الثلاثاء ١١ - ديسمبر - ٢٠١٨ ٠٢:٢٤ مساءً

موتى بلا قبور

13 ديسمبر 2015
عبدالوالي المذابي

صنعاء- عبدالوالي المذابي

جثث تطالب بمنحها حريتها وفك حجزها في ثلاجات المستشفيات
“موتى بلا قبور” ظاهرة تنتشر في اليمن والمسؤولية عنها بلا مسؤول
تأمين مسكن للحياة وقبر للممات أحلام مستعصية وتشريعات غائبة

صنعاء، عبدالولي المذابي

اليمن اليوم – في العادة، يفني الناس سنوات من أعمارهم في السعي لتأمين مسكن يأويهم وأسرهم، أما في اليمن؛ فيبدو أن الكثيرين باتوا بحاجة للسعي إلى تأمين قبر يضم جثثهم حال موتهم.
وتحول معوقات قانونية وتشريعية عديدة دون التمكن من دفن جثث موتى، تظل أجسادهم حبيسة ثلاجات مستشفيات حكومية وخاصة لسنوات عديدة، ما ساهم ببروز ظاهرة “موتى بلا قبور”.
ويكشف هذا التحقيق الاستقصائي التلفزيوني والمكتوب أن ثمة ما هو أسوأ من الموت، فالبعض يصبح مجرد مجهول في ثلاجة مستشفى، ويعجز أهله وأصدقاؤه عن العثور عليه، فيما تدفن جثامين دون أن يمشي أحدٌ في جنازتها.
وتتعدد أسباب عدم دفن تلك الجثث، بين ما يعود منها لمجهولي الهوية، وأخرى لأسباب دينية تتعلق بعدم توفر مقابر لمعتنقي الديانات غير الإسلامية، وثالثة تعود لجنسيات غير يمنية دخلت البلاد بصورة غير مشروعة، وجزء كبير منها لأسباب مالية أو قضائية.
وفي ضوء ذلك، يكشف ظهر التحقيق تكدس جثث في ثلاجات المستشفيات في ظروف سيئة للغاية حيث يوضع في الدرج الواحد جثتان وأحيانا ثلاث، وربما أكثر من ذلك.

متطوعة تواري خمسة آلاف جثة

أمام هذا الواقع، وجدت متطوعة يمنية نفسها مدفوعة بإنسانيتها إلى تسخير جل جهدها ووقتها من أجل مواراة ما تستطيع من تلك الجثامين، ولو من باب إكرام الميت.
منذ ما يزيد على 23 عاما، تطوعت سعاد المغربي للقيام بهذه المهمة الإنسانية. وبذلك فإنها أمضت أجمل سني عمرها متنقلة بين المستشفيات والنيابات والمقابر، وتحملت في سبيل هذه المهمة النبيلة، تلك المناظر المريعة للجثث ومرارة الروتين الحكومي.
طوال تلك السنوات، أسهمت سعاد، الناشطة الإنسانية في الهلال الأحمر، بمواراة أكثر من خمسة آلاف جثة، وهي ما تزال تحتفظ بمحاضر الدفن الجماعي لتلك الجثامين.

فيضان جثث يغرق ثلاجات المستشفيات

تتراكم منذ سنوات، تمتد أحيانا إلى أكثر من ستة أعوام، جثث في ثلاجات المستشفيات في مختلف المحافظات اليمنية، بحسب وثائق رسمية.
وفي ذلك، يقول عارف العباهي، مسؤول الثلاجة بالمستشفى الجمهوري، وهو يفتح أدارج حفظ جثث الموتى، أن العدد الموجود بداخلها من الجثامين يصل إلى ضعف استيعابها الفعلي.
ويظهر العباهي في التحقيق (بنسخته التلفزيونية) وهو يؤشر إلى إحدى الثلاجات التي يقول أنها تضم 24 جثة جرى تكديسها فوق بعضها، بوضع جثتين وأحيانا ثلاثة في الدرج الواحد، رغم أن الثلاجة مخصصة لاستيعاب 12 جثة فقط.
وفي مشهد آخر، يكشف، عبدالله الحيمي، وهو أقدم مسؤول للثلاجة بالمستشفى الجمهوري، أنه كان يتم وضع العديد من الجثث في الدرج الواحد .
وما هو أسوأ من تكدس الجثث، بحد ذاته، كان كما يظهر في التحقيق التلفزيوني أن بعضها بدأت تتحلل، وظهرت علامات التعفن عليها.
ولم تبق الجثث بعيدة عن آثار الأزمات، فبحسب الطبيب الدكتور نصر القدسي، مدير المستشفى الجمهوري، تعاني المستشفيات من انقطاع الكهرباء وانعدام المشتقات النفطية، اللازمة لتشغيل مولدات الكهرباء.
وتتسع ثلاجة الموتى في المستشفى الجمهوري، الذي يستقبل الحالات من سائر المحافظات اليمنية، لأربعين جثة، ولكنها تعاني، كغيرها، من مشكلة تراكم الجثث، بحسب الدكتور القدسي.

مجهولو هوية.. وبلا قبور أيضا

لا يمكن للمستشفى السير في إجراءات دفن الجثث، التي تصنف في خانة “مجهولة الهوية”، إلا بعد مرور ثلاثة أشهر على وجودها لديه، وفقا للقدسي.
ويطول بقاء تلك الجثث في ثلاجات المستشفيات، بحسب نبيل الأكوع، مسؤول البحث الجنائي بالمستشفى الجمهوري، الذي يقول إن معظم تلك الحالات ترد للمستشفى “من الشوارع، وأكثريتها تعود لمختلين عقليا”.
ولمواجهة تكدس الجثث، تحاول المستشفيات إستصدار تصاريح دفن جماعي، لكنها تصطدم بمعوقات قانونية متشعبة. ويعرض الأكوع تصاريح دفن جماعي، تظهر موافقة الجهات المعنية على دفن تسع جثث فقط من أصل كشف يتضمن طلبا بدفن 38 جثة.

روتين وبحث عن مجهول لا يصل مبتغاه

ورغم الإعلان عنها في الصحف الرسمية، تبقى الصعوبة كبيرة في التعرف إلى أصحاب الجثث المجهولة، خصوصا وأن توزيع الصحف محدودٌ ولا يصل حتى إلى بعض الأحياء في المدن الرئيسية، فكيف بالمديرات والأرياف.
ويورد علي المطري، مسؤول البحث الجنائي بمستشفى الكويت، مثالا على ذلك بقوله “تم الإعلان في الجريدة الرسمية ولمدة 15 يوما، عن 18 جثة كانت موجودة في ثلاجة المستشفى، (…) ولكن وصلت لنا أوامر من النيابة المناوبة بدفن بعض الجثث، فيما تم تأجيل البعض الآخر بسبب تمنّع الأهل”.
ويحجز الروتين الحكومي مقعده في إعاقة دفن تلك الجثامين. وتعدد المتطوعة سعاد خطوات استصدار تصاريح الدفن، وتقول “مثلاً الآن معي150 جثة، أرفع الكشوفات كلها حق المستشفيات، بشكل جماعي، وإجراءات المعاملات والإعلانات وكشف الطبيب الشرعي هي السبب وراء التأخير”.
وتقول سعاد “قبل ثلاث سنين، قبل الأزمة، كنت أنا أتكفل وأوفر تكاليف الدفن، كان بألفين ريال وبعدين بخمسة وبعدين بـ15 ألفا، رجعت أمشّي العمل وأنزل كشوفات أوامر الدفن للمستشفيات وهم يتكفلوا بالدفن وأخرج بس أشرف على الدفن”.

جثث محتجزة على ذمة فاتورة العلاج

بعض الجثث، غادر أصحابها الحياة مخلفين وراءهم فواتير علاج بكلف باهظة عجزوا عن دفعها، ويعجز أقاربهم وأصدقائهم عن سدادها، فظلت جثثهم حبيسة أدراج ثلاجات المستشفيات، بانتظار من يسدد القيمة ويحرر الجثة.
ويصور التحقيق التلفزيوني مركبات محتجزة في مرآب مستشفى خاص احتجزها كضمان لمستحقاته على مرضى قد يكون بعضهم من الجثث المكدسة في الثلاجات.

والقانون أيضا يساهم في تراكم الجثث

لا تغيب المعوقات القانونية عن المساهمة في تكدس الجثث في المستشفيات الحكومية والخاصة، وعلى الأقل ليس هناك قانونا يحدد مدة بقاء جثث المتوفين في ثلاجات المستشفيات، بحسب حسين العانزي، وكيل النيابة المناوبة.
ومن دون الإشارة إلى المدة، يقضي قرار لمجلس الوزراء بأن يتم الإعلان عن الجثث المتراكمة في المستشفيات لمدة ثلاثة أيام في الصحف الرسمية، ويحدد خمسة عشر يوم لدفن الجثة من تاريخ النشر.
وفي الوقت نفسه، تتعطل طلبات وأوامر قضائية دفن بعض الجثث، وفق فكري عبدالحق، رئيس القلم الجنائي في النيابة المناوبة، الذي يوضح أن تلك الطلبات تتعلق بـ”كون أولياء الدم ما يزال لديهم طعون على بعض التقارير الطبية، وهناك بعض العينات يتطلب أخذ عينات من تلك الجثث ونقلها الى الخارج”.

تصاريح دفن لا تنفذ

كثيرة هي الجثث التي تحظى بعد عناء طويل بتصريح دفن يخلي سبيلها من الحجز في ثلاجة المستشفى، لكن صدور التصريح لا يعني أنه سينفذ.
في مستشفيي الثورة والكويت، تتكدس جثث لأجانب يعتنقون الديانة المسيحية، هؤلاء لا توجد مقبرة مخصصة لدفنهم، وفق نبيل الأكوع، مسؤول البحث الجنائي بالمستشفى الجمهوري.
سعاد، من جهتها، حاولت بالتعاون مع بعض “الخيّرين” تخصيص مقابر للأجانب والمسيحيين ومجهولي الهوية ونجحت في تخصيص مقبرة تضم حاليا قبورا لعشرين جثة تعود لمعتنقين للديانة المسيحية.
ويتعارض تأخير دفن جثث الموتى مع الشريعة الإسلامية. ويقول الشيخ جبري إبراهيم حسن، مدير الوعظ والإرشاد لوزارة الأوقاف، إن “الله يكـره العجلة إلا في خمسٍ أو في ثلاث وذكر منها دفن الميت، فدفن الميت ينبغي أن يستعجل فيه، وأن يدفن بسرعة لأن كرامة الميت دفنه”.

التكدس مستمر.. والمسؤولية بلا مسؤول

فيما يستمر تكدس الجثث في ثلاجات المستشفيات الحكومية، ووسط تعدد الجهات صاحبة الاختصاص بالنظر في القضية، تظل قضية متابعة تنفيذ تصاريح الدفن بلا مسؤول محدد وواضح عنها.
ويمنح قرار لمجلس الوزراء النيابة صلاحية إصدار تراخيص الدفن، فيما تبقى المسؤولية عن المتابعة في خانة “الحلقة المفقودة”، ما يعطل دفن الكثير من الجثث.
وتبدأ مسؤولية المستشفى من لحظة استقبال الحالة وحتى دفن المتوفي، وفق قول الطبيب الدكتور القدسي، الذي يستدرك بأن مشكلة تنفيذ ذلك تكمن بالإجراءات اللازمة لها، والتي تشمل التواصل مع النيابات العامة والمحاكم.
ويهتم البحث الجنائي في المستشفيات، باستقبال الحالات الجنائية دون سواها، وفقا للأكوع الذي يقول “عملنا هنا نبلغ عمليات أمن الأمانة (العاصمة) والجهة المختصة ويأتي المعمل الجنائي لتصوير الجثة”.
ولتفادي تكدس الجثث، يطالب العانزي بتشريع قوانين تحدد المدة الزمنية لبقاء الجثة، بينما يدعو الطبيب القدسي إلى إلزام المستشفيات الخاصة التي لا توفر ثلاجات لحفظ جثث الموتى، بتوفيرها، لوقف تحويل جثث هؤلاء إلى المستشفيات الحكومية.
وفي كل مرة تنجح فيها بدفن مجموعة من الجثث، تشعر سعاد بارتياح كبير، لأنها “أراحت الجثة من عذاب الثلاجة” والبقاء فيها لفترات طويلة، كما تقول.
بعض هؤلاء الساعين لتأمين مسكن لهم يقيهم وعائلاتهم ظروف الحياة وضروبها، يعتقدون خطأ أنهم تخلصوا للإبد من مشكلة السكن، وربما يعتقدون أنهم استطاعوا التغلب على مشاكلهم الحياتية، لكنهم لم يكونوا يدركون أن وصول وصول جثثهم إلى القبر، دون تأخير فور موتهم، سيكون أيضا حلما صعب المنال.
أنجز هذا التحقيق بنسختيه التلفزيونية والمكتوبة بدعم وإشراف شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية – www.arij.net

 


الصحفي



تعليقاتكم