الثلاثاء ١٩ - مارس - ٢٠١٩ ١٢:٣٥ مساءً

"كف اليد" يعلق موظفين سوريين بين السماء والأرض

10 يناير 2019

تحقيق: حبيب شحادة

الشرق الأوسط– بعد إخلاء سبيل مدرس المرحلة الثانوية السوري صالح (56 عاما) من المعتقل في منتصف عام 2016 توقع أن يعود إلى وظيفته بعد رفع الإيقاف المؤقت بحقه. منذ ذلك الحين تردد مرارا على إدارته التربوية وحصل على أحكام قضائية تدعم حقه في العودة وإنهاء الإيقاف المؤقت أو “كف اليد” الذي اتخذته بحقه جهة العمل أثناء الاعتقال. لكن دون جدوى إذ تشترط جهة العمل حصوله على موافقة أمنية صعبة المنال بموجب تعميم صدر عن الحكومة السورية في 2013.

قانون المحاكم المسلكية الصادر عام 1990 والذي ينظم إجراء كف اليد لا ينصف صالح إذ لا يحدد إجراءات ولا مدة معينة لعودة الموقوفين ولا يتضمن إلزاما لجهات العمل. وزاد الأمر تعقيدا بسبب التعميم الصادر عن الحكومة في 2013 والذي وزع على جهات العمل.

لم يتمكن صالح من الالتحاق بوظيفة أخرى، فهو ما يزال رسميا على ذمة وظيفته في التعليم التي أمضى بها 22 عاما قبل اعتقاله. هكذا بقي معلقا بين السماء والأرض مثل 4500 موظف مكفوف اليد رفعوا دعاوى أمام المحكمة الإدارية في دمشق منذ بداية الأزمة السورية في 2011 حتى نهاية 2017 للمطالبة بمستحقاتهم الموقوفة من أجور وتعويضات بحسب القاضي يحيى العلي من مجلس الدولة. جهات العمل تضرب بأحكام القضاء عرض الحائط وتطبق تعميم الحكومة الذي يمنع صالح ورفاقه من العودة للعمل رغم مخالفته لقانون المحاكم المسلكية والمادة 51 من الدستور السوري التي تعتبر أن “كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم في محاكمة عادلة”.

اعتقل صالح في إبريل/نيسان 2015 بتهمة “كتم جناية وتمويل إرهاب” لأن شقيقه الذي اتهم بالانتماء إلى مقاتلي المعارضة السورية كان يزوره بمنزله في بلدة “ببيلا” في ريف دمشق. لم يجد نفعا أن صالح أثبت لجهات الأمن أن شقيقه أطلق سراحه من “فرع فلسطين” الأمني في دمشق في 24 فبراير/شباط من نفس العام وجدد جواز سفره بموافقة السلطات، وسافر عبر مطار دمشق إلى مدينة القامشلي في شمال شرق البلاد.

المادة 5 من قانون المحاكم المسلكية

كف اليد هو توقيف العامل عن عمله مؤقتا، ويسمى أيضا الوقف الاحتياطي وهو إجراء تلجأ إليه الإدارة بقصد ابعاد العامل المتهم جنائيا أو تأديبيا عن عمله بشكل مؤقت. فقد ترى الإدارة أن بقاء العامل على رأس عمله يضر بالمصلحة العامة أو ليس في مصلحة التحقيق بإخفاء الأدلة أو العبث بها بشكل أو بآخر.

خرج صالح بعد سنة وثلاثة أشهر من الاعتقال، بإخلاء سبيل، ثم حصل على منع محاكمة من القضاء الجزائي في 24 أكتوبر/تشرين أول 2016 لعدم ثبوت دليل على التهمة الموجهة إليه. وقدم طلب العودة إلى العمل بعدها بثلاثة أيام. وقدمت وزارة التربية بدورها، طلبًا إلى مكتب الأمن الوطني للحصول على الموافقة الأمنية. وبعد شهرين، كان الرد بالرفض.

تكررت مراجعة صالح لمديرية التربية فأحالت ملفه إلى المحكمة المسلكية (التأديبية) في دمشق. استغرقت إجراءات التقاضي سبعة أشهر، وحصل صالح على قرار “عدم مُساءلة قانونية وإلغاء قرار كف اليد” بتصديق من مجلس الدولة بتاريخ الثامن من مايو/أيار 2017.  

حاول مجددا العودة للعمل، لكن وزارة التربية لم تنفذ القرار القضائي وعادت لتطلب الموافقة الأمنية.

يقول القاضي يحيى العلي من مجلس الدولة إن “القضاء الإداري ينتهي دوره، بمجرد إصدار القرار القضائي المبرم المكتسب الدرجة القطعية وإعلان الحكم الصادر عن مجلس الدولة”.

وفي ظل انقطاع الراتب وتحت ضغط تكاليف الحياة ومصروفات العائلة التي نزحت ثماني مرات من منزلها بسبب القتال في سوريا، اضطر صالح للعمل عتالا في محل للخضروات بأحد أسواق دمشق. مع الوقت بدأت زيارته تكثر للأطباء بسبب آلام الظهر نتيجة ثقل الأحمال. واضطر ولداه، وأحدهما بالثانوي والآخر بالجامعة، إلى ترك الدراسة والالتحاق بسوق العمل لإعالة الأسرة.

قال الرجل الذي يقترب من عامه الستين، وهو ينحني ليرفع حزمة من الخضر، إن ما تعرض له بسبب كف يده ووقف مستحقاته المادية “إعدام على الساكت”.

لاح طوق نجاة أمام صالح حين وجد فرصة للعمل مدرسا في وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). لكن هذا العمل كان يتطلّب منه الحصول على ورقة “غير موظّف” بموجب الفقرة “و” من المادة رقم 7 من قانون العاملين.

وبما أنّه لازال مقيدا ضمن الموظفين في وزارة التربية، فشل صالح في الحصول على الوظيفة الجديدة.

مسؤولة ملف مكفوفي اليد في الدائرة القانونية في مديرية تربية ريف دمشق وداد خالد قالت “لا نقوم بإعادة العامل إلا في حال حصوله على الموافقة الأمنية”. وأضافت أنّها أرسلت طلباً ثانياً وثالثاً من أجل منحه الموافقة الأمنية “لكنها جاءت مع الرفض رغم أن وضعه قانوني”.

وزارة التربية التي كان يعمل بها صالح سجلت، إلى جانب مؤسسة مياه دمشق، أعلى نسبة لحالات كف اليد، بحسب القاضي يحيى العلي من مجلس الدولة رغم أنه لم يعط أرقاما لتلك النسب.

ولا يختلف الوضع في قطاعات أخرى بحسب عينة من 11 موظفا شملهم هذا التحقيق وقد حرموا من عملهم بعد اعتقالهم دون جرم. وحصل أربعة من العينة على أحكام قضائية قطعية تلزم جهات العمل بإعادتهم لأعمالهم.

ملكيون أكثر من الملك

جهة عمل صالح طلبت أكثر من مرة منحه الموافقة الأمنية دون جدوى. لكن الموظّفة السورية هبة العبد الله (اسم مستعار) لم تحظ بهذه المعاملة إذ كان مديرها ملكيا أكثر من الملك. لم تفلح هبة في العودة إلى عملها التابع لوزارة الإدارة المحلية رغم أنه لم تثبت عليها تهمة “الترويج للأعمال الإرهابية” التي اعتقلت بسببها، بل وشملها عفو رئاسي أغلق ملفها في 21 يوليو/تموز 2014.

أمضت الموظفة الثلاثينية التي تعول والديها خمسة أشهر رهن الاعتقال قبل أن يخلى سبيلها لعدم ثبوت التهمة في مايو/أيار 2014 بحسب أوراق المحكمة التي قدمتها إلى جهة العمل. وشملها العفو الرئاسي في الشهر التالي، وحصلت من رئاسة الوزراء على تأشيرة “لا مانع من العودة للعمل” في أكتوبر/تشرين الأول 2014.

لكن كل تلك الأوراق والتأشيرات انتهى بها الأمر الى اضبارة هبة في شؤون العاملين (الذاتية) دون أن تفلح في إعادتها إلى عملها بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من إخلاء سبيلها.

وقال مدير شؤون العاملين في جهة العمل التي طلبت هبة عدم الكشف عنها إن مدير هبة “يرفض إعادة أي عامل تعرض للاعتقال، حيث رفض تقديم طلب لها إلى مكتب الأمن الوطني للحصول على الموافقة الأمنية.”

١١ يوماً في المعتقل تبدّد ١٥ عاماً من الخدمة

الدخول في النفق المظلم لكف اليد قد لا يحتاج أكثر من تشابه الأسماء.

التعميم رقم 4560ف/خ الصادر بتاريخ 19-12-2013 عن المكتب الخاص لرئاسة الوزراء

“العامل الذي يوقّف ويخلى سبيله دون إحالته للقضاء خلال مدة لا تتجاوز/15/ يوماً دون طلب اتخاذ أي إجراء بحقه لا يحتاج إلى موافقة أمنية للعودة إلى عمله، في حين أن العامل الذي يوقف ويحال إلى القضاء المختص ويتخذ بحقه إجراء إداري (صرف من الخدمة – طرد – كف يد) فإنه يحتاج إلى موافقة أمنية قبل إعادته للعمل بغض النظر عن أسباب توقيفه سواء كانت أمنية أو غير ذات صلة بالأحداث الحالية.

وسام الزغبي (40 سنة) دخل فرع الأمن الجنائي في باب مصلى بدمشق بسبب تشابه اسمه مع مطلوب آخر. وخرج بعد 11 يوماً مكفوف اليد عن عمله بالقرار رقم 242/م الصادر عن مديرية النفوس المدنية في دمشق في 17-1-2017.

يقول وسام “تم التحقيق معي وخرجت كوني لم أكن الشخص المطلوب حيث تم تحويلي إلى القضاء وحصلت على براءة بقرار قضائي مُكتسب الدرجة القطعية”.

في اليوم التالي عاد وسام إلى عمله ليجد قرار كف يده. قدم ما يثبت أنه كان موقوفا، وأبلغته المديرية أنها سترفع كتاباً إلى مكتب الأمن الوطني للحصول على الموافقة الأمنية. وجاء الرد بالرفض.

التعميم الذي يفرض الموافقة الأمنية لعودة العامل يخالف المادة 51 فقرة (2) من الدستور السوري التي تنص على أنّ “كل مُتهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مُبرم في محاكمة عادلة”. وفضلا عن مخالفة التعميم للدستور إلا أنه بحسب هذا التعميم لا تستدعي حالة وسام الحصول على الموافقة الأمنية كونه أُوقف أقل من 15 يوماً.

ومع ذلك، تمسكت المديرية بقرار كف اليد في مخالفة للتعميم المذكور، وللفقرة الثالثة من المادة 135 من قانون العاملين الذي يشترط مرور 15 يوما على تغيب العامل قبل أن يُتخذ بحقه إجراء إداري. ونظرا لأن وسام برأته المحكمة، فالإبقاء على كف اليد يخالف أيضاً المادة (26) من قانون المحاكم المسلكية التي تؤكّد في الفقرة (ب) أنه “إذا أصدر القضاء الجزائي قرارا بالبراءة أو عدم المسؤولية أو منع المحاكمة، أو الحكم بإحدى المخالفات فيُعتبر قرار كف اليد مُلغى حُكماً وترسل المحكمة ملف القضية إلى الإدارة التي يعمل لديها العامل، عن طريق النيابة العامة”.

ويقول حسام الصواف أمين سر لجنة القرار رقم (1) في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي تختص بتفسير قانون العاملين الأساسي رقم 50 لسنة 2004 الناظم للوظيفة العامة إن اللجنة صدرت رأيا لرئاسة الحكومة في 2014 يطلب استثناء الحالات التي تحصل على براءة أو عفو رئاسي أو قرار قضائي بمنع المحاكمة أو عدم المسؤولية من شرط الحاجة لموافقة أمنية تجنبا لضياع حق العامل.  

لكن جميع الحالات التي شملها هذا التحقيق (11 حالة) رفضت طلباتها كلها للحصول على الموافقة الأمنية رغم احتجازهم دون جرم.

تطوع.. ترجع لعملك

شادي إبراهيم (اسم مستعار) الموظف في محافظة دمشق وجد طريقا مختصرا لإنهاء كف يده بعد اعتقاله عشرة أيام في 2013 ثم اخلاء سبيله. فقد رفع الموظف الثلاثيني كتابا لمحافظة دمشق وإلى رئاسة الوزراء يطلب العودة الى عمله لكن دون جدوى.  

وبعد ثلاث سنوات من المعاناة دون عمل، عرف شادي أن من يتطوع في اللواء الطوعي التابع لمحافظة دمشق، المؤلف من عاملين بالمحافظة، يتم إعادته للعمل. قدّم طلب التطوّع إلى ذاتية محافظة دمشق في يناير/كانون ثاني 2016، وبعدها حصل على وثيقة بأنّه بات على رأس عمله منذ تاريخ 6 فبراير/شباط 2016.

غياب التوصيف القانوني

على مدى سبعة أشهر من التقاضي، عرف صالح من خلال التعامل مع المحامين والمحاكم المتاهة القانونية التي دخل فيها بسبب كف اليد.

يحكم عملية “كف اليد” قانون المحاكم المسلكية رقم 7 (1990) وقانون العاملين الأساسي رقم 50 (2004) الناظم للوظيفة العامة إضافة لآراء (لجنة القرار رقم واحد) في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهي لجنة تختص بالنظر في إبداء الآراء حول القانون رقم 50.

المادة (6) من قانون المحاكم المسلكية

“يُعتبر العامل مكفوف اليد حكماً خلال فترة توقيفه، ويُعتبر كف يده مُلغى حكماً عند إطلاق سراحه ما لم تقرر السلطة التي تمارس حق التعيين استمرار كف اليد إذا كان التوقيف ناجماً عن جرم جنائي ارتكب أثناء العمل أو بسببه”.

وقال المحامي عدنان الربيع المختص بالقضاء الإداري، إن القانونين لا يحتويان على أي توصيف قانوني لعملية كف اليد جراء الاعتقال الأمني فلم تنص القوانين على المدّة التي يجب أن يعاد خلالها العامل إلى عمله، ولا طريقة العودة. وأضاف أن قانون المحاكم المسلكية لم يلزم الجهات التي يعمل بها الموظفون بإعادتهم بعد إخلاء سبيلهم وإنما أعطاها سلطة تقديرية في إعادة العامل من عدمه.

ويُرجع الدكتور عقبة الرضا، الخبير بالموارد البشرية وعميد سابق للمعهد الوطني للإدارة العامة، السبب في غياب التوصيف القانوني لعملية كف اليد نتيجة التوقيف الأمني، إلى كون العقوبات سابقاً كانت مسلكية (مخالفات داخل العمل) فقط ويبتّ القضاء بحالة العامل فإما أن يجرّمه أو يبرّأه”.

ولكن عقب النزاع السوري ظهرت حالات الاعتقال الأمني بكثافة، وأصبحت جهات العمل تعطي الأولوية لتطبيق التعميم الصادر عن رئاسة الحكومة في 2013.

ضياع التعويضات والتأمينات

ولا تقف معاناة مكفوفي اليد عند صعوبة العودة للعمل وإنما تمتد إلى ضياع الأجور ومكافآت نهاية الخدمة والتعويضات في ظل تضارب المرجعيات القانونية.

فالمادة 79 من قانون العاملين في الدولة رقم 50 تقول انه “لا يجوز للعامل أن يتقاضى أجره ما لم يكن شاغلاً للوظيفة”. وتقول الفقرة (أ) في المادة 89 من القانون ذاته إنه “يوقف أجر العامل مكفوف اليد اعتباراً من أول الشهر الذي يلي تاريخ كف يده”. لكن الفقرة (ب) تقول انه “إذا أعيد العامل المكفوف اليد إلى وظيفته فإنه يتقاضى اعتباراً من تاريخ وقف أجره كامل أجوره الموقوفة في حال براءته أو عدم مسؤوليته أو منع محاكمته.”

المحكمة الإدارية العليا أدلت بدلوها في الموضوع، وقال قرارها رقم (278) في الطعن 935 لسنة 1994 انه “من حق العامل الدائم الذي توقفه السلطة ثم تخلي سبيله دون أنّ يحال إلى القضاء، أو دون أنّ يدان بشيء، أن يعود إلى وظيفته ما لم يكن قد صرف منها أو تجاوز السن القانونية، وأن يتقاضى كامل أجوره الموقوفة عن مدة التوقيف مهما طالت وأنّ يسبغ عن مدة توقيفه صفة الخدمة الفعلية”.

لكن جهات العمل تستند في رفض صرف أجور مكفوف اليد إلى ما جاء في محضر جلسة المجلس الأعلى للرقابة المالية رقم 7 لعام 1993 من أنّه “لا تعتبر الفترة الواقعة بين تاريخ إخلاء السبيل للعامل ووضعه نفسه تحت تصرف الإدارة وتاريخ صدور الصك بإعادته (فترة) خدمة فعلية، وبالتالي لا يستحق اجوره عن هذه الفترة.”

وإذا قطع صالح الأمل في العودة إلى عمله، فهو لا يعرف مع اقترابه من سن التقاعد كيف يمكن أن يصرف التأمينات والمستحقات، التي يفترض أن يحصل عليها العامل في نهاية خدمته، أو في حال قدّم استقالته أو تم صرفه من الخدمة.

وبحسب وثيقة صادرة عن وزارة العمل في آواخر 2017 فإن وزارة العمل ممثّلةً بلجنة القرار رقم 1 رفضت تصفية حقوق العاملين مكفوفي اليد استناداً الى أن الموافقة الأمنية لم ترد ضمن حالات انتهاء الخدمة بحسب المادة 131 من قانون العاملين، التي حصرت حالات انتهاء الخدمة بـ “إتمام العامل الستين من العمر، الاستقالة أو ما في حكمها، التسريح لأسباب صحية، ثبوت عدم صلاحية العامل المتمرن، التسريح بسبب ضعف أداء العامل، التسريح التأديبي، الطرد، الصرف من الخدمة، الوفاة.”

وبما أن مكفوفي اليد لا تنطبق عليهم أي من الحالات التسع السابقة فإنّهم خسروا تعويضات التأمينات أيضاً، التي تبلغ 21% من قيمة الراتب مضروباً بعدد سنوات الخدمة، وذلك وفقاً لقانون التأمينات الاجتماعية رقم 28 لعام 2014.

التعميم أقوى من القانون

يقول الدكتور عقبة الرضا العميد السابق للمعهد الوطني للإدارة العامة إن عدم تنفيذ القرارات القضائية بعودة موظفين “يعود إلى ضعف في عملية الإدارة بحد ذاتها، أو خوفها من أن يكون هذا الشخص متورطا بعمل معين”.

 واعتبر أمين شؤون العمل بالاتحاد العام لنقابات العمال حيدر حسن “أن قضية الموظفين الذين لم تثبت عليهم التهم تشكل هاجسا للاتحاد، ولا سيما أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته”.

وقال إن الاتحاد طالب عبر مؤتمره السنوي في 24 ديسمبر/ كانون أول 2017 رئيس الحكومة والجهات العامة إعادة العامل في حال إخلاء سبيله، لكن ذلك لم يحدث في كل الحالات.

معاون وزير الشؤون الاجتماعية والعمل راكان إبراهيم قال إن “كف اليد عارض وليس حالة دائمة، وبمجرد زوال العارض أو السبب الذي كان وراء التوقيف ينتهي كف اليد وفق الأصول والإجراءات المحددة بالقانون”. لكنه أضاف مشيرا إلى تعميم رئاسة الحكومة أنه إلى جانب القوانين فهناك أنظمة تحكم عمل الجهات العامة وتشترط الحصول على الموافقة الأمنية للعودة إلى العمل.

ولم يتسن الحصول على رد من رئاسة الحكومة وما إن كانت لديها حل لأوضاع الموظفين المتضررين من التعميم. رفض المكتب الصحفي توثيق تقديم طلب للحصول على رد. ولدى استخدام البريد الالكتروني الموجود على موقع الحكومة على الانترنت لم يتم تسليم الرسالة وجاء رد يوم الأحد السادس من كانون الثاني بوجد عطل فني.

عالج المحامي السوري المتخصّص بالقضاء الإداري عدنان الربيع منذ عام 2012 نحو 100 دعوى رفعها موظفون مكفوفي اليد بهدف العودة إلى عملهم، ويؤكّد أن البعض منهم حصل على أحكام قضائية ولم يعد بسبب الموافقة الأمنية، في حين عاد البعض الآخر بعد حصوله على هذه الموافقة.

يؤكّد الربيع أن الجهة التي تمتنع عن تنفيذ القرار القضائي تُعاقب بالحبس بين شهرين وسنتين، وذلك بموجب المادة رقم 364 من قانون العقوبات العام”.

وفيما يخص تعميم رئاسة الحكومة بفرض موافقة أمنية، يرى الربيع أنّه احياناً تصدر تعاميم بظروف القوة القاهرة، مثل قانون الطوارئ ويكون القانون بنهج والتعميم بنهج آخر، مؤكّداً انّه “إذا لم تأت الموافقة الأمنية فلن يعود العامل لعمله”.

أصبح صالح يدرك هذا الواقع لكنه ما زال غير قادر على استيعابه. في لحظات راحته في سوق الخضروات يلتقط أنفاسه مرددا “”هل يعقل أن أتحوّل من أستاذ مدرسة إلى عتّال؟” وأضاف أن طلبه الوحيد هو العودة لعمله الأساسي في التعليم الذي أمضى به 22 عاما.

(نفذ هذا التحقيق بدعم من شبكة اعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية “أريج” وبالشراكة مع الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج” وإشراف الزميل مختار الإبراهيم)






تعليقاتكم