إحصائيات رسمية
يؤكد تقرير 2024 الصادر عن مكتب شكاوى المرأة، التابع للمجلس القومي
للمرأة، خطورة الوضع. فتأتي جرائم العنف والتمييز في المرتبة الثانية
من حجم الشكاوى، بعد شكاوى الأحوال الشخصية؛ فسجلت ما نسبته نحو 11
في المئة، وتشمل هذه الشكاوى العنف الأسري والجنسي، وأنواعاً أخرى من
العنف.
إعلانات العمل.. بوابة جديدة للاستغلال
الاستغلال لا يأتي فقط من الأزواج أو أصحاب الإيصالات أو المحامين،
بل أحياناً من مصادر غير متوقعة. تؤكد المحامية نورا إبراهيم أن
الغارمات يتعرضن لأشكال مختلفة من الاستغلال يومياً، لمجرد أن لهن
سابقة جنائية.
وتروي نورا قصة إحدى موكلاتها، التي غرقت في ديون كبيرة بعد وفاة
زوجها الذي ترك لها ثلاثة أطفال، فصدر حكم ضدها لتعثر سداد الديون.
استجابت لإعلان عبر فيسبوك يبحث عن عاملة منزلية؛ كما كانت تترك
رقمها مع كل إعلان تقابله، على أمل أن تجد فرصة عمل لتوفر قوت يوم
صغارها.
لكنّها وقعت في فخ بعض الأشخاص، أحدهم راودها عن نفسها مقابل المال
أو فتح فيديوهات وهي عارية، وآخر طلب منها إرسال صورة بطاقة الرقم
القومي قبل أن تصل إلى "فيلته"، فكشف عنها وبدأ يساومها ويضغط عليها
بسبب القضايا المرفوعة ضدها.
تقول المحامية نورا إبراهيم: "بتتعرض كل يوم لانتهاكات، ومضطرة تنزل
وتشتغل"، مشيرة إلى أن هذا الشخص عنّف موكلتها وقال لها: "بتتكبري
على إيه؟ إنتِ رد سجون".
محاولات للمواجهة: هل تكفي؟
ترى نيفين عبيد، المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة، أن مواجهة
الابتزاز والعنف الإلكتروني تتطلب التفكير الجاد في حلول عملية.
وتشير إلى أن استجابة الجهات المعنية، مثل مباحث الإنترنت والنيابة
العامة، تظل في كثير من الأحيان مرتبطة بالقضايا التي تحظى بانتشار
واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وتتحول إلى قضايا رأي عام، في حين
لا تحظى الحالات الأقل انتشاراً بالاهتمام ذاته؛ ما ينفي مبدأ "عدالة
الإبلاغ".
وتوضح أن أغلب الحالات التي تتواصل مع المؤسسة هن فتيات يلجأن في
الأساس إلى طلب المشورة، لا إلى التدخل القانوني المباشر، مشيرة إلى
أن قنوات التواصل المتاحة، وعلى رأسها واتساب، تتيح لهن الحديث
بحرية، لكن نادراً ما توافق إحداهن على تقديم تسجيلات صوتية، إلا إذا
كانت مستعدة للدخول في مسار بلاغ رسمي.
وتؤكد أن قرار اللجوء إلى الإجراءات القانونية يظل صعباً ومربكاً
بالنسبة لكثيرات، لأنه يعني أن تقوم الضحية بنفسها بكشف واقعة
الابتزاز والإفصاح عمّا تراه "فضيحة"، وأن مجرد ذهابها إلى قسم
الشرطة والإبلاغ يمثل عبئاً نفسياً كبيراً عليها.
مبادرات على الأرض
"لا تخافي.. أيّاً كان نوع الابتزاز أو العنف، أنتِ لستِ وحدك"، كانت
هذه إحدى رسائل الحملة التي أطلقتها مؤسسة حياة للتنمية والدمج
المجتمعي بالتزامن مع حملة 16 يوماً لمناهضة العنف ضد النساء، ومن
ضمن الفئات المستهدفة كانت الغارمات.
تقول هالة فؤاد، اختصاصية اجتماعية ومدربة بالمؤسسة، إن عدداً من
الغارمات أو السجينات السابقات تعرضن للعنف الإلكتروني هن وبناتهن،
وتم الضغط عليهن بسبب الوصمة المجتمعية التي تظل تلاحقهن حتى بعد
حصولهن على البراءة، مشيرة إلى أن هناك حالات حاولت الانتحار: "في
ناس خسرت بيوتها بسبب التحرش أو بسبب العنف الرقمي".
وتقدم المؤسسة تدريبات حول السلامة الرقمية والتوعية بالمخاطر
الإلكترونية؛ فتُعلم النساء، بمن فيهن الغارمات، كيفية تأمين
الحسابات والتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي وحماية أنفسهن، ومعرفة
إذا كان هناك أحد يتتبعهن أو يراقبهن، بجانب تدريب عن العقوبات والشق
القانوني، فضلاً عن الدعم والإرشاد لمن يتعرضن للابتزاز.
توضح هالة فؤاد: "طبعاً لأنهم سجينات سابقات أو عندهم مشكلات
قانونية، كانوا بيخافوا"، مشيرة إلى أنهن يتواصلن مع الجهات المعنية
لحمايتهن من خلال مباحث الإنترنت، وخط نجدة الطفل وصفحات ومبادرات
تكافح العنف الرقمي، لا سيما ما تتعرض له الغارمات وبناتهن.
الغارمات محاصرات
تعبّر إيمان عن ندمها بسبب تلك الديون التي أثرت في نفسيتها ونفسية
فتياتها اللاتي دفعن الثمن معها. بعد أن هجرها زوجها، وتزوج من أخرى،
وامتنع عن الإنفاق على أبنائه، واضطرت إلى الاستدانة لتعليمهم وتوفير
قوت يومهم. تقول بنبرة قاطعة: "تحت أي ظروف، لن أفعل هذا مرة أخرى،
خلاص".
لكنّ الندم وحده لا يكفي؛ فالغارمات أصبحن محاصرات بين الديون التي
دفعتهن إلى السجن، والوصمة التي تحولت إلى سلاح في يد المبتزين،
والقوانين التي تحميهن على الورق، لكنّها تعجز عن حمايتهن في الواقع،
و"سيستم" لا ينسى ولا يُسامح.
أنجز هذا التقرير بدعم من أريج.
نشر هذا التقرير بالعربية في المواقع التالية: