يكشف التقرير كيف تحوّلت بلدات الخط الغربي لمحافظة الخليل، إلى بؤر ملوثة بفعل حرائق النفايات الإلكترونية والخردة، التي تجرى منذ عقود تحت غطاء "تجارة مشروعة"، تدر الملايين للتجار مقابل دمار بيئي وصحي واسع، يدفع ثمنه السكان. وبينما تبذل جهات رسمية ومحلية جهوداً لاحتواء الظاهرة، تصطدم تلك المحاولات بضعف القانون الفلسطيني، الذي لا يصنف الخردة المحترقة كنفايات، ما يتيح الإفلات من العقاب ويحول دون وقف الحرق، حتى بعد مرور نحو 30 عاماً على بدايته.
وجهٌ طفولي بعينين خضراوين، وذكاء سبق سنوات عمره الست، هكذا يتحدث أسامة سويطي عن ابنه سليمان، الذي لم تمنحه الحياة فرصة طويلة قبل أن ينهكه مرض السرطان، مُنهياً حياته القصيرة.
في البداية، ظهرت الأعراض على أطرافه السفلية، وسرعان ما انتشر المرض في جسده الصغير. وبعد سلسلة من الفحوصات الطبية، شخص الأطباء إصابة سليمان بنوع نادر من السرطان يصيب الأنسجة الرخوة.
لكن رحلة سليمان، رغم قصرها، لم تمرّ بصمت. فقد ألهمت ملامحه البريئة الشابة إسلام سويطي، وهي فنانة تشكيلية من ذات البلدة، فاختارت أن توثق ألمه بريشتها. رسمت سليمان في لوحة فنية تعكس محنته، محاطاً بأسلاك النحاس المحترقة التي تصفه إسلام بأنها "هاجمته بشراسة والتفت حوله حتى تلاشى ببطء". وتقول إنها أرادت من خلال اللوحة أن تُخلد سليمان كـ "أيقونة مرضى السرطان في بيت عوا"، بعدما تابع الأهالي قصة مرضه على وسائل التواصل الاجتماعي التي نشرت أسرته عبرها تطورات حالته الصحية، لتكون صرخة توعوية ضد خطر هذه الحرائق.
تتحدث إسلام عن مشاعرها أثناء رسم اللوحة: "كنت أتنقل بين الحزن والإحباط والغضب، خاصة أن سليمان كان لا يزال يصارع المرض أثناء عملي عليها"، لكنها لم تُنهِ لوحتها إلا بعد وفاته وهو لم يُكمل عامه السادس بعد.
غير أن علاقة إسلام بحرائق الخردة لم تكن فنية فقط، بل شخصية أيضاً. فهي وعائلتها كانوا من سكان المنطقة الشمالية من بيت عوا، حيث تكثر عمليات الحرق. ومع ازدياد التلوث، اضطرت العائلة لترك منزلها الذي عاشت فيه أكثر من 20 عاماً. يقول والدها، محمود سويطي: "قررنا نطلع احتياطا وحفاظا على صحتنا، الواحد ما بملك أغلى من صحته".
قصة سليمان، ولوحته، ورحيل عائلة إسلام، تكشف وجهاً لظاهرةٍ بيئية باتت تهدد حياة الناس في بيت عوا والقرى المجاورة.