يقول الخبير البيئي، حمدي حشاد، إن منطقة خليج قابس تُعدّ من أكبر
بيئات أعشاب البوسيدونيا أو الضريع؛ وهي بمثابة حاضنة ليرقات الأسماك
وأغلب الكائنات البحرية، وتمثل مصدراً للتنوع الحيوي.
وبحسب حشاد، يترافق وجود تلك الأعشاب مع العديد من الكائنات الحية
الأخرى. وتسهم البوسيدونيا في إنتاج الأكسيجين بالبحر، حيث تنتج مساحة
المتر مربع الواحد منها نحو 12 لتراً من الأكسيجين.
يقع خليج قابس شرقي البلاد، ضمن المياه الإقليمية التونسية. إلى الجنوب
الشرقي منه تقع جزيرة جربة، في حين تقع جزيرة قرقنة في الناحية
الشمالية الشرقية. ويوجد بالخليج ثالث أكبر أسطول لسفن الصيد العاملـة
فـي البحر الأبيض المتوسـط.
يشكل خليج قابس موطناً بحرياً فريداً من نوعه، بسبب مروج الأعشاب
البحرية الضخمة الأكبر في البحر الأبيض المتوسط، والمعروفة علمياً باسم
"بوسيدونيا أوسينيكا" أو أعشاب الضريع، حيث يعيش في مروجها أكثر من 650
نوعاً من الحيوانات البحرية، والعديد من الأنواع المهاجرة، بعضها مدرج
في قائمة الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة IUCN للأنواع المهددة
بالانقراض.
تتجاوز القيمة النقدية للهكتار الواحد من تلك الأعشاب قيمة غابات
الأمازون والشعاب المرجانية بكثير، ولا تقتصر أهميتها على الحفاظ على
التنوع البيئي؛ فهي أيضاً تعمل على احتجاز الكربون وحماية السواحل من
التآكل.
قاومت أعشاب الضريع البحري العوامل المناخية المتطرفة عبر ملايين
السنين، إلا أنها تواجه حالياً تهديدات كبيرة.
تهدد مراكب الصيد بالكيس حياة أعشاب بوسيدونيا، أو الضريع البحري،
المحمية بموجب اتفاقية حماية البيئة البحرية والمنطقة الساحلية للبحر
المتوسط (اتفاقية برشلونة). وتعتمد عدة أنواع من الأسماك على ما تشكله
تلك الأعشاب من حقول خضراء تحت الماء، كمناطق للحصول على الغذاء،
ومناطق للتكاثر ووضع البيض و إخفاء الصغار، وفق الصندوق العالمي
للطبيعة.
يبلغ عدد مراكب الصيد المرخصة في تونس 14 ألف مركب. تشكل مراكب الصيد
التقليدي الغالبية العظمى منها، 92 في المئة، و تتركز تقريبا في كل
المحافظات الساحلية مثل صفاقس، قابس، مدنين المهدية، المنستير نابل،
تونس وبنزرت، حسب ما أفاد به، علي الشيخ السبوعي، المدير العام لإدارة
الصيد البحري وتربية الأسماك بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد
البحري.
في العام 2024، أنتجت تونس 138 ألف طن من السمك، منها ما يزيد عن 37
ألف طن تم تصديرها مقابل 845 مليون دينار تونسي. بلغ نصيب قطاع تربية
الأسماك منها حوالي 200 مليون دينار تونسي، وفق السبوعي.
أضرار كبيرة
يقول السبوعي، المدير العام لإدارة الصيد البحري وتربية الأسماك، إنه
تم تسجيل 2300 مخالفة في العام 2024 مقارنة مع 1300 مخالفة في العام
2022، ضمن قطاع الصيد البحري. ما يدل على وجود جهد كبير في متابعة
عملية الصيد، من وجهة نظره.
وحسب السبوعي فإن ظاهرة الصيد بالكيس تتسبب بأضرار في ثلاثة مستويات
أولها استنزاف الثروة السمكية والإضرار بالبيئة البحرية وتصحّر البحر.
وثانياً الإضرار بممتلكات الغير وإتلاف معدّات صيد البحّارة التقليديين
ما أدى الى عزوف الشباب عن تجهيز مراكبهم والعمل في هذا المجال.
أما المستوى الثالث والأهم، حسب مدير عام الصيد البحري وتربية الأسماك،
فهو الإضرار بسمعة البلاد التي كانت جيدة في المستوى الدولي في الصيد
الرّشيد. موضحًا أن تونس باتت تتلقى إنذارات من الاتحاد الأوروبي،
الشريك الأول لها، بسبب الصيد بالكيس والصيد العشوائي، ما قد يلحق
الضرر بقطاع الصادرات ومستقبل تونس خاصة على قطاع الصيد البحري الذي
يعتبر ثاني مورّد مدرّ للعملة الصعبة بعد قطاع زيت الزيتون، وفق ما
أوضح.
وحول السياسة المعتمدة للتصدي للصيد العشوائي قال المدير العام للصيد
البحري إنها تتمثل في المراقبة البحرية التي نجحت في حجز 100 مركب
ورفعهم الى اليابسة منذ شهر آب/ اغسطس 2023 وحتى شهر أيار/ مايو 2025،
مع القيام بعمليات مراقبة للمنتجات البحريّة المُنزَّلة ومُعدّات
الصّيد، إضافة الى مراقبة مسالك التوزيع سواء كان في الأسواق التجارية
الكبرى ومحلات البيع الخاصة وحجز المنتجات التي تكون دون وثائق.
أما ما يتعلق بالجهد الرقابي فأوضح السبوعي أنه تم انتداب 69 عون حرس
صيد بحري في العام 2018 وجرى تدريبهم، وهم بصدد العمل على مستوى
الموانئ للتصدي للصيد العشوائي. ومع ذلك يقر السبوعي بأن عدد الأعوان
ما يزال ضعيفا، حيث يتوزع 140 عون حرس صيد بحري على 1300 كيلومتر، وهو
ما جعل وزارة الإشراف تفكّر في انتدابات جديدة للمراقبين.
كما تم اقتناء خافرتين سريعتين بطول 10 متر في العام 2019، إلا أنهما
الآن في حالة عطب في انتظار إيجاد قطع الغيار لهما للعودة إلى العمل،
مع اقتناء خافرَتيْن للمراقبة بطول 27 متر، في إطار اتفاقية تعاون
تونسي ياباني، سيدخلان العمل الميداني قريبا، وفق السبوعي.
وحسب السبوعي فإنه يُرصد 2 مليون دينار تونسي كل عام لإنجاز وإغراق
أرصفة اصطناعية في مناطق ذات أعماق قصيرة يتم فيها الصيد بالكيس. بلغت
نسبة الإنجاز في هذا المشروع، المُنفذ بالشراكة مع الجانب البلجيكي، 55
بالمائة تقريباً، وفق ما أشار.
وأكد السبوعي أنه تم منع الحصول على رخص صنع مراكب موجهة للصيد بالكيس،
وتحديد سقف تكبير مراكب الصيد الساحلي حتى لا تكون في مقاسات تسمح لها
بالصيد غير القانوني. إذ تتخفى العديد من المراكب التي يبلغ طولها 16
متراً وراء رخص الصيد الساحلي وتحمل معدّات الصيد بالكيس. كما تم تجهيز
المراكب التي يفوق طولها 15 متراً بجهاز تتبع بالأقمار الصناعية لتتبع
مسار الرّحلة البحرية وأماكن الصيد، حسب ما أوضح.
كما أشار إلى تنفيذ إجراءات لمساعدة بحارة الصيد التقليدي مثل تخصيص
منح دعم المحروقات بقيمة تتراوح بين 40 و 50 في المئة.
مستقبل مجهول
معز عمار، صياد يبلغ من العمر 43 سنة ويملك مركباً صغيراً. لم يتمكن
معز من الزواج بسبب ظروفه الاقتصادية الصعبة .
يُقارنُ معز بحسرة بين الوضع الراهن وما كان عليه الحال قبل أكثر من
عقد من الزمن، متحدثاً عمّا وصفه بالخيرات التي كانت على الشواطئ، في
إشارة إلى وفرة مختلف أنواع الأسماك.
يقول معز عمار: "كان الأخطبوط غذاء البسطاء. ينطلق موسم صيده بداية من
شهر تشرين الثاني/نوفمبر إلى غاية شهر آذار/مارس، ورغم الدَّخل القليل
فإن الأموال كانت كافية لشراء الحاجيات الأساسية ولا يبقى أحد للجوع
أما اليوم حتى ميسور الحال لا يستطيع توفيره بسبب الفساد والصيد بالكيس
الذي تسبب في تحويل البحر الى صحراء قاحلة " .
يضيف معز: "الآن حتى ميسوري الحال لا يستطيعون توفيره، بسبب الصيد
العشوائي والكيس الممنوع، الذي حول البحر إلى صحراء قاحلة". ويتابع
القول باستهزاء: "الآن من يصطاد أخطبوطاً يلتقط معه صورة للذكرى... ".
أنجز هذا التقرير بدعم من أريج