الأربعاء, كانون الثاني 3, 2018

غياب الجهة الرقابية على تطبيق قانون كودة البناء الخاص بالمعاقين يحرمهم المشاركة الفاعلة بالمجتمع

11 ديسمبر 2009
زينة حمدان

عمان 11 تشرين الثاني(بترا) –  “أضع يدي على قلبي، وأنطق بالشهادتين كلما اضطرتني ظروفي لقطع الشارع لأنه لا يوجد ممر خاص أستطيع من خلاله العبور”، تقول فاطمة أحمد التي تعاني من إعاقة حركية جعلتها تستعين بكرسي متحرك للتنقل من مكان لآخر.

شأنها شأن نصف مليون معاق في الأردن، بمن فيهم 250،000 يحتاجون إلى خدمات خاصة في الحياة، تعيش فاطمة في عزلة اجتماعية بسبب صعوبة استعمال المرافق المتاحة، لأن أغلبها، إن وجد يظل غير مناسب لاحتياجات هذه الفئة المجتمعية المهمشة.

رغم أن الحكومة الأردنية كفلت من خلال قانون حقوق الأشخاص المعوقين لسنة 2007 تطبيق كودة متطلبات البناء الوطني الرسمي الخاص بالمعوقين لضمان حقوقهم في حياة طبيعية، إلا أن أغلب مكونات المنشآت والشوارع غير مهيأة بالأصل للاستعمال بسبب غياب الجهة الرقابية على تطبيق هذه الكودة. فلا توجد تعليمات واضحة لدى الجهات المعنية وهي “أمانة عمان، وزارة البلديات، نقابة المهندسين، المجلس الأعلى للأشخاص المعوقين” لمخالفة متعهدي الأبنية المخالفين لقانون حقوق الاشخاص المعاقين.

كما أن كلفة إعادة تأهيل الأبنية القائمة – إحدى مهام المجلس الأعلى للأشخاص المعوقين ـ تقف عائقاً أمام تطبيق القانون، حيث أن الحكومة خصصت للمجلس مبلغ ثلاثة ملايين دينار كميزانية لعام 2009، إلا أنها عادت وسحبت منها مليون دينار بسبب عجز الموازنة.

ورغم تخصيص موارد إضافية قبل عامين لمساعدة المجلس لتنفيذ مهماته”2″ من خلال فرض دينار واحد إضافي عن الترخيص السنوي لكل مركبة باستثناء المركبات الزراعية، وخمسة بالألف من رسوم كل رخصة بناء تصدرها الجهات المختصة والتي تقدر بـ” 906″ ألف دينار لعام 2009، و “10%” من صافي أرباح اليانصيب الخيري الأردني الصادر عن الاتحاد العام للجمعيات الخيرية، وصل إلى المجلس منذ إقرار القانون “109” آلاف دينار فقط، إلا أن ذلك لا يكفي إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المجلس لديه مهام أخرى .

مشاكل في المواصلات

فاطمة لا تخرج من منزلها إلا للضرورة القصوى، وبصحبة أحد أقاربها، ذلك لأن المعاق في الأردن يواجه معاناة بسبب عدم تأهيل البنية التحتية للمواصلات بما يتناسب مع وضعه.

فسائقو التاكسي يرفضون الوقوف لفاطمة، وذلك حتى لا يساعدوها في الجلوس وما يتبعه من طي الكرسي ووضعه في صندوق السيارة.

هيئة تنظيم قطاع النقل العام أمنت “39” حافلة خاصة للمعاقين، خمس منها ملك للهيئة بكلفة “600” ألف دينار والباقي مملوكة للقطاع الخاص وبكلفة أعلى من ذلك بكثير.

….. جدول رقم “1”.

ومن خلال الرصد الميداني تبين أن هذه المركبات غير كافية للمعاقين وأنها مع تقادم الوقت لم تعد تستخدم للغاية التي رخصت من أجلها.

طرق غير مؤهلة

أمانة عمان الكبرى قامت قبل نحو ثلاث سنوات تقريبا بوضع معابر خاصة بالمعاقين حركيا، إلا أن أغلبها تمت إزالته بسبب الحفريات التي تجريها الأمانة بين الحين والآخر.

هذا الأمر اتضح خلال جولة ميدانية قامت بها معدة التقرير، فمثلا عند مرافقة ليندا ـ التي تعاني من إعاقة حركية في رجليها ـ لسوق جبل الحسين، وعند دوار الداخلية بالتحديد كان هناك ممر خاص بالمعاقين عند بداية الرصيف لكن عند انتهاء الرصيف كانت هناك مشكلة بسبب عدم وجود ممر خاص للنزول للشارع، وكان الحل لاجتياز الشارع هو طلب المساعدة من أربعة شباب قاموا بحمل ليندا مع الكرسي وإنزالها إلى الشارع.

أثناء هذه الرحلة لاحظت كاتبة التحقيق وجود حفر في الرصيف تعوق حركة عجلات الكرسي المتحرك، كما أن الممر الخاص للمعوقين عند ذات الرصيف كان مغلقا بسبب قيام أحد الأشخاص بركن سيارته أمامه.

مديرة قسم دائرة كودة البناء الخاص بالمعاقين في أمانة عمان المهندسة رنا حدادين قالت إن الأمانة قامت بتأهيل تسعة شوارع فقط بسبب عدم توفر مخصصات مالية لذلك. …. جدول رقم “2”.

جولات ميدانية

وفي رصد ميداني بمساعدة أمانة عمان تبين أنه تم تأهيل 25 حديقة في عمان من أصل 127حديقة، ومن بين 33 مركزا صحيا تم تأهيل خمسة مراكز فقط، ومن أصل 134 فندقا عدد الفنادق المؤهلة 24 فندقا. ….. جدول رقم “3”.

أحد العاملين في وزارة التنمية الاجتماعية من الذين يعانون إعاقة حركية ـ فضل عدم ذكر اسمه ـ طالب الوزارة بوضع ممر خاص بالمعاقين أمام مبنى المديرية التي يعمل فيها، وبالفعل تم تركيب الممر، إلا أنه لا يستطيع العبور لوحده من خلاله وذلك لأنه مصنوع من مادة الحديد وركب بطريقة خاطئة”3″.

ويستذكر أيضا أنه عندما طلب للشهادة في قضية بالمحكمة منع من العبور من الممر الخاص بالمعوقين، ولم يسمح له استخدام المصعد بحجة تخصيصه للقضاة فقط.

ردا على ذلك يقول وزير العدل أيمن عودة إن غالبية مباني المحاكم هي مبان مستأجرة ولا تصلح لأن تكون محكمة، وإن المباني التي يتم بناؤها حديثا تراعي كودة البناء الخاصة بالمعاقين.

وفي قصة مشابهة طلبت موظفة التنمية الاجتماعية في مديرية المعاقين من ناديا حرب الصعود إلى الطابق الثاني لاستكمال طلبها للحصول على إعفاء جمركي لشراء سيارتها.

وعندما أبلغت أخت ناديا الموظفة أن ناديا موجودة بالطابق الأرضي ولا يوجد مصعد ولا تستطيع الصعود على الدرج قالت لها “وأنا لا أستطيع إتمام المعاملة”، مما اضطر ناديا إلى الصعود على الدرج زحفا بمساعدة أختها.

توضح أمين عام المجلس الأعلى لشؤون المعاقين الدكتورة أمل نحاس أن هناك عددا من الوزارات والمطاعم السياحية والمولات التجارية قامت بتأهيل أبنيتها من الداخل وفق كودة البناء الخاص بالمعاقين، إلا أن عدم تأهيل مداخل هذه المباني يعيد جهود المجلس وجميع الأطراف المعنية إلى الصفر.

وفي رصد ميداني اتضح أنه من بين 27 وزارة في العاصمة عمان هناك سبع وزارات فقط أبنيتها مؤهلة لاستقبال المعاقين. …. جدول رقم “4”.

المولات مرافق مؤهلة … ولكن!

شادية محمد التي تعاني من إعاقة حركية أثناء مرافقتها إلى أحد المولات التجارية لم تستطع اجتياز الحواجز الموضوعة على المدخل لضمان عدم وصول عربات التسوق إلى الخارج.

شادية لم تجد أمامها منفذا إلا الدخول عبر الباب الخلفي المخصص لدخول وخروج البضائع داخل المول.

داخل المول كانت جميع المرافق مهيأة لاستعمال المعاقين، إلا أن شادية شأنها شأن الكثير من ذوي الدخل المحدود لا تستطيع التبضع والشراء منه بسبب الأسعار المرتفعة.

غياب الجهة الرقابية

عدم التزام أصحاب هذه المباني بكودة البناء الخاصة بالمعوقين سببه غياب الجهة الرقابية على تطبيق القانون والذي يحرم هذه الفئة من العيش في استقلالية واعتماد على الذات، حيث لا توجد جهة رسمية تقوم بزيارة البناء على أرض الواقع بعد بنائه ومقارنته مع مخططات البناء.

تشير إحصائية لأمانة عمان الكبرى إلى أنه من بين سبعة مبان عامة تم بناؤها خلال الأربعة شهور الأولى لعام 2009 هناك مبنى واحد فقط تتوفر فيه المتطلبات الخاصة بالمعاقين.

محمود الصبيحي مدير الدائرة الفنية في نقابة المهندسين الأردنيين يوضح أن النقابة لا تعتمد أي مخطط بناء عام إلا إذا كانت مخططات المشروع تراعي متطلبات البناء الخاص بالمعاقين.

ويبين أنه بعد مصادقة المخططات تنتقل مسؤوليتها إلى أمانة عمان إذا كان المشروع ضمن حدودها أو إلى وزارة البلديات لاستكمال متطلبات الموافقة على بناء المشروع.

الصبيحي أكد أنه لا يوجد نص صريح في القانون يعطي نقابة المهندسين الحق في أن تقوم بدور رقابي على البناء لمعرفة ما إذا طابق المواصفات الفنية للمخططات.

المهندسة رنا حدادين تقول إن موضوع التسهيلات البيئية موضوع شائك على مستوى المملكة، وإن أمانة عمان الكبرى ليست الجهة المسؤولة لوحدها عن التطبيق وإن وزارة الأشغال العامة والإسكان ونقابة المهندسين ووزارة البلديات مسؤولة أيضا.

وتبين أنه لا توجد جهة رقابية تشرف وبشكل مباشر على تطبيق معايير كودة البناء الخاص بالمعاقين.

تقول الناشطة في مجال حقوق الإنسان والمساهمة في وضع قانون حقوق المعوقين بالأردن كريستين فضول إنه عند وضع القانون لم يضعوا مخالفات جزائية للذين لا يتقيدون بكودة البناء الخاص بالمعوقين واكتفوا بإصدار قرار بعدم إعطاء ترخيص البناء إلا إذا وجدت المتطلبات في مخططات البناء، مما ألغى الدور الرقابي أو الجزائي لأي جهة رسمية.

من جانبه يوضح مصدر مسؤول في أمانة عمان – فضل عدم ذكر اسمه ـ أن هناك مسودة لقانون جديد لأمانة عمان الكبرى ينص أحد بنوده وبشكل صريح على إلزام صاحب البناء بتعديل البناء حسب كودة البناء الخاص بالمعوقين في حال عدم توافقه مع المخططات، إلا أن هذا القانون يحتاج إلى وقت لإقراره.

المحامي الكفيف شامان المجالي يرى أن تطبيق قانون الأشخاص المعوقين لا يحتاج إلى سن المزيد من القوانين أو التعليمات إنما بحاجة إلى زيادة وعي الأشخاص المعوقين بحقوقهم التي كفلها لهم القانون، لا سيما أن الأردن وقع مؤخرا على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص المعوقين والتي ألزمت الأردن بتوفير التسهيلات البيئية للأشخاص المعوقين.

ويؤكد المحامي المجالي أن أي معاق في الأردن يستطيع رفع قضية على الأذرع الحكومية المنفذة للقانون وإلزام الحكومة بتعديل كافة المرافق التي لم يتم تأهيلها لغاية الآن لاستخدام المعوقين.

معاناة في المدارس والجامعات

الطالبة “لونا” يضطر أهلها إلى مرافقتها إلى المدرسة وإدخالها إلى الصف محمولة على كتف والدها، وذلك لعدم وجود مرافق تتناسب مع إعاقتها في المدرسة.

وبحسب وزارة التربية والتعليم فإن عدد المدارس التي تم تأهيلها هو 80 مدرسة من أصل 5324 مدرسة حكومية.

وبحسب مصادر في وزارة التربية والتعليم فإن نحو “50” مدرسة من المحتمل أن ينتقل إليها الطلاب الذين يعانون من إعاقة بحاجة إلى تأهيل.

وضمن حدود أمانة عمان توجد مدرستان حكوميتان مؤهلتان لاستقبال المعاقين فقط وهما مدرسة اليوبيل، وأروى بنت عبد المطلب.

وفي الجامعة ليس الوضع بأفضل حال، الطالب الجامعي أحمد شمايلة تحدث عن معاناته أثناء فترة علاج رجله التي كسرت، حيث كان يطلب المساعدة من أصدقائه للتنقل من طابق لآخر، خاصة أنه لا يوجد مصعد في كليته.

يقول وزير التعليم العالي والتربية والتعليم والبحث العلمي الدكتور وليد المعاني إن القانون الجديد للجامعات يعطيها استقلالية كاملة بمعنى أن رئيس الجامعة هو المسؤول عن تطبيق هذه التعليمات على أبنية الجامعات.

وفي جولة ميدانية إلى اثنتي عشرة جامعة اتضح أن أربع جامعات فقط قامت بتأهيل مداخل أبنيتها، وأن كلية التربية في الجامعة الأردنية هي الوحيدة التي تم تأهيلها بالكامل.

فقدان عمل

سها فقدت عملها في أحد البنوك بسبب عدم وجود مرافق خاصة بالمعوقين. فبعد أن وافق البنك على تعيينها واجهت مشكلة في استخدام “الحمام”.

توضح “سها” أن “الحمام” كان ضيقا جدا ولا تستطيع الدخول بكرسيها المتحرك فيه، وبالرغم من محاولتها عدم شرب السوائل ليلا وطيلة فترة العمل ومحاولة السيطرة على نفسها لحين عودتها إلى البيت، الأمر الذي تسبب لها بمشاكل في جهازها البولي، ما دفعها لتقديم استقالتها من العمل.

فاتن موظفة الاستقبال في إحدى البلديات عانت ذات المعاناة في عملها حيث أن الحمام الموجود في البلدية هو حمام أرضي ولا تستطيع استخدامه، فقدمت طلبا إلى رئيس البلدية تطالب فيه تغيير الحمام، إلا أن طلبها قوبل بالرفض.

ومع إصرارها على الحصول على حقها بوجود بيئة مناسبة لها وتقديم عدة شكاوى إلى وزارة البلديات تم تغيير الحمام وفق معايير كودة البناء الخاصة بالمعوقين.

تؤكد الدكتورة أمل نحاس من جهتها أن المجلس أصدر قرارا تم تعميمه على جميع الوزارات والمؤسسات والدوائر الحكومية وشركات وبنوك القطاع الخاص جاء فيه أن المجلس الأعلى لشؤون المعاقين يتكفل بالتكاليف المادية كافة لتأهيل المبنى ليتناسب مع إعاقة الموظف، وذلك تشجيعا لتعيين أشخاص من ذوي الإعاقة.

رفض المجتمع

“المجتمع يرفضنا ويرفض منحنا فرصة لأن نعيش حياة طبيعية”، هكذا تجمل ليندا معاناتها ومعاناة أقرانها في المجتمع.

تلك الفتاة تعاني الكثير للحصول على أبسط حقوق الفرد وهو السكن، فبعد جهد في إقناع صاحب العمارة بأن يعمل لها ممرا خاصا عند مدخل العمارة وقف السكان معترضين تجاه هذا الإجراء بحجة أن الممر شوه المدخل.

بالنهاية يبقى نصف مليون معاق بحاجة إلى دعم وتضافر الجهات المعنية الرسمية والأهلية لتوفير التسهيلات البيئية المناسبة للمعاقين.

تم إعداد هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة أريج(إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) www.arij.net و بإشراف الزميل محمود الزواوي

التوضيحات:

1. تشير التقديرات العالمية إلى أن ما نسبته 7 – 10% من مجموع السكان في أي مجتمع يعانون شكلاً من أشكال الإعاقة، وإذا ما عكسنا هذه النسب على الأردن فإن في الأردن نحو نصف مليون معاق.

2. تعتمد الإستراتيجية الوطنية للمجلس الأعلى للأشخاص المعوقين على محاور وهي “تطوير التشريعات، الوقاية والصحة والإعاقة، التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، التمكين الأسري والحماية الاجتماعية، التمكين الاقتصادي، التأهيل والتدريب المهني والتشغيل والإقراض الميسر، محور التواصل والتسهيلات البيئية ( المادية والاجتماعية)، محور الإعلام والتثقيف والاتصال، التأهيل وإعادة التأهيل والخدمات المساندة، تكافؤ الفرص والعناية بالحياة العامة، الرياضة والترويح والثقافة”.

مواصفات الممرات حسب المعايير المعتمدة يجب أن تكون الأرضيات ذات ملمس مميز ومانعة للانزلاق، وأن لا تزيد نسبة الانحدار الكلية للمرات المخصصة لمستخدمي الكراسي المتحركة والعكازين عن “12:1”


الصحفي


المشرفين



تعليقاتكم