الإثنين ٢٤ - سبتمبر - ٢٠١٨ ٠٩:٠٦ مساءً

موقوفون على ذمة المحافظ ضحايا الالتفاف على القانون

8 أكتوبر 2014
فارس المالكي

وطن للأنباء  – في كل يوم نسمع عن موقوف لدى الأجهزة الامنية الفلسطينية على ذمة المحافظ.. اعتقال إداري وغياب للدور القضائي استنادًا إلى نصوص قانونية موروثة من القانون الأردني والاجتهاد بها وفق رؤية المحافظ. هذا هو حال “الاعتقال الإداري” في فلسطين وفقا لقانون منع الجرائم الأردني رقم “7” لعام 1954، أو ما يعرف بـ”التوقيف على ذمة المحافظ”.

على مدى خمسة شهور، واجهت وطن للأنباء صعوبة في رصد كافة  حالات التوقيف، إذ يبدو أن المحافظين لا يوثقون قراراتهم كتابة. هذا ما تبين من خلال لقائنا المواطنين الذين تقدموا بشكاوى لدى الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، أغلبهم أيضا قالوا إن المحافظ لم يفصح عن سبب إيقافهم حتى شفاهية.

والبعض منهم يعتقد أنه أوقف لدوافع سياسية؛ فالمعروف أن السلطة الفلسطينية تقوم بتنسيق أمني مع إسرائيل، الأمر الذي أكده الرئيس محمود عباس، والبعض الآخر، قال إنه أوقف لصلاته مع “مطلوبين”، ما ينفيه المحافظون.

ليث ملوح.. ضحية التوقيف على ذمة المحافظ

في منتصف شهر كانون أول/ ديسمبر 2013، دخل جيش الاحتلال الإسرائيلي مدينة قلقيلية وقتل شابين اثنين، أحدهما الضابط في المخابرات الفلسطينية صالح سمير ياسين، وبعدها بأيام اعتقلت الأجهزة الأمنية الفلسطينية عددًا من الشبان ممن كانوا على صلة بياسين،  بينهم ليث ملوح.

والد ملوح أكد لـ  وطن للأنياء، أن أجهزة الأمن “جاءت للبيت بلباس مدني وطلبت ليث دون مذكرة توقيف ودون شرح الأسباب، ليمكث لديها خمسة شهور دون أن تُوجه له أي تهمة”.

المحافظ الذي أصدر أمرا باعتقال ليث آنذاك كان اللواء عبد الله كميل، أما المحافظ الجديد اللواء رافع الرواجبة، الذي تولى منصب محافظ قلقيلية في 7 كانون ثان/ يناير 2014، فقال إنه استعرض ملف ملوح وأمر بتمديد اعتقاله. ولم يوضح عند لقائنا به أسباب هذا التمديد سوى أنه “حماية لملوح وقريبه ميسر ملوح من الإسرائيليين”.

لم تنف أسرة ملوح ذلك فحسب،  بل إن الوالد أخبرنا أنه “تلقى اتصالات من مقربين للمحافظ طالبوه بعدم التحدث مع وسائل الإعلام”.  وفي ذات اليوم الذي التقينا أبو ليث، فوجئ باتصال من السلطة ينبئه بالإفراج عن ليسث.

التقت وطن للأنباء ليث بعد أسبوعين من خروجه. هذا الطالب الجامعي الذي فصل من جامعته وازدادت عينه سوءا خلال الاعتقال. يقول لنا “حجة المحافظ حول اعتقالي واهية”. وإلى الآن، لا توجد لدى أسرة ليث أية وثائق من الدولة تدل على اعتقاله، رغم إقرار المحافظ بذلك في حديثه مع وطن للأنباء.

إيلين الحموري.. ضحية اخرى للتوقيف على ذمة المحافظ

مع أن أغلب حالات التوقيف على ذمة المحافظ كانت على خلفيات سياسية وجنائية، إلا أن تلفزيون وطن للأنباء  رصد حالة اجتماعية لامرأة أوقفت بعد خلافات أسرية. وهي إيلين الحموري، التي سكنت مدينة أريحا، وترعى خمسة أطفال، وذلك بعد إشكال مرير من زوجها وأسرتها.

إيلين التي التقيناها شتاء هذا العام، تقول إنها تزوجت في الرابعة عشرة من عمرها، وزوجها كان “يسيء معاملتها. حتى تطوّر الأمر في 30 أيار عام 2013″، تتابع الحديث: حين قدمت من الكويت إلى الضفة الغربية لزيارة أهلي لمدة أسبوع، تفاجأت بوجود مؤامرة بين زوجي ووالدي باحتجازي واحتجاز أوراقي الثبوتية (جواز سفري وجوازات سفر أولادي)، كما احتجزني والدي في بيته بقرية بيت دجن (نابلس) لمدة عام وثلاثة شهور، حتى تمكنت من الهرب واللجوء إلى مركز حماية الأسرة في نابلس، وقدمتُ شكوى ضد والدي للحصول على أوراقي الثبوتية.

كما فوجئت إيلين بتسفير ثلاثة من أبنائها إلى زوجها في الكويت، لينتهي بها المطاف في قرية (أريحا)، حيث أقامت في المركز البيئي نحو شهر، بانتظار استصدار جواز سفر بديل.

من جانبه، قال محافظ أريحا ماجد الفتياني، إن “شكاوى وصلته من أهالي قرية العوجا حول تصرفات إيلين الحموري تصفها بــ(غير المقبولة اجتماعيا)”، الشيء الذي نفاه العاملون والمسؤولون في المركز البيئي جملة وتفصيلا لــ وطن للأنباء، مؤكدين أنها كانت “حسنة السلوك والأخلاق ولم تخرج في ساعات متأخرة ليلًا، حيث كانوا يساعدونها أحيانا على قضاء حاجاتها الضرورية”.

وفي شهادة المركز لــ وطن للأنباء: فوجئت إيلين بشقيقها وعمها يحضران إلينا، ويطلبان من إيلين العودة للبيت، فتدخلت الشرطة،  وأقنعتها بالذهاب إلى مقر محافظة أريحا، كي يوقع أهلها على تعهد بعدم التعرض لها، بينما كان المطلوب منها حين وصلت هناك، التوقيع على تنازلها عن الدعوة التي رفعتها ضد والدها، ومقابل إصرارها على رفض التوقيع، هددها المحافظ بالسجن خيارًا آخر غير التوقيع.

وهنا نطرح علامة استفهام كبيرة، كيف للمحافظ أن يتدخل في قضية تشير كل المعطيات إلى أنها أسرية وإيلين لم ترتكب عملا يعاقب عليه القانون أو يستدعي إيقافها؟

من جهته، أقرّ والد إيلين الحموري في مقابلة مع وطن للأنباء،  بأنه “أراد حلا لمشكلتهم الأسرية ولم يمانع زجّ ابنته في السجن”، نافيا في الوقت ذاته إخفاءه أية وثائق لها علاقة بابنته “كجواز سفرها وجوازات سفر أبنائها”.

مخالفة قانونية

قضية إيلين الحموري تخرق قانون منع الجرائم الأردني رقم “7” لعام 1954، إذ وعلى العكس من نص المادة الثالثة من القانون لم يكن هناك ما يدعو للشك بأن إيلين على وشك ارتكاب جرم أو أنها ممن اعتادوا اللصوصية والسرقة أو أن وجودها حرة طليقة يشكل خطرا على الناس، ليس ذلك فحسب، بل إن المحافظ برر قراره بأن “إيلين نفسها قد تكون عرضة للاعتداء من قبل الآخرين”، فإذا كان الحال هكذا، ألم يكن من الأجدر اعتقال من هددوا سلامتها بدلا من اعتقالها هي؟!

لم تكن تلك المخالفة الوحيدة لنص قانون منع الجرائم، حيث أن المحافظ نقل إيلين إلى دائرة حماية الأسرة بعد أسبوع بدلا من إطلاق سراحها، لتمكث شهرًا ونصف في سجن نابلس دون إطلاق سراحها إلا بعد لجوئها إلى الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، لم توجه إليها أي تهمة وإلى الآن لاتزال تنازع لاستعادة أبنائها.

“قانون منع الجرائم الأردني غير دستوري ومخالف للمرسوم الرئاسي بشأن اختصاصات المحافظين رقم 22 لسنة 2003، ومخالف لقانون الإجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001”

فقانون منع الجرائم الأردني غير دستوري بمخالفته المادة رقم “11” من الدستور التي تنص على “لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد، إلا بأمر قضائي وفقًا لأحكام القانون”، فالأمر القضائي لا يصدر إلا من النيابة العامة باعتبارها جهة تحقيق، بالتالي فإن كل هذه الإجراءات مخالفة للدستور، بمعنى آخر، لا يجوز للمحافظ إصدار مذكرة إحضار ولا أن يقوم باستجواب أو توقيف على نص الدستور  الفلسطيني، كما تنص المادة “119” من الدستور “يلغى كل ما يتعارض مع أحكام القانون الأساسي”.

كما أن قانون منع الجرائم الأردني يخالف قانون الإجراءات الجزائية رقم “3” لسنة  2001، حيث يشير قانون الإجراءات الجزائية إلى اختصاصات النيابة العامة فيما يتعلق بمذكرات الحضور ومذكرات القبض وكل إجراءات التحقيق بما فيها الاستجواب وسماع الشهود، وهذه اختصاصات قضائية من اختصاصات النيابة العامة والقضاء وليس هناك أي ذكر للمحافظين.

وأخيرا، يخالف قانون منع الجرائم الأردني المرسوم الرئاسي الخاص باختصاصات المحافظين، إذ يشير هذا المرسوم وفقًا لأحكام هذا القانون إلى أن يقوم المحافظ بصفة الضبطية القضائية، فيما يتعلق بالجرم المشهود وإبلاغ النيابة العامة في الجرائم غير المشهودة.

وحسب الحقوقيين، فإن صفة “الضبط القضائي” الممنوحة للمحافظين بمقتضى المادة “7” من المرسوم الرئاسي رقم (22) لسنة 2003 بشأن اختصاصات المحافظين لا تخولهم باحتجاز أي مشتبه به لمدة تزيد على 24 ساعة دون العرض على النيابة العامة للتحقيق، خاصة بعد صدور قانون الإجراءات الجزائية رقم “3” لسنة 2001 الذي يحظر في أحكامه مثل هذا الإجراء الجزائي حظرا مطلقا.

وأكثر ما يثير الجدل حول هذا القانون، مخاطبته “المتصرف” وليس “المحافظ”. وهو وصف لتشيكلات إدارية لا وجود لها في فلسطين.

بدوره، يقول محامي الهيئة  المستقلة لحقوق الإنسان غاندي ربعي، إن “توقيف المواطنين على ذمة المحافظ والاستناد لقانون منع الجرائم الأردني هو احتجاز إداري بقرار من المحافظ ليس قضائيا، بالتالي هذه الصلاحيات لا يملكها حتى رئيس السلطة الوطنية ورئيس دولة فلسطين كما لا يملكها وزير، أو قاض أو وكيل نيابة”.

يتابع ربعي لــ وطن للأنباء: أن تحتجز إنسانًا دون تهمة أو دون إجراءات محاكمة، هذا استثناء شاذ لضمانات المتهمين التي أقرها القانون الأساسي الفلسطيني في بابه الثاني وهو أيضا احتجاز تعسفي وسلب للحريات العامة.

وأشار إلى أن  الهيئة تقدمت بطعن لدى المحكمة العليا بصفتها المحكمة الدستورية، خاصمت فيها فخامة الرئيس وأيضا رئيس وأعضاء مجلس الوزراء والنائب العام والمحافظ مصدر القرار، بهدف إلغاء قانون “منع الجرائم الأردني” أو تعطيل أو إلغاء المواد المتعلقة باحتجاز المواطنين.

لا عيب فيه

المستشار القانوني لوزارة الداخلية الفلسطينية أحمد ذبالح، يؤكد أن لهذا القانون “ضرورة أمنية وإن تعارض أحيانًا مع مبادئ حقوق الإنسان أو الحرية الشخصية الواردة في القانون الأساسي الفلسطيني حيث يوفر للجهات الفلسطينية ملاذًا للحفاظ على الأمن، لاسيما أن الجميع يعلم الإجراءات القضائية باستمرار التوقيف للمتهمين أو إخلاء سبيلهم، محكومة بإجراءات شكلية ومتطلبات وردت في القوانين السارية في فلسطين”.

وذكر من تلك الإجراءات “مذكرات التوقيف، حيث يجب أن تكون صادرة من جهات قضائية مختصة، وأن يكون إلقاء القبض  وفق القانون”، مضيفًا: لكن تضطر الجهات القضائية أو جهات الضبط القضائي أحيانا للقيام بإجراءات دون أن تتوافر تلك الأمور، ما يضطر القضاة النظاميين حينه إلى إخلاء سبيل الموقوف بحجة الإخلال بالإجراءات الشكلية، مثل عدم صدور مذكرة توقيف، بالتالي كان قانون منع الجرائم الأردني الملاذ والمهرب  والمسلك الوحيد لمنع وقوع جرائم فعلا.

ويقول ذبالح، إن “الخلل ليس في القانون، فهو واضح وصريح”، لافتًا إلى أنه “إذا كانت هناك ظروف توحي للمحافظ بأن شخصا قد يرتكب جريمة أنا أقول جريمة، فالمحافظ يقوم بتوقيفه وهذا ما نص عليه القانون، فالعيب ليس من القانون إذا كان هناك توقيفات على خلفيات سياسية، إنما في إجراءات تطبيقه وفي الواقع الذي نعيشه اليوم”.

إحصائيات وأرقام

تلقت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان خلال عام 2013، 35 شكوى من مواطنين تم توقيفهم على ذمة المحافظ في الضفة الغربية، أغلب الحالات كانت في محافظتي جنين ونابلس، كما تلقت الهيئة في الربع الأول من عام 2014، 22

شكوى عن حالات توقيف، غالبيتها سجلت في محافظتي طوباس وقلقيلية.

لكن أكثر ما يؤلم بعض الفلسطينيين الذين تم توقيفهم على ذمة المحافظ اليوم، أن هذه المسألة تذكرهم مرارا بممارسات الاحتلال الإسرائيلي، وتفقدهم الثقة بأي قضاء فلسطيني، كأديب سمودي، الذي أوقف على ذمة محافظ جنين بتاريخ 29 كانون ثان/ يناير 2014، دون أي تهمة، إذ يصف هذا الاعتقال بــ”اعتقال إداري بالنكهة الفلسطينية”.


الصحفي



تعليقاتكم