الأحد ١٩ - أغسطس - ٢٠١٨ ٠٩:٥٤ مساءً

وحدات الغسيل الكلوي بوابة العدوى بفيروس "سي" / الجزء الأول

6 آب 2012
آية نبيلهدى زكريا

فيروس سى ينهش كبد مرضى الفشل الكلوى داخل وحدات الغسيل

تشير عقارب الساعة إلى الخامسة صباحا، يرتدى ملابسه مهرولا، يضع داخل حقيبته وجبة إفطار أعدتها زوجته ليقوى على مواصلة جلسة الغسيل الكلوى، يخفى بها فوطته الخاصة كى لا تلمسها يد أطفاله خوفا عليهم من عدوى فيروس سى الذى ينهش كبده.. يستمع إلى صافرة السيارة التى ستقله إلى مستشفى السويسالعام بحى الأربعين، يلقى التحية على أسرته ويسألهم الدعاء بأن يعيده الله لهم سالما.
س فى عقده الخامس، أحد مرضى الفشل الكلوى الذين أصيبوا نتيجة الإهمال داخل وحدات الغسيل بالتهاب الكبدى الوبائى سى الذى ينهش سنويا كبد %50 حسب دراسة أجراها الدكتور عادل عفيفى، الأستاذ بكلية طب قصر العينى جامعة القاهرة، ورئيس لجنة الإحصاء بالجمعية المصرية لأمراض وزراعة الكلى‏ عام 2010، وهو على عكس ما ذكره الدكتور حسن عزاوى رئيس قطاع وحدات الغسيل الكلوى بوزارة الصحة، وجاء فيه أن نسبة انتشار الفيروس بين مرضى الفشل الكلوى البالغ عددهم 44 ألفا لا تزيد على %5 فقط سنويا.
الخطر الذى يهدد بطل هذا التحقيق تكشف اليوم السابععن أسبابه الحقيقية وكيفية حدوثه فى هذا التحقيق الاستقصائى، الذى استغرق شهرين ونصف الشهر، حيث جاءت فى مقدمتها الإهمال الجسيم الذى تعانى منه وحدات الغسيل الكلوى، والنتيجة تهديد حياة مرضى لا ذنب لهم سوى أن لديهم أملا فى العيش، فيصبح جزاؤهم الإصابة بفيروس ينهش كبدهم بلا رحمة، هذا الإهمال يتحمل مسؤوليته أطباء غير متواجدين للإشراف نتيجة انشغالهم بمتابعة أكثر من وحدة على مدار الأسبوع، وطاقم تمريض يتراخى فى تنفيذ الإجراءات الوقائية، وعمال نظافة ذوو مستوى تعليمى محدود، ومسؤولون عن إدارة تلك المستشفيات غائبون لا يشغلهم سوى انتهاء ساعات إشراف لجان الوزارة، وأخيرا وزارة صحة لا تلقى بالاً بالوحدات غير المطابقة للمواصفات وتكتفى بإشراف متقطع عليها، تنهيه بورقة موجهة لإدارة المستشفى حول المخالفات الموجودة، والتى تحتفظ الأخيرة بها لفترة محدودة ثم تلقيها فى أقرب سلة مهملات.
يكفى أن تنظر إلى وجه هذا المريض الشاحب وجسده الهزيل لتعرف حجم المأساة السابقة التى يعانيها هو وغيره داخل وحدات الغسيل الكلوى، فعلى مدار 17 عاما ظل هذا المريض الذى اشترط عدم نشر اسمه أو صورته خوفا من تغيير معاملة مسؤولى المستشفى معه، يعالج بالغسيل الدموى ثلاث مرات أسبوعيا تحل فيها ماكينة الغسيل على مدار أربع ساعات متواصلة محل الكليتين اللتين قد توقفنا تماما جراء إصابته بالفشل الكلوى، فتتصل مع ذراع المريض بأنبوب لسحب الدم ليمر بفلتر ذى شعيرات دموية يستخلص الشوائب، ثم يعود من جديد إلى ذراع المريض عبر أنبوب آخر يتم التخلص منه بعد كل مريض، وهو ما يجعل الدم يمر عبر دائرة مغلقة، فتصبح الماكينة بريئة من عملية انتقال الفيروس، كما تقول الدكتورة إيمان سرحان، أستاذ أمراض الباطنة بكلية الطب جامعة عين شمس .
بدأ الرجل علاجه فى وحدة الغسيل الكلوى بمستشفى عين شمسعام 1995، استمر داخله لمدة 5 سنوات، انتقل بعدها للمركز الطبى للبترول فى السويس، بقى فيه خمس سنوات، وفى كلا الوحدتين لم يكن يعلم شيئا عن سبل الوقاية من الفيروس لعدم توعيته من قبل أحد أفراد الطاقم الطبى.
فى هذا الوقت أنشأت مستشفى السويسالعام وحدة للغسيل الكلوى، وانتقل إليه هذا المريض مع جميع مرضى العلاج على نفقة الدولة، ألزمتهم الإدارة بعمل تحاليل جديدة للكشف عن الفيروسات، للفصل بين المرضى المصابين وغير المصابين على عكس الوحدات السابقة التى تلقى علاجه بداخلها، فكانت الصدمة حينما أفادت نتائج تحاليله بإصابته بالفيروس، يقول كنت ألاحظ عدم ارتداء التمريض للقفازات غالبية الوقت، ولم اهتم بنظافة ذراعى سوى بقطنة مبللة بالبيتادين المطهر، ونادرا ما كنت أعلم نتيجة التحاليل لأن رئيس الوحدة هو فقط من يعلمها.
الكلمات البسيطة التى رددها مريض السويسوالذى يتحمل آلام الفشل الكلوى والكبد معا، كانت أول الخيط فى هذا التحقيق الاستقصائى للبحث عن كيفية إصابة مرضى الفشل الكلوى داخل وحدات الغسيل بفيروس سى، من خلال قضاء أيام طويلة وسط المرضى ورصد ما يدور فى 10 وحدات مماثلة بمستشفيات جامعية وحكومية وخيرية، موجودة فى 7 محافظات هى القاهرة والجيزة والسويسوالدقهلية ودمياطوالغربية والفيوم، وذلك عن طريق الاستعانة باستمارة للرصد والتقييم لمدى اتباع هذه الوحدات، للإرشادات الوقائية لمكافحة العدوى التى نص عليها دليل وزارة الصحة الصادر عام 2004، بداية من المواصفات القياسية لإنشاء وحدات الغسيل الكلوى مرورا بتطبيق معايير النظافة والتعليمات الوقائية الواجب اتباعها، إلى جانب رصد دورة العمل داخل كل وحدة بالنسبة لكل من الأطباء والممرضات ومراقبة سلوك المرافقين للمرضى، ودورية إشراف وزارة الصحة على الوحدة وتدريب العاملين فيها.
فكانت مفاجأة الرصد هى الكشف عن جريمة إهمال كبرى تحدث بداخل تلك الوحدات والمسؤول الأول عنها هو الطاقم الطبى ووزارة الصحة

وحدات الغسيل بدمياط خالية من المطهرات
تحتوى محافظة دمياطعلى 10 وحدات للغسيل الكلوى يعالج فيها 495 مريضا يحمل منهم الفيروس 265 مريضا، أكبر وحدات الغسيل الكلوى بها هى التابعة لمستشفى دمياطالعام، والتى تخدم 108 مرضى من جميع مناطق المحافظة، مشكلة تلك الوحدة ليست فقط أنها تعمل فى أغلب الوقت وفقا لما ذكرته دكتورة شيريهان، أحد أطبائها، بطاقة تقترب من %98 من عدد ماكيناتها الـ18، على الرغم من أن معايير دليل وزارة الصحة تستوجب أن يكون هناك ماكينات خالية فى كل وحدة لكى تكون مُجهزة لاستقبال أى حالة طارئة، لكن هذا لم يحدث مما يدفع المرضى للبحث عن وحدات أخرى فى محافظات قريبة، ولكن أيضا تواجدها فى مبنى مستقل يبعد عن المبنى الرئيسى لمستشفى دمياطالعام، يستغرق الانتقال إليه ربع ساعة، مما يتسبب فى تأخر الأطباء للحضور إلى الوحدة إلى جانب عدم قدرة أعضاء إدارة مكافحة العدوى على التواجد بشكل مستمر. الدخول إلى مبنى الوحدة ليس بالأمر السهل فالأرض غير مستوية يغطيها قمامة اختلطت ببقايا طوب، ويتكون من دور واحد، ينقسم إلى غرفة صغيرة تحوى 5 مقاعد يجلس فيها ذوى المرضى بأطفالهم وأقاربهم ينتظرون انتهاء مدة الجلسة ليصطحبوهم إلى منازلهم، وعبر باب صغير يقودك إلى ممر تتوسطه ثلاث غرف للمرضى بجانبهم غرفة مخصصة للأطباء، وفى نهاية الممر توجد دورة مياه تحوى مجموعة أحواض متسخة، ومقاعد حمام يبدو من الصدأ الذى يغطيها والأتربة التى تكسو أرضيتها أنها لم تستعمل منذ سنوات، تخلو تماما من أى أدوات للتنظيف سواء صابون أو مطهرات كما هو الحال فى بقية دورات مياه وحدات العينة.
لا تتبع وحدة دمياطسياسة العزل بحجة عدم التأثير سلبا على نفسية المرضى الذين ارتبطوا بأماكنهم بين رفقائهم، وذلك وفقا لما ذكرته الدكتورة وسام أحد المشرفين على الوحدة، مبررة ذلك بقولها طالما الوزارة لا توفر لهم العلاج اللازم، فنحن نفضل تركهم فى أماكنهم حتى لا تسوء أوضاعهم النفسية، خصوصا أننا نتخذ الاحتياطات اللازمة لحمايتهم، كلمات الطبيبة السابقة تلاشت تماما بمجرد دخول إحدى غرف الوحدة، والتى تلاصقت فيها ستة أسرة يفصل بينها ستائر مهترأة، راح أغلب مرضاها فى النوم عدا سيدة أربعينية – غير حاملة للفيروس – كانت قد أنهت جلستها، بينما كانت تتجول إحدى الممرضات بين المرضى تعطيهم الحقن والقطن وتلامس ماكيناتهم سواء الحاملين للفيروس أو غير الحاملين له، دون أن ترتدى القفازات، قائلة: طول ما انا بتعامل مع الماكينات بعيدا عن الدم يبقى مفيش مشكلة، معبرة عن ثقافة خاطئة سادت بين أغلب أعضاء هيئة التمريض تقوم على عدم وجود علاقة بين ارتداء القفازات ونقل فيروس التهاب الكبد الوبائى سى بين المرضى، طالما لم تتم ملامسة دمائهم، وهو على عكس ما أثبتته الدكتورة سلوى سمير رئيس قسم الباطنة بكلية التمريض جامعة عين شمس، فى دراسة أعدتها عام 1982، موضحة أن قلة خبرة العاملين فى مجال التمريض وعدم تخصصهم ينتج عنه القيام بمجموعة من الممارسات الخاطئة التى تتسبب فى نقل العدوى، وعلى الرغم من قدم الدراسة فإن الوضع الحالى لم يختلف عما رصد فى تلك الفترة.

غياب الإرشادات الوقائية فى مراكز الغسيل بالقاهرة

إهمال اتباع التمريض للإرشادات الوقائية، أبرز ما رصدناه داخل وحدة الملك فهد للغسيل الكلوى فى مستشفى قصر العينى، والتى كان تواجد اليوم السابعمثار ازعاج للعاملين فيها، خاصة إحدى الممرضات التى أخذت تنتقل بين المرضى دون ارتداء القفازات وبمجرد أن علمت هويتنا الصحفية، اتجهت إلى علبة القفازات الموضوعة على منضدة مغطاة بالأتربة، لترتدى قفاز تعاملت به مع جميع المرضى ولم تعبأ بتغييره أثناء انتقالها من مريض لآخر.
تنقسم وحدة الملك فهد إلى غرفتين تفصل بين المرضى الحاملين للفيروس وغير المصابين، ورغم مساحة تلك الغرفة الكبيرة، فإن زيادة عدد الأسرة بداخلها جعلها تبدو مكدسة بشكل زاد من الهرج، خاصة بعد دخول مرضى جدد لبدء عملية الغسيل المخصصة لهم، انتهى بنداء رئيس التمريض على عامل النظافة تعال نظف هنا، ليظهر شاب عشرينى يجمع أكياس القمامة ومخلفات المرضى بيد عارية وملابس عادية، نقلها خارج الغرفة فى حاوية كبيرة.

يغيب الشاب دقائق خارج الغرفة ويعود إليها من جديد ليجمع الملاءات الخاصة بالمرضى لغسيلها – رغم أن هذه ليست وظيفته – دون أن يلحظ أحد من القائمين على الوحدة أن يديه قد تكون ملوثة بأى قطرة دماء بسبب تلك المخلفات، وبالتالى يصبح انتقاله بين المرضى وملامسته للأثاث مصدرا خطيرا لنقل العدوى.
يعد عمال النظافة إحدى الحلقات المفزعة فى مسلسل انتقال فيروس سى إلى مرضى الفشل الكلوى فى جميع مستشفيات العينة، والتى اقتصرت %80 منها على عامل واحد طوال اليوم، الأمر الذى يدفع أعضاء التمريض إلى مساعدته، فيمثل هذا ضغطا كبيرا على التمريض، ينتج عنه فشل الطرفين فى إجراء التعقيم الكافى لأرضيات الغرف والأسرة والماكينات بعد كل جلسة وهو ما ظهر فى كلمات أم محمد عاملة النظافة بوحدة الزهراء الخيرية، التابعة لحى مصر القديمةبالقاهرة، التى قالت أنا دورى أنظف الأرضيات وبس، وأغسل كوب المياه مرتين فى اليوم. يعتبر وضع التمريض فى وحدة الزهراء الخيرية هو الأكثر خطورة ويشير إلى الأزمة التى تمثلها وحدات الغسيل التابعة لجمعيات أهلية مرخصة من وزارة التضامن، تستقبل الحالات المقرر علاجها على نفقة الدولة، وهذا ما اتضح فى كلام إحدى الممرضات، فى الثلاثينيات من عمرها، والتى وقفت وحيدة داخل غرفة غسيل تضم خمسة أسرة، تقوم بتركيب الحقن لجميع المرضى المستلقين أمامها والذين يصل عددهم خلال اليوم إلى 15 مريضا، لا تعلم من هم المرضى المصابين وغير المصابين بالفيروس، بحجة أن الطبيب المشرف على الوحدة هو فقط من يطلع على نتائج التحاليل الخاصة بهم، على حد قولها.

تتحمل الممرضات فى الوحدات الخيرية المسؤولية كاملة، مما يؤدى إلى إرهاقهم وعدم تركيزهم فى أداء مهامهم، وبالتالى تزيد فرص نقل العدوى، خاصة فى ظل ما كشف عنه حديث الممرضة من عدم قيام الوزارة بالإشراف على الوحدة سوى مرة واحدة سنويا خلال شهرى يونيو ويوليو، على عكس ما قاله الدكتور حسن عزاوى، رئيس قطاع وحدات الغسيل الكلوى بوزارة الصحة، الذى تحدث عن دورية الإشراف شهريا والقيام بإنذار الأطباء الذين يتغيبون عن وحداتهم وفى حالة التكرار تتم إحالتهم للشؤون القانونية.

فيروس سى يهاجم مرضى المنصورة

تعليق مسؤول وزارة الصحة السابق ذكره، يوضح اكتفاء دور الوزارة بلفت انتباه القائمين على الوحدات فى حالة وجود أى مخالفات من خلال إصدار بيان فى ورقة صغيرة توجه إلى إدارة المستشفى بعدها ينتهى دور اللجنة المشرفة دون وضع أى حلول، وهو ما حدث مع مستشفى المنصورةالجامعى بالدقهلية محافظتنا الرابعة، التى علقت على حائطها إنذار لجنة مكافحة العدوى التابعة لمديرية الشؤون الصحية بالمحافظة، لعدم تعقيم الأسرة والأثاث كما ينبغى ومخالفة المسافات القياسية بين الأسرة، ورغم ختم الورقة بتوقيع رئيس الوحدة وتاريخ يسبق توقيت زيارة اليوم السابعإلى المستشفى بأسبوعين فقط، فإن الوضع فى الداخل يعكس استمرار الوضع دون أى تغيير.
تنقسم وحدة المنصورةإلى غرفتين، تقع الأولى على اليمين وتضم المرضى غير الحاملين للفيروس والأخرى للمصابين به، يربطهم ممر ضيق متشقق الأرضية ويتوسطه منضدة خشبية مغطاة بالأتربة يلامسها كل من يمر بجانبها دون أى حذر.
داخل وحدة الغسيل الخاصة بالمرضى حاملى الفيروس والتى لا تتعدى مساحتها 29 مترا، تضم 6 أسرة متلاصقة، انطلقت صافرة ماكينة ط، ذو الـ 50 عاما، معلنة انتهاء جلسته وبدء عملية تعقيم ذاتى لم تستغرق سوى 15 دقيقة، جلس بعدها مريض آخر على السرير لتلقى الجلسة، مما يخالف اشتراطات وزارة الصحة التى تحدد فترة التعقيم بـ45 دقيقة، تشمل ثلاث مراحل وهى التشطيف بالمياه الساخنة ثم الباردة لإذابة الأملاح.

التعقيم الداخلى للماكينة لا يغنى عن تعقيم التمريض لسطحها الخارجى، وتشترط المعايير نفسها أن يكون تركيز المحلول المستخدم لتنظيفه %95، وهو ما خالفته إحدى الممرضات، عندما مسحت سطح ماكينة هذا المريض بواسطة بخاخ أزرق اللون تركيزه %45.

ط واحد من بين 26 حالة داخل مستشفى المنصورةالعام انتقل إليهم الفيروس نهاية عام 2010، وحسبما كشف تقرير لجنة وزارة الصحة عن الوحدة آنذاك، فإن الإهمال هو السبب فى انتقال فيروس سى إلى المرضى الذين يتلقون العلاج نتيجة لعدم تواجد الأطباء والتمريض مع المرضى بشكل دائم، والاشتراك فى الأدوات الموجودة فى الوحدة وصولا إلى قدم الماكينات وعدم متابعة صيانتها وعطل الثلاجة ووجود الحقن خارجها وقت التحقيقات.

ورغم فجاعة هذا الحادث، لا يزال أداء كل من رئيسة التمريض والطبيب المشرف مخالفا للإرشادات الوقائية، فمشهد تفريغ رئيسة التمريض لإحدى عبوات صابون غسيل الأطباق فى زجاجة على الحوض ليستخدمها المرضى فى تنظيف أيديهم قبل وبعد عملية الغسيل، أولى حلقات الإهمال وهو ما أثار اندهاش المريضة التى كانت على مستوى وعى أكبر من رفقائها فسألتها حضرتك هتعقملنا أيدينا بمسحوق المواعين، فردت عليها الممرضة الثانية نعمل إيه دة اللى موجود واللى وفرته لنا وزارة الصحة، فى نفس الوقت قام الطبيب المشرف بإخراج مفاتيح معدنية من جيبه للضغط بها على زر الماكينة الخاصة بأحد المرضى أثناء مروره حتى لا يعرض نفسه للإصابة بالفيروس.

السويس أولى محافظات الإهمال

وحدة الغسيل الكلوى بمستشفى التأمين الصحى بالسويس، يجرى فيها 40 مريضا جلساتهم من بين 4 آلاف مريض يعالجون على حساب هذا القطاع العلاجى، تتكون من الاستراحة الكبيرة المخصصة للمرافقين، وممرها المتسع الذى يناسب الحركة بسهولة، بالإضافة إلى العزل بين المرضى الذين انقسموا بين غرفتين، تحوى الأولى ثلاثة أسرة لغير المصابين بأى فيروسات، والثانية سريرين فقط لحاملى فيروس سى. فى الغرفة الخاصة بحاملى الفيروس استلقت ر، ذات السبعة والأربعينعاما، تتحدث مع إحدى الممرضات دون أن تلتفت إلى أنها لا ترتدى القفازات أو المريلة البلاستيكية أو غطاء الأنف والحذاء، تترقب لحظة انتهاء الجلسة، مثل ك، التى كانت تستلقى فى السرير المقابل لها لكن الفرق بينهما، أن الأخيرة، على حد قول المريضة الأولى، قلبها جامد وبتوقف النزيف بنفسها من خلال وضع يديها عليه، مما يعد أحد مظاهر الإهمال المؤدى إلى نقل الفيروس للمتواجدين داخل الوحدة، فبمجرد ملامسة هذه الحالة لأى سطح داخل الوحدة أو الماكينة نفسها، يصبح مصدرا لنقل العدوى. الفصل بين المرضى المصابين وغير المصابين بالفيروس يعد أحد آليات منع انتشار العدوى، وهو ما اتبعته كل من مستشفى السويسالعام والتأمين الصحى من الناحية الشكلية فقط، حيث اكتفيا بعزل المرضى دون تخصيص هيئة تمريض ونظافة وأطباء مختلفين لكل غرفة، وهو ما يجعل العزل بلا جدوى كما يقول الدكتور بدوى لبيب، أستاذ أمراض الباطنة والكلى بكلية الطب جامعة عين شمس، موضحاً أن اتباع التمريض للإرشادات الوقائية لا يمنع الوقوع فى الخطأ، فمن الممكن أن تحمل الممرضة نقطة دم من مريض مصاب بالفيروس وتتنقل للتعامل مع مريض آخر غير مصاب فتنقله إليه.

الفيوم تعانى انخفاض عدد الأطباء

غياب الإشراف الطبى عن وحدات الغسيل الكلوى أمر خطير، فقد تتدهور حالة المرضى فى أى لحظة دون أن يجدوا من ينقذهم مثلما حدث فى وحدة المصابين بالفيروس بمستشفى الفيومالعام، عندما دخلت فى حالة قىء مستمرة عقب تناولها علبة كشرى، فأسرعت إليها إحدى الممرضات حاملة جهاز الضغط لقياسه مرتدية نفس القفاز الذى تجولت به بين المرضى ولامست به جميع الماكينات، وأبلغتها بأنها ستنادى لها على الطبيب المشرف، والذى لم يأت لمدة نصف ساعة، الدكتور عادل الجناينى، أخصائى أمراض الكلى، أرجع السبب فى ذلك إلى قرار وزير الصحة الأسبق حاتم الجبلى بإلغاء الشيفتات اليومية المقسمة إلى فترة صباحية ومسائية، مما أدى إلى اقتصار تواجد الأطباء خلال ساعات العمل الرسمية التى تبدأ فى التاسعة صباحاً، وحتى الثالثة عصراً، رغم بدء عمل أغلب الوحدات فى الخامسة صباحاً وحتى التاسعة ليلاً، وهذا يعنى غياب الأطباء فى ظل عدم تقديم أى امتيازات مالية، فضلا على بدل العدوى الهزيل الذى تصرفه لهم الوزارة ولا يتعدى 12 جنيها للممرضة و30 جنيها للطبيب. حالة المريضة المتدهورة لم تشغلنا عن مشهد آخر، حينما صاحت إحدى المرضى فى العشرينيات من عمرها داخل الغرفة التى تلاصقت فيها 9 أسرة، تطلب من الممرضة تغيير ملاءة سريرها دون أن تبدى أى أسباب فطلبت منها الأخيرة أن تقف لتتمكن من تغييرها وهذا ما فعلته المريضة التى ظلت تلهو وتقفز على السرير دون أن تنتبه الثانية لخطورة ذلك فى حالة فك الخرطوم وتناثر الدماء عليها وفى المكان وعلى المرضى المجاورين.

الجيزة.. تعليمات الصحة فى سلة المهملات

تجلط دم المريض أخطر ما يواجه الممرضات أثناء عملية الغسيل، حيث تضطر الممرضة إلى فك أنبوب الماكينة لتفريغ الدم المتجلط وتركيب فلتر جديد، مما يزيد الفرصة للتعرض للإصابة بالفيروس، وهذا ما حدث خلال زيارتنا لوحدة الغسيل الكلوى للمرضى المصابين بالفيروس بمستشفى التأمين الصحى بالمحافظة الخامسة وهى الجيزة، حيث قامت الممرضة بتفريغ دم المريض المتجلط داخل قفاز بأيدٍ عارية وألقته فى أقرب سلة مهملات ثم غادرت الوحدة.
ممنوع اصطحاب المرافقين جملة رئيسية أخرى يركز عليها دليل وزارة الصحة حتى لا يتعرض المرافقون لخطر انتقال العدوى إليهم، إلا إذا ارتدوا الملابس الواقية كطاقم التمريض، وعلى الرغم من التزام مستشفى الصفالعام فى حى الصفبالجيزة، بتعليق هذه العبارة على لافتة سوداء ضخمة تصدرت باب وحدة الغسيل الخشبى المهترئ، لم تمنعنا من الدخول إلى الوحدة والتجول فيها بسهولة وهو نفس الأمر الذى حدث مع قطة دخلت معنا إلى الوحدة واختفت داخلها.
دخول المرافقين وفقا لدليل وزارة الصحة يشترط أن يرتدوا جميع الأدوات الوقائية، وهو ما لم يحدث فى وحدة الصفالتى كان رفاق المريض يجالسونه على الأسرة المجاورة المتكدسة لا يفصل بينها إلا مترا تقريبا، يلامسون ذراعه بلا وعى، وفى نهاية الجلسة حملوا المريض إلى الكرسى المتحرك الذى بدأ يتحرك بصعوبة بسبب التشققات التى ملأت أرضية الوحدة حتى رحل.

الدماء على سلالم مستشفيات الغربية

مأساة مرضى وحدة الغسيل الكلوى بمستشفى كفر الزياتالعام فى الغربية، جاءت بعدما شب حريق فيها وبالتحديد فى الجزء الخاص بالمرضى الخالين من الفيروس، حيث تم تحويل 29 مريضا منهم إلى مستشفيات أخرى منها مستشفى المنشاوى فى طنطاوالإسكندرية ومطروح، وحسبما يقول الدكتور حسن عزاوى فقد تم تشكيل لجان لفحص أسباب انتقال الفيروس لهؤلاء المرضى، وتبين أنهم أصيبوا به فور انتقالهم لتلك المستشفيات، حيث أجريت لهم عملية الغسيل الكلوى على الماكينات الخاصة بالمرضى حاملى الفيروس ودون أن يتم إجراء تحاليل لهم، وعندما عادوا إلى مستشفى كفر الزياتاكتشفوا أنهم حاملون للفيرس بعد إجراء تحاليل لهم فى المعامل المركزية لمديرية الغربية,الواقعة السابقة تشير إلى عنصر آخر يؤدى إلى نشر الفيروس، خصوصا مع عدم إجراء جميع الأطباء وأعضاء التمريض فى جميع وحدات العينة للتحاليل، لرفض وزارة الصحة تحمل تكاليفها، ويبقى أمام الممرضات خياران إما أن يحافظن على أنفسهن ولا يلامسن المرضى بدون قفازات مثلما فعلت هـ إحدى العاملات بوحدة الغسيل الكلوى بمستشفى السويسالعام.
الأخطر من ذلك هو عدم كفاءة أجهزة التحاليل نفسها فى المعامل الخاصة بالمستشفيات والتى تعوض عنها المعامل المركزية التابعة لمديرية الصحة فى كل محافظة، لما تسببه من خروج نتائج غير دقيقة فى الكشف عن الأجسام المضادة للفيروسات – التى يفرزها جسم الإنسان فى الدم عقب دخول أى فيروس فى مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر – وبالتالى يتم التعامل مع حالة حاملة للفيروس على أنها غير مصابة به، وهو ما حدث فى مستشفى دمياطالعام، كما تقول الدكتورة شريهان، وأثبته تقرير لجنة وزارة الصحة عقب حادث المنصورةالشهير، الذى جاء فيه عدم كفاءة جهاز الأليزا فى مستشفى شربين، بالإضافة إلى عدم مواكبة القائمين على المعامل بمعرفة التطورات الجينية التى تحدث للفيروس، كما يقول الدكتور مصطفى العوضى رئيس معمل التحاليل بالمركز القومى للبحوث، الذى أوضح أنه أمر لا يحدث إلا فى مصر التى تقتصر وظيفة فنى المعمل فيها على قراءة ما يراه من نتائج فى الأجهزة.

بالعودة إلى مستشفى كفر الزيات، فى وحدة الغسيل الموجودة فى قسم الجراحات أو المبنى القديم، لا تجد سبيلاإليه إلا عبر سلالم تكسوها قطرات دماء، تصلك إلى غرفة لا تتعدى مساحتها 20 مترا وتحوى خمسة أسرة متلاصقة، تجلس فى نهايتها ممرضة وحيدة، منكبة على دفتر المرضى، يغطى وجهها نقاب يصل إلى طول ذراعها تنتقل به بين المرضى، مما يمثل خطورة فى نقل الفيروس إذا ما لامس نقابها دماء أحد المرضى، وانتقلت به للتعامل مع آخر، بينما يكسو أرضية الوحدة أكياس المقرمشات، ويجلس المرافقون إلى جانب ذويهم على الأسرة.
وتختفى داخل الوحدة الأحواض المخصصة لغسل الأيدى قبل وبعد عملية الغسيل، إضافة إلى الصدأ الذى يغطى أسرة المرضى ويلامسونه بأيديهم، كل مظاهر الإهمال السابق رصدها والإشارة إليها، كانت كفيلة لزيادة عدد إصابة مرضى الفشل الكلوى بفيروس سى، الذين ينتظرون دورهم يوميا فى تعداد الموتى فى الوقت الذى تتبادل فيه الأطراف المسؤولة الاتهامات فيما بينها، فلم يعد هؤلاء المرضى البسطاء يقتنعون بوعود المسؤولين لمساعدتهم وتوفير الرعاية الصحية اللازمة لهم، وأصبح أملهم الوحيد الآن هو ماذا سيفعل رئيس الثورة الـدكتور محمد مرسىلهم فى أيامهم القليلة المتبقية فى الحياة؟

تم إنجاز هذا التحقيق بدعم شبكة أريج إعلاميون من أجل صحافة عربية استقصائية تحت إشراف الزميل عمر الكحكى.


الصحفي


المشرفين



تعليقاتكم