الإثنين ٢٤ - سبتمبر - ٢٠١٨ ٠٨:٠٠ مساءً

وطأة الغبار المعلق

26 ديسمبر 2016

تحقيق: محمد الجدحفصي

الوسط البحرينية -قد لا يبدو الأمر جديداً على أهالي قرية المعامير التي تضم حوالي 7 آلاف نسمة، مع وفاة حسن علي سلمان (84 عاماً) من مضاعفات سرطان الرئة في يناير مطلع هذا العام. لكن هذه الوفاة أعادت التذكير بإحدى المشكلات الرئيسية في التلوث الذي يضرب القرية المعامير منذ 35 عاماً، وهي معاناتهم من السكن قرب مصنع الإسمنت التابع لشركة أوال للخرسانة «أرمكون». 

لا يتعلق الأمر بمطالبات السكان من جيران المصنع ولا الناشطين البيئيين فحسب، بل ان مراجعة التشريعات والقوانين المنظمة للبيئة في البحرين، تكشف أن مجاورة مصنع الإسمنت للبيوت في قرية المعامير تمثل مخالفة للقانون. فوجود المنازل قرب المصنع يمثل مخالفة للقرار رقم (5) لسنة 2005 بشأن الشروط البيئية اللازم توافرها في مواقع الأنشطة الخدمية والذي ينص على ألا تقل المسافة بين المناطق السكنية ومواقع الانشطة الخدمية عن 60 متراً، في حين أن المسافة الفاصلة بين المصنع والمنازل القريبة منه تصل إلى 10 أمتار وأقل في بعض الجهات.

تمثل المنازل القريبة من المصنع نحو 20 في المئة من منازل القرية. لكن هذا القرب الشديد للمنازل من المصنع يعود أساساً الى أن الأهالي حصلوا على قطع الأراضي التي شيدوا عليها منازلهم مجاناً من وزارة الاسكان قبل أكثر من 20 عاماً. أي أن الوزارة خصصت لهم تلك الأرض لبناء التوسع الجديد لمنازل القرية، لتقترب من المصنع الذي أنشئ العام 1982 ولتقترب من منطقة المعامير الصناعية وهي واحدة من 6 مناطق صناعية في البحرين. ضمن هذه المنطقة الصناعية، هناك 6 مصانع خرسانة أخرى، لكن 5 منها تبعد حوالي 300 متر عن القرية، ما عدا المصنع السادس، وهو مصنع شركة «ارمكون» الذي يجاوز حزام المنازل ومدرسة الإمام علي الابتدائية. 

لم يجب الأهالي حول دوافع قبولهم استلام أراضٍ على هذا القرب الشديد من المصنع، وبدو مترددين، بل وتهرب بعضهم من الإجابة. لكن الناشطين البيئيين من سكان القرية، أشاروا الى أن الأهالي الذين استلموا هذه الأراضي المجانية من وزارة الإسكان «كانوا غير قادرين على اختيار أراضٍ في مناطق أخرى؛ نظراً لعدم قدرتهم على الشراء أو دفع متطلبات أراضٍ من وزارة الإسكان» أو «خشية الانتظار لسنوات في قوائم الراغبين في الانتفاع من الخدمات الإسكانية». 

صدور عليلة

لقد أظهر استبيان قمنا به على عينة عشوائية من 205 أشخاص (138 شخصاً من قرية المعامير و67 شخصاً من أهالي قرية العكر التي تبعد حوالي كيلومترين عن المصنع) أن حوالي ثلث اجمالي العينة (39 في المئة) تتراوح أعمارهم ما بين 25 إلى 55 عاماً مصابون بواحد أو أكثر من أمراض الجهاز التنفسي أهمها الربو وضيق التنفس.

سيقودنا هذا المؤشر إلى قائمة أعدها ناشطون بيئيون في القرية تضم 13 شخصاً توفوا نتيجة الاصابة بأحد امراض الجهاز التنفسي أو مضاعفاتها في الفترة ما بين 1981 إلى 2016 وغالباً من حالات «سرطان الرئة» و»الانسداد الرئوي» أو «الاعتلال القلبي الرئوي» أو «متلازمة الضائقة التنفسية»، مثلما هو مسجل في تقاريرهم الطبية وشهادات وفاتهم. تتراوح أعمار المسجلين فيها بين 13 عاماً حتى 84 عاما بمتوسط يبلغ 55 سنة، وفق ما هو وارد في شهادات وفاتهم وتقارير طبية اطلعنا عليها وتشخص حالاتهم.

لا تضم تلك القائمة كل الوفيات الناجمة عن الاصابة بمرض تنفسي في القرية؛ نظراً لتردد غالب الاهالي في التعاون مع الناشطين، إما خشية من عواقب مفترضة، او حفاظاً على وظائف حصلوا عليها في شركة النفط وشركات أخرى.

 أما جيران المصنع، فإن معاناتهم مستمرة، حيث يشير علي الصالح الذي يبعد منزله عن المصنع حوالي 10 أمتار، إلى أنه يعاني «صداعاً مزمناً وصعوبة في التنفس وكحة مزمنة»، موضحاً «لم أكن أشكو من أي أعراض قبل انتقالي لمنزلي المجاور للمصنع منذ 2007». 

الحال نفسها مع عبدالعزيز المؤمن الذي أكد لمعد التحقيق «اعاني أنا وأسرتي المكونة من 4 أفراد مع الخادمة من مشكلات في الجهاز التنفسي منذ انتقالنا لمنزلنا قبل حوالي 16 عاماً». 

غبار الإسمنت يطال كافة أرجاء منازل سكان القرية حتى مسافة 500 متر تقريباً، ويغطي البيوت والسيارات والأشجار. ومن بين جيران المصنع هؤلاء، فان ابراهيم مكي آل سعيد تقدم بشكوى ضد شركة اوال للخرسانة (أرمكون) بسبب قيام الشركة في العام 2014 بفتح باب في سور مبانيها قبالة باب منزله، وما يسببه هذا من ازعاج واقلاق لراحة عائلته. وبعد أن أظهر لنا بلاغاً من مديرية شرطة المحافظة الوسطى يحمل الرقم 1357 ومؤرخ في 13 ابريل 2014، قال موضحاً إن «القضية لم تتحرك، لدي طفلة تعاني من إعاقة لكن ضجيج المصنع والتلوث يهدد حياتها».

إن «تنظيف غبار الاسمنت عمل يومي لنا» وفق ما يقول جيران المصنع لمعد التحقيق، حيث يشير علي الصالح الى أنه ينظف كميات كبيرة من الإسمنت، تتراكم أمام النوافذ بارتفاع أكثر من 3 سنتيمترات غالباً. أما الأشجار في الشوارع وحدائق البيوت، فليس من الصعب ملاحظة اللون الرمادي الذي يغطيها جراء تراكم غبار الإسمنت على أوراقها وغصونها.

يقول رئيس لجنة «الناشطون البيئيون» في القرية محمد جواد حسين والمصاب بمرض «الساركويد» واعتلال العقد اللمفاوية (مرض تنفسي من اعراضه السعال الجاف وضيق تنفس وتضخم في الغدد اللمفاوية واللعابية واضطراب في وظيفة الكبد)، أن وجود هذا المصنع وغيره قرب البيوت «مخالفة صريحة للقرار رقم (5) لسنة 2005 بشأن الشروط البيئية اللازم توافرها في مواقع الأنشطة الخدمية الذي ينص على ألا تقل المسافة بين المناطق السكنية ومواقع الانشطة الخدمية عن 60 متراً».

ويضيف موضحاً «القرار رقم (5) يتحدث عن أنشطة خدمية أي الورش والمشاغل وما إلى ذلك ولم يتحدث عن مصانع، لكن هنا لدينا مصنع، والواجب أن تكون المسافة بين المصنع وبين البيوت أكثر من الواردة في هذه القرار».

يطال الغبار أيضا مدرسة الإمام علي الابتدائية للبنين أكثر من غيرها من المباني لقربها الشديد من المصنع، وفق ما أظهرته صور المحرر من داخل المدرسة. أما قبة المسجد القريب، فليس من الصعب مشاهدة كيف تحول لونها الذهبي إلى رمادي بفعل غبار الإسمنت المتراكم عليها.  غبار الإسمنت المعلق

في معرض توضيحه مخاطر غبار الإسمنت، يقول استشاري الأطفال والمواليد والربو حميد ديواني، إن هناك نوعين من الملوثات الاساسية التي تنبعث من مصانع الاسمنت وهي «الملوثات الصلبة» و«الملوثات الغازية». 

ويوضح ديواني أن «الملوثات الصلبة تتمثل في الغبار المتراكم والذي يترسب في المناطق القريبة من المصنع وتأثيره ضعيف على الجهاز التنفسي، لكنه يؤثر على العين والأشجار والأبنية. وهناك الغبار المعلق وهو خفيف ويسبب الكثير من المشاكل الصحية مثل الربو والتهابات الشعب الهوائية والحساسية والتليف الرئوي، كما يؤثر على الجهاز العصبي، ويتسبب في خمول في التفكير ومشكلات بالجلد، كما يؤدي إلى حدوث تشوهات الأجنة».

أما الملوثات الغازية، بحسب ديواني فهي «تتكون نتيجة احتراق الوقود في الأفران وأهمها غاز ثاني أكسيد الكربون وثاني أوكسيد الكبريت، وهو من أخطر ملوثات الهواء ويتحول الى ثالث أكسيد الكبريت، ومن ثم إلى حمض الكبريت الذي يقلل من مستوى الرؤية ويؤثر على الجهاز التنفسي». 

يضيف «هناك أيضا أكاسيد النتروجين، حيث أن بعضها بتراكيز خفيفة تسبب الحساسية الخفيفة، وأخرى بتراكيز عالية تؤثر على الرؤية والجهاز التنفسي. أضف إلى ذلك أيضا غاز أول اكسيد الكربون، وهو غاز شديد السمية على الانسان والحيوان، ومن الممكن تقسيمه إلى ثلاثة انواع بحسب قوة تركيزه. نوع خفيف يسبب الصداع والضعف وضيق التنفس وارتفاع درجة الحرارة والقيء ونوع متوسط، يسبب خللاً في الحركة وزرقة في الوجه وانخفاضاً في الإدراك. وأخيراً نوع شديد يميت خلال ساعة إذا كان تركيزه 2 ميللغرام في اللتر وخلال 5 دقائق فقط إذا وصل التركيز الى 5 ميللغرام في الليتر».

مشكلة قديمة متجددة

لقد تصدرت مشكلة التلوث في المعامير اهتمامات السياسة المحلية في العام 2005 في الواقعة المشهورة باسم «غاز المعامير» عندما تم رصد تسرب لغازات في أجواء القرية، وتبين لاحقاً أن أجهزة الرصد التابعة لشركة النفط «بابكو» في مصنع التكرير القريب من القرية لم تكن تعمل ولم ترصد هذا التسرب. 

دشنت الواقعة جدلاً قاد الى تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في تسرب الغاز. لكن تلك المشكلة كانت تتعلق بشركة النفط «بابكو» وتحديداً بمصنع التكرير التابع، وانتهت لجنة التحقيق البرلمانية إلى تقديم تقرير تضمن 35 توصية منها توصية بإزالة المؤسسات المتخصصة في نقل وتجميع النفايات، وتفكيك وإزالة بعض المصانع والورش المتاخمة للمساكن، وجعل موقعها خطاً أحمراً لا يمكن تجاوزه. 

وفي التوصية رقم 10، طالبت اللجنة الحكومة بدراسة «فكرة نقل الأهالي من المنطقة القريبة جداً من المصانع بالغة التلوث إلى منطقة أخرى بعد إجراء استبانة لمعرفة رأي الأهالي». وفي نهاية التوصيات طالبت اللجنة بإلزام كل شخص طبيعي أو اعتباري مسئول عن تلويث البيئة بتعويض الضرر الناشئ عن العمل غير المشروع الذي خالف التشريعات السارية المفعول، بناء على ما نصت عليه المادة (159) من القانون المدني. لكن أياً من هذه التوصيات لم يطبق وفق ما ذكره رئيس اللجنة عضو مجلس النواب السابق أحمد حسين في مقابلة له نشرت في 15 نوفمبر 2103.

وفيما سيلي من السنوات، راح الناشطون البيئيون في القرية يركزون جهودهم على وجود المصانع قرب البيوت، وحددوا في اتصالاتهم مع الجهات الرسمية المعنية 4 شركات، طالبوا بنقلها من المنطقة، مثلما ورد في رسالتهم الموجهة إلى وزير التجارة والصناعة الأسبق حسن فخرو والمؤرخة في 17 يوليو/ تموز2009. 

لقد طالب بيئيو المعامير في رسالتهم تلك بنقل حظائر الأغنام التابعة لشركة البحرين للمواشي، شركة «ارمكون» للإسمنت والخرسانة وشركتي «ردماك» و»سفنكس»، وهما شركتا تنظيفات وشفط مخلفات صناعية وصرف صحي وفرز مخلفات وحديد. وكانت الرسالة مرفقة مع عريضة موقعة من قبل 1700 شخص من سكان القرية.

الوزير فخرو، أشار في رسالة جوابية للجنة مؤرخة في 2 أغسطس/ آب من نفس العام إلى أن هذه الشركات «لديها عقود قديمة جداً قبل تشكيل هذه الوزارة»، وأضاف بأن نقل حظائر الأغنام التابعة لشركة البحرين للمواشي «ليس من اختصاص الوزارة» لأن الحظائر «لا تتبع منطقة المعامير الصناعية».

 أما بالنسبة لشركة «ارمكون»، فقد أشار فخرو في رسالته إلى أن القسيمة الصناعية (الترخيص) لهذه الشركة، قد أجرت لهذه الشركة من قبل وزارة التنمية والصناعة في 1يونيو/ حزيران1982 وأن الوزارة «قامت بإنذار الشركة بضرورة إزالة المخالفات على الموقع في غضون 3 شهور وفي حالة عدم الالتزام بذلك سيتم سحب القسيمة الصناعية». 

وبالنسبة لشركة «سفنكس» التي أجرت لها القسيمة بتاريخ 19 يناير/كانون الثاني1985 بحسب الرسالة، فإن الفحوى هي ذاتها حول الإنذار بضرورة إزالة المخالفات على الموقع في غضون 3 شهور، وإلا سيتم سحب القسيمة. أما الشركة الأخيرة «ردماك»، فقد أشار الوزير إلى أن الوزارة لن تجدد العقد معها. وفي ديسمبر 2009، قالت الوزارة في تصريحات نشرتها الصحف المحلية أنها قامت بسحب القسيمة من هذه الشركة، وأنها ستلجأ للقضاء لعدم التزام الشركة بإخلاء الموقع. لكن لم يكن ممكنا التأكد بشكل مؤكد من إغلاق نشاط هذه الشركة في ظل عدم وجود جواب رسمي من الوزارة او الشركة حول الأمر.

حدود الالتزام ونوعه

 لم تحدد رسالة الوزير تلك ما هي المخالفات التي يتعين على شركة «ارمكون» ازالتها، ولم يعرف ما إذا كانت قد قامت بذلك أم لا، لكن الشركة ظلت تعمل حتى يومنا هذا وظلت مشكلة غبار الإسمنت المتطاير منها باقية حتى اليوم بحسب ما وثقه هذا التحقيق.

وفي رده (المرسل بالبريد الالكتروني) على سؤالنا حول ما إذا كانت شركة «ارمكون» قد حصلت على موافقة بيئية من المجلس، قال الرئيس التنفيذي للمجلس الأعلى للبيئة محمد مبارك بن دينه إن «أغلب مصانع الخرسانة قديمة جداً وقائمة قبل صدور القرار رقم (1) لعام 1998 بشأن تقويم الاثر البيئي للمشروعات»، موضحاً أن التعامل مع هذه المشاريع/ الشركات «يكون عن طريق مراقبتها من خلال البرامج الرقابية، والتأكد من امتثالها للقوانين البيئية، وفي حال ثبوت أي مخالفة، فإنه يتم توفيق أوضاعها بعد اتخاذ الاجراءات القانونية».

وفي تعليقه على لقطات فيديو وثقها معد التحقيق تظهر تراكم غبار الإسمنت في المنازل القريبة من المصنع وعلى السيارات «https://youtu.be/qc2VBk4KOFo»، قال بن دينه: إن «الشركة أبدت تجاوباً فعالاً لتوجيهات المجلس بشأن توفيق أوضاعها البيئية»، ورجح أن يكون تطاير غبار الاسمنت «لأسباب يصعب التحكم فيها». 

وأضاف موضحاً «يتم تخزين الإسمنت في صوامع مغلقة، وتوجد عليها مرشحات خاصة لمنع تطاير الأغبرة أثناء شحن الصومعة في نظام مغلق عن طريق الضخ. وقد أوضحت الزيارات المستمرة وبيانات المراقبة عدم وجود أي انبعاثات غير طبيعية من تلك الصوامع».

واضاف «على الرغم من ذلك، تتبقى بعض الجوانب التي يحتمل تطاير الغبار نتيجة عنها ويصعب التحكم بها بشكل تام، وهي حركة المركبات الثقيلة في الموقع وعمليات الشحن والتفريغ فيما عدا صوامع الإسمنت وهبوب الرياح ومرورها بمواقع تواجد بقية المواد الأولية من رمال وكنكريت». لكن استمرار تطاير غبار الإسمنت، يعني أن المشكلة ما تزال قائمة أياً كان مصدر هذا الغبار المتطاير. ففي مكان آخر من منطقة المعامير الصناعية، ترتفع تلة من الرمال في مصنع «الشرقية» القريب من مصنع ارمكون الى 7 امتار تقريباً متجاوزة ارتفاع سور المصنع الذي يبلغ 4 امتار. ان مشاهدة التلة لا يحتاج أي عناء فهي ظاهرة للعيان يتطاير منها الغبار بشكل واضح. 

 

كل الحقائق المتعلقة بتلوث البيوت المحاذية للمصنع والمدرسة القريبة والاشجار، تظهر أن هذا يمثل مخالفة للمقاييس الواردة في القرار رقم (1) وخصوصاً تلك الواردة في المادة (9) منه التي تنص على أن بيان تفاعلات الوضع البيئي الذي قد يتأثر بأي مشروع يجب أن يتضمن اولاً «أي تأثير على صحة الإنسان والتجمعات السكانية» وثانياً «أي تأثير على الأنظمة البيئية (الايكولوجية) في المنطقة التي يقع المشروع فيها». وكلا الأمرين ينطبق على حالة جيران مصنع الإسمنت والنظام البيئي حوله وخصوصاً تلوث الأشجار والمباني بغبار الإسمنت. 

الملوث يدفع 

لكن وبالرغم من ان القرار رقم (5) لسنة 2005 المشار اليه آنفاً، يحيل في مادته الثامنة عقوبات مخالفي مواده الى قانون البيئة الصادر عام 1996 وتحديداً المادة 29 منه التي تنص على عقوبات تتراوح ما بين الحبس والغرامة التي تصل الى 50 ألف دينار (حوالي 132 الف دولار اميركي) واغلاق الأماكن التي تمثل مصدراً للتلوث بأمر من المحكمة، إلا ان الحل عن طريق القانون ليس مطروحاً حتى الآن من أي طرف. 

ورغم اشارتها إلى أن «المشكلة أكبر من أن يحلها القضاء؛ كونها تتعلق بخسائر مادية كبيرة على عاتق الدولة»، ترى المحامية نفيسة دعبل «أن الضرر الكبير الواقع على الأفراد من جيران المصانع يتيح المجال لهم للمطالبة بتعويضات متى ثبتت علاقة المصانع بما يعانون من أضرار».

انها نفس الفحوى التي اشار اليها الوزير الأسبق حسن فخرو في رسالته آنفة الذكر لناشطي القرية أن خيار نقل المصانع صعب لأنه «يتطلب إمكانات من توافر أراضٍ واعتمادات مالية كبيرة ليست متوافرة للوزارة، ولعدم وجود أراض صناعية شاغرة»، وعدم وجود «ميزانية لتنفيذ عملية النقل ودفع التعويضات».

 لقد طرحت عدة حلول لمشكلة التلوث في المعامير منذ سنوات، تتراوح ما بين نقل المصانع القريبة من البيوت أو دفع تعويضات على قاعدة «الملوث يدفع» التي نادت بها لجنة التحقيق البرلمانية أو نقل الأهالي من المنطقة القريبة جداً من المصانع بالغة التلوث إلى منطقة أخرى بعد إجراء استبانة لمعرفة رأي الأهالي وفق ما جاء في توصيات اللجنة. 

وحتى لحظة كتابة التحقيق، لم يستجب طرفان أساسيان في هذه المشكلة، وهما شركة «ارمكون» التي لم ترد على الاسئلة التي أرسلت لها عبر البريد الالكتروني والبريد المسجل ووزارة الصناعة والتجارة التي لم ترد أيضا على أسئلتنا لها حول إمكانية نقل المصانع. 

ويوضح رئيس لجنة الناشطين محمد جواد أن «الأهالي يحدوهم الأمل بتحسن الوضع البيئي في المنطقة إسوة بمنطقة البحير (شمال غرب المعامير) التي كانت تعج بالكسارات التي تلوث مدينة الرفاع الشرقي ومنطقة سند ومدينة عيسى قبل بضع سنوات، وأيضاً خزانات النفط التابعة لمطار البحرين والموجودة في عراد (في جزيرة المحرق) حتى صدر قرار حكومي بإزالتها». مضيفاً «وإسوة بقرار عدم الموافقة على اعادة افتتاح مصنع الإسمنت الواقع بمنطقة شارع الحوض الجاف جنوب مدينة الحِدْ». وزاد موضحا «الأهالي الذين لا حول ولا قوة لهم في شراء اراض خارج القرية، مازال يحدوهم الأمل بإبعاد تلك المصانع الملوثة وبالأخص القريبة منها».

مصنع الإسمنت الذي يشير إليه جواد، هو مصنع كانت شركة بحرينية تعتزم تشييده في العام 2008 بالقرب من مصنع إسمنت قديم تابع لشركة «هيونداي» الكورية، والذي ظل يعمل نحو 30 عاماً، قبل أن تقوم الشركة بإقفاله، ونقل نشاطها الى دولة الإمارات العربية المتحدة. ورغم حصول الشركة البحرينية على ترخيص وموافقة من سلطات البيئة على إنشاء مصنع للإسمنت بالقرب من المصنع القديم، إلا أن المجلس البلدي لمحافظة المحرق اعترض على مشروع المصنع الجديد. ولقد أبلغ رئيس المجلس وقتذاك محمد حمادة معد التحقيق أن «المصنع كان قريباً من منازل مدينة (الحِدْ) وأن المجلس تحرك قبل إنشاء المصنع ونجحنا في إيقافه». لكن زيارتنا الميدانية لموقع ذلك المصنع الذي لم ينشأ أظهر أن موقعه يبعد حوالي كيلومترا أو اكثر قليلاً عن المنازل.

تبقى التعويضات حلاً غير متداول من أي طرف حتى اللحظة، لكن جواد ورغم تأكيده أن التعويضات «مطلب وحق من حقوق الأهالي من خلال اللجوء للقضاء»، إلا أنه يستدرك بالقول «أن طرحها في الوقت الحاضر غير مجدٍ بسبب الأوضاع الأمنية وخوف الأهالي» على حد تعبيره.

رغم انه يجادل بأن مصنع الإسمنت هذا ليس من النوع الذي يلوث البيئة، ويشدد على أن عوادم السيارات تمثل المصدر الأهم للتلوث في البحرين والعالم، إلا أن الرئيس السابق للهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية اسماعيل المدني بتأكيده أن «الزيادة في الملوثات حتمية وليست متوقعة فقط»، إنما يضع المشكلة في سياقها الأكثر دقة والأكثر إقلاقاً؛ «مرور الوقت دون حل يفاقم المشكلة». 

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة اعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net وبإشراف الزميل محمد فاضل العبيدلي

المشرفين



تعليقاتكم