الأربعاء, كانون الثاني 3, 2018

ألقاب قضائية ودبلوماسية للبيع في القاهرة

3 اذار 2015
سهام الباشاأحمد جمال الدين

اليوم السابع – إذا كنت واحدا ممن يبحثون عن السلطة والوجاهة الاجتماعية معا، دون أن تكلف نفسك عناء الدراسة، أو تنفق من وقتك وعمرك ما يستحق لتصبح “مستشارا أو دبلوماسيا”، فثمة طريق أمامك لن تكلفك سوى 1200 جنيه.

هذا ليس سحرا أو خيالا.. فالقصة تتلخص باستغلال  أشخاص لثغرات في قانون التحكيم، لتأسيس جمعيات أهلية، تسمى “مراكز تحكيم دولي”، وتوهم الشباب بألقاب رفيعة مقابل رسوم.

 والقصة تبدأ أيضا بعبارات رنانة، تعلن عن دورات تدريبية لمراكز تحكيم على صفحات الفيس بوك وجدران محطات المترو، والعديد من مؤسسات الدولة. جمعيها تؤكد فتح أبواب المستقبل أمامك، باعتبار أن العمل في سلكي القضاء والدبلوماسية، لم يعد مستحيلا، إذ يمكن لأي شخص لا تتوافر فيه مؤهلات الالتحاق بتلك الهيئات أن يكون واحدا منها.

الأمر لا يتطلب سوى ثلاثة أيام، هي مدة الدورات التدريبية، التي تنتهي بحصول المتدرب على بطاقات (كارنيهات) تحمل ألقابا وشعارات، تتشابه مع تلك التي يتمتع بها قضاة ودبلوماسيون.

تلك المغريات، تقود إلى تساؤلات متعددة عن كيفية عمل هذه المراكز، وماهية القانون المنظم لعملها؟ وهل لديها تراخيص تمنحها الحق بإصدار هذه “الكارنيهات” والشعارات التي تصل إلى وصف الحاصلين على دوراتها بالقاضي الاتفاقي، والمستشار بالقضاء الخاص، والمستشار الدبلوماسي.

في هذا التحقيق الاستقصائي، تكشف “اليوم السابع” – من خلال عينة عشوائية ممثلة بـ15 مركزا لـ”التحكيم التجاري والدولي”- بيع هذه الكارنيهات لمن يدفع بعيدا عن رقابة الحكومة.

معدَّا التحقيق، خاضا تجربة استصدار أربعة “كارنيهات” تحمل  لقب “المستشار في التحكيم الدولي، ومستشار العلاقات الدبلوماسية”، بعد الالتحاق بدورتين تدريبيتين في اثنين من المراكز هما: “جنيف للتحكيم الدولي والمركز الدولي للتحكيم”.

وكشف التحقيق عن أن هذه الألقاب، تمثل مخالفة لقانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994، الذي وصف العاملين في هذا المجال بلقب “محكم” فقط، كما تعد تلاعبا بما نص عليه قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 وتعديلاته رقم 142 لسنة 2006، والذي خص القضاة وحدهم بلقب قاض. إذ تتحايل المراكز على هذا اللقب باضافة كلمة “اتفاقي”، كما تمثل الألقاب الدبلوماسية مخالفة لقانون السلك الدبلوماسي رقم 45 لسنة 1982 المعدل بالقانون رقم 69 لسنة 2009.

 وبين كل هذه الممارسات، تظل المراقبة على عمل مراكز التحكيم تائهة بين وزارات: العدل، والخارجية، والداخلية، والتضامن التي تمنح المراكز التصديق القانوني، وفي الوقت ذاته، لم تصدر  إحصاء رسميا بعددها على مستوى الجمهورية. وفي المقابل يصبح التحرك القضائي ضد مخالفات أي من تلك المراكز، ضعيفا للغاية، وبخاصة مع عدم تحرك الجهات المعنية إلا بناء على شكوى ضد أي من المراكز، وهو أمر غير متوقع في ظل انتفاع العديدين بهذه “الكارنيهات” والشهادات.

الكارنيه والكمين

“وضع اجتماعي أفضل يحمل معه دخلا مرتفعا”.. هذا هو السبب وراء التحاق “عبد الوجيه”، بإحدى دورات “الهيئة الدولية للتحكيم”. الشاب العشريني لم يتمالك نفسه من الفرحة عندما أبلغته موظفة الاستقبال أن بإمكانه الحصول على “كارنيه” نقابة “مستشاري التحكيم الدولي”، بعد أن سدّد رسما قدره 1200 جنيه.

عن ذلك يقول عبد الوجيه: “أنا عمري ما هشتغل بالتحكيم. لكن اتخيلوا كدا لو مشيت قدام كمين شرطة صغير وطلعت لهم الكارنيه دا، هيضربولك تعظيم سلام.. ولو عندك مكتب محاماة وعليه لافتة مكتوب فيها.. المحامي بالنقض ومستشار التحكيم الدولي، ساعتها الزباين يبقوا عندك بالكوم”.

اختيار عبد الوجيه” الهيئة الدولية للتحكيم”، جاء بعد أن شاهد إعلاناتها على “الفيس بوك”، وتعرف إلى مزايا الحصول على دوراتها؛ “كارنيهات” تحمل ألقاب “سيادة المستشار”. وبحسب البيانات الخاصة بالمتدربين، والمنشورة على الموقع الإلكتروني للهيئة، فإن عدد من التحقوا بدوراتها يصل إلى 11 ألفا و 515 متدربا في 15 دورة بين مارس/ آذار 2013 و إبريل/ نيسان 2014.

“غيرة” وزارة العدل

الالتحاق بدورة للمركز الدولي للتحكيم، ومؤسسة القضاء الاتفاقي، كان نقطة الانطلاق في رحلة الحصول على “الكارنيهات”.

ووفقا للإعلان المنشور على صفحة المركز على الفيسبوك، وتأكيدات موظفة الاستقبال، يحصل المتدربون على “كارنيهات”، وشهادات معتمدة تحمل لقب “السيد المستشار”.

البحث حول مؤسسة القضاء الاتفاقي قبل الاشتراك في الدورة، كشف عن قيام مباحث الأموال العامة بالقبض على رئيسها عصام عامر في كانون الثاني/ يناير 2014، بناء على مذكرة مقدمة ضدها من رئيس شؤون التحكيم بوزارة العدل المستشار خالد عراق.

يقول مدير إدارة التزييف والتزوير في مباحث الأموال العامة العميد عاصم الداهش، إن التهمة الموجهة لرئيسها – وفقا لقانون العقوبات – هي التزييف والتزوير بعد ضبط “كارنيهات” في المؤسسة، عليها شعارات مقلدة لشعارات القضاة والسلك الدبلوماسي.

وإثر القبض على عامر، صدر قرار بتجميد نشاط المؤسسة من قبل مديرية الجمعيات الأهلية بغرب القاهرة، والتي كانت منحتها إياها تحت رقم الإشهار 9231 لسنة 2013، حسبما يؤكد وكيل مديرية غرب القاهرة حسن إسماعيل، قائلا: “لو رحتوا دلوقتي المركز هتلاقوه مقفول”.

المفاجأة كانت استمرار العمل في مقر المؤسسة دون توقف. فأول ما تلاحظه فور الدخول، تزيين الحوائط بالجوائز التي حصل عليها رئيسها عصام عامر، ومنها رئاسته للمجلس الأعلى للقضاء الاتفاقي، وتعيينه أمينا عاما للاتحاد العربي للقضاء الاتفاقي بدرجة “سفير للشعب العربي”، وهو لقب غير معترف به، حسبما يؤكد المتحدث باسم وزارة الخارجية السفير بدر عبد العاطي.

في أول أيام الدورة التي عقدت بين 26 و30 أبريل/ نيسان الماضي بالدقي، عرض المركز مجموعة شعارات نحاسية ومؤلفات قانونية خاصة به عن التحكيم لبيعها للمتدربين، وكانت  تتشابه من حيث أسلوب الطباعة، وشكل الشعار مع مؤلفات نادي قضاة مصر، وتحمل بخط كبير عبارة “خاص بأعضاء نادي القضاء” وأسفلها بخط صغير  كلمة “الاتفاقي”.

   “لا يتمتع بالحصانة القضائية إلا أعضاء السلطة القضائية، ويحظر استخدام أي شعارات أو ألقاب قضائية لغير العاملين بها”، يقول عميد كلية الحقوق السابق في جامعة القاهرة الدكتور محمود كبيش: و”لا يوجد في قانون التحكيم ما يمنح المحكمين حصانة أو شعارا أو لقبا مماثلا”.

22222

في أثناء الدورة، قدّم المحاضر سامي محمود موسي نفسه باعتباره مستشارا للتحكيم الدولي، ووزع بطاقات تعريف شخصية يحمل فيها لقب “قاض بمحكمة التحكيم الوطني”، رغم عدم وجود محكمة في مصر بهذا الاسم. يدافع موسى عن قانونية “الكارنيهات”، ويرى أن المستشار خالد عراق يشعر بـ”الغيرة من قضاة التحكيم، خشية أن يسحبوا البساط من تحت قدميه؛ لأنهم ينتمون لهيئات قضائية مثله تماما”.

 في نهاية الدورة، حصلت”اليوم السابع” على “كارنيهين”: أحدهما بلقب “مستشار تحكيم”، والآخر بعضوية “نادي قضاة مصر الاتفاقي”، بعد دفع مبلغ  1200 جنيه، في حين يصل سعر “كارنيه” عضوية مؤسسة القضاء الاتفاقي إلى 1500 جنيه.

 يعد تعدد “الكارنيهات” إحدى وسائل إغراء المتدربين، إذ يستطيع أي منهم الحصول عليها من أربعة مراكز مختلفة، واللافت أن هذه المراكز جميعها برئاسة شخص واحد هو عصام عامر؛ وهي: “القضاء الاتفاقي، والمركز الدولي للتحكيم، ونادي القضاء الاتفاقي والمحكمة المصرية للتحكيم”.

الترويج لما يسمى بعضوية “المحكمة المصرية للتحكيم”، يتعارض مع قانون السلطة القضائية وتعديلاته، الذي لم يعترف سوى بالمحاكم الرسمية: (الابتدائية، والجزائية، والاستئناف، والنقض، إلى جانب المحاكم العسكرية). كما أن قانون التحكيم، لم يشر إلى وجود محكمة بهذا الاسم، بل اشترط إحالة أحكام التحكيم بعد إصدارها من المحكمين إلى محكمة الاستئناف الواقع في دائرتها الحكم؛ للحصول على صيغته التنفيذية.

انشاء هذه المحكمة، كما يرد عامر، جاء بناء على اجتماع  مجلس أمناء مؤسسة القضاء الاتفاقي في 11/5/ 2013، باعتبارها أول محكمة للقضاء الاتفاقي لعمل ورش تدريبية فيها، وهي محكمة بعيدة عن السلطة القضائية، حسبما يقول.

الحكومة تعلم

“كدب.. كلام الأموال العامة كله كدب”.. بهذه العبارة يرد عصام عامر على التهم الموجهة له، قائلا: “أنا اتحبست لأني أول حد فتح الباب قدام الكل، لكن المراكز التانية أساءت للتحكيم”.

ودافع عامر عن تأسيسه لأربعة مراكز: “ليه أقفل المراكز دي طالما شغالين، ولما أسست القضاء الاتفاقي، عملت لها نقابة وناديا ومحكمة و كلهم بيشتغلوا مع بعض، وهدفي تقنين عمل التحكيم”.

 ويضيف: “حصلت على الإشهار من إدارة غرب القاهرة، وهي عارفة نشاطي والشهادات والكارنيهات اللي بمنحها للمتدربين، ولو كنت مخالف ليه وافقت مصلحة الأحوال الشخصية إنها تضيف لقب مستشار تحكيم في بطاقة الرقم القومي”.

لكن البطاقة الشخصية التي تحدث عنها عامر، صدرت “قبل أن تنتبه وزارة الداخلية لما تقوم به هذه المراكز، بإضافة هذه الألقاب إليها”، حسبما يؤكد مدير إدارة مباحث الأموال العامة عاصم الداهش.. “الوزارة خاطبت مصلحة الأحوال الشخصية بعد القبض على عامر، بعدم استخراج بطاقات رقم قومي، تحمل لقب مستشار تحكيم، أو أي لقب غير منصوص عليه في القانون”، حسبما يقول.

وكيل إدارة الجمعيات الأهلية بغرب القاهرة حسن إسماعيل، يرد على عامر بقوله: “إشهار مؤسسة القضاء الاتفاقي، كان باعتبارها جمعية أهلية تثقيفية وترفيهية وتدريبية، وليست بصفتها متخصصة بالتحكيم ومنح كارنيهات وشهادات فيها ألقاب وشعارات تتلاعب بالقانون”.

لم يكتف عامر بنفي الاتهامات الموجهة إليه، بل :”يتهم وزارة العدل، ومباحث الأموال العامة بأنهما لم يتتبعا غيره خلال الفترة الماضية”، مؤكدا استعداده لتغيير اسم مؤسسته إلى”القانون الاتفاقي المصري”؛ حتى لا يحدث تماس مع السلطة القضائية. ويطرح أيضا التوقف عن منح تلك الألقاب، بشرط أن تحذو حذوه كل  مراكز التحكيم الأخرى، قائلا: “يا ريت الجهات المختصة تتحرك ضدهم هم كمان”. إلا أنه حتى نشر هذا التحقيق، لم ينفذ عامر وعده وما تزال الصفحة الخاصة بالمركز الدولي للتحكيم تنشر إعلانات، بمنح ألقاب السيد المستشار دون توقف.

ويرد المستشار خالد عراق قائلا: “للأسف هذه هي الشكوى الأولى التي قدمتها وزارة العدل، بعد أن فوجئت بإعلانات مؤسسة القضاء الاتفاقي التي وصلت الى حد عضوية محكمة للتحكيم المصري، والوزارة ستتصدى لكل المراكز التي تتلاعب بالقانون”.

ألقاب دبلوماسية للبيع أيضا

كلمات عامر لا يمكن إنكارها. فإعلانات هذه المراكز تملأ صفحات الفيس بوك، فها هو مركز جنيف للتحكيم الدولي، يعلن عن دورة تدريبية تحت شعار: “اعمل في السلك الدبلوماسي بالسفارات والقنصليات والمجالس والهيئات”. وهو ما دفع  “أ.ح” خريج كلية الإقتصاد والعلوم السياسية للالتحاق بدوراته، قائلا: “احنا في بلد بيحترم الكارنيهات”.

الفقيه الدستوري والنائب السابق لرئيس الوزراء الدكتور يحيى الجمل، يؤكد لـ”اليوم السابع” أن “المحكم لا يتمتع بأي حصانات قانونية، وتداول الشعارات والألقاب القضائية لغير القضاة جريمة يعاقب عليها القانون”، لافتا إلى أن “الكارنيهات التي تمنحها بعض مراكز التحكيم تعد مخالفة قانونية، ولا يجوز تداولها خارج أعضاء السلطة القضائية”.

لكن مركز جنيف الذي يرأس مجلس أمنائه د. الجمل، يمنح ألقاب مؤسسة القضاء الإتفاقي ذاتها، وفق رصد “اليوم السابع” بعد الإشتراك في دورة عقدها المركز في الدقي بين 14 و18 يونيو/ حزيران 2014، مقابل ١٢٠٠ جنيه. انتهت الدورة بالحصول علي “كارنيه” بلقب “السيد المستشار في العلاقات الدبلوماسية والقنصلية”، و”كارنيه” آخر باللقب نفسه ولكنه يحمل عضوية غرفة التجارة العربية الأوروبية.

“حصانة دبلوماسية”، هذا ما يروج له المركز “المصري الإفريقي”. ففي أثناء زيارة مقر المركز في شارع فيصل بالجيزة والمشهر برقم 3813، للالتحاق بدوراته التدريبية، أكد رئيس المركز – الذي عرف نفسه – بالمستشار محمد، أن أسعار “الكارنيهات”: ١٥٠٠ جنيه لـ”كارنيه المستشار” و٢٥٠٠ جنيه لكارنيه نادي القضاة المصري، لافتا إلي أن “كارنيهات” مركزه تمنح الحاصلين عليها “حصانة دبلوماسية”.

الاشتراطات والقواعد المنظمة لعمل السلك الدبلوماسي المصري، تنفي وجود مسمي وظيفي يحمل اسم “مستشار للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية”، و هو ما يتعارض مع ما يعلنه مركز جنيف بأن دوراته هي الطريق الى العمل الدبلوماسي، في الوقت الذي تمثل فيه كلمة “مستشار” في السلك الدبلوماسي المصري إحدى الدرجات الوظيفية التي تقرها المادة (3) من قانون السلك الدبلوماسي رقم 45 لسنة 1982 المعدل بالقانون رقم 69 لسنة 2009.

السفير بدر عبد العاطي يرى أن إضافة كلمة “مستشار” وبجانبها “منازعات دبلوماسية”، تمثل أحد أشكال التلاعب بمسمي “مستشار للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية”، مضيفا: “لا توجد حصانة دبلوماسية لغير العاملين في السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية”.

التحكيم ونقيب المحامين

بحسب المادة 71 من قانون نقابة المحامين رقم 197 لسنة 1983 وتعديلاته عام 2008، “يحظر على المحامي أن يتخذ في مزاولة مهنته، وسائل الدعاية أو الترغيب، أو استخدام الوسطاء أو الإيماء بأي نفوذ أو صلة حقيقية أو مزعومة”. كما يحظر عليه أن “يضع على أوراقه أو لافتته المكتبية، أي ألقاب غير اللقب العلمي وبيان درجة المحكمة المقبول للمرافعة أمامها، أو استخدام أي بيان أو إشارة إلى منصب سبق أن تولاه”.

لكن على صفحة الفيسبوك والموقع الإلكتروني لما يسمى بـ”مركز التحكيم الدولي”، يدرج اسم نقيب المحامين سامح عاشور رئيسا للمركز. وتعرض الصفحة صورا له باعتباره أيضا رئيسا للاتحاد العربي للتحكيم الدولي وصورا أخرى تحمل اسمه، بصفته رئيسا للمركز. ومن بين الصور المعروضة “كارنيه” لعاشور مدون عليه: “المستشار ورئيس الاتحاد العربي للتحكيم الدولي”.

خلال زيارة “اليوم السابع” لمقر مركز التحكيم الدولي في 29 إبريل/ نيسان 2014  بمدينة هيئة التدريس بجامعة القاهرة، أكدت موظفة الاستقبال أن كل “الكارنيهات” والشهادات الصادرة من المركز، تحمل توقيع عاشور، وعرضت مجموعة “كارنيهات” لتأكيد ذلك. رسوم الدورة تصل إلى 1500 جنيه، يحصل المتدرب بعدها على “كارنيه” المستشار بالعلاقات الدبلوماسية. كما يستطيع متدربون من خارج مصر حضور الدورة عبر الإنترنت، وارسال “الكارنيهات” لهم عبر البريد السريع مقابل 3000 جنيه.

ومن بين الصور المعروضة على صفحة المركز الدولي للتحكيم في 20 كانون الثاني/ يناير 2013، بطاقة شخصية، أعلن المركز معها عن إمكانية إثبات لقب مستشار بالتحكيم ببطاقة الهوية الشخصية. وكانت البطاقة التي طمس اسم صاحبها تحمل تاريخ 10-2011 بصفته مستشارا بمركز التحكيم الدولي وسارية حتى 10 – 2018.

وأكد مدير إدارة  التضامن الاجتماعي بمحافظة الجيزة محمد الشعار  أن سامح عاشور في مجلس أمناء مركز التحكيم الدولي، و هذا مثبت في أوراق المركز داخل الإدارة، حسب قوله.

من جانبه، اكتفى عاشور بنفي علاقته بأي من مراكز التحكيم، مؤكدا عدم صحة “الكارنيهات” والشهادات التي تحمل اسمه مطلقا. ثم رفض استكمال الحديث.

نقابة المحامين تتهاون

تتعاون نقابة المحامين مع مراكز التحكيم التي تتلاعب بالقانون، بحسب ما كشف عنه هذا التحقيق. فرغم بيان صدر بتوقيع سامح عاشور في تشرين الاول/أكتوبر الماضي يحظر “إصدار أي بطاقات أو كارنيهات تحمل اسم وعنوان نقابة المحامين، أو أي لجنة فيها، أو توقيع منسوب لنقيب المحامين لغير البطاقة المعتمدة للنقابة”، إلا أن هذا البيان لم يحل دون التعاون مع المراكز التي تتلاعب بالقانون، في مخالفة لقانونها. هذه هي الحال بالنسبة لمركز جنيف، الذي تملأ إعلاناته المقر الرئيس للنقابة، دون توعية المحامين بعدم حمل “كارنيهات” مثل هذه الجهات. كما كشفت جولة ميدانية عن استخدام محامين للقب “مستشار التحكيم الدولي”، وهو ما رصدته “اليوم السابع” على لافتة أحد المحامين بالنقض والدستورية والادارية العليا.

على أن عضو مجلس النقابة العامة للمحامين ورئيس لجنة الشؤون السياسية إبراهيم إلياس، يشرح أن القصد من ذلك البيان، ألا تحمل “الكارنيهات” اسم نقابة المحامين: “بدليل أن سامح عاشور لديه مركز تحكيم يمنح كارنيهات، عليها هذه الألقاب وتحمل اسمه بصفته الشخصية”.

 يؤكد عميد كلية حقوق القاهرة سابقا الدكتور محمود كبيش، أن قانون المحاماة يمنع العاملين فيه من استخدام أي لقب قضائي، حتى ولو كان المحامي من القضاة السابقين.

الاعتماد وبروتوكولات التعاون

المراكز السابقة حاولت إضفاء نوع من المصداقية على أنشطتها من خلال الترويج لبروتوكولات تعاون، أو اعتمادها من قبل عدد من الجهات الرسمية المحلية أو الدولية.

مركز جنيف يؤكد أنه بمقدور المتدربين اعتماد “الكارنيهات” والشهادات لدى وزارة الخارجية، حتى يتسنى لهم الحصول على فرص عمل في الخارج. وهذا ما نفاه المتحدث باسم الوزارة السفير بدر عبد العاطي، مؤكدا: “أن الوزارة لا تعتمد مثل هذه الكارنيهات والشهادات ولا علاقة لها بها”.

 “الجامعة الأوروبية” من الأسماء التي يروج مركز جنيف بأنه يتعاون معها، عبر حصول متدربيه على شهادات تحمل شعارها واسمها، وهذا ما حصلت عليه “اليوم السابع” في الدورة التدريبية الى جانب “الكارنيهات” السابق الحديث عنها، وقد حملت الشهادة اسم جامعة  “European university، لكن تبين بالبحث عبر الإنترنت أن لون شعار الجامعة على الشهادة يختلف عن شعار الجامعة الحقيقي، والتي تمتلك فروعا في سويسرا وإسبانيا وألمانيا، ولا يعد التحكيم والمنازعات الاستثمارية ضمن المجالات التي تدرسها.

اسم جامعة القاهرة، هو الآخر اقترن بشهادات تصدرها مراكز تحكيم منها “تأكيدات” مركز جنيف بمنح شهادات معتمدة من جامعة القاهرة، فضلا عن إعلان المركز ذاته عن قيام أساتذة من جامعة القاهرة بمنح الدورات، بينهم أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة الدكتور أحمد أبو الوفا، والذي نفى تدريسه في مركز جنيف، مستطردا: “متهيألي رحت هناك مرة واحدة فقط ولم تتكرر”.

الإجابة ذاتها، أوردتها أستاذ القانون التجاري بكلية الحقوق بجامعة القاهرة الدكتورة سميحة القليوبي، التي أوضحت أنها تركت العمل في المركز بعد فترة قليلة من التدريس فيه، ونفت معرفتها بـ”الكارنيهات” التي يصدرها المركز.

وتحفظت جامعة القاهرة من جانبها، على عدد من الشهادات التي تصدرها مراكز التحكيم المخالفة، والتي تتضمن شعار الجامعة، وأحالتها للنيابة العامة، بحسب رئيس جامعة القاهرة الدكتور جابر نصار.

يقول نصار: “إن إدارة الجامعة فوجئت بمطالبة عشرات المواطنين باعتماد شهاداتهم، بناء علي دعاية هذه المراكز”. وحذر أساتذة الجامعة من التعامل مع أي من تلك المراكز بأي شكل، حتى لا ينال ذلك من سمعة الجامعة ومصداقيتها.

محافظة القاهرة كان لها نصيب من بروتوكولات التعاون، إذ عقد عصام عامر معها بروتوكولا لتدريب عامليها على التحكيم الدولي. ووفقا لما نشرته مطبوعة دورية صادرة من المركز في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، حضر الحفل الختامي للدورة نائب المحافظ محمد أيمن عبد التواب، لتسليم العاملين في المحافظة “الكارنيهات” والشهادات التي تحمل الألقاب السابق الحديث عنها.

لم ينكر نائب المحافظ محمد  عبد التواب هذا التعاون، قائلا: “إن رئيس مؤسسة القضاء الاتفاقي، حضر إلى المحافظة وطلب منح تلك الدورات، ولم نكن نعلم وقتها أن مؤسسته عليها مخالفات. وقبل عقد الدورة الثانية والمقررة بين 24 و27 تشرين الاول/ أكتوبر، أصدرت المحافظة قرارا بوقف التعامل مع هذه المؤسسة لوجود مخالفات عليها”.

كلمات عبد التواب تتعارض مع المعلومات التي توصل لها التحقيق، بأن قرار المحافظ رقم 4980 لسنة 2014  والخاص بإيقاف نشاط المؤسسة، كان بتاريخ 14 نيسان/ أبريل 2014، أي بعد القاء القبض على عامر في شباط/ فبراير الماضي، فضلا عن إرسال المحافظ خطابا لإدارة غرب القاهرة، للمطالبة بتفعيل القرار في 1  ايلول/ سبتمبر 2014. ورغم صدور القرار السابق إلا إن المؤسسة عقدت بروتوكول التعاون مع المحافظة، واستمرت في عملها، وتأكيدا لذلك زارت “اليوم السابع” المقر في 14 كانون الاول/ ديسمبر والذي كان يعمل دون توقف، حيث ظل العاملون فيه يستقبلون طلبات الراغبين في الاشتراك بدورات المؤسسة.

الزعم باعتماد وزارة العدل لعمل هذه المراكز، حيلة أخرى لجأ لها المركز “المصري الإفريقي”، إذ يؤكد المسؤول عنه المستشار محمد، أن “كارنيهاته” وشهاداته معتمدة من الوزارة ومن جامعة الدول العربية. لكن المستشار خالد عراق ينفي تعامل الوزارة مع هذا المركز مطلقا، كما وصف مندوب مصر الدائم لدى جامعة الدول العربية السفير هاني خلاف ذلك بـ”الـتهريج”، مؤكدا عدم اعتماد الجامعة العربية لهذه الشهادات.

الأمر ذاته بالنسبة لمركز التحكيم الدولي الذي يحمل اسم سامح عاشور، إذ نشر في موقعه الإلكتروني وصفحة الفيسبوك، أن هناك بروتوكولات تعاون مع وزارة العدل، ونشر الموقع اللائحة المنظمة لعمله، بـ”موافقة” وزير العدل الأسبق المستشار الراحل محمود أبو الليل في9/25 /2004، إلا أنه بفحص اللائحة اتضح أنها تنظم مهام المركز ووظائفه فقط، وتخلو من أي بند يمنحه الحق بإصدار “كارنيهات” تحمل ألقابا دبلوماسية أو تتشابه شعاراتها مع شعارات القضاة.

3

رئيس إدارة شؤون التحكيم في وزارة العدل المستشار خالد عراق، رد بعدم تعامل الوزارة بصفة عامة مع أي من المراكز التي تمنح ألقابا أو شعارات مقلدة.

التضامن تخلي مسؤوليتها

الحصول على رقم الإشهار من وزارة التضامن، قابله خالد سلطان – رئيس الإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات بوزارة التضامن الاجتماعي- بالنفي، مؤكدا رفض الوزارة قيد جمعيات التحكيم التي تقوم بعمل مماثل لعمل القضاء و الدبلوماسيين، قائلا :”إن الجمعيات القائمة حصلت على ترخيصها من مديريات الجمعيات الأهلية في المحافظات، وعلاقتنا بالمديريات هي تعيين رئيسها و الوكيل عنها فقط”.

فيما اعترف سلطان باقتصار دور الوزارة على التصديق القانوني للمراكز الصادرة من تلك المديريات، رافضا الإفصاح عن عدد الجمعيات العاملة في التحكيم على مستوى الجمهورية، والتي اعتمدتها الوزارة من الناحية القانونية.

وكان رد مدير إدارة الجمعيات الأهلية في غرب القاهرة عصام برهامي، بأن وزارة التضامن لديها علم بكل الجمعيات الصادرة في كل المحافظات، لإنها المنوطة بالتصديق القانوني على كل منها.

وأكد  وكيل إدارة الجمعيات الأهلية بغرب القاهرة حسن إسماعيل، أن الإدارة لا تتحرك ضد أي جمعية إلا بناء على شكوى تقدم ضدها عن ارتكابها مخالفات. وبرر عدم احكام الرقابة على عمل مراكز التحكيم بقوله: “من الصعب الفحص والمتابعة الدورية لكل الجمعيات معا”، فصعوبة الرقابة التي يتحدث عنها اسماعيل تتعارض مع صغر عدد مؤسسات التحكيم الصادرة من مديرية غرب القاهرة، والتي صرح بأن عددها لا يزيد على 15 مركزا فقط.

التحرك ضد المراكز التي تتلاعب بالقانون، إحدى مسؤوليات وزارة الداخلية، و هو ما يفسره العميد عاصم الداهش بقوله: “إن ملاحقة المراكز المخالفة يأتي بناء على بلاغ أو شكوى ضدها”، وسلم بأن لديهم معلومات عن قيام مراكز للتحكيم الدولي بمخالفة القانون، لكنه رفض الإفصاح عن أسمائها.

ولمحاولة سد هذه عورات القانون في مجال التحكيم لجأت وزارة العدل إلى إصدار  قرار من وزير العدل الأسبق محمد عبد العزيز الجندي رقم 9739 لسنة 2011، لتنظيم إجراءات إيداع أحكام التحكيم في سجلات المحاكم، للحصول على صيغتها التنفيذية، بحيث يبدي المكتب الفني للتحكيم بالوزارة رأيه كتابة بقبول أو رفض طلب إيداع حكم التحكيم. ولا يجوز ايداع الحكم إلا بعد التحقق من أنه لا يخالف النظام العام في مصر.

أي قرارات وزارية أخرى، ستخذ بجانب هذا القرار، لن تصمد طويلا أمام حيل بعضهم لجني أرباح تحت مظلة العمل كجمعيات أهلية، تمنح “كارنيهات” وألقابا لا يمكن حصر أضرارها وسوء استخدامها.

والحل كما يقول المستشار خالد عراق، هو تعديل قانون التحكيم في الدورة البرلمانية المقبلة، وهو ما تسعى إليه إدارة شؤون التحكيم في وزارة العدل، بحيث يتم توحيد عمل التحكيم تحت مظلة واحدة معروفة، تكون مسؤولة عن التدريب ومنح تراخيص العمل لكل من يرغب في الالتحاق بهذا المجال، ووضع شروط أكثر تحديدا للعاملين في التحكيم، مع جدولة أسماء من تنطبق عليه هذه الشروط، حتى لا يستغل بعضهم تلك الثغرات القانونية لبيع الوهم للمواطنين.

gadwel332015

أنجز هذا التحقيق بإشراف شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية)


الصحفي



تعليقاتكم