها كانت بحاجة إلى عملية جراحية عاجلة لسحب مياه متراكمة في الرأس، وبالتالي يحذّر من أن بقاء الطفلة فترة طويلة دون متابعة الأطباء يزيد أمور الجراحة تعقيدا وقلّل فرص نجاحها.
على غرار فاطمة، تستجيب آلاف العائلات الموريتانية لإعلانات مراكز رقية شرعية تدعي قدرتها على "كشف أعراض الأمراض، فك السحر ودرء عين الحسد وعلاج الأمراض المستعصية"، وذلك في غياب رقابة وزارتي الصحة والشؤون الإسلامية، وتلكوئهما في تطبيق قانون يجرّم الشعوذة صدر عام 1983. ولا يغطّي هذا القانون حالات "الرقيّة الشرعية"؛ وهي باب واسع لاستغلال المرضى والبسطاء باسم الدين، بحسب قانونيين وأطباء.
لا توجد إحصاءات رسمية بعدد مراكز الرقية الشرعية، إلا أن معدّ التحقيق رصد انتشار عشرات المراكز في نواكشوط وسائر المدن. وجال في تسعة من بين 15 مركزًا للرقية الشرعية في العاصمة وحدها، ليوثق طرق التحايل على مواطنين بسطاء تفاقمت حالاتهم المرضية، نتيجة اللجوء إلى أصحاب الرقية، بدل نيل العلاج في المستشفيات. ووجد أن جميع المراكز التي زارها تستغل عاطفة التدين لدى من ينشدون خدماتهم للاستحواذ على نقودهم باسم الدين، في بلد يؤمن معظم شعبه بالتقرب من الشيوخ والتبرك بالأولياء الصالحين.
أثناء زيارته لمركز (أحباب الرسول)، رصد معدّ التحقيق 30 فردًا من النساء والرجال والأطفال ينتظرون دورهم للتداوي بجلسة رقية شرعية على يد يحظيه.هناك وثّق بالصوت والصورة تضرّر عشرات المواطنين من أحد أصحاب مراكز رقية شرعية يزعم بأنه يداوي جميع الأمراض بما فيها المستعصية، ما يحرم المرضى من فرصة التداوي في المستشفيات، قبل استفحال الأمراض.
المحامي لدى المحاكم الموريتانية أباه مبارك يؤكد أن المادة-245 من قانون العقوبات الموريتاني رقم 162 -83 لسنة 1983 تجرّم الشعوذة وتعدّها إفسادا في الأرض. على أن المحامي يشرح وجود "صعوبة في تحديد المفاهيم؛ مثلا هل ما يمارسه هؤلاء رقية شرعية تعتمد على الثابت من السنّة والقرآن، أم مجرد خرافة، تعتمد على زعم شفاء أمراض علمية بحتة، يستغلون من خلالها البسطاء وضعاف العقيدة".
الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية سيدي محمد ولد محم يرد على استفسارات معد التحقيق بالقول: "الحكومة لا تعلم عن هذه المراكز، وليس لديها أي معلومات أو إحصائيات بشأنها". إلى ذلك يرفض ولد محم تصنيف الرقية الشرعية ك"مهنة للبعض" لافتا إلى أن "ما يحدث فيها الآن من استغلال الناس ناتج عن ضعف الوعي لدى العامة". ويكتفي المسؤول الحكومي بالمطالبة ب"نشر الدين الصحيح"، دون أن يحدّد أي إجراءات لتنفيذ ذلك.
لا يتطلب فتح مركز للرقية الشرعية في منزل أوعلى ناصية شارع رسمي أي شروط. إذ يمكن للموريتاني وغير الموريتاني ممارسة هذه "الحرفة" دون رقيب أو حسيب، كما يقول المحامي أباه ولد أمبارك.
تتناقض هذه المعلومات مع مظلّة مصلحة الضرائب التي تؤكد أن مثل هذه المراكز يجب أن تخضع نظريا للضريبة التقديرية، حسبما يقول صالح محمد رئيس الوعاء الضريبي في مركز (تفرغ زينه) الذي يؤكد - مع ذلك- أن كوادر الضريبة لا يحصّلون ضرائب من تلك المراكز.
حين قرّر يحظيه تأسيس مركز للرقية الشرعية عام 2013، أطلق عليه اسم "مركز أحباب الرسول". افتتح مورد الرزق هذا بعد أن لمع نجمه في سياق حراك شعبي تحت شعار "أحباب الرسول" ضد مدون موريتاني نشر مقالا عبر فيسبوك حول تهميش بعض الفئات الموريتانية. يحظيه ربط الهجمة المجتمعية آنذاك بالدين الإسلامي، واتهم المدون بالزندقة كما تصدّر الدعوات المطالبة بإعدام المدون. ولايزال هذا المدون ( محمد الشيخ امخطير) مسجونا حتى الآن عقب أدانته بالردّة.
يقر يحظيه لمعد التحقيق - عندما التقاه داخل مركزه- بأنه لم يحصل على أي ترخيص أو يواجه أي معارضة من أي جهة حكومية. وهو لا يدفع ضرائب كما ينفي وجود رقابة أو مسؤولية عن "قطاع" الرقية الشرعية من أي جهة حكومية أو غير حكومية. ويقول إنه يشفي العديد من الأمراض التي يعجز الأطباء عن علاجها من بينها السرطانات بأنواعها، مدعيا أن الجن والسحر هما أسباب هذه الأمراض. ويؤكد أن الطب عجز عن علاج جميع مرتادي مركزه.
الفقيه محمد الأمين ولد الشاه إمام مسجد "الخيف" لا يعد ما يقوم به أصحاب مراكز الرقية بموريتانيا رقية شرعية صحيحة، ويرى أنهم يستغلون ضعفاء العقيدة والمحتاجين للشفاء، من أجل جمع المال بالباطل." ما كان لأحد من صحابة رسول الله محمد لديه مراكز رقية شرعية يرتادها أصحاب العلل ويبيع لهم المياه على أنها علاج أو يزعم أنه يداوي الأمراض"، حسبما يؤكد ولد الشاه.
وهكذا يرى أن ما شاع في موريتانيا أخيرا، هو ضرب من "الدجل وأكل مال الناس بالباطل تحت اسم الدين". ويرى ولد الشاه أن ازدهار مراكز الرقى الشرعية بموريتانيا مرتبط بضعف الرقابة الحكومية والعقلية الموريتانية التي تتبرك بالأشخاص مدعين التدين. ويوضح "أن الأصل في الرقية الشرعية أن لا يأخذ مقدم الخدمة أجرا عليها، لأنه من المفترض أن يكون المراد بها وجه الله، وهي من كلام الله".
على مدار ثماني سنوات مضت، كانت سعاد* تذهب بابنتها (خير الداه) إلى مستشفى الأعصاب بنواكشوط لعلاجها من اضطرابات أعصاب. لكنّها في لحظة يأس وأمل استجارت براق شرعي على أمل اختصار رحلة العلاج، لتفجع بتعرض ابنتها للاغتصاب. تتذكر سعاد* حين استغل راقي شرعي خلو المنزل من القاطنين فيه (بداية 2019 ) لينفّذ فعلته بالفتاة التي كان عمرها 27 عاما آنذاك. من تداعيات الصدمة، لم تستطع سعاد* (45 عاما) الحديث مع معد التحقيق، فأوكلت لشقيقها خالد* مهمة شرح تفاصيل تلك المأساة العائلية. يقول خالد*:"حين جاء الراقي الشرعي إلى المنزل طلب أن يختلي بالفتاة، لبدء جلسة الرقية الشرعية والعلاج. وبعد إخلاء المنزل اعتدى جنسيا على الفتاة التي تعاني اضطرابات عصبية.
"حين دخلت شقيقتي على الفتاة وجدتها في حال إعياء شديد وقد خرج الراقي من المكان كله"،حسبما يقول، مضيفا أن العائلة "أثبتت اغتصاب ابنة شقيقتي بتقارير الطب الشرعي، فقبضت الشرطة على الراقي الشرعي وهو الآن في السجن ينتظر المحاكمة ".
"الملفات والوثائق الخاصة بقضايا الشرف والاغتصاب تكون سرية للغاية ولا يطلع عليها سوى النيابة وجهات التحقيق فقط"، حسبما يقول المحامي أباه مبارك ما يؤكد أن المجتمعات الدينية والقبلية تخفي مثل هذه القضايا خلف ستار السرية حفاظا على حقوق الضحايا والحد من تداعيات القضية اجتماعيا. ولذلك يصعب الحصول على نسخ أو وثائق من هذا النوع أو حتى تداول معلومات عنها.
وترى الناشطة أن التحرك من الحكومة ضد أصحاب مراكز الرقى الشرعية لا يزال ضعيفا، ومفسرة ذلك بأنه يعود إلى عقلية المواطن الموريتاني الذي يخشى من أصحاب الكرامات ويضعهم في مكانة مقدسة.
بينما كان خالد* وشقيقته يسعيان للحصول على حق الفتاة في العدالة الموريتانية، كانت " مينة بانمو (40 ربيعا) تزور من يعدّون من الصالحين منذ ثلاث سنوات، ويداوون بالرقية الشرعية، أملا في علاج رضيعها ذي العامين المصاب بالتوحد. "لا أتذكر حجم الأموال التي أنفقت لدى هؤلاء"، حسبما تقول بانمو التي كانت تدفع لهم على شكل هدايا لدرجة وصلت أنها لم تتذكر حجم الهدايا والأموال التى أنفقتها في التداوي بالرقية الشرعية.
في الوقت الذي تتنامى فيه ظاهرة انتشار مراكز الرقية الشرعية تغيب الحكومة الموريتانية عن هذا المشهد وتعجز حتى عن تحديد حجم الظاهرة المنتشرة بكثافة، وسط اعتقاد العامّة بنقاء "أصحاب الكرامات" وقدرتهم على علاج الأمراض حتى المستعصية منها. بينما تتزايد أرباح أصحاب تلك المراكز من جيوب المرضى تحت مسمّى "العلاج بالدين".
(*) تعني اسما مستعارا
تصميم وتطوير: سليم سكاكيني و آيه المناصير مونتاج: أنس ضمرة أشراف: سعادة عبد القادر
تصميم وتطوير: سليم سكاكيني و آيه المناصير مونتاج: أنس ضمرة أشراف: سعادة عبدالقادر
المادة 245.- يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 376 من هذا القانون، كل من شارك في عمل تجاري يكون الغرض منه شرا أو بيع العظام البشرية أو من اشتغل بممارسة أعمال الشعوذة أو السحر أو الدجل التي من شأنها الاخلال بالنظام العام والاضرار بالأشخاص أو الأملاك.