الأحد ١٩ - أغسطس - ٢٠١٨ ٠٩:٥٢ مساءً

مياه "الحنفيات" تلوث خبز الغزيين بالنترات المسرطنة

2 آيار 2015
محمد أبو شحمةإبراهيم رامي

فلسطين أون لاين – صباح كل يوم، اعتاد الأربعيني رائد أبو مسامح من مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، شراء ما تحتاجه أسرته من الخبز الذي يُشكل عماد طعام الغزيين.

لكن أبو مسامح لا يعلم أن أرغفة الخبز التي يشتريها من أشهر مخابز المخيم، تحتوي على نسب مرتفعة من النترات، ناتجة عن استخدام ذلك المخبز لمياه “الحنفية” المالحة، وهي مواد مضرة، وفقاً لتحاليل مخبرية أجراها فريق التحقيق الاستقصائي، وأكدها مسؤولون في وزارة الاقتصاد الوطني، المسؤولة عن ترخيص المخابز والرقابة عليها.

الوزارة تبرر ضعف الرقابة بقلة عدد المفتشين وغياب قانون ناظم لهذا القطاع.

والمفارقة أن الوزارة، سارعت لإرسال تحذير على شكل “تعليمات” خلال حديث فريق التحقيق مع وكيل مساعد الوزارة الدكتور عماد الباز، لجميع المخابز بحظر استخدام “مياه الحنفية” في صناعة الخبز، لكن دون الارتكاز إلى قانون محدد أو تحديد سلم عقوبات جزائية، وتحركت الوزارة فقط بعد أن أطلعها فريق التحقيق على مخالفات هذا القطاع.

وتوصّل الفريق إلى أن غالبية المخابزٍ في غزة والمقدر عددها بـ (120) مخبزا – باستثناء مخبز وحيد- تستخدم مياها غير صالحة للشرب من شبكة المياه (الحنفية)، وفقًا لنتائج عينات مخبرية أخضعت للفحص في مختبر جامعة الأزهر، وبحث ميداني لـ (25 مخبزًا) في محافظات قطاع غزة الخمس.

الوزارة، تعرف أن غالبية مخابز غزّة لا تستخدم مياها مفلترة، لكنّها لا تتخذ إجراءات رادعة بحق المخالفين، باستثناء “التعميم” المتأخر.

وفي جولة ميدانية لاحقة، أكد أصحاب مخابز لفريق التحقيق أن دائرة حماية المستهلك أرسلت لهم بالفعل تعميما في كانون الثاني/ يناير 2015 بضرورة استخدام مياه مفلترة في إعداد الخبز، ولكن أيا منهم لم يلتزم بها، بسبب إدراك أصحاب المخابز بأن الوزارة لن تتخذ أي عقوبة بحق المخالفين.

هذه الممارسات تعد مخالفة للمواصفات الفلسطينية الخاصة بالخبز والتي تنص على ضرورة استخدام ماء شرب مطابق للمواصفات، والذي يجب ألا تزيد نسبة النترات فيه على 50 ملجم/ لتر.

تفاعلات في بيت النار

وتتكثف خطورة النترات بمجرد دخولها (فرن) النار- كما يجمع الخبراء الذين التقاهم فريق التحقيق، بحيث يتشكّل مركب النيتريت، الذي يتفاعل بدوره مع الأحماض الأمينية الموجودة في جسم الإنسان، فيتكون مركب النيتروز أمينات؛ أحد المسببات الرئيسة لسرطان المعدة.

سكان القطاع لا يستخدمون المياه التي تصلهم عبر “الحنفية” للشرب وإعداد الطعام، لعدم صلاحيتها للاستخدام، بحسب مدير عام مصلحة مياه بلديات الساحل منذر شبلاق، الذي يؤكد أن 96 % من مصادر المياه في القطاع ملوثة بنسب عالية من النترات والكلورايد، وهي أعلى من المعدلات التي تقرها منظمة الصحة العالمية؛ وتشدّد على ألا تتجاوز نسبتها في المياه 50 ملجم/ لتر. ارتفاع هذه النسبة -حسبما أثبتت الفحوص- يعود إلى انتقال النترات من المياه الملوثة إلى الخبز وحدوث تفاعل كيميائي بين المكونات في بيت النار، ما يضر بصحة المستهلكين ويؤثر على البيئة.

“حنفيات” لا تروي العطشان

وكبديل عن مياه الحنفية الملوثة بالنترات، يعتمد سكان غزة على مياه محطات التحلية المنتشرة في القطاع للشرب وإعداد الغذاء، بمعدل سعر يساوي 4 دولارات مقابل 500 لتر من تلك المياه، لكن أصحاب المخابز لا يتوانون عن ضخ مياه الحنفية إلى أهم مادة غذائية على موائد الغزيين، وبالنتيجة ما يهرب منه الغزيون نتيجة تلوث المياه، يعاد إليهم مرة أخرى عن طريق الخبز.

 

دمغة المختبر

أخذ فريق التحقيق عينتين من الخبز، الأولى من مخبز مشهور في مخيم الشاطئ، ثالث أكبر مخيمات اللاجئين الثمانية في القطاع، وأحد أكثر المخيمات اكتظاظا بالسكان (82 ألف لاجئ مسجل)، أما العينة الثانية فأخذت من مدينة خان يونس (68 ألف لاجئ مسجل).

أُرسلت عينات الخبز إلى مختبر جامعة الأزهر في غزة، وبعد أربعة أيام، أظهرت نتائج تحاليل الفحص الكيميائي لرغيف الخبز الأول، وجود مادة النترات بنسبة 62.45 ملجم/ كجم. أما العينة الثانية، فأظهرت وجود مادة النترات بنسبة 54 ملجم/ كجم، بما يخالف المواصفة الفلسطينية الخاصة بالخبز، والتي تؤكد على وجوب “خلوه من أي مركبات كيميائية”.

محاولات الفريق الاستقصائي للحصول على عينات مياه من المخابز باءت بالفشل، كون فريق الحماية التابع للوزارة، الجهة الوحيدة المسموح لها بذلك، لكن هذا الفريق أطلع الصحفيين على نتائج فحص أجري مطلع العام الحالي، يشير إلى وجود نسبة نترات عالية جدا في عينات مياه مسحوبة من قبله، إذ وصلت نسبة النترات في بعض العينات إلى 180 ملجم/ لتر أي تقريبا 4 أضعاف الحد المسموح به، وفق حديث موثّق لوكيل الوزارة، ومدير حماية المستهلك فيها زيادة أبو شقرة، ولكن لم تتخذ الوزارة أي إجراء بحق ذلك المخبز.

مخالفة للمواصفات

تنص المواصفة الفلسطينية الخاصة بالخبز، على وجوب “استخدام ماء شرب مطابق للمواصفة الفلسطينية”، والتي توصي بدورها بألا تزيد نسبة النترات في مياه الشرب على 50 ملجم/ لتر، بينما حددت مؤسسة حماية البيئة الأمريكية، نسبة النترات في المياه، بما لا يتجاوز 10 ملجم/ لتر، وكذلك وضع الاتحاد الأوروبي معيارا لوجود النترات في المياه بما لا يتجاوز 15 ملجم/ لتر.

لا يدركون المخاطر

واجه فريق التحقيق أصحاب المخابز التي أُخذت العينات منها، كما أجرى استطلاع رأي بين 5 مخابز في المحافظات. وبيّن أن جميع أصحاب المخابز والعاملين فيها لا يدركون خطورة استخدام مياه الحنفية في صناعة الخبز. أحد أصحاب المخابز يبرر استخدامه لمياه الحنفية بأن “الجميع يستخدمها، وهي غير مضرة”، وأن استخدامه للمياه المفلترة أو الحلوة “سيكلف الكثير من المال”.

آخرون ذهبوا إلى أن المياه “لا تضر”، وليس فيها إلا “نسبة زائدة من الملح”، كما يقول مالك مخبز التقاه فريق التحقيق. ويؤكد أنه يلجأ إلى “تقليل نسبة ملح الطعام في الخبز، لأن المياه تحتوي على الأملاح بشكل طبيعي”. ويذهب آخر إلى القول: إن “جميع الأملاح, أو أي مواد تكون في المياه، مع دخول العجين في النار، تتلاشى وتختفي بشكل كلي”.

ولكن الفحص المخبري وآراء المختصين، تناقضان هذه الأحاديث، ذلك أن الفحص المخبري أثبت بقاء النترات وتفاعلها في رغيف الخبز بعد دخوله النار.

بقعة ضوء

فريق التحقيق توجه إلى المخبز الوحيد في غزة الذي يستخدم مياها مفلترة صالحة للشرب، فتبين أن لدى المخبز “محطة تحلية خاصة للمياه المستخدمة في إعداد الخبز”، بحسب مالك المخبز.
صاحب المخبز يقول: إن “تكاليف ربطة الخبز لم تتأثر حين استخدمنا مياها محلاة، وهو يماثل الأسعار الموجودة في القطاع”. ويرجع استخدامه للمياه المفلترة إلى “عدم صلاحية المياه التي تصل من البلدية للاستخدام الآدمي”.

الرأي العلمي

فريق التحقيق عرض نتائج الفحوصات المخبرية على مدير وحدة الدراسات والأبحاث البيئية في مركز معًا التنموي الدكتور جورج كرزم، الذي يؤكد بدوره أن نسبة النترات التي اكتشفها في الفحص المخبري لفريق التحقيق، “خطرة جدًا على صحة الإنسان”.

تكمن خطورة النترات في “سرعة تحولها إلى نيتريت مع المعالجة الحرارية، وحين يتناولها المواطنون “تتحد مع مركبات الجسم، لتتحول إلى نيتروز أمينات، الذي يعد من أشد المركبات الكيميائية المسرطنة”.

يلفت كرزم، إلى أن “النترات ترتبط بشكلٍ مباشر مع النيتريت، أي أن النترات تبقى في الخبز وكذلك النيتريت”، وهنا جوهر المشكلة الأساسية”، بمعنى أنه في حالة كانت نسبة النترات مرتفعة في الخبز أو المياه، ستكون نسبة النيتريت مرتفعة بشكل أكبر في الخبز، وهنا تكمن الخطورة على صحة الإنسان”.

كرزم يؤكد أنه وفي ظل ارتفاع نسبة النترات في الخبز، فإن “نسبة النيتريت سترتفع تلقائيا إلى الضعف”، أي إذا كانت نسبة النترات في رغيف الخبز الواحد 50 ملجم/ كجم، ستكون نسبة النيتريت ضعف ذلك الرقم. “عدم توافر إمكانية لفحص النيتريت في السلع الغذائية الناتجة عن استخدام المياه”، كما يقول كرزم: “مشكلة تؤرقنا في فلسطين، وحتى اللحظة لا توجد آلية عملية لقياس تركيب النيتريت في فلسطين”.

تحول النترات إلى نيتريت، “لا يؤثر فقط على البالغين”، يوضح كرزم، بل يؤدي كذلك إلى ظهور مرض الطفل الأزرق الذي قد يكون سببا في الوفاة. لكن لا توجد حتى الآن إحصائية لعدد هؤلاء الأطفال، وفقا لمدير المعلومات الصحية في وزارة الصحة د. عاطف مسعد.

المختص في الكيمياء العضوية والمحاضر بجامعة الأزهر في غزة الدكتور حسن طموس، يؤكد ما ذهب إليه كرزم، إذ إن ماء “الحنفية” المستخدم في مخابز القطاع “يحتوي على نسب عالية من النترات، التي لا تختفي من الخبز بعد التسخين ودرجة الحرارة العالية”، بل على العكس “تتحول إلى نيتريت مع التسخين، وهي مادة شديدة الخطورة على صحة الإنسان”.

ويوضح طموس أن جميع الدراسات العلمية الحديثة أثبتت أن ارتفاع معدل النترات فوق 10 ملجم/ لتر، يؤثر على الأطفال حديثي الولادة، ويؤدي إلى ظهور مرض الطفل الأزرق، بسبب وجود مركب النترات في حليب الأم.
في حال تأكد أن المياه المستخدمة في المخابز في القطاع، هي مياه حنفية عادية – يقول طموس- فإن ذلك “يعني مشكلة كبيرة، لأن مياه الآبار تحتوي على نسب عالية من النترات، وحين يصبح التراكم كثيراً، تنتج عنه مشاكل صحية كبيرة على مستوى الإصابة بالسرطان”.

بعد المعلومات التي سردها طموس، ومدير وحدة الدراسات والأبحاث البيئية في مركز معًا، توجه فريق التحقيق بنتائج العينات، لرئيس وحدة التثقيف بالمعهد القومي المصري للتغذية وجدي نزيه، الذي يؤكد أن النترات من المركبات الكيميائية التي تسبب مشاكل صحية للإنسان. ويشرح نزيه أن الإفراط في استخدام المركبات التي تحتوي على نترات عالية، يعد أحد الأسباب الرئيسة في تفشي الأورام السرطانية، التي أصبحت منتشرة بمختلف أنواعها في المنطقة، مع مختلف الفئات العمرية والصحية.
وبحسب نزيه، فإن منظمة الصحة العالمية “تطالب بخفض المتناول من هذه المواد قدر المستطاع، والترشيد فيها”.

إحصاءات وأرقام

ينتشر مرض السرطان في القطاع بشكل مطَّرد وفق تأكيد مدير مركز المعلومات الصحية بوزارة الصحة الدكتور عاطف مسعد، إذ يقول: إن “أعداد المصابين ب


الصحفي


المشرفين