يكشف التقرير عن إقصاء متعمد للنساء من الانتخابات الداخلية التي تجريها العشائر في الأردن، لاختيار مرشحي الانتخابات النيابية. تنُظم تلك الانتخابات بآليات توصف بأنها "ديمقراطية" لكنها تستبعد المرشحات، على مرأى ومسمع الإدارات الحكومية.
"بدنا نعطيكِ والا نعطي الزلمة، بكرة إذا رسب بيقولوا الله لا يوفقها شتت شمل الحمولة". بهذه الكلمات عبرت أسرة فاطمة (م) -اسم مستعار-، عن رفض ترشحها للانتخابات النيابية التي جرت العام الماضي.
تقول فاطمة إن أسرتها رفضت دعمها بدعوى تجنب تشتيت أصوات العشيرة، إذ تم اختيار مرشح من الرجال لتمثيل عشيرتها. تؤكد فاطمة أنه من الصعب عليها الترشح في غياب دعم أسرتها.
تضيف فاطمة عن محاولتها المتكررة في الترشح للانتخابات في أكثر من دورة انتخابية: "كل مرة بصير نفس الشيء، لما بدي أترشح، بختاروا زلمة".
لم ينجح المرشح الذي اختارته العشيرة في الانتخابات الأخيرة. لا يوجد دور للنساء في اختيار مرشح العشيرة،بحسب فاطمة. وتقول إنها ندمت لعدم انتسابها إلى حزب سياسي، فهي في تلك الحالة لن تكون بحاجة إلى موافقة العشيرة.
فاطمة ليست بعيدة عن فضاء العمل العام، فهي عضوة سابقة في مجلس بلدي. نجحت فاطمة مرات عدة في الوصول إلى مجلس البلدية في منطقتها. في المرة الأولى التي خاضت فيها الانتخابات البلدية، تقدمت بطلب ترشح في منطقتها بشكل مستقل ونجحت في الحصول على مقعد في المجلس البلدي.
في الانتخابات البلدية الأخيرة (أيلول/سبتمبر 2024)، حلّت فاطمة رابعة في قائمة مرشحين ضمت 18 مرشحاً، معظمهم من الذكور، وحصلت على مقعد بشكل تنافسي خارج إطار "الكوتا". تقول فاطمة إن خوض الانتخابات البلدية لا يتطلب إجماعاً من العشيرة.
فاطمة معروفة لدى أهل منطقتها، فقد عملت في مجال التعليم لأكثر من عقدين، وتعاملت مع الكثير من العائلات هناك. عندما نجحت فاطمة في أول انتخابات بلدية خاضتها، التقت محافظ المنطقة مع بقية أعضاء المجلس، وكانت تتحدث حول المشكلات التي تواجه بلديتها. أبدى أحد أعضاء المجلس أعتراضه على مشاركتها الحديث مع المحافظ كونها إمرأة، وفق فاطمة.
لم يكن هذا الموقف الوحيد الذي واجهت فيه فاطمة تعليقات "عنصرية" ومحاولات إقصاء. تقول فاطمة إن البعض من داخل العشيرة كانوا يعبرون أمامها عن انزعاجهم من ترشحها للانتخابات البلدية أثناء زيارتها مراكز الاقتراع: "بدناش نسوان، نحن بنعطي زلمة".
ضغوط كبيرة
فاطمة ليست الوحيدة التي واجهت صعوبات في الترشح للانتخابات النيابية الأخيرة. أشار تقرير حول "العنف ضد المرأة خلال الانتخابات النيابية لعام 2024"، إلى أن العديـد مـن المرشحات، ممن خضن الانتخابات النيابية العام الماضي، أكدن أن بيئـة الانتخابـات التي تسيطر عليها المنافسة العشائرية وانتشـار المـال الأسـود دفعتهن إلى التخلي عـن الترشح.
وبحسب التقرير الذي شمل أكثر من 167 مرشحة، تعرضت بعض المرشحات لضغوط مــن أفراد العشيرة وأقاربهن على وســائل التواصل الاجتماعي، في محاولة لإقناعهن بالانسحاب أو التشكيك في قدرتهن على الفوز. إحدى المرشحات ذكرت أن أفــراداً مــن عائلتهــا نشروا تعليقات سلبية علــى وســائل التواصــل الاجتماعــي، معلنين براءتهم منهــا إذا أكملت مسيرتها الانتخابيـة، مــا شـكل لها ضغطاً نفسياً كبيراً، وفق التقرير -الصادر عن مركز قلعة الكرك للاستشارات والتدريب- الذي شمل تحليل آلاف المنشورات وأكثر من 140 ألف تعليق على مواقع التواصل.
كما تعرضت مرشحة أخرى لضغط شديد من خلال "جاهــات" أرســلت إلــى زوجهــا و أفــراد عائلتها لإقناعها بالتراجع عن ترشحها، مشيرة إلى أن زوجها طلب منهــا الانسحاب مــن الســباق الانتخابـي، وهددهـا بالطلاق إذا لـم تسـتجب، حيـث كان يؤمن بأن حفاظها علــى وحدة العائلــة أهــم مــن دخولها الساحة السياسية، بحسب التقرير.
يُعد الإجماع العشائري ممارسة اجتماعية يختار بموجبها أفراد العشيرة ممثلاً منهم، ليكون مرشحاً للانتخابات باسم العشيرة، ويترتب على ذلك تصويت أفراد العشيرة لهذا الممثل بغض النظر عن أي توجه سياسي أو برامجي.
يقول المحلل السياسي سميح المعايطة إن العشيرة كانت وحدة اجتماعية تمارس دورها الوطني، وهي ليست إطاراً سياسياً. إلا أنها تحولت بشكل تدريجي إلى جهة تقدم مرشحين إلى مجلس النواب، مشيراً إلى تراجع الدور العشائري نتيجة عوامل عدة، من بينها التنافس الكبير بين أبناء العشيرة.
وبحسب المعايطة قدمت "الكوتا" مساراً آخر لاختيار نساء من العشيرة من دون التأثير على "مرشح العشيرة" من الذكور، مؤكداً أنه كان يندر قبل ذلك أن تقدم العشيرة امرأة منها كمرشحة تحظى بالإجماع.