الأربعاء, كانون الثاني 3, 2018

(لقمة عيش) …. عمّال صناعة تحف يكابدون في بيئة عمل غير آمنة

4 نيسان 2018
نور الهدى

تحقيق: نور المهدي

الدستور– لم يكن عيسى محمد سيد يدرك أن مهنته منذ الصبا ستكون سبباً في إصابته بعجز جزئي نتيجة تعرض قدمه لحروق وتشوه لا علاج له سوى البتر، بحسب تشخيص أطباء مستشفى إمبابة العام. على أن عيسى البالغ من العمر 42 عاما يرفض قرار البتر، علّه يتمكن من  مواصلة عمله -حتى وإن كان سبب مصيبته- من أجل الإنفاق على نجليه وزوجته.

يعمل عيسى في ورشة صغيرة غير مرخصة ضمن منطقة سكنية عشوائية بإمبابة/ محافظة القاهرة، مذ كان في العاشرة. بالقرب من مسجد “فلفل” تتراص مجموعة ورش لتصنيع تماثيل تذكارية (مقلّدة)، تباع للسياح الراغبين في اقتناء ما يذكرهم بحضارة مصر وتاريخها. تأخذ التماثيل أشكالا فرعونية مثل رؤوس الملوك وكذلك القطط الفرعونية وملكات مصر. هنا، تصنع أيضا تحف صغيرة يشتريها السياح دون أن يعلموا بظروف العمل في ورش الانتاج، خصوصا استخدام مادة (البولي استر) الكيميائية السائلة.

مادة البولي استر” يتم استخدامها من قبل العمال وتصيبهم بأمراض جلدية، وهي مادة حارقة تتكون من سائل البوليستر تخلط مع بودرة نوع من الاسبيداج أو التلك أو الجبس، بالإضافة إلى بروكسيد ويضاف 3% من نسبه البوليستر، عندما يكون البوليستر 100 %بجانب الكوبلت وايضًا هذه المادة غير ضارة بحالتها الصلبة وغير محرمة لكن يجب الحرص اثناء استخدامها واتباع أساليب الصحة المهنية بحسب دراسة كلية العلوم جامعة بني سويف لما لها من أضرار خطيرة على الجلد والجهاز التنفسي.

في مارس/ آذار 2015، فتح أحد زملاء عيسى برميل (بولي استر) مباشرة قبل أن تركد المادة التفاعلية داخله، وعلى الفور انسابت (البولي استر) على قدم عيسى اليمنى بأكملها ما تسبب بالتهاب الجلد وتضخّم حجمها. اليوم، يؤكد أطباء بمستشفى إمبابة العام لعيسى أن الحل الوحيد يكمن في بتر قدمه لأنها تعد جزءا “ميتا” متصلا بجسده. ولكن عيسى يرفض قائلًا: “أنا مش هقطع رجلي لحد ماموت حتى لو جالي تسمم في جسمي كله برضو هموت وانا بشتغل .. العيشة نار وأصرف على ولادي منين لو قطعتها”.

عيسى واحد من بين آلاف العمّال ممن يكدحون طلباً للرزق في بيئة عمل غير آمنة. فحال عيسى تقودنا لإثبات أن عمال ورشات تماثيل تذكارية غير مرخصّة يعملون في بيئة عمل خطرة ويستخدمون مواد كيميائية حارقة، فيتعرضون بسببها لإصابات خطرة منها تشوهات وحروق جلدية. يحدث ذلك في غياب رقابة وزارة القوى العاملة (وغيرها أيضا)، وقصور في قانون العمل يحول دون شمول العمالة غير المنتظمة ضمن مظلة التأمينات الصحية والاجتماعية. إذ وثّقت معدّة التحقيق إصابات ثمانية عمّال في ورش تصنيع تماثيل تذكارية مقلدة زارتها على فترات متباعدة بمنطقتي إمبابة والحسين بالقاهرة على مدار أربعة أشهر لتوثيق معاناة عمّال صناعة التحف الفرعونية. إذ تعتمد هذه الحرفة في صناعتها على قوالب سيليكون مرنة تأخذ الشكل المطلوب بعد أن تصبّ داخله مادة (البولي استر).

فيديو يظهر فيه قدم عيسى وحالتها السيئة

لم تنجح محاولات معدّة التحقيق في الوصول إلى أي إحصاءات رسمية حول عدد الورش ذلك لأنها غير مرخصة لدى أي جهة حكومية أو خاصة. لكن يقدّر عاملون في المهنة انتشار نحو الفي ورشة في محافظات مصر الـ 29 تشغّل قرابة 3000 شخص؛ بخاصة في الجيزة، شرم الشيخ، الغردقة، بني سويف وكذلك في الأقصر وأسوان. إذ وثّقت معدّة التحقيق 60 ورشة غير مرخصة مناصفة بين منطقتي إمبابة المكتظة بالسكان (100 ألف نسمة شمال محافظة الجيزة) والحسين بالقاهرة اللتين تشتهران بورش صناعة التحف المقلدة. يعمل في هذه الورش التي زارتها أزيد من 120 عامل، من بينهم أطفال، بمعدل اثنين لكل منها.

وتتراوح أجورهم وفقاً لزيارت معدة التحقيق بين 450 إلى 1000 جنيه شهرياً (26 إلى 58 دولارا) في بلد يبلغ متوسط دخل الفرد فيه 1200 جنيه (68 دولار).

حقوق ضائعة

في مصر تندرج هذه الورش تحت بند العمالة غير المنتظمة، والتي تقدر بــ 14 مليون عامل، بحسب أحدث تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة القوى العاملة الصادر في مايو/ أيار 2017. هذا الجهاز يتجاهل توثيق إصابات العمالة غير المنتظمة. آخر تقرير له حصر عدد إصابات العمال في القطاعين الخاص والعام – ١٥ ألفا و١١٩ إصابة سنويًا وهو ما يعادل ٥٠ حالة يوميًا.

وائل سيد (39 عامًا) هو الآخر يعمل في ورشة تماثيل تذكارية بإمبابة يعاني عتامةً في عينه اليسرى جرّاء احتكاكها بـ (مبرد) يستخدم في نحت التماثيل، أحدث انفجارا في القرنية فانفصلت عن الشبكية، بحسب التقارير الطبية. يقول سيد: “دخت على الدكاترة في كل المستشفيات ومفيش فايدة كله يؤكد لي أن عتامة عيني هي مصيري أني مش هشوف بيها تاني .. لكن الحمد لله التانية موجودة .. هأكل ولادي منين ده أنا مستحمل بالعافية”.

ذات العامل سيد أصيب أيضا بحروق في يديه بسبب استخدامه مادة (البولي أستر)، التي تسبب له عند جفافها جروحًا وتشوهات جلدية. وإن لم يتم تطهيرها سريعًا قد تحدث مضاعفات خطيرة وآلاما في حال تلوث الجرح.

أما أشرف السيد، الأمين العام لنقابة الحرف التراثية، فيؤكد من جانبه، أنه يوجد أنواع من مادة البولي استر محرمة دوليًا لوجود مواد سامة إلا أن الموجود في السوق المصري مرخص ومصرح به، رغم أنه يخرج مواد سامة وغازات ضارة لابد من وجود كمامة وقفاز عند التعامل معها ولابد من وجود تهوية جيدة لكن تلك العوامل لا تتوافر في الورش غير المرخصة في مصر مما يعرض العاملين فيها لأمراض صدرية لعدم الالتزام بتلك الاشتراطات الخاصة بالاستخدام وذلك لاحتياجهم لرأس مال مرتفع شراء تلك المستلزمات.


ترخيص الورش

تصعب إجراءات الحصول ترخيص للورش بل وتقترب من الاستحالة كما يؤكد ذلك عاملون في هذه الورش التقيناهم بسبب تواجدهم في منطقة سكنية، ما يعني أن الحماية المدنية لن تمنحهم تصريح، تماشيًا مع الشروط الواجب توافرها.

شروط الحصول على ترخيص ورشة:

1- ملئ نموذج استمارة في مبنى المحافظة المراد إنشاء الورشة بها.

2- الحصول على موافقات من عدد من الجهات المختصة وهي الحماية المدنية، الصحة المهنية، البيئة، الصرف الصحي، الأمن العام، صور من شهادات الحالة الصحية للعاملين.

3- مستندات مطلوبة لتحديد النشاط الخاص بالورشة.

4- سداد رسوم التفتيش السنوية.

5- استيفاء الموقف المالي والعقاري.

 

يتفق مالك ورشة في إمبابة جابر محمد ما ما قاله عاملون ويؤكد أن نظراءه يفشلون في ترخيص ورشاتهم لأنهم في مناطق سكنية، ولدى سؤاله عن معرفته بشروط استخدام المادة أكد أنه لم يعتاد أن يمسك بقفاز أو يضع كمامة على وجهه فقد توارث هذه المهنة كما هي ابًا عن جد.

العامل سيد محمد الذي يقول “محدّش من ملاك الورش عايز يأمن لا طبي ولا اجتماعي أي مليم ولادهم أولى بيه”، يقول هذا هذا الرجل الثلاثيني.

اتحاد نقابات العمال

عضو المجلس الاستشاري بالاتحاد العام لنقابات عمال مصر الديمقراطي (تأسس 1958) طلال شكر يدعو العاملين بهذا القطاع إلى إنشاء نقابة خاصة بصناعة التماثيل من أجل تمثيلهم بالدولة وحتى لا تهدر حقوقهم. ولكي يتمكن أصحاب العمل أيضا من تسجيل ورشاتهم بوزارة القوى العاملة وترخيصها ليتمكنوا من  تأمين العاملين فيها طبيًا واجتماعيًا، حسبما يشرح عضو الاتحاد شكر.

يناشد أحد أقدم العاملين في حرفة صناعة التماثيل أحمد محمد حسني وزارة السياحة والآثار والقوى العاملة وكذلك التنمية المحلية بالاهتمام بهذه المهنة وتطويرها للنهوض بظروف العامل المصري الذي أصبح يحارب وحده في الأسواق أمام غزو منتجات مستوردة.

المهندس أشرف السيد، الأمين العام لنقابة الحرف التراثية، التي تم تأسيسها في أبريل 2011 يقول إن هذه الحرفة التراثية تعاني عدم اهتمام الدولة بالعاملين فيها أو تشجيعهم ويعانون ايضًا من صعوبة استخراج التراخيص قائلًا:” ساعات بيخسرو وساعات بيكسبوا المكسب حتى بيبقى بسيط ميتحملش ضرائب وتأمينات وده سبب تهربها منهم” مؤكدًا أن معظم الورش هي مشروع صغير رأس ماله يتراوح ما بين 20 ألف جنية (1100 دولار) وحتى 50 ألف جنية ( 2800 دولار)  بحد اقصى “مالك الورشة نفسه مش مأمن على نفسه ازاي يأمن على العمال.. ده يادوب بيكفوا حالهم من المكسب”.

وأضاف السيد أن عدد الورشات في محافظة الجيزة حوالي 60 ورشة 5 فقط منهم هم المرخصين أما البقية غير مرخصين، وأن معظمهم ينخرط في فكرة لقمة العيش حتى أن النقابة تحاول دعمهم من خلال عمل معارض لهم وكذلك ندوات وورش توعية لكن نسبة الحضور بسيطة.

يقدّر طارق السيد، نقيب الحرفيين عدد العاملين في الحرف التي تعتمد على مادة البولي أستر بنحو في مصر 100 ألف عامل منهم 20% فقط نسبة المقنين منهم أما البقية فهم غير مرخصين، مؤكدًا انه من الشروط الصعبة والقاسية التي تحول دون حصول العاملين عن التأمين والترخيص أن يكون مالك المنشأة لديه 3 أفراد على الأقل للحصول على ترخيص العمل وهذا ما لا يحدث فغالبًأ، وكذلك صعوبة الحصول على ترخيص في مناطق سكنية عشوائية.

نقيب الحرفيين ذاته والذي يمتلك ورشة صناعة تماثيل في منطقة بشتيل مرخصة، يطالب مرارًا وتكرارًا الجهات المعنية مثل القوى العاملة تسهيل إجراءات الترخيص دون جدوى.

يستكمل نقيب الحرفيين حديثه ويقول إنه مذ عمل في هذه المهنة أصيب بـ “الجيوب الأنفية” ونصحه أطباء بترك المهنة والابتعاد عن رائحة مادة البولي استر التي حذره في حال استمر بالعمل فيها سيصاب بالربو، ويتابع قائلاً “افتكرت زمايلي اللي شغالين معايا ومصابين بالربو و حساسية صدرية بسبب المادة ومش قادرين يقعدوا .. أصل هيصرفوا على بيوتهم منين؟”.


محاولة للحصول على ترخيص

حاولت معدة التحقيق الحصول على ترخيص ورشة صناعة تحف بإمبابة. وقصدت حي شمال الجيزة لإصدار ترخيص لورشة قائمة، ولدى دخولها لقسم التراخيص طلب منها الموظف المختص ملء نموذج استمارة، استكمال باقي إجراءات الموافقات من الحماية المدنية والموقف المالي والعقاري من الشؤون العقارية من جهاز الحماية المدنية وموقف شبكات المياه (في حالة وجود عداد مياه)، ولدى سؤال عاملين في ورش قابلتهم معدة التحقيق أوضحوا أنهم لا يستطيعون استخراجها بسبب تواجدهم في منطقة سكنية وهو ما يتعارض مع مسألة الحصول على موافقات الحماية المدنية التي تشترط وجودها خارج الأحياء السكنية.

“بازارات”

البائع  في بازار للتماثيل التذكارية أحمد عادل، يقول إن القطع المصرية تحتاج أحياناً للتطوير لأن بعض السياح لديه يجدون أخطاء وعيوب تصنيعية لبساطة طريقة صنعها بالتالي يبتعدون عن شرائها، والبعض الآخر يفضلونها حتى بطريقة صنعها البسيطة، مؤكدًا أن رخص سعرها يميزها عن غيرها من المستوردة خاصة المنتج “الصيني” المنافس له .

ويشكو مالك الورشة جابر محمد من أن هامش ربح الورشة يقارب 100 جنيه (5.5 دولار) مقابل 10 قطع، فيما يقفز ربح مالك البازار عشرة أضعاف 1000 جنية (55 دولار) نظير عدد القطع ذاتها.

في بازارات في ميدان التحرير ومنطقة خان الخليلي وجدت معدّة التحقيق تماثيل صغيرة مصنّعة في مصر بسعر 20 جنيه (دولار واحد) للقطعة الصغيرة ويزيد السعر كلما زاد حجم التمثال فالتمثال المتوسط يبلغ سعره 70 جنيه وحتى 100 جنيه/ 6 دولار وما يزيد حجمه عن ذلك يبلغ حتى 200 جنيه للقطعة الواحدة/ نحو 11 دولار.

مستشار وزير القوى العاملة علاء عوض يقول إن هذه الورش تعد غير موجودة أمام الدولة لعدم ترخيصها من الأساس أو وجود أوراق رسمية لها. وبالتالي العمالة غير المنتظمة داخلها لا يؤمن عليها، فيهدر حقها لعدم وجود قانون يلزم ملاّك الورش بالتأمين على العمال.

ويؤكد عوض أن مجلس الشعب يناقش حاليا مشروع قانون عمل جديد، يتضمن فصلا كاملا عن العمالة غير المنتظمة، بحيث يلزم فيه ملاّك الورشات والشركات والمصانع بالتأمين عليهم.

وتنتظر الوزارة صدور هذا القانون حتى تحكم قبضتها من خلال التفتيش على تلك الورش والمحلات وتوقيع عقوبات قاسية على من يخالف الترخيص أو التأمين على العاملين في أي مؤسسة بالدولة.

في الأثناء، ينظر عيسى للمستقبل بقلق، يبحر في التفكير بين معاناة قدمه المهدّدة بالبتر، وبين سلامته وتأمين لقمة عيش كريمة لأسرته التي هي بأمس الحاجة لها. وهو يواصل العمل في ورشته ليلًا نهارًا لانتاج المزيد من التماثيل التذكارية الجميلة، في انتظار من يشتريها.

تصوير: ايناس سعيد

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)- www.arij.net


الصحفي



تعليقاتكم