الأربعاء, كانون الثاني 3, 2018

في انتظار محرقة ما تزال حبرا على ورق مخلفات المستشفيات تهدّد البيئة وتسبب أمراضا لمن يقترب منها الخطر القادم من المستشفيات لا محارق صحية وأساليب تخالف المعايير للتخلص من هذه النفايات

16 حزيران 2010
وديع العبسي

أكياس بلا ألوان ومقالب تخاصم المعايير

إلى هذه المقالب الداخلية تُنقل كل نفايات المنشأة الطبية بعد تجميعها دون تمييز أو تحسس من خطورة بعضها. لا فرز ولا تصنيف. في الوقت الذي تؤكد فيه منظمات دولية ومنها منظمة الصحة العالمية على ضرورة الفرز واستخدام أكياس ملونة تحمل تحذيرات تبعا لمستوى خطورة المحتوى.

يقول مدير المختبرات بالمركز الوطني لمختبرات الصحة العامة الدكتور خالد الشيباني “للأسف هذه العملية لا يتم إتباعها في أي المنشآت الطبية العامة والخاصة لا من قريب ولا من بعيد”. فيما يقول رئيس قسم العمليات بالمستشفى الجمهوري التعليمي الدكتور عبد الملك المسوري “منشآتنا الطبية تتعامل مع مختلف النفايات على درجة واحده سواء في الجمع أو التخزين المؤقت أو التخلص النهائي”. وينتقد الدكتور المسوري ما يصفه بـ”التعامل البسيط وغير المسئول مع النفايات الطبّية، التي تكون ملوثة بالبكتيريا والفطريات والفيروسات”، ويطالب بالتالي “بالتعامل معها والتخلص منها بحذر شديد جدا لمنع انتشار أوبئة أو وقوع تلوث عن طريق عامل النظافة أو الحشرات”.

التعامل الحذر الذي يطالب به الدكتور المسوري لم يلمسه معد هذا التقرير أثناء تتبعه لمراحل التخلص من النفايات الطبية في أحدى عشر منشأة ومرفق طبي خاص وحكومي بأمانة العاصمة، من لحظة جمع هذه النفايات إلى حفظها وتخزينها ثم ترحيلها والتخلص النهائي منها.

إقرار

في وصفه لواقع الحال يشير (التقرير الثالث) للوضع البيئي في الجمهورية اليمنية الصادر عن الهيئة العامة لحماية البيئة عام 2008 إلى إن معظم المؤسسات الطبية تتخلص من مخلفاتها كأي نفايات أخرى. لا بل يتم خلطها مع بعضها وتوضع في أكياس بلاستيكية أو أدوات عادية وتترك بالقرب من المستشفيات حتى تأتي سيارة جمع القمامة لأخذها بدون فرز أو تصنيف، بعد أن ينقلها عمال على الظهر، فيما يتم التخلص من المخلفات السائلة عبر مجاري شبكة الصرف الصحي أو (البيارات). كما أن مخلفات الرعاية تظل أحيانا لزمن ما في غرف المرضى، والعربات الداخلية لا يتم تعقيمها وتتعرض لعبث العمال. ويتحدث التقرير عن عدم وجود بنية فنية أساسية كافية من وحدات معالجة مناسبة ومرافق للتخلص النهائي الآمن من المخلفات الخطرة، فضلا عن غياب معامل اختبارات ونظم رصد وقياس. ويرصد أيضا نقصا في الكوادر الفنية المتخصصة للتعامل مع المخلفات الخطرة بالمصادر المختلفة وضعف التدريب والتأهيل في هذا الشأن، ونقص كبير في الوعي حول مخاطر هذه المخلفات والتعامل الآمن معها وهو ما خلصت إليه أيضا دراسة نُفذت في (49) منشأة طبية عام 2002م بالتعاون مع الحكومة الهولندية.

فيما أشارت الإستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة للمخلفات الخطرة التي أصدرتها وزارة المياه والبيئة عام 2005م إلى إن “مخلفات المستشفيات تعد مشكلة كبيرة في اليمن، حيث لا يوجد نظام منفصل خاص بها يتضمن عمليات الفرز والفصل من المنبع والتجميع والنقل ثم المعالجة بالحرق والترميد (أو أي طريقة أخرى معتمدة) ثم التخلص النهائي من نواتج المعالجة”.

وأكدت الإستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة للمخلفات الخطرة على ضرورة العمل على إنشاء نظام متكامل لإدارة مخلفات المستشفيات ووحدات الرعاية الصحية يتضمن فرز المخلفات وتجميعها في حاويات خاصة حسب نوعها.. كما يتضمن نظام لنقل هذه المخلفات، ومعالجة المخلفات ثم التخلص النهائي من نواتج المعالجة، إضافة إلى وضع برامج تدريب وتوعية.

تعتمد المنشآت الطبية للتخلص من نفاياتها على شركات نظافة خاصة مُلقية عليها هذه المسؤولية.

شركات النظافة هي الأخرى ترمي عن عاتقها هذه المسؤولية وتحملها لمشروع النظافة التابع لأمانة العاصمة صنعاء. المشرف العام للشركة المعنية بجمع نفايات مستشفى الثورة عادل المطري يقول: “من ينقلون النفايات من المستشفى إلى مقلب (الأزرقين) بعيدا عن العاصمة هم المسئولون عن فرز هذه النفايات. ينحصر عملنا بجمع النفايات من داخل الأقسام المختلفة وينتهي عندما نضعها في مقلب المستشفى”.

يتولى مشروع النظافة التابع لأمانة العاصمة جمع كل المخلفات بما فيها النفايات الطبية، ونقلها إلى مقلب الأزرقين، فيما تقوم شركة تجارية في مقر المقلب بفرز النفايات للاستفادة من بعض مكوناتها. غير أن هذا الفرز وفقاً للمصادر الرسمية لا يقوم على أسس صحية وبيئية سليمة.

مدير مختبرات الصحة العامة بالمركز الوطني لمختبرات الصحة العامة المركزية الدكتور خالد الشيباني يحذّر من أن هذه المخلفات قد تتسبب في إصابة المتعاملين معها بشكل مباشر بالعديد من الأمراض الخطيرة. إذ “من المحتمل انتقال فيروسات الدم الخطيرة كفيروس الإيدز، وفيروسات الكبد (C،B) لهؤلاء الأشخاص، عن طريق جروح يصابون بها بسبب الإبر الملوثة بدم احد المرضى المصابين”. ويشرح الدكتور الشيباني “مميزات المحرقة المتخصصة بأنها تعمل على إذابة الأدوات الحادة”.

محرقة النفايات.. الانتظار الطويل

قبل سنوات كان هناك (47 محرقة طبقا لتقارير صادرة عام 2007) إلا إن تقادم عمرها وعدم قدرتها على استيعاب التوسع في حجم المستشفيات ومخرجاتها من النفايات جعل منها مصدر خطر، وفقا للتأكيدات الرسمية. ومن ثم توقف عملها بشكل نهائي. وليس هناك اليوم من هذه المحارق إلا آثار المكان.

مصدر بوزارة الصحة العامة اشترط عدم ذكر اسمه، يقول: “إلى ما قبل سنوات تقرر إيقاف المحرقة الوحيدة في أمانة العاصمة في مستشفى الثورة، وذلك لصغر حجمها الذي لم يعد يتماشى مع توسع المستشفى. والأهم أن مواصفاتها لم تكن متوافقة مع مواصفات منظمة الصحة العالمية؛ إذ كانت تعمل بدرجة حرارة (500) درجة في الغرفة الأساسية و(1000) درجة في الغرفة الثانوية لتحرق أقل من (100) كيلو جرام فقط في زمن تشغيل مدته ثماني ساعات في الأسبوع. وتتسبب في انبعاث غاز الدايوكسين الخطر نتيجة ذلك”.

ومع غياب المحرقة تأخذ المخاطر الصحية والبيئية المتوقعة شكل السلسلة المتتابعة بسبب الآلية المتبعة اليوم كبدائل للتخلص من النفايات الطبية.. خصوصا مع عدم وجود نظام لإدارة هذه العملية من المنشـآت الطبية في اليمن، كما أكد ذلك خبير منظمة الصحة العالمية راقي زنقلي، الذي جال في محافظات (تعز، إب، وعدن، الحديدة، المكلا) لمعرفة كيفية التعامل مع النفايات الطبية.

يؤكد مدير عام المنشآت الصحية الخاصة بوزارة الصحة العامة والسكان الدكتور عبدالرحمن الحمادي على “ضرورة وجود محرقة خصوصا مع عشوائية الطريقة المتبعة في التخلص من النفايات الطبية سواء في المستشفيات أو في مقلب القمامة العام لأثارها السلبية على الإنسان وعلى البيئة”. ويضيف الحمادي: “قد يكون هناك نوع من الإهمال غير المقصود في هذا الموضوع إنما يجري الآن السعي في اتجاه إيجاد هذه المحرقة”..

قبل سنتين طرح موضوع إنشاء محارق صحية في عدة مستشفيات ومراكز طبية كبيرة ك”الثورة” و”السبعين”، و”المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه”، و”المركز الوطني لمختبرات الصحة العامة”. إلا إن الحال ظل على ما هو عليه ولم يكتب الحياة لهذه المشاريع.

يقول مدير مختبرات الصحة العامة بالمركز الوطني لمختبرات الصحة العامة “تشغيل المحرقة لم يتم حتى الآن بسبب شكاوى استباقية من السكان المجاورين للمركز حذروا فيها من تلوث الحي بانبعاثات المحرقة. وهكذا توقفنا وهي الآن في مخازن المركز”.

مسئول التخطيط والبرامج البيئية في مركز التوعية البيئية باسم حسن يقول من جانبه: “كان هناك توجه لعمل محرقة مركزية، إلا انه لم يتم استكمال المشروع رغم أنهم قطعوا فيه شوطا كبيرا من خلال الأعمال الإنشائية داخل مقلب القمامة في منطقة الأزرقين”.

وفي الضاحية الشمالية للعاصمة، حيث يقع مقلب القمامة المركزي (الأزرقين) الذي يستقبل كل أنواع المخلفات من العاصمة يوجد مبنى كبير في الزاوية الجنوبية الغربية من المقلب، لكنه بدا أشبه بالمهجور. إبراهيم الصرابي مدير المقلب يقول: “مبنى المحرقة جاهز وفي انتظار المعدات”. وكان هذا المبنى شُيد قبل عدة سنوات ثم تم إهماله بسبب توقف مشروع المحرقة.

ولكن لماذا توقف المشروع؟

بدت عملية الحصول على إجابة لهذا التساؤل أشبه باللغز، خصوصا مع التحسّس الشديد والممانعة أحيانا عن الحديث حول موضوع المحرقة والنفايات الطبية لدى الكثير من المسؤولين والقيادات الطبية. إلا أنني وجدت الإجابة في الهيئة العامة لحماية البيئة التي تقيّم، بموجب القانون رقم (26) لسنة 1995م بشـأن حماية البيئـة، الأثر البيئي للأنشطة والمشاريع قبل منحها الترخيص.

رئيس الهيئة محمود محمد شديوه يؤكد أن “بناء محرقة مركزية كان أحد الخيارات المطروحة إلى جانب خيار تجميع المحارق الصغيرة من المنشآت في منطقة واحدة، وهو ما لم ننصح به في ظل وجود خيار المحرقة الواحدة الأفضل للتحكم في مصدر الانبعاث”. وأرجع شديوه تجميد المشروع إلى “عدم مطابقة المحرقة المخطط لها مع معايير قانون حماية البيئة ولائحته التنفيذية ومنظمة الصحة العالمية”. وأضاف “نظرا لما أبديناه من ملاحظات حول المشروع توقف، لأنه وفق هذه الملاحظات لابد من إعادة النظر في طبيعة هذه المحرقة. وهو ما زاد من كلفة التمويل”.

تقدر كلفة مشروع المحرقة المطروح مليون ومائتين الف دولار.. فيما تصل كلفة المشروع وفق ملاحظات الهيئة العامة لحماية البيئة وحسب المهندس علي الذبحاني مدير وحدة السموم والنفايات الخطرة بالهيئة نحو خمسة مليون دولار.

لدى مدير عام الرصد وتقييم الأثر البيئي بالهيئة المهندس سالم باقحيزل، اطلع معد هذا التحقيق على تفاصيل أخرى، إذ يشير باقحيزل إلى انه “لم يكن من البساطة إعطاء تقييم ايجابي لما تم عرضه. فالمحرقة التي اقترحها المشروع صغيرة وبدرجة حرارة مولدة للدايوكسين من عملية الإحراق. ونحن أكدنا على مواصفات علمية بدرجة حرارة من (900) إلى (1200)”.

ويعتبر خبراء البيئة أن عملية الإحراق بواسطة المحارق من أفضل الطرق للتخلص النهائي من المخلفات الطبية الصلبة مع مراعاة أسلوب الاستخدام السليم لإحراق الأنواع المختلفة من هذه النفايات. ورغم أن هناك منظمات بدأت بالتحذير من هذه الطريقة إلا أنها ما تزال الطريقة الأكثر انتشارا على مستوى العالم لنتائجها الجيدة في القضاء على الميكروبات والجراثيم والفطريات.

حاويات مكشوفة ونظرات حذر

اللامبالاة في التعامل مع النفايات الطبية لا تقتصر على ما يحدث داخل المشافي، بل تتواصل حتى المرحلة الأخيرة من عملية التخلص منها. فالعربات أو الحاويات التي تنقل نفايات المنشآت الطبية إلى مقلب القمامة العمومي هي نفسها الحاويات المكشوفة التي تنقل المخلفات العامة العادية، بينما تقتضي مبادئ الصحة العامة أن تكون عربات نقل النفايات الطبية ذات موصفات خاصة محكمة لا تسمح بتطاير محتوياتها.

ويكاد عمال النظافة التابعين لشركات النظافة يتشابهون في شكل التعامل مع هذه النفايات في مختلف المنشآت الطبية بكثير من البراءة والتساهل وعدم تقدير ما يمكن إن يتعرضون له من مخاطر الإصابة. من حديثي معهم رغم تحسسهم وتخوفهم لم اخرج منهم إلا بنظرات حذر وتعليق: “الأمور تسير على خير ما يرام والله هو الحافظ”.

ويؤكد أستاذ علم المواد بكلية العلوم الدكتور شكيب السويدي على ضرورة “أن تكون هناك عملية تفتيش دائمة من قبل الجهات المعنية، وان تكون هناك رقابة على المنشآت الطبية وكيف تتخلص هذه المنشآت من نفايات المرضى”.

يفسر الدكتور فؤاد شمسان ذلك بضعف الوعي. ويضيف: “الأشخاص أو العمال الذين يتعاملوا مع هذه النفايات ينبغي أن يكونوا مدربين على ذلك، وان يتم تزويدهم بالملابس المناسبة لهذا الغرض حتى لا يصابوا بما يمكن أن تحويه هذه النفايات من فيروسات خطيرة فيصابوا وينقلوا الإصابة إلى غيرهم”.

تم انجاز هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)www.arij.net وبإشراف الزميل خالد الهروجي.


الصحفي


المشرفين



تعليقاتكم