الأحد ١٩ - أغسطس - ٢٠١٨ ١٢:٠٨ مساءً

"مطمورة روما "..شركات أجنبية تهيمن على سوق البذور في تونس

22 نوفمبر 2016
مـريم خضـراوي

تحقيق: مريم خضراوي

وكالة تونس أفريقيا للأنباء تراجع معدل استعمال البذور المحلية الأصيلة في تونس من 65 بالمائة سنة 1975 إلى 25 بالمائة سنة 2004، حسب جمعية التنمية المستدامة بمدنين، وانخفض إلى ما يقارب 5 بالمائة فقط حاليا، حسب إفادة عمر الباهي، كاتب الدولة المكلف بالإنتاج الفلاحي.

unnamed-1

لم يتردد الباهي في القول إننا “أصبحنا في تبعية مفرطة للخارج ولم تبقي لنا سيادة سوى على بذور الحبوب مثل القمح الصلب أساسا”.  سيادة “نسبية” يدور حولها الجدل لأنه في تونس التي تعد من بين أول البلدان المستهلكة للعجين في العالم، كل عائلة تونسية إذا استهلكت أربعة خبزات في اليوم تكون ثلاثة منها مستوردة، حسب دراسة للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول ” الحبوب والأمن الغذائي” صدرت في 2016.

البذور الهجينة العقيمة التي يطلق عليها أيضا “بذور الانتحار” تنتج عن استخدام جينات النهائية بتقنية (V-GURT Genetic use restriction technology (أو تقنيات تقييد الاستخدام الجيني التي لا تمكن المزارع من تخزين البذور من المحاصيل التي زرعها لزراعتها مرة ثانية، وهذا يضطره لشراء بذور جديدة كل سنة من شركات البذور).

في تونس اليوم، ندر المزارعون الذين يحفظون، كل سنة، جزءا من محصولهم ليزرعوه السنة المقبلة كما اعتادوا ووقعت الأغلبية منهم في أسر شركات إنتاج وتجارة البذور التي تتطور بشكل حثيث في العالم وفي تونس حيث تستغل الشركات غياب القانون أو تواطؤه.  

السنة الماضية، استوردت تونس أكثر من 8 آلاف قنطار من بذور الخضار التي يستهلكها التونسيون يوميا. كمية تفوق بأربع أطنان تلك التي استوردتها البلاد في 2011.  

لقد أصبحت البذور التي تعد مصدر وأساس بقاء أي نوع من النبات تأتي من عدة بلدان وتدخل البلاد عبر الحدود بلا رقابة الصحة النباتية في أغلب الأحيان ثم تخرج منها لتوزع على الفلاحين. ولكن بأي ثمن؟  فألف بذرة من بذور الفلفل والطماطم المزروعة في البيوت المحمية تفوق مائتي دينار (100 دولار تقريبا)، أي أن البذرة الواحدة ثمنها 200 مليم وهو ما يساوي ثمن خبزة “باقات” في تونس.  

غير أن السلطات الزراعية في تونس لا تستشعر أي خطر في مجال توريد البذور. بل أن قوانينها تسمح بهيمنة الشركات المتعددة الجنسيات مثل “مونسنتو” و”فيلموران” على السوق، رغم أن البذور الهجينة العقيمة التي تبيعها هذه الشركات، أصبحت أداة لاحتكار التغذية في العالم، وقد تسحق ما تبقى من زراعات محلية متنوعة وتوقع الفلاحين في قبضة تجار يعطونهم البذور أو يحجبونها عنهم.  فلاحون قلائل تفطنوا لفخ الغذاء والبذرة وحافظوا، دون سند من الدولة، على إرث مهدد بالجشع وتغيرات المناخ.

بذور الأجداد وطقوس المقاومة

“كنت أعرف، ولم يحذّرني أحد أنه سيأتي يوم يفتكون فيه بذورنا، ونصبح مستعمرين مرة أخرى”.  (رابط فيديو)، هكذا تحدث “عم صالح” الفلاح السبعيني أمام “الكاميرات” بمناسبة “حفلة البذور المحلية” التي نظمتها جمعية الزراعة المستدامة، أواخر أكتوبر 2016، بمدينة سوسة التونسية. تم تكريم هذا الفلاح من المدافعين عن البيئة وحدهم، تماماً كما يكرم ممثل هوليودي، ولكن ليس لدور في السينما بل لدور أهم في الحياة؛ وهو حفظ البذور المحلية المتجددة التي انتقاها وتوارثها الأجداد على مدى قرون.

 “عم صالح مقدالي”، (76 سنة) – من قرية “شنني” في محافظة قابس 400 كلم جنوب العاصمة- لا يزال يزرع على مساحة هكتار واحد (10 آلاف متر مربع)، البصل والفجل والبقدونس والكرفس والخيار بطريقة عضوية مستغلا بذوراً أصيلة يحتفظ بها منذ أكثر من سبعة عقود.  أكياسه الصغيرة من بذور الخضار تعد كنزاً في نظر البنك التونسي للجينات -الذي افتتح سنة 2007 بهدف “حفظ وتقييم الموارد الوراثية النباتية وتعزيز الاستخدام المستدام لها”. كما تقدّرها حق قدرها جمعية الزراعة المستدامة في تونس، التي تناضل من أجل إنشاء بنوك للبذور التونسية الأصيلة في ولايات تونس الـ 24.

البنك الوطني للجينات هو مؤسسة عمومية تم إحداثها بمقتضى الأمر عدد 1748 لسنة 2003 انطلقت في العمل في نوفمبر سنة 2007  .مهمتها المحافظة على الموارد الجينية الوطنية وجمع الأصول الجينية من المؤسسات الوطنية والبنوك الأجنبية وضبط آليات لتبادل الأصول الجينية والحصول عليها على النطاق الوطني والدولي وتشجيع الأنشطة المتعلقة بحفظ الموروث الجيني في وسطه الطبيعي وخارجه. وقد قام البنك إلى حد اليوم بجرد وجمع  ما يقارب 40000 عينة مخزنة ببيوت التبريد و تم استرجاع ما يقارب 5000 عينة من المركز الدولي للبحوث الزراعية بالمناطق الجافة “إيكاردا” ومن دائرة الفلاحة بالولايات المتحدة الأمريكية

بخلاف العم صالح، لم يتصد الكثير من المزارعين، قابلت منهم معدة التحقيق مجموعات في ولايتي باجة المشهورة بإنتاج الحبوب ومنوبة المعروفة بإنتاج الخضراوات، لهجمة البذور الهجينة التي تكتسح السوق التونسية.

يقرّ هؤلاء بأنهم “فرّطوا” في أصناف بذور الخضار مثل الطماطم والفلفل والبطيخ وكذلك في بذور القمح المحلية، التي كانت تونس تمتلك منها 100 صنف قبل الاستقلال واليوم لا يستغل منها سوى تسعة أصناف.

وقد اعترفوا أنهم وقعوا في فخ ساعدت في نصبه السلطات التي تساهلت مع دخول البذور الهجينة منذ الستينيات، ولم توظف خدمة الإرشاد الفلاحي لإسناد الفلاح بل تركته يواجه مصيره عندما اتضحت عيوب البذور الهجينة وكثرت متطلباتها من الأدوية وأيضا من الماء. (رابط فيديو فلاحين من ولاية باجة).

المهندس الزراعي ورئيس الجمعية التونسية للمهندسين الزراعيين، نبيل حمادة قال “إن البذور والنباتات الهجينة تخسر شيئا فشيئا مناعتها ضد الأمراض في مناخ معين لأن عملية التهجين في حد ذاتها ركزت على المقاومة ضد مرض واحد أو اثنين فقط وبالتالي تصبح النباتات متطلبة للماء وللأدوية والمبيدات لأن الصناعة الزراعية لا تفكر سوى في كمية الإنتاج وليس النوعية ولأن العملية برمتها عملية تجارية”.  

الجمعية التونسية للزراعة المستدامة هي جمعية ذات هدف غير ربحي تأسست في جويلية 2015 بهدف نشر مبادئ وتقنيات الزراعة المستدامة ومرافقة المزارعين الراغبين في تسيير ضيعاتهم وفق تقنيات وطرق زراعة وتصميم نظم بيئية مستقرة تلبي حاجات البشر مع الحفاظ على البيئة وهي تستند إلى ثلاث مبادئ أخلاقية هي العناية بالأرض والعناية بالإنسان وتقاسم فوائض الإنتاج.

ويضيف “بالطبع سترتفع كميات الأدوية لأن ذات الشركات التي تبيع البذور الهجينة تبيع المبيدات ولأنه لا توجد استراتيجية وطنية لحماية الأصناف المحلية بل على العكس هناك لوبيات تضغط في اتجاه التوريد في حين لدينا أصناف من القمح يحق لتونس أن تفتخر بها وهي مقاومة للجفاف”.  

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” نفسها، كانت قد نبهت إلى أن نسبة استعمال الأسمدة الكيميائية قفزت خمس مرات في تونس من 5 كيلوغرام مطلع الستينيات للهكتار الواحد إلى 25 كيلوغراما أواسط التسعينيات.

  منذ فترة التسعينات، فتحت تونس أبواب استيراد البذور خصوصا من أمريكا، الصين، إيطاليا، فرنسا، الهند، جنوب إفريقيا وهولندا، حسب وزارة الفلاحة (جدول الاستيراد) فأخذت الأراضي الفلاحية تنتظر كل موسم قدوم بذور هجينة قد تغري الفلاحين بمحاصيل وافرة نسبياً، ولكن ضررها أكبر على المدى البعيد، بحسب خبراء بيئة يناصرون الزراعة المستدامة ويكافحون التلوث الناجم عن الإجحاف في استخدام مبيدات وتلوث المياه. ويقول أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية الزراعة المستدامة في تونس، عبد الحميد عمامي “إن تراجع التنوع البيولوجي أسبابه الرئيسية استعمال المبيدات وتلوث الماء”.  وبالفعل أشارت دراسة مقارنة حول التنوع البيولوجي لوزارة البيئة، إلى أن عدد الأصناف النباتية البرية في تونس تراجع من 2924 صنف سنة 1998 إلى 2215 سنة 2009.

 

الجمعية التونسية للزراعة المستدامة هي جمعية ذات هدف غير ربحي تأسست في جويلية 2015 بهدف نشر مبادئ وتقنيات الزراعة المستدامة ومرافقة المزارعين الراغبين في تسيير ضيعاتهم وفق تقنيات وطرق زراعة وتصميم نظم بيئية مستقرة تلبي حاجات البشر مع الحفاظ على البيئة وهي تستند إلى ثلاث مبادئ أخلاقية هي العناية بالأرض والعناية بالإنسان وتقاسم فوائض الإنتاج.

حصانة محلية ضد خطر عابر للحدود

 التلوث بالمبيدات لم يطل مزرعة “عم صالح” التي بقيت مثل واحة سلام محصنة بزراعاتها النقية تحت النخيل وأشجار رمان قابس ذائع الصيت.  وتحولت اليوم إلى مزار لطلاب الهندسة الفلاحية ومناصري الزراعة المستدامة المطالبين باستخدام وسائل طبيعية في التسميد ومكافحة الآفات الزراعية.

بينما يبرر مسؤولو وزارة الفلاحة استيراد البذور الهجينة بصعوبة تخزين المحلية، يشرح “عم صالح” طقوسه في الحفظ: “أترك فرعاً صغيراً من مرج البقدونس حتى يكبر ويطول وتمتلئ النبتة بالبذور، ثم أقطع ما حوله وأجمع البذور وأضعها في أكياس الشكارة الصغيرة، وأضع في كل كيس ورقة “دخان” (تبغ) لإبعاد الحشرات والسوس، فتبقى لمدة ثلاث سنوات في حال جيدة”.  تجربة ناجحة وخبرة ورثها عن أبيه.

 يبيع عم صالح من محاصيله، ويوزع بذوره مجاناً في حين تبيع شركات تجارة البذور الكيلوغرام الواحد من بذور الدلاع أو “البطيخ” بثلاث آلاف دينار تونسي (1.342 دولار أمريكي)، وهو مبلغ يفوق بكثير متوسط الراتب العادي في الشهر لموظف في القطاع العام في تونس، أي 500 دينار.  

قد يعرضه “كرمه” في المستقبل للعقاب، ويجر إلى المحاكم إذا ما أفلحت شركات إنتاج البذور التي سبق وسيطرت على سجل الأصناف النباتية في تونس في احتكار “بذور البقاء” عن طريق قوانين حقوق الملكية.

 محاكم قد يلجأ إليها لسبب آخر، فخري ترجمان، الفلاح ورئيس اتحاد الفلاحين بولاية منوبة القريبة من العاصمة تونس، إذا ما تواصلت معاناته مع البذور الهجينة التي أصبح مضطرا لشرائها كل موسم والتي لم يعد قادرا على توقع مفاجآت محاصيلها وكثرة الأمراض التي تطال زراعاته.

يتحدث الفلاح بغضب عن فخ البذور الهجينة الذي ساعدت في نصبه، حسب قوله خدمة ” الإرشاد الفلاحي” التي كانت متواجدة إلى جانب الفلاحين قبل سنوات الثمانينات ولكنها تكاد تكون منعدمة اليوم.  كان حانقاً وهو يروي كيف تحولت مخازن البذور من الفلاحين إلى مستودعات الشركات. “كنا نختاروا النوعية الجيدة ونشيحوها ونخبوها وكان ثمة فلاحون يختصون في المشاتل” يروي الفلاح.

ويستأنف “لم تكن لدينا أمراض وآفات إلى حد الثمانينات والتسعينات وقت بدأ المرشدون يتصلون بالفلاحين، ويشجعون على استغلال أصناف جديدة من الطماطم والفلفل وبدأت حكاية ملكية الشركات للمشاتل الكبرى ودخلت البذور الهجينة “العقيمة”. “رابط فيديو فخري ترجمان”

“اليوم نداوي على مرض يطلع عشرين مرض، ومرة أخرى يوزع الإرشاد الفلاحي على المزارعين أنواعا من الأدوية مجاناً، ثم تصبح هذه الأدوية بالفلوس (المال).

بعيداً عن ولاية منوبة، يفكر محمد الطاهر المنصري من قرية الأجرد” بولاية القصرين (وسط غرب تونس) فعلياً في التخلي عن الفلاحة، رغم أنها مورد رزقه الوحيد والمهنة الوحيدة التي امتهنها وورثها عن أجداده، ورغم أنه يعتبر ميسور الحال مقارنة بفلاحين آخرين.  “أصبحت تكاليف الزراعة لا تطاق وتكاليف الأدوية التي قد تكون مضرة في بعض الأحيان أيضاً لا تطاق”.  لقد خسر المزارع 1600 شجرة زيتون احترقت أوراقها ولم يظفر منها بحبة واحدة هذا الموسم (2016) نتيجة استعمال أدوية إما مغشوشة أو غير ملائمة.

áÞÇÁ ãÚ ãÏíÑ ÇáÅÊÍÇÏ ÇáÌåæí ááÝáÇÍÉ æÇáÕíÏ ÇáÈÍÑí ÈÈÇÌÉ ÇáäÇÕÑ ÇáÚãÏæäí Íæá ÊÒæÏ ÇáÌåÉ ÈÇáÈÐæÑ

وقد قال المهندس الفلاحي نبيل حمادة إن الإرشاد الفلاحي أصبح غائبا تماما وحتى وإن كان موجودا فإن المرشدين كان أغلبهم تقنيون يقتنعون بما تسوقه الشركات الكبرى للبذور والأدوية ويحاولون بدورهم إقناع الفلاحين به. “وهذا ما حصل، بدأت سياسات تخدم التجار والصناعة الزراعية وبقي الخاسر الوحيد هو الفلاح وضاعت الأصناف المحلية”

“بذور البقاء” تتراجع أمام “بذور التبعية”

وفق إدارة حماية ومراقبة جودة المنتجات الفلاحية، ارتفعت واردات تونس من بذور الخضار وبذور الأعلاف كما يبينه الجدول التالي: 

table2

table

تقول نجلاء دردور وسيطة تبادل بذور محلية بين الفلاحين “فقدنا بذورنا المتأقلمة مع المناخ ومع أراضينا، وأصبحنا نلهث وراء البذور الهجينة المستوردة”.  

بعد أن كانت تنتج بذورها المحلية حتى سنة 1975، باتت تونس تستورد 95 % من بذور الخضار، 37 صنفا (طماطم، فلفل وجزر…) من بين 100 صنف معروف في العالم، بحسب البنك الوطني للجينات.

قصة بحث أسماء عن البذور الأصيلة 

توفي والدها في ديسمبر 2012 بعد صراع مع مرض السرطان. وبعد مدة قصيرة اكتشفت والدتها أنها مصابة بذات المرض، فدفعها الخوف من فقدانها إلى استكشاف كل الطرق لتشفيها وتمنع عنها الموت.

“قالوا لي إن حمية أغذية عضوية قد تفيدها وتعيد إليها عافيتها وهكذا قادني الأمل إلى البحث عن محلات بيع الأغذية العضوية في تونس”، روت “أسماء” في هدوء حزين. واستأنفت “في رحلتي، اكتشفت أنه لا توجد أغذية عضوية مائة بالمائة وأنه لا يمكنني الوثوق بتجار همهم الربح، فقررت أن أزرع وحدي حديقتي التي آكل منها في منطقة شطرانة حيث أسكن قرب العاصمة تونس”.

بعدها، صدمت الأم الشابة أنه لا يوجد بذور محلية “نظيفة” تلبي رغبتها وقد أصبحت متوجسة من كل ما له علاقة بالكائنات المعدلة وراثيا ومن الخضار المعالجة بالأسمدة الكيميائية. “أسماء” اهتدت، عبر الانترنت، إلى جمعية الزراعة المستدامة التي أصبحت عضوة فيها ومن خلالها أصبحت تجوب ولايات البلاد لتتزود ببذور الخضار المحلية التي ندرت وتركت المجال فسيحا للبذور الهجينة القادمة من وراء الحدود.

في أوت 2016، وافت المنية والدة “أسماء كاراباكا “. “كانت صدمة بالنسبة لي ولكن فلسفتي في الحياة تغيرت واكتشفت وأنا أزرع الأرض بنفسي أن عطاءها لا حدود له عندما نحترم قوانينها وأنه إذا أطعمناها سموما قد تردها إلينا بشكل أو بآخر”.

فراغ قانوني ….متواطئ

في خطة السلامة الإحيائية التي لم تحين منذ 2009 والتي تهيأ لسن قانون في هذا المجال، تعترف وزارة البيئة بالفراغ القانوني في مجال التحكم في سلسلة الكائنات المحورة جينياً وتشير إلى ضرورة المحافظة على التنوع البيولوجي.

ومع ذلك إلى اليوم، لم يسن، في تونس، قانون حول السلامة الإحيائية يحمي التنوع البيئي ولا قانون يحمي صغار المزارعين الذين وصفوا أنفسهم، في تندر وسخرية، “بالتجار غير شرعيين” لأنهم يبيعون خارج مسالك الدولة المنظمة فوائض محاصيلهم.   

قوانين من هذا النوع فرضت في الهند وفي كوستاريكا وحتى في دول منظمة الدول الإفريقية التي اتفقت حول قانون “مثال” يحمي صغار الفلاحين من خطر هيمنة الشركات العالمية الكبرى لإنتاج البذور.

المسالك المقننة جاهزة ومفروشة فقط للبذور الهجينة التي تروجها اليوم، في تونس، شركات تتزود من عمالقة البذور في العالم مثل “مونسانتو” و”سانجنتا” و”ساكاتا” و”فيلموران”.  

على عكس المأمول، القانون عدد 42 المؤرخ في ماي 1999 المتعلق بالبذور والشتلات والمستنبطات النباتية الذي أقره الرئيس السابق “بن علي” ولا يزال ساري التطبيق،  يسمح بغزو البذور المستوردة الهجينة ويتم ذلك دون مراقبة على مستوى الجمارك أو في مخابر مراقبة المنتجات النباتية (حسب تقرير دائرة المحاسبات).

مشروع قانون السلامة الإحيائية الذي أعدته تونس في 2005 بعد مصادقتها على بروتوكول قرطاجنة للسلامة الإحيائية (دخل حيز النفاذ في 11 سبتمبر 2003 البروتوكول) والذي من المفترض أن يحصن الزراعة في تونس من الآفات، لا يزال على رفوف وزارة البيئة. وسينتظر طويلا حتى يرى النور، حسب رأي بيئيين، لأن البرلمان منشغل الآن بمناقشة ميزانية الدولة لسنة 2017 ولان العديد من القوانين الأخرى تنتظر المصادقة وتعتبر ذات أولوية نظرا للمرحلة الانتقالية التي تعيشها تونس.

عدنان الحاجي، نائب بالبرلمان قال لمعدة التحقيق أثناء جلسة للجنة الصناعة والطاقة والثروات الطبيعية والبيئة “بالطبع المسائل البيئية ليست من أولويات الحكومة الحالية”، مضيفا أن عدد المشاريع ذات الصبغة البيئية التي مرت على المجلس لا تتجاوز المشروعين.

كما قال مصدر طلب عدم الكشف عن اسمه أن من بين النواب اليوم من يرعى مصالح شركات كبرى مثل شركة “بايار” التي قامت حديثا بشراء عملاق البذور “مونسنتو”.

بشأن مشروع قانون السلامة الإحيائية، قالت “هازار بلي”، رئيسة مصلحة بإدارة الايكولوجيا والأوساط الطبيعية بوزارة البيئة، أنه بصدد التعديل ليصبح “قانوناً يشمل السلامة الإحيائية بصفة عامة”.  وأضافت أن لجنة تتكون من ممثلين من مختلف الوزارات المعنية منها الفلاحة والصحة وباحثون تعكف على تعديله. وسيعرض مشروع القانون خلال شهرين على مجلس وزاري لمناقشته قبل أن يحال إلى البرلمان، حسب قولها.

بالنظر إلى “خطة السلامة الإحيائية” لوزارة البيئة، لا ينوي هذا القانون أن يمنع الاستيراد أو الاتجار بالأغذية المحورة جينياً ولا يتخذ موقفاً واضحاً منها. بل هدفه حسب وزارة البيئة هو “مواكبة التطورات البيوتكنلوجية الحديثة وحماية الصحة العامة والبيئة واستدامة التنوع البيولوجي”.   

 في الأثناء، تحتل الشركات متعددة الجنسيات كل خانات “سجل الأصناف النباتية” في تونس. وفق القانون، هذا السجل الذي ترسم به الأصناف النباتية “إذا كانت متميزة وثابتة ومتجانسة وذات قيمة زراعية مهمة، بناءً على طلب يقدمه المعني بالأمر إلى السلطة المختصة، ويرفق بوصف مفصل للصنف أو بعينة من بذوره أو شتلاته… وتبقى العناصر الأصلية للنباتات الهجينة والأصناف التركيبية سرية إذا طلب مستنبطوها ذلك”.   

 يعوّض القانون، في هذه الصيغة، براءة الاختراع.  عندما وجهنا السؤال إلى مختصين من المعهد الوطني للمواصفات والملكية الفكرية في تونس: هل للشركات متعددة الجنسيات الحق في حماية مستنبطاتها النباتية ببراءات اختراع في تونس؟  أجاب نافع البوتيتي، نائب المدير المكلف ببراءات الاختراع في المعهد بـ ” لا”. وفسرت المهندسة المكلفة بالنظر في ملفات براءات الاختراع، ألفة بالحاج، قائلة إن “كل ما هو موجود في الطبيعة لا يحمى بواسطة براءة اختراع”.

واستأنفت “لقد راسلونا، يعني راسلوا المعهد (لا تريد ذكر الجهة الأمريكية التي راسلت) لحماية أصناف لهم في تونس، لكننا أجبنا أن ذلك غير ممكن في بلدنا وأرسلنا لهم مقررات رفض”.  تقول بلحاج “هم يريدون تقديم مطالب حماية لمستنبطاتهم في كل البلدان لكي لا يتم استغلالها كي لا تتم سرقة اختراعاتهم”.  الحقيقة أنه لا حاجة لهم ببراءات اختراع، فمستنبطاتهم محمية بالقانون التونسي ذاته.

الفصل رقم (9) من ذات القانون ينص على أنه “لا يمكن الاتجار، إلا في البذور والشتلات من الأصناف النباتية المرسمة بالسجل”.

هذا الشرط يتوافق بامتياز مع توجهات الشركات الكبرى للبذور، بينما يقصي البذور المحلية الأصيلة التي ينتجها صغار الفلاحين (60 % من الفلاحين في تونس)  ويمنعهم من بيع بذورهم، رغم أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت قرارا في دورتها الثالثة والخمسون بشأن الاتفاقية المتعلقة بالتنوع البيولوجي في 1998، دعت فيه “الحكومات إلى استخدام تحليل علمي لدراسة ورصد تطور التكنولوجيات الجديدة عن كثب لمنع الآثار الضارة المحتملة على الصيانة والاستخدام المستدام للتنوع البيولوجي، الذي قد يكون له أثراً على المزارعين والمجتمعات المحلية”.

عودة إلى البدء …. إلى فخ الغذاء والبذرة

يقر الكثيرون أن غزو البذور الهجينة يعود تاريخه إلى ما بعد الاستقلال عندما كانت الأوساط الريفية في تونس تعيش حالة فقر وتستلم مساعدات من الخارج عن طريق برامج منظمة الأمم المتحدة.

في ورقة تحليلية لوضع البذور المحلية في تونس، يقول رئيس جمعية التنمية المستديمة بولاية مدنين،  عبد الحميد الزموري “بدأت الكارثة الحقيقية وتدهور موروث تونس النباتي منذ 1956 (بداية الاستقلال). أتذكر شخصيا أنه في بداية الستينات، كانت تونس تحصل مثل باقي الدولة المصنفة فقيرة على مساعدات غذائية عن طريق برنامج الأغذية العالمي “البام” (ProgrammeAlimentaireMondial-PAM) وكانت المساعدات توزع في الأرياف من قبل العمد والشيوخ الذين كانوا أغلبهم يجهلون القراءة والكتابة ومع تلك المساعدات التي تأتي من “المانحين اللطفاء” توزع بذور الذرة والبطيخ وتعطى “بكل براءة” مجاناً إلى الفلاحين ومعها شرح حول جودتها ومردودها.  

عندما اتضح لهؤلاء ” المانحين الخيرين” أن الفلاحين استغنوا عن بذورهم الأصيلة ولم يعودوا لتخزينها، أغرقوا السوق بالبذور الموردة ولكم أن تتخيلوا أثمانها!… مائة مرة أغلى من التي كانوا يستعملونها وخسرت بلادنا وللأبد كمية كبيرة من بذورها المحلية”.   

اليوم، في تونس 42 شركة توريد وتجارة بذور تزود المزارعين عبر حوالي 600 نقطة بيع بذور وشتلات، أي بمعدل 25 نقطة في كل ولاية من البلاد التونسية (24 ولاية)، حسب وزارة الفلاحة.

ولا تسعى هذه الشركات إلى زيادة الإنتاج والهيمنة على السوق المحلية فقط بل إلى التصدير. وهكذا تصبح تونس التي كنيت “بمطمورة روما” لأنها كانت تزود عاصمة الإمبراطورية الرومانية بالحبوب، أرضاً لا تزرع مما تحصد، وقد يستعار ترابها فقط ويجهد لإنتاج بذور لن تملكها، ولن تتغذى منها ربما في مرة ثانية.

“حارس البوابة” مقصر أو متواطئ؟

إدارة مراقبة وحماية المنتجات النباتية أجابت على أسئلة من بينها “كيف تتم عمليات التوريد وكيف تمنح التراخيص للشركات؟ إجابة على شاكلة التقارير التي تمنحها عادة الوزارات في تونس للصحفيين “للاجترار”.  

وقال طارق شيبوب وفاطمة شيحة المسؤولان الرئيسيان في الإدارة أن البذور الموردة تخضع إلى المراقبة الفنية والصحية للتأكد من خلو العينات من أمراض الحجر الزراعي وفق أحكام القانون عدد 99-42 لسنة 1999  المتعلق بالبذور والشتلات والمستنبطات النباتية والقانون عدد 92-72 لسنة 1992 الذي يحور التشريع الخاص بحماية النباتات ونصوصهما التطبيقية”.

  ولكن تقرير دائرة المحاسبات، أكد “غياب الوثائق التي تثبت نتائج تحاليل مخبر الحجر الزراعي، وذلك على مستوى المركز الحدودي بميناء رادس”.  “غالباً ما يتم الحصول على نتيجة تحاليل الحجر الزراعي عن طريق الهاتف ليتم على أساس ذلك إصدار رخصة الاستهلاك، ودون إحالة نتائج التحاليل لنقاط العبور لاستكمال الملف بصفة لاحقة”، نقرأ في ذات التقرير الذي يتساءل، كيف يمكن التأكد بهذه الطريقة من سلامة البذور والشتلات؟

كما أشار التقرير إلى أن التقصير الكبير في مراقبة ملفات التوريد “لا يسمح بتحديد مآل البذور والشتلات الموردة والتي تم في شأنها اتخاذ القرار في الإتلاف أو الإرجاع”.  في ميناء قابس مثلما في ميناء صفاقس، وهي بوابات تدخل وتخرج منها أغلب السلع إلى البلاد، مسألة الرقابة لا تأخذ على محمل الجد. مكتب المراقبة الصحية النباتية بميناء صفاقس، يقوم بتحرير شهادات الرفض بخصوص أقساط البذور الموردة والتي سيتم إتلافها أو إرجاعها دون التأكد من مالها.

وقد توالت في تونس في السنوات الأخيرة الآفات الزراعية وكان أثرها وبالاً على الفلاحين، وكذلك على الأرض التي ترضخ اليوم لقوانين التغيرات المناخية وترهقها زراعات غير متأقلمة مع نوعية التربة.

وكانت منظمة الأغذية والزراعة في تقريرها الحديث الصادر في 2015 بمناسبة الاحتفال بيوم التربة العالمي، قد حذرت من أن تدهور التربة، “الحليف الصامت للإنسانية”، “سيلحق أضراراً جسيمة بإنتاج الغذاء والأمن الغذائي، ويُضخّم التقلبات في أسعار المواد الغذائية، وربما يُغرق الملايين في لجة الجوع والفقر”.

المنظمة الأممية ذكرت فقدان التنوع البيولوجي من بين التهديدات العشر الرئيسية لوظائف التربة، وهي التآكل؛ فقد الكربون العضوي، الإخلال بتوازن المغذيات، التحمُّض، التلوّث، التشبع بالمياه، التدمُّك، التصلُّب؛ الملوحة.

مصالح “هجينة”   

مؤطر عن الكائنات المعدلة وراثيا

الكائنات المعدلة وراثيا هي كائنات ذات أصل حيواني أو بكتيري أو نباتي تعرضت لعملية نقل جينات منتقاة من نوع إلى نوع مختلف عنه. من أجل إضفاء خواصٍ لم تكن متواجدة طبيعياً.

قد تواجه تونس في السنوات المقبلة ما هو أسوأ من مصير التبعية للبذور الهجينة العقيمة. فلو أراد عملاق التكنلوجيا الحيوية الزراعية والمنتج رقم واحد للبذور والذرة المعدلة جينيا في العالم “مونسنتو” Monsanto أن يزرع حقولاً من الذرة المعدلة جينيا في تونس فلن يجد أي عائق، لا قانوني ولا سياسي. فالحكومات المتعاقبة بعد “ثورة الياسمين” لا تزال تلهث خلف المستثمرين الأجانب وتحاول استمالتهم دون قيد أو شرط.  

رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد نفسه ساعد السلطات الأمريكية في فهم ما يجري في تونس في مجال الزراعة ومجال القوانين حول السلامة الإحيائية عن طريق تقرير لصالح الشبكة العالمية للمعلومات الفلاحية التابعة لوزارة الفلاحة الأمريكية. Gain.fas.usda.gov. تحدث الشاهد في هذا التقرير عن الثغرات في القوانين الجاري بها العمل فيما يتعلق بالأغذية المعدلة وراثيا بصفته مختصاً في الفلاحة في قسم الخدمات الخارجيّة للفلاحة الأمريكيّة FAS (Foreign Agricultural Service). هل سيسارع الشاهد إلى تمرير قانون السلامة الإحيائية وهو العارف بما يجب القيام به لحماية المنتجات المحلية ومنها البذور؟  سننتظر ونرى؟

في انتظار ذلك، تستمر”مونسنتو” في توسيع قاعدتها من الفلاحين الذين يشترون بذورها عن طريق شركة “كوتيقران”، وهي شركة خفية الاسم تفتخر بانتمائها لعملاق البذور العالمي.

تلقى الشركة كل الترحاب من المسؤولين في وزارة الفلاحة لأنه “لا يمكننا أن نقول “لا” للتكنلوجيا “، برأي المدير العام للإنتاج النباتي بوزارة الفلاحة، توفيق الوسلاتي. “الشركات المتعددة الجنسيات لم تفرض علينا شيئا ولكن لا يمكننا قول لا للتكنلوجيا ولمردود أفضل”.

يصر الوسلاتي الذي يبدو على علم بسمعة الشركة في العالم وبالحروب التي خاضتها في الولايات المتحدة الأمريكية وفي عدد من بلدان العالم مثل الهند. ففي بداية شهر فيفري 2016، قبلت “مونسانتو” تسوية مع لجنة الضمانات والمبادلات في الولايات المتحدة الأمريكية وهي هيكل حكومي نافذ يحمي السوق الأمريكية من ممارسات الاحتيال والتلاعب والمنافسة غير الشريفة ولم تفند الاتهامات الموجهة لها ووافقت على دفع غرامة قدرها160 مليون دولار أمريكي.

المدير الفني لشركة “كوتيقران”، هادي المصباحي لا يستغرب غزو بذور “مونسانتو” بل يمتدح منتجاتها. يقول إن “كوتيقران” هي أول شركة بذور رائدة في تونس وأنها تتزاحم في السوق التونسية مع عدد صغير من المؤسسات المتعددة الجنسيات.  بحسب قوله، لا علاقة للشركة الأم فيما يجري في تونس. “نحن مسئولو الشركة الذين نتنقل ونلتقي الفلاحين ونوجه الشركات المزودة بالمعلومات حول احتياجات السوق وحول القطاعات المربحة”.  

يبدو أن الشركات الكبرى تسعى إلى فك الارتباط بين الفلاح والأرض ولم تجد مانعاً من السلطات المحلية وهذا يدفع إلى ضرورة مراجعة مفهوم الأمن الغذائي برمته ومراجعة قوانين التجارة في الزراعة.  

لكن ما يعانيه المزارعون في تونس يستوجب نظرة استشرافية من السلطات لدرء أي خطر محتمل. في انتظار ذلك ربما ينجح البيئيون في تونس في قلب القوانين وفي زرع “بذور الأمل”.  

ملاحظة: دققه علمياً خبير البيئية والتنمية بشّار زيتون.

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية “أريج” www.arij.net


الصحفي



تعليقاتكم