الإثنين ٢٦ - أغسطس - ٢٠١٩ ٠٨:١٦ صباحاً

منبوذون في ديار أمهاتهم

14 نيسان 2019
عبد الرشيد الصالح


أبناء أيزيديات خلال “السبي”.. طفولة ضائعة بين الطائفة والقانون
بلا وثائق أو احتضان .. ماض دام، حاضر مُشرد ومستقبل مسلوب 


 
“مستحيل أن تتخلى أُم عن طفلها حتى ولو انجبته من عدوها”، تقول سما*،  وهي تحتضن جورب صغيرتها خديجة*، التي تركتها بمدينة الرقة السورية حين فرّت إلى العراق بمساعدة قوات حزب العمال الكردستاني (PKK).


“تعرضت للبيع والشراء ثلاث مرّات”، تستذكر سما تنقلها بين “بورصة” داعش في الرقّة لمدة ثلاث سنوات (2014-2017). “مالكوها” الثلاثة اعتدوا عليها جنسيا منذ كانت في السابعة عشر. لمدة عامين، ظلّت هذه الشابة رهن “حيازة” أبو حفص (أربعيني العمر، مصري)، أنجبت خلالهما طفلتها عام 2015  لتتضاعف مأساتها: “لا أعرف لها أب”.

تقول سما وهي تبكي: “فكّرت بعائلتي  كيف يكون موقفهم أمام الناس في حال عدت إلى منطقتي (مجمع خانة صُور- شمال جبل سنجار)، ومعي طفلتي التي أنجبتها من عدو”. 


نبذ الأطفال

مأساة سما وابنتها تتكرر مع مئات الأيزيديات، اللواتي تعرضن لاستعباد جنسي واغتصاب ممنهج بين عامي (2014 -2017). يوثّق هذا التحقيق معاناة سبع مُحررات تشتّت أطفالهن دون عنوان أو وثائق، بعد أن أنجبن من عناصر داعش.


معظم الأطفال – بين سن الفطام ويزيد قليلًا- إما تركوا في مناطق داعش بسبب صدود مجتمع الأمهات شبه المغلق أو قتلوا مع أمهاتهم أثناء فرارهن. ومن أعيد منهم رفقة أمهاتهم يواجهون الآن عزلا مجتمعيا وحرمانا من الأوراق الثبوتية، في خرق للدستور وقانون الجنسية العراقي. 

وعادت 13 سيدة أيزيدية بأجنّة، وهي تنتظر أيضا مصيرا مجهولا، بعد أن رفضت المغتصبات مخرج الإجهاض لمحو آثار الاستعباد والنخاسة من الذاكرة. 

وهكذا بات الأطفال ضائعين بين أمهات عاجزات وآباء مجهولين. فبينما ترفض الطائفة استيعابهم تحجم وزارة الداخلية عن منحهم وثائق ثبوتية. 


عُرف الطائفة وقانون الدولة

مديرة التعليم الابتدائي بوزارة التربية والتعليم شهرزاد مصطفى تقول إن الوزارة تعمل مع وزارة الداخلية لإثبات نسب هؤلاء الأطفال، من خلال إحالتهم إلى لجان تقدير سن في وزارة الصحة. على أن مصطفى تشرح أن هذا الجهد لم يتوصل حتى الآن إلى إثبات أي من حالات النسب بسبب الاختلاف بين عقيدتي الأم والأب، ونبذ المجتمع الأيزيدي للأطفال. ولم يستقبل قطاع التعليم الابتدائي حتى الآن أي أطفال من أم أيزيدية وأب “داعشي لأنهم لم يصلوا السن القانونية للالتحاق بالمرحلة الابتدائية؛ وهو ست سنوات”، حسبما تشرح.


“الديانة الأيزيدية لا تقبل أن ينضم إليها أفراد جدد، لأن الأيزيدي يصبح أيزيديا بالولادة فقط من أب وأم أيزيديين”، بحسب مدير عام دائرة شؤون الأيزيديين في العراق شيروان آل إسماعيل. ويطالب إسماعيل بشمول هؤلاء الأطفال بالديانة الإسلامية باعتبار أن آباءهم مسلمون.


مأساة مضاعفة

تقطن سما مع شقيقاتها الثلاث، نهلة* 25 عامًا، زبيدة* 23 عامًا، عبير* 27 عامًا، وأبيها سالم دلكاني* بخيمة صغيرة ( في مخيم ايسيان- محافظة دهوك). يقول دلكاني إن بناته الثلاث أنجبن أطفالا بعد أن تعرضن للاغتصاب، كما حدث مع سما، ثم تركنهم في مناطق سيطرة داعش”. ويشرح الجد قسريا: “ونحن كمجتمع أيزيدي لا نقبل طفلا نسله داعش، أو حتى من خارج الديانة. لا نقبل الغرباء، لأن ديانتنا ليست تبشيرية أو دعوية”. ويؤكد دلكاني أن داعش خطفت 71 شخصًا من عائلته، مصير 41 منهم لا يزال مجهولًا.

 
بعد اجتياح داعش لمدن شمالي العراق، نزح 260 ألف أيزيدي إلى مناطق أخرى متفرقة بالعراق مثل إقليم كردستان، فيما هاجر 100 ألف آخرون من إجمالي 550 ألف نسمة؛ عدد الطائفة الأيزيدية قبل المأساة، بحسب إحصاء المديرية العامة للشؤون الأيزيدية بوزارة أوقاف حكومة كردستان. 


غياب الرصد

لا يوجد إحصاء رسمي بعدد أطفال داعش من أمهات أيزيديات. لكن تقديرات محافظة بغداد، وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والمفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق تتوافق حول إيداع 80 طفلا دور رعاية. من بين هؤلاء الأطفال أربعة رفقة أمهاتهم، اللواتي رفضن التخلّي عنهم مقابل الاندماج مجددا في المجتمع الأيزيدي. 


بموازاة ذلك، تحتجز السلطات العراقية أمهات أجنبيات مع أولادهم، بعد أن التحقن بتنظيم داعش خلال استيلائه على الموصل ومحيطها. معد التحقيق اطلع على مراسلات تطلب فيها دائرة الإصلاح العراقية قسم الحماية القصوى من محافظة بغداد نقل 60 طفلا من أمهات أجنبيات وأباء دواعش من سجن العدالة 1و2، وسجن الحماية القصوى في الكاظمية إلى دور رعاية، دون ذكر أسمائها في محافظة بغداد، والبفعل تم نقل الأطفال مع أمهاتهم إلى الدور.
(اسماء الأطفال)


يُصَنف ديوان الوقف الأيزيدي في العراق الأطفال إلى ثلاث فئات: الأولى تضم من تخلّت عنهم أمهاتهم في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم “وهم العدد الأكبر”، والفئة الثانية تشمل من قتلوا أثناء المعارك فيما أُدخل عدد مع أمهاتهم إلى دور رعاية لعدم تقبّل الأمهات التخلي عنهم مقابل الانخراط مجتمعيًا.

يبلغ عدد الإناث المُحررات من قبضة داعش 2141 بينهن 976 قاصرًا. ويشكّل هذا الرقم 60 % من اللواتي خطفن ولم يعدن، وعددهن 3548، بحسب دائرة شؤون الأيزيديين بديوان أوقاف الديانات المسيحية، الأيزيدية والصابئة والمندائية. 


ملف معلق 

شيروان آل إسماعيل مدير عام دائرة شؤون الأيزيديين في العراق يؤكد أن الوقف و مراجع الديانة لم يتوصلوا حتى الآن إلى حلول كفيلة بالتعامل مع هؤلاء الأطفال..

من جانبه، يقول مصدر بوزارة الداخلية العراقية: “لا تستطيع (الحكومة) التعامل الآن مع ملف هؤلاء الأطفال نظرًا لحساسيته وتعقيداته من الناحيتين الأمنية والعقائدية بالنسبة للأيزيديين أنفسهم”. وبناء على ذلك، “لا تستطيع الوزارة تسجيل الأطفال ومنحهم وثائق ثبوتية مثل شهادة الميلاد وغيرها”، حسبما يضيف المصدر الذي رفض ذكر هويته. 


الطرح ذاته يؤكده مدير دائرة الشؤون في مديرية الجنسية العامة العميد كمال عبد الأمير، وذلك في اتصال هاتفي أجراه معد التحقيق معه في 23 مارس/ آذار الماضي.


المحامي أمير الدعمي يرفض تبرير مصدر وزارة الداخلية، ويستشهد بالدستور وقانون الجنسية العراقي. “ما ساقه المسؤول مخالف للمادة 18 من نص الدستور العراقي: أولاً: الجنسية العراقية حقٌ لكل عراقي، وهي أساس مواطنته؛ ثانياً:- يعدُ عراقياً كل من ولد لأبٍ عراقي أو لأُمٍ عراقية، وينظم ذلك بقانون”. ويؤكد الدعمي إمكانية “تسجيل الأطفال في الولادات من جانب أمهاتهم باعتبار أنهم عراقيون بحسب ما ينص الدستور” . 


كما يستشهد بالمادة 19 من قانون الولادات والوفيات رقم 148 لسنة 1971، التي تنص على “تسجيل الأطفال واللقطاء منهم”، بعد أن تمنحهم المحكمة لقبا عائليًا.  ويؤكد أيضا أن عدم اعتراف الدولة بالأطفال يخالف نص المادة الثالثة من قانون الجنسية العراقية رقم 26 لسنة 2006. 


“سبي” وزواج قسري

كانت سهيلة في الرابعة عشرة من العمر حين خطفها عناصر من داعش في جبل سنجار قبل ثلاث سنوات. عن تلك المأساة تقول سهيلة لمعد التحقيق: “عُزلت النساء عن الرجال ونقلن في الرابعة فجرًا، إلى (دائرة أحوال سنجار)؛ وهو مبنى حكومي كان يتبع لحكومة بغداد”. ثم نقلوا النساء بعد ذلك إلى “مبنى يسيطر عليه التنظيم يسمى (قاعة كلكسي)؛ وهو مزاد لبيع النساء الأيزيديات”، حسبما تستذكر بألم.

وتضيف أنها “تعرضت لاعتداء جنسي من ثمانية عناصر لداعش، على مدى ثلاث سنوات” منذ لحظة خطفها حتى تحريرها قبل عامين. “كنت اُباع واشترى في سوق النخاسة بين أفراد التنظيم الثمانية”، تستطرد وهي تبلع ريقها بصعوبة لتتماسك عن البكاء.

تستذكر سهيلة آخر رجل اشتراها وأنجبت منه. شخص يدعى أبو طيبة عراقي الجنسية تزوج منها وفقا لديانته الإسلام، وصاغ عقد زواج بمحكمة التنظيم في مدينة الموصل. 


مفوض المفوضية العليا لحقوق الإنسان بالعراق بشرى العبيدي تقول إن مجلس الوزراء العراقي شكّل قبل ثلاث سنوات لجنة في دائرة شؤون المواطنين والعلاقات العامة التابعة لمجلس الوزراء، لوضع خطط من أجل إعادة تأهيل الأيزيديات الناجيات نفسيا وجسديا. على أن العبيدي تؤكد أن الخطّة “ماتت” قبل مساعدة نسوة “لا ذنب لهن” كونهن أجبرن على إنجاب أطفال في ظروف قسرية. الخطّة التي صودق عليها وأدرجت ضمن أولويات دائرة تمكين المرأة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تتضمن مسألة استخراج وثائق رسمية للأطفال، بحسب العبيدي.
 


زوجة ثانية

فايزة* (31 عامًا) وفرح* (23 عامًا) مرّتا بتجارب مماثلة. تقول فايزة: “كنا نعيش لدى التنظيم في ظروف سيئة بسبب نقص الطعام. لم تستطع النساء إرضاع أطفالهن . أمّا فرح* فتقول “إن من سباها تزوجها قسرا وأنجب منها طفلًا، رغم أنه متزوج من أخرى أجنبية ولديه منها خمسة أطفال”. تتوقف قليلا ثم تستذكر بحرقة: “أصبحت في حيرة من أمري؛ هل أندم على ترك طفلتي مع عدوي رغم اشتياقي لها، أم استقدمها معي إلى العراق وأعيش معها في دار رعاية الأطفال”؟ تحدثت فرح* مجدّدا لمعد التحقيق حين التقاها 10 فبراير/ شباط في مخيم “كندالا” على بعد خمسة كيلو مترًا من الحدود السورية.


دور الرعاية

رياض العضاض رئيس مجلس محافظة بغداد يقول إن الحكومة العراقية غير قادرة حاليا على توفير رعاية كاملة للأطفال الموجودين بدور الرعاية؛ من بينهم أطفال داعش من أمهات أيزيديات. ويرجع العضاض السبب إلى أن البنية التحتية متهالكة وقديمة ولا تستوعب أعدادا كبيرة.

ويضيف العضاض أن الأطفال يقيمون منذ عامين بدور رعاية (رفض ذكر أسمها) تتسع الدارالواحدةل 25 طفلا، علما أن أعمار نزلائها من أمهات أيزيديات تتراوح بين عام وعامين؛ دون سن الدراسة القانونية (6 سنوات) .


حامل من داعش

“أيزيديات قررن برضى منهن تسليم أطفالهن لجهات مثل (دور) الرعاية، ظنًا منهن بأن الدور ستحافظ على الأطفال. وهناك مُحررات حوامل (13 سيدة)، بينهن سبع يحتفظن بحملهن ويتلقين مساعدة من منظمة إغاثة الأيزيديين، لحماية الجنين لحين الإنجاب والنظر فيما إذا كانت ستحتفظ  الأم بمولودها أم لا. ست من السيدات تخلصن من الجنين، بحسب ما وثقته المنظمة الإيزيدية لإغاثة الأيزيديين بحسب حسام عبد الله مدير المنظمة .


تجهيزات دون حل

رئيس هيئة رعاية الطفولة، التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية عبير الجلبي تفيد في تصريح نشرته على موقع الوزارة إنها تعمل مع جهاز الأمن الوطني لرعاية الأطفال المشردين وكريمي النسب في الموصل في دور رعاية. وتشير الجلبي إلى أن الوزارة ومنظمة اليونسيف اتفقتا على أن تقوم الأخيرة بإعادة تأهيل مبان الدور الإيوائية في الموصل لاستقبال الأطفال.

الدستور بالمادة 30، وقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 ينصّا على حق جميع أطفال العراق في بيئة آمنة ووثائق ثبوتية. على أن مصير أطفال من أباء داعشيين وأمهات أيزيديات لا يزال في مهب التشرد والأميّة مستقبلا وسط غياب الحلول بسبب نظرة الدولة إلى الملف برمته على أنه شائك وغير قابل للحسم.

أنجز هذا التحقيق بدعم من “شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية” (أريج) وبإشراف الزميل سعادة عبد القادر. 

(*)تعني اسما مستعارا


الصحفي



تعليقاتكم