الأحد ١٩ - أغسطس - ٢٠١٨ ٠٩:٥٦ مساءً

"رحلة الكورنيت"

2 شباط 2017
وائل ممدوح

تحقيق: وائل ممدوح وسيد تركي

المصري اليوم -في بدايات سبتمبر 2013، شهد المجرى الملاحي لقناة السويس محاولة فاشلة لاستهداف إحدى السفن التجارية بصاروخ آر بي جي على يد عناصر تنظيم أنصار بيت المقدس الذي كان الإعلان عن ظهوره أتمّ عاما بالكاد. انتهت المحاولة البدائية بالفشل رغم قُرب المسافة ووضوح الهدف، لكن مشهدًا مماثلًا تكرر بعد عامين، على بعد نحو 250 كيلومترًا شرقًا، تحديدًا أمام شواطئ مدينة رفح؛ حيث نجح مسلح تابع لنفس التنظيم الإرهابي الذي أصبح يحمل اسم “ولاية سيناء” بعد مبايعته تنظيم “داعش”، في تدمير زورق عسكري تابع للقوات المسلحة بصاروخ مباشر.

ستة وعشرون شهرًا تفصل بين المشهدين، وكلمة سر كشفها إصدار مصور للتنظيم الإرهابي، بث خلالها لقطات لاستهداف الزورق العسكري، منتصف يوليو 2015، معلنًا وصول واحد من أخطر الصواريخ المضادة للدروع لأيدي عناصره، في ظهور تكرر لاحقًا بمنطقة الشريط الحدودي التي تشهد عمليات عسكرية موسعة لتصفية بؤر تمركز وانتشار عناصر تنظيم ولاية سيناء منذ نهايات عام 2012.

ظهور صاروخ الكورنيت المتطور في أيدي مسلحي تنظيم ولاية سيناء، ومن قبلها أسلحة متطورة أخرى مثل الرشاشات الثقيلة حديثة الطراز والإنتاج، ومضادات الطائرات المحمولة، سام 7، قد يفسّر تأخر حسم معركة الإرهاب في سيناء، بعد تأكد امتلاك العناصر الإرهابية أسلحة متطورة لا تتوفر إلا للجيوش النظامية الحديثة، ما يشير إلى ما يفوق قدرات التنظيم المسلح على مستوى التخطيط والتمويل إلى نطاق يتخطى الحدود.

“المصري اليوم” تتبعت أسلحة التنظيم المتطورة، ورصدت مسار تهريبها عكسيًا، من مصر وصولًا إلى شركات إنتاجها، في تحقيق استقصائي عابر للحدود، بين خمس دول في ثلاث قارات.

ظهور صاروخ الكورنيت في منطقة الشريط الحدودي بشمال سيناء كان نقطة تحول هامة في قدرات التنظيم الإسلامي المسلح الذي أعلن عن نفسه عام 2012 في مقطع فيديو بُثّ على شبكة الإنترنت تحت اسم “مجلس شورى المجاهدين”، في إشارة إلى تمثيل قادة معظم الجماعات الجهادية التي كانت موجودة في سيناء تحت لوائه، على غرار مجلس شورى المجاهدين الذي تأسس في العراق لتوحيد صف أبرز الجماعات الإسلامية مطلع عام 2006، قبل أن يتحول إلى نواة لتنظيم دولة العراق الإسلامية التي تمددت إلى سوريا لتطلق على نفسها الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو ما يعرف إعلاميًا باسم “داعش”.

 

أخطر أسلحة التنظيم الإرهابي مرت عبر مسار مستحدث بعد الانفلات الأمني في مصر وليبيا..

في العام 2011 شهدت مصر انفلاتًا أمنيًا واسعًا، في أعقاب انسحاب قوات الأمن بعد جمعة الغضب 28 كانون ثاني/يناير، لتتدفق على إثر ذلك أسلحة متطورة يُعد صاروخ الكورنيت أخطرها، لكنه ليس الوحيد. وأجرت “المصري اليوم” رصدا كاملا لجميع الأسلحة الواردة في مقاطع الفيديو الدعائية لعناصر التنظيم منذ الإعلان عن ظهوره حتى اليوم، بالإضافة إلى ضبطيات قوات الأمن والقوات المسلحة التي تم الإعلان عنها، ثم بدأنا في تتبع طُرزها، وتواريخ إنتاجها، والدول التي تستخدمها، خاصة تلك التي وقعت عقودًا للحصول عليها في الفترة نفسها.

أسفر الرصد عن توثيق طفرة نوعية في حجم وقدرات أسلحة تنظيم ولاية سيناء من مجرد أسلحة تقليدية خفيفة، إلى ترسانة متطورة حولته إلى ميليشيا شبه نظامية، ما لبثت أن استهدفت نقاط التأمين التابعة للقوات المسلحة للمرة الأولى في حادث كمين الماسورة منتصف عام 2012  والذي استخدمت فيه لأول مرة قذيفة حديثة مضادة للدروع، لم يعرف أحد اسمها، قبل أن تتوالى العمليات المسلحة التي أسقطت عشرات الشهداء من قوات الجيش والشرطة على مدار 4 سنوات.

 

تُعد منظومة الكورنيت من أحدث المنظومات الصاروخية الروسية المضادة للدروع بعد تطويرها من قبل شركة (KBP) في بداية التسعينات. وعلى عكس التصاميم السوفيتية السابقة، التي عادة ما كانت ترخّص لدول الكتلة الشرقية، يقتصر الإنتاج المعروف على روسيا وإيران ويعرف في إيران باسم “دهلاويه”.

يكتسب الكورنيت أهميته من قدرته على اختراق الدروع والتحصينات الخرسانية، بالإضافة إلى توجيهه عن طريق أشعة الليزر، وبشكل نصف أوتوماتيكي، فضلًا عن قدرته على ضرب الطائرات على ارتفاعات منخفضة، خاصة الطائرات المروحية، ما يجعله أحد أخطر الأسلحة التي انتقلت إلى أيدي العناصر التكفيرية في سيناء.

يُطلق الصاروخ المتطور من خلال منصة إطلاق خاصة تثبت على الأرض أو على الكتف مباشرة. ويتم توجيه الصاروخ من خلال موجه بصري عن طريق الرامي الذي يتابع توجيهه حتى يصل إلى هدفه.

قذائف الكورنيت من نوع “الحشوة الجوفاء” التي يمكنها الانفجار على مرحلتين بينهما فاصل زمني قصير للغاية. تهدف الأولى إلى فتح ثغرة في جسم الهدف “الدرع”، وتمرر الثانية شديدة الانفجار داخله لتسبب أكبر أضرار ممكنة.

تتخذ قذيفة الكورنيت مسارًا حلزونيًا تدور خلاله في حلقات دائرية لمنع اعتراضها، ويصحح الصاروخ مساره قبل الوصول للهدف عن طريق أشعة الليزر التي تعين موقع الهدف بوضوح يقلل من احتمالية فشل الإصابة لأقل نسبة ممكنة.

يختلف مدى الصاروخ من نسخة إلى أخرى حيث يتراوح بين كيلومترين و8 كيلومترات٫ وهو ما يمكنه من استهداف المدرعات على مسافات بعيدة والمروحيات التي تطير على ارتفاعات منخفضة.

“ماليوتكا” أو “الصغير”. هكذا كان يعرف أول إصدارات صاروخ الكورنيت الذي أنتجه الاتحاد السوفيتي منتصف الستينيات، واستخدم بكثافة للمرة الأولى

ليحسم معركة الدبابات الشهيرة في حرب أكتوبر ضد الجيش الإسرائيلي لتحرير تراب سيناء، قبل أن يظهر مرة أخرى في نسخته المطورة بعد ثورة يناير، لكن هذه المرة في أيدي مسلحين متشددين. وبدلًا من “الصغير” حسب معنى اسمه في اللغة الروسية، حمل الصاروخ اسم كائن أسطوري يدعى “سبريجان”. في المرة الأولى كان مساره واضحًا ومعلنًا، غير أنه في الثانية سلك مسارًا سريًا، ليصل إلى نفس البقعة، لكن في الأيدي الخطأ.

اقترن ظهور “الكورنيت” بتطور نوعي في عمليات الجماعة التكفيرية المسلحة التي أطلقت على نفسها اسم “ولاية سيناء” بعد إعلانها مبايعة تنظيم داعش، لتمتد من منطقة الشريط الحدودي التي تشمل مدينتي العريش ورفح وظهيريهما الصحراويين وحتى العريش، وليتسع نطاقها من استهداف القوات الأمنية العاملة في سيناء إلى مدنيين، بدعاوى مختلفة أبرزها تعاونهم مع قوات الأمن.

علاء سالم، أحد هؤلاء المدنيين الذين طالتهم نيران التنظيم الإرهابي، بعد أن ساقه حظه العاثر للمرور بأحد شوارع العريش خلال اشتباكات بين عناصر “ولاية سيناء” وقوات الأمن. استقبلت سيارة الشاب الثلاثيني قذيفة صاروخية كانت معدة لاستهداف مدرعات قوات الأمن، فقتلت ابنته الصغيرة التي كانت برفقته في الحال، فيما نجا هو لوجوده في الجانب الأبعد عن الانفجار، لكنه فقد ساقيه، اليمنى فوق الركبة واليسرى تحتها، حسب تقريره الطبي، بالإضافة إلى بتر كامل ذراعه اليمنى.

لا يعلم علاء نوع القذيفة التي حرمته من ابنته وثلاثة من أطرافه، لكنها في جميع الأحوال لن تخرج عن قائمة قصيرة من القذائف الصاروخية التي رصدناها في عمليات عناصر التنظيم المسلح المصورة، والتي تبدأ بقذائف آر بي جي، وصولًا لصاروخ الكورنيت المضاد للدروع، والصواريخ المضادة للطائرات المعروفة باسم ستريلا أو سام 7، وإيجلا.

بدأنا من سيناء، حيث الشيخ حسن خلف الذي يُعد أحد أشهر مشايخ قبيلة السواركة المتمركزة في منطقة الشريط الحدودي، والذي أشار إلى بدايات ظهور عناصر التنظيم المسلح في عام 2011 قبل الإعلان عن وجودهم رسميًا بعد حادث الماسورة الأول، أغسطس 2012.  يقول: “سموا أنفسهم في البداية أنصار بيت المقدس.ثم  قامت ثورة 30 يونيو فبدأوا يظهرون على حقيقتهم ويقتلون في كل اتجاه وسموا القوات المسلحة جيش الردة أو الطواغيت”.

يربط خلف الذي يُلقب بـ”شيخ مجاهدي سيناء”٫ تقديرًا لدوره خلال حربي الاستنزاف والتحرير قبل أكثر من 40 عامًا، بين ظهور التنظيمات الإسلامية المسلحة في سيناء وتسلل عناصر أجنبية ذات خبرة عسكرية إلى المنطقة. وأكد أنهم ينتمون إلى حركات جهادية في قطاع غزة، مشيرًا إلى رصدهم في قرى المنطقة الحدودية فترة الانفلات الأمني، في أعقاب جمعة الغضب 28 يناير 2011. وقال إن هذه العناصر تولت مسؤولية تدريب مسلحي سيناء على استخدام الأسلحة الحديثة بالإضافة إلى تدريبهم على التكتيكات العسكرية التي استُخدمت لاحقًا ضد جنود وضباط القوات المسلحة.

وأشار الشيخ “السبعيني” إلى أن وصول عناصر أجنبية تولت تدريب التنظيم المسلح بعد ثورة يناير في مناطق نائية بوسط سيناء، جنوبي قرى الشريط الحدودي. لكنه أكد في الوقت نفسه أن الأسلحة المتطورة التي وصلت عناصر التنظيم المسلح جاءت من الصحراء الغربية لمصر، بعد تهريبها من ليبيا في أعقاب انهيار قوات العقيد معمر القذافي منتصف عام 2011.

اتفق مع شهادة شيخ مجاهدي سيناء، أحد سكان مدينة الشيخ زويد المطلعين لاعتبارات جغرافية وقبلية، والذي اشترط عدم الكشف عن هويته. أكد أن دفعات متعاقبة من الأسلحة المتطورة والصواريخ التي ظهرت في أيدي عناصر تنظيم ولاية سيناء لاحقًا، بدأت في الوصول إلى المنطقة الحدودية نهايات عام 2011 قادمة من ليبيا، عبر جماعات إسلامية ليبية انتقل بعض عناصرها- من جنسيات مختلفة- إلى سيناء، ثم إلى ما وصفه بـ”معسكرات التدريب” في وسط سيناء، فيما ذهب الخبير الاستراتيجي اللواء حمدي بخيت إلى أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أجهزة مخابرات أجنبية تُحرّك هذه العناصر، وتدعمها لخلق ما سماه بـ”البؤرة المشتعلة”، والادعاء بأن المنطقة خارج سيطرة السلطات المصرية.

الإشارات إلى حدود مصر الغربية باعتبارها منفذ مرور الأسلحة المتطورة التي وصلت سيناء لم تتوقف عند حد شهادات سكان المنطقة الحدودية المطلعين، بل تخطتها إلى معلومات تفصيلية حصلنا عليها من من قواعد بيانات دولية مُهتمة بتوثيق صفقات الأسلحة الرسمية، في مقدمتها معهد ستوكهولم الدولي لدراسات السلام. يُسجّل المعهد ما يتاح له من صفقات السلاح الشرعية- بين شركات الأسلحة والحكومات مباشرة- في قاعدة بيانات خاصة؛ حيث أظهر البحث المبدئي صفقات من أسلحة متنوعة إلى نظام القذافي جاءت من إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وكوريا الشمالية والاتحاد السوفيتي السابق، قبل تفككه إلى روسيا وعدد من دول شرق أوروبا، من بينها صفقة صواريخ كورنيت تسلمتها ليبيا من روسيا عام ٢٠١٠.

في المقابل، قادنا البحث عن الدول المجاورة لمصر٫ التي تمتلك صاروخ الكورنيت بناء على صفقات رسمية، إلى حصرها في ليبيا، والجزائر والمغرب غربًا، وسوريا والعراق في الجانب الشرقي، بالإضافة إلى استخدامه في لبنان على يد عناصر حزب الله، إبان الاجتياح الإسرائيلي عام 2006 فيما يعرف إعلاميًا بـ”حرب تموز”، لكننا لم نتوصل إلى أي بيانات مسجلة عن صفقات لتوريد الكورنيت إلى الحكومة اللبنانية.

عزز الفرضية٫ التي تبلورت٫ إعلان رسمي من الحكومة المصرية عن طريق مبادرة لتسليم الأسلحة في عام 2013 سلم بموجبها العشرات من أبناء القبائل البدوية بمحافظة مطروح الآلاف من قطع الأسلحة التي وصلت مُهربة من ليبيا، ومن بينها صواريخ مضادة للدروع والطائرات، بالإضافة إلى ترسانة حديثة من الرشاشات والبنادق الآلية. اتفقت حصيلة أسلحة المبادرة مع قائمة الأسلحة التي أسفر عنها رصدنا المبدئي.

امتلك فريق التحقيق الاستقصائي من الأدلة ما يتيح تتبع الخيط من بدايته. عند هذه النقطة انقسم فريق التحقيق، الأول في اتجاه الغرب في مصر لكشف المسار الذي استحدثه المهربون لنقل الأسلحة من مخازن القذافي إلى سيناء مرورًا بصحراء مصر الغربية، وتوثيق الرحلة في جميع مراحلها، بالتوازي مع تحرك الثاني شمالًا في اتجاه أوروبا، تحديدًا إنجلترا، حيث عدد من المراكز غير الحكومية المتخصصة في دراسات الأسلحة، لتتبع وتوثيق صفقات الأسلحة التي تأكد ظهورها في سيناء.

بدأت الرحلة من بنغازي، حيث انطلقت شرارة ثورة 17 فبراير التي أطاحت بالقذافي عام 2011. التقينا العقيد أحمد المسماري، المتحدث الرسمي للجيش الليبي، الذي قال في مقابلة مُسجلة، إن تهريب الأسلحة من ليبيا بدأ في أوقات مبكرة جدًا من الثورة الليبية على يد من وصفهم بـ”المنظمات الإرهابية”، مشيرًا إلى تعاونهم مع عناصر إرهابية من داخل وخارج ليبيا للاستيلاء على مخزون أسلحة قوات القذافي.

واتهم متحدث الجيش الليبي تنظيمات إرهابية دولية واستخبارات دول أجنبية كانت تعرف أماكن تخزين الأسلحة قبل انفلات الأوضاع، بالمسؤولية عن نهب وتهريب ترسانة الجيش الليبي، خاصة الأسلحة التي تشكل فارقا في الميدان- على حد قوله- مثل صواريخ الكورنيت وسام 7. وقال أنها خرجت من ليبيا منذ بدايات الصراع المسلح، وانتقلت عبر الحدود، بسبب تفكك القوات النظامية للعقيد القذافي وفقدانها السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، خاصة تلك المتاخمة لحدود الدول المجاورة، كاشفًا أن “الإنفلات في ضبط الحدود وصل إلى مرحلة تهريب السلاح عبر المنفذ الحدودي البري الرسمي”.

أكد على ذلك قيادي سابق بـ”اللجنة الأمنية العليا” للثوار الليبيين التي تولت مسؤولية التأمين والدعم العسكري في الشرق الليبي بعد سيطرة المعارضة المسلحة عليه عام 2011، في تصريحات مسجلة شريطة عدم الكشف عن هويته لاعتبارات أمنية. وأشار إلى أن الموجة الأولى من الأسلحة التي انتقلت من قوات القذافي إلى أيدي الثوار، خرجت من معسكر “الرجمة” في بنغازي، وكتيبتي “حسين الجارح” و”الفضيل بوعمار”. وأوضح أن حجم الأسلحة الذي خرج من مخازن المقار العسكرية الثلاثة كان ضخمًا وغير مألوف بالنسبة للثوار الذين لم يكونوا حتى على دراية بكيفية استخدامها.

وأضاف قيادي اللجنة الأمنية العليا السابق أن العناصر المُدّربة القادرة على تصنيف هذه الأسلحة الحديثة واستخدامها كانت إما مجموعات إسلامية متشددة تلقت تدريبات عسكرية، حددهم بعناصر جماعة “أنصار الشريعة”، أو عسكريين سابقين انضموا للثوار، مثل اللواء عبدالفتاح يونس الذي تولى تدريب كتائب الثورة وأشرف على تشكيل وقيادة اللجنة الأمنية العليا، التي كان مصدرنا أحد قياداتها.

لا يمتلك قيادي اللجنة الأمنية السابق، حصرًا دقيقًا للأسلحة التي خرجت من مخازن القذافي في تلك الفترة. لكن متحدث الجيش الليبي، العقيد أحمد المسماري، أكد أنها تزيد عن 21 مليون قطعة سلاح، مشيرًا إلى أن الجانب الأكبر من هذه الترسانة تم الاستيلاء عليه وتهريبه خارج البلاد أو تم تدميره خلال المعارك. حسب معلومات العقيد المسماري، بناء على حوادث مسجلة وإحصاءات رسمية، فإن الأسلحة خرجت من ليبيا عبر الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية، وانتقلت إلى دول الجوار، لكنه يشير إلى مصر على وجه التحديد باعتبارها أكثر الدول التي تم تهريب الأسلحة إليها “حوالي 1200 كيلومتر مع مصر فُتحت على مصراعيها. “أصبحت العصابات الإجرامية تخترق بشكل واضح، حتى في تهريب الأسلحة عبر المنافذ الرسمية”، على حد قوله.

يتابع متحدث الجيش الليبي: “حتى السيارات المسلحة وصلت من ليبيا إلى غزة عبر مصر. مصر أكثر دولة دخلها سلاح من ليبيا. إحنا نشاهد مقاطع فيديو من مصر لأفراح، في مطروح، الفيوم، البحيرة، وعدة مناطق، نجد كل من يحضر هذه الأفراح يحضر بندقية، هذه بالكامل تم تهريبها من ليبيا”. على الجانب الآخر أكد قيادي اللجنة الأمنية السابق، أن عناصر جماعة أنصار الشريعة الإسلامية “كانوا وراء تسهيل نقل الأسلحة إلى الحدود المصرية، بالتنسيق مع من عناصر إسلامية متطرفة في مصر، وبمعاونة مهربين يمتلكون خبرة في التسلل عبر الحدود بين البلدين”.

انتقلنا إلى الشرق باتجاه مدينة امساعد الليبية، حيث أقرب نقطة للحدود مع مصر، والتقينا النقيب جبريل سالم رئيس وحدة الانضباط بمديرية أمن مساعد، خلال أعمال مراقبة وتفتيش المنفذ الحدودي مع مصر. سالم قال إن تهريب الأسلحة نشط خلال الفترة ما بين عامي 2011 و2013 عبر المنطقة الصحراوية جنوبي منفذ مساعد البري وحتى واحة الجغبوب التي تقع على بعد 200 كيلومتر جنوبًا، وأرجع سبب الانفلات الحدودي إلى “عدم وجود قوة كافية لتأمين الصحراء من الجانب الليبي”.

وأشار القيادي الأمني إلى اتجاه الجنوب، قائلًا: “الصحراء الليبية كبيرة من امساعد وحتى واحة جغبوب. نعتمد على جهود الإخوة المصريين في الجانب الآخر إلى حين إعادة انتشار قواتنا وقدرتنا على ضبط الحدود من جديد”. وقال إن فترة ما قبل عام 2013 “شهدت مرور مئات الأنواع من الأسلحة المتطورة، التي تتضمن صواريخ وذخائر ومواد متفجرة، إلى مصر”.

وأضاف بلهجته المميزة لسكان شرق ليبيا: “إحنا نعرفوا إنه في ليبيا ما يقارب 10 آلاف صاروخ أرض- جو مضاد للطائرات، بالإضافة إلى آلاف الصواريخ من طراز أرض- أرض، كانت موجودة في البلاد ولا يعرف أحد مصيرها حتى الآن. جانب كبير منها تم تهريبه عبر الحدود إلى الخارج وانتقلت إلى الدول المجاورة، خاصة مصر”.

طريقة تهريب الأسلحة عبر الحدود المصرية الليبية التي يفصلها منطقة ألغام، كشفها الرائد أحمد عبدالرحيم الفرجاني، مدير العلاقات العامة بمديرية أمن مساعد، الذي تحدث عن فتح المهربين ثغرات في منطقة الألغام الفاصلة بين حدود مصر وليبيا، بعد إبطال مفعولها لتوفير ما وصفه بـ”الممر الآمن” بينها لعبور سياراتهم رباعية الدفع بين الجانبين. وأشار الفرجاني إلى التعاون مع الجانب المصري لتأمين الحدود من جانبهم، بسبب ضعف إمكاناتهم في مقابل ما يمتلكه المهربون من “أجهزة اتصالات، ومناظير ليلية، وحتى الأسلحة المتطورة، على حد قوله.

أعادتنا تصريحات الفرجاني إلى القيادي السابق في اللجنة الأمنية العليا، التي كان ضمن مهام عملها ضبط الأمن في المنطقة الشرقية من ليبيا بعد سقوط نظام القذافي. وقال الفرجاني إن أعمال التهريب شهدت أعلى معدلاتها في الفترة ما بين انطلاق الثورة الليبية 17 فبراير 2011 وحتى مقتل القذافي في 20 أكتوبر من نفس العام، نتيجة للانشغال بالعمليات العسكرية مع قوات العقيد الليبي السابق في وسط وغرب البلاد، على حساب المنطقة الشرقية التي نشطت فيها حركة التهريب. لكنه أكد في الوقت نفسه أن أعمال التهريب لم تتوقف بعدها وإنما “استمرت بمعدلات أقل”.

وكشف قيادي اللجنة الأمنية العليا عن تورط عدد من أعضاء المجلس الوطني الانتقالي السابق من المنتمين لجماعة “أنصار الشريعة”، على حد قوله، في عمليات تهريب الأسلحة لمصر، مشيرًا إلى أن كتائب تابعة لهم تولت مسؤولية تأمين الحدود مع مصر وسهلت تهريب الأسلحة عبر الحدود، قبل أن يتم اكتشاف الأمر.

كما كشف ما يُعرّفه بـ”الكتائب الوهمية”، في إشارة إلى حيلة أعضاء المجلس الانتقالي السابق المتورطين في أعمال التهريب التي حصلوا بمقتضاها على كميات ضخمة من الأسلحة تم الاستيلاء عليها من مخازن القذافي، بعد تشكيل كتائب وهمية على الورق والحصول على أسلحة وأموال في صورة رواتب من الحكومة المؤقتة آنذاك لتأهيل الكتائب غير الموجودة على الأرض، قبل أن يتم نقل كامل أسلحتها إلى مصر بالتعاون مع عناصر إسلامية متشددة، حسب روايته.

لم يتسن لنا التأكد من التفاصيل المتعلقة بـ”الكتائب الوهمية” لعدم تمكننا من التواصل مع أطرافها الآخرين. لكن رواية مصادر أخرى بينهم عسكريون في الجيش الليبي ومهربون بين البلدين، أشارت إلى تواطؤ كتائب تأمين المنطقة الحدودية من جانب ليبيا، وتسهيلهم أعمال التهريب مقابل أموال أو بغرض دعم المقاومة الفلسطينية بعد تمرير الأسلحة عبر مصر إلى قطاع غزة.

وبينما اتفقت شهادات مصادرنا على اتهام كتائب تأمين المنطقة الحدودية الشرقية خلال فترة حكم المجلس الوطني الانتقالي بتسهيل أعمال التهريب عبر الحدود مع مصر، كانت فرقة تمشيط عسكرية تابعة للكتيبة 108 مشاة بالجيش الليبي، تواصل عملها في تأمين الحدود شرق وجنوب واحة الجغبوب القريبة من الحدود المصرية.

العقيد وليد بن ناصر، معاون آمر الكتيبة 108 مشاة في الجيش الليبي، أشار إلى عملهم على إعادة الانضباط للمنطقة الحدودية بالتوازي مع إعادة بناء الجيش الليبي الوطني، على حد قوله، لوقف أعمال التهريب التي تصاعدت منذ اندلاع الثورة في مصر وليبيا. وأضاف بن ناصر الذي كان يشرف ميدانيًا على عملية التمشيط، أن هذه المنطقة كانت معبرًا لمرور آلاف الأسلحة التي دخلت مصر، والتي من بينها صواريخ الكورنيت وسام 7، قبل أن يتم إحكام السيطرة عليها بالتنسيق مع الجيش المصري، حسب تأكيده.

انتقلنا للجانب الآخر، حيث الأراضي المصرية على بُعد نحو 120 كيلومترا من الموقع الذي تركنا فيه دورية التمشيط الليبية، وهي المسافة التي تقطعها سيارات الدفع الرباعي الخاصة بالمهربين في 90 دقيقة على الأكثر، عبر طرق معروفة تستخدم الكثبان الرملية التي تشتهر بها المنطقة كستار للتخفي، خاصة في الليل.

التقينا أحد المهربين ليكشف عن مسار التهريب الذي تم استحداثه ليمر عبر الظهير الصحراوي للواحة الهادئة في أعقاب ثورة يناير، بعد انهيار الوضع الأمني في ليبيا. يشير المهرب إلى مدينة السلوم المصرية، أقصى الشمال الغربي باعتبارها بوابة التهريب القديمة، سواء عبر المنفذ الرسمي للبضائع البسيطة التي يتم تهريبها داخل حقائب الركاب أو في مخابئ سرية بالسيارات، أو عبر الشريط الحدودي بين مدينتي السلوم وامساعد الليبيتين، أو عن طريق البحر من ميناء البردي في ليبيا إلى شواطئ مدينة السلوم. هذه الطرق كانت تستخدم لتهريب السلاح في العام 2011، لكن طريقا جديدا خلقه المهربون لاحقا.

لجوء المهربين للطريق الجديد بدأ مع فترة الانفلات الأمني في مصر، حسب شيخ قبيلة الظناين وكبير مشايخ سيوة فتحي الكيلاني الذي قال إن “بعض شباب الواحة انجرفوا إلى التعاون مع المهربين، بسبب تردي الأوضاع الأمنية الذي انعكس على حركة السياحة”. وأضاف: “كلمنا الشباب ونصحناهم: السلاح اللي انتوا بتجيبوه ده ممكن يقتل أبوك أو أخوك، يعني جميع النصايح مفيش فايدة”.

ارتفاع وتيرة التهريب عبر الواحة أزعج مشايخها، فاجتمعوا في الأشهر الأولى من عام 2011 لبحث الأمر، وانتهوا إلى توصية بالتحرك السريع لمواجهة الانفلات الحدودي المتصاعد، وتوجيه مذكرة إلى جهات أمنية وعسكرية تلخص الوضع وتبرئ ذمتهم مما رأوه “جريمة تهدد الأمن القومي”، على حد قول الشيخ عمر راجح، شيخ قبيلة أولاد موسى، الذي أكد أن مشايخ الواحة خاطبوا الجهات الرسمية المعنية وأعلنوا استعدادهم للمشاركة في منع التهريب، وهو ما رد عليه المهربون بإشعال النيران في مزارع النخيل التي تشتهر بها الواحة، خاصة تلك المملوكة للمشايخ مناهضي أعمال التهريب؛ أتت ألسنة اللهب على 40 فدانًا من الزراعات خلال 14 ساعة.

 

صحراء سيوة “الممر”.. وطريق الواحات “حلقة الوصل” بين المُهربين والتكفيريين.. وإحداثيات الـ GPS وسيلة تحديد الاتجاهات ونقاط التسليم  

تواصلت أعمال التهريب بعد الحريق، لكن بحذر أكبر حسب مهرّب التقيناه في مزرعة صغيرة على أطراف الواحة، ليروي كيف كانت عمليات التهريب تتم قبل الانفلات الأمني ثم كيف صار الوضع بعده: “كان فيه تهريب على السلوم وتهريب على سيوة. بالنسبة للسلوم طبعا الشغل بيتنقل من طبرق أو مصراتة لامساعد، وبعد كده بيتم نقله من امساعد للسلوم. بالنسبة لسيوة بيتنقل لجغبوب ومن جغبوب بينزل على سيوة، بس طبعا مبينزلوش داخل سيوة. بيمشوا محايدين للنور بتاعها”.

وكشف المهرب عن اعتمادهم على أحد إصدارات الهواتف القديمة نسبيًا “نوكيا C5” في تحديد المسارات وتعيين نقاط الالتقاء عبر الحدود بين مصر وليبيا، لأسباب تتعلق بدقة إحداثياته حتى في غياب الاتصال بالإنترنت. وعبر عن ذلك بقوله: “أحسن تليفون في شغلنا لأنه مبيخلفش معاك كيلوات زي التليفونات التانية. بتظبط نقطة خروجك وتتحرك وبتوصل بالظبط”. وأشار إلى اعتمادهم بشكل كامل على النقاط الإحداثية في تحديد نقاط الالتقاء لتسليم وتسلم الشحنات المُهرّبة.

وأوضح المهرب الشاب أن استخدام هاتف “نوكيا C5” يقتصر فقط على الخرائط، فيما يعتمدون على هاتف الثريا المتصل بالأقمار الصناعية لإجراء الاتصالات الضرورية في المنطقة الواقعة خارج نطاق شبكات الاتصالات في عمق الصحراء الغربية.

زودنا المهرب بنقاط إحداثيات جغرافية GPS استخدمها لتحديد مسار سيارات الدفع الرباعي المستخدمة في التهريب بين البلدين، وأخرى خاصة بنقاط الالتقاء مع حلقات شبكات التهريب جنوبي واحة سيوة في الفترة ما بين عامي 2011 و2013. لم يمانع المهرب في ذلك كون هذه النقاط لم تعد مستخدمة حاليًا لأسباب تتعلق بتغيير المسارات أو بتشديد الرقابة على الحدود بشكل حدّ من عمليات التهريب، فيما زودتنا مصادر عسكرية ليبية بنقاط إحداثيات مماثلة من الجانب الليبي، تمثل مسارات التهريب التي تم رصدها داخل حدودهم، والتي ما يزال بعضها مستخدمًا حتى اليوم حسب تأكيدهم.

أعدنا تعيين نقاط الإحداثيات على تطبيق خرائط جوجل google maps فحصلنا على مسار تفصيلي لبدايات مسارات التهريب الجديد من ليبيا وصولًا إلى واحة سيوة مرورًا بالخط الحدودي، تشكل فيما بينها مثلثًا قاعدته منطقة جنوب واحة جغبوب، ورأسه الظهير الصحراوي لواحة سيوة، جنوبي ما يعرف بـ “منطقة الملاحات”.

وصول سيارات التهريب الأراضي المصرية ليس نهاية المطاف؛ إذ تتبعه إجراءات معقدة لتسليم الشحنات المُهربة ونقلها مباشرة إلى حيث مُشتريها، أو نقلها إلى مناطق وسيطة لتخزينها فترة من الزمن، قبل أن تسمح الأوضاع بنقلها مرة أخرى إلى وجهتها الأخيرة. مناطق تخزين الأسلحة أو “محطات الترانزيت”، كما يطلق عليها المهرب الذي تحدث معنا في الواحة، لا تشمل سيوة حيث تسلك سيارات الدفع الرباعي الخاصة بالمهربين طرقًا صحراوية خارج الواحة لتنتقل منها إلى الظهير الصحراوي لمدن تابعة لمحافظة مطروح الحدودية، أبرزها براني والنجيل والضبعة، حيث يتم تخزينها لفترة، أو تسليمها لوسيط الصفقة الذي يتولى تسليمها للمشترين.

حصلنا على مقاطع فيديو تصور عملية ضبط أحد مخازن الأسلحة في ساحة منزل بمدينة الضبعة داخل مخزن سري تحت الأرض. وأشارت معلومات مصادرنا الأمنية التي تولت عملية الضبط إلى أنها تضمنت مئات البنادق الآلية وبنادق الخرطوش الحديثة بالإضافة إلى آلاف الذخائر متنوعة الأعيرة في مشهد غير مألوف على المدينة الصغيرة المقرر أن تحتضن أول محطة نووية لتوليد الكهرباء في مصر.

تكرر المشهد نفسه بعد نحو عام لكن بشكل تطوعي، عندما قدم العشرات من سكان الضبعة الآلاف من قطع الأسلحة التي تضمنت صواريخ جراد، وقذائف آر بي جي، وبنادق قناصة آلية حديثة، ضمن مبادرة رسمية لتسليم الأسلحة دعت لها محافظة مطروح وقيادة المنطقة الغربية العسكرية، واستجاب لها الأهالي، بين ديسمبر 2013 وحتى منتصف عام 2015؛  لتسفر عن تسليم أكثر 5 آلاف قطعة سلاح متنوعة، حسب تأكيد اللواء علاء أبوزيد، محافظ مطروح الذي أشرف على المبادرة.

وقال أبوزيد: “جمعنا كمية كبيرة من الأسلحة تتضمن صواريخ جراد عابرة للمدن وأسلحة متنوعة وثقيلة، رشاشات وبنادق وآر بي جي وطبنجات. كل ما تتخيله”. واعتبر محافظ مطروح، الذي كان يشغل منصب مدير فرع المخابرات الحربية بالمحافظة قبل توليه منصبه التنفيذي، أنه “لا يمكن منع أعمال التهريب وتأمين الحدود بنسبة 100%”، وأشار إلى الحدود بين أمريكا والمكسيك، التي لا تزال مصدر قلق مستمر لأكبر دولة في العالم، حسب قوله، قبل أن يتابع: “كل الإجراءات التي تتخذ في هذا الاتجاه تندرج تحت بند الحد من أعمال التهريب والتسلل”.

حسمت المبادرة الرسمية مسار جانب من محتويات مخازن الجيش الليبي التي انتقلت إلى مصر عبر الصحراء الغربية، لكن الجانب الأكبر منها تطلب عملًا أكثر عمقًا في أوروبا، بعد بحث طويل في قواعد بيانات مركز ARES المتخصص في تتبع وتوثيق صفقات الأسلحة حول العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص.

طلبنا من خبراء المركز، الذي يتخذ من استراليا مقرًا له، ويعيش مديره بين إنجلترا وأستراليا، مراجعة الأسلحة التي ظهرت في أيدي عناصر “ولاية سيناء” ومضاهاتها بتلك التي تم توثيق توريدها إلى نظام العقيد القذافي والتي تم رصدها خارج ليبيا بعد اندلاع ثورة 17 فبراير، فأكدوا في وثيقة رسمية اتفاق معظم أسلحة التنظيم التكفيري مع ترسانة الأسلحة الليبية، كما أكدوا أن جانبًا من الأسلحة المتطورة مثل بنادق إف إن فال FN FAL وإصدارات حديثة من البندقية الروسية الشهيرة كلاشينكوف لم يتم توريدها في المنطقة حتى عام 2011 إلا إلى نظام القذافي في ليبيا.

تأكيد ARES كان يمكن أن يكون كافيًا، مع خبرته الكبيرة وقواعد البيانات الضخمة التي يمتلكها لتفاصيل المئات من صفقات الأسلحة حول العالم، وتحديدًا في مناطق النزاعات في الشرق الأوسط وإفريقيا. لكن رغبتنا في الحصول على إثبات مادي لا يقبل الشك حول مصدر أسلحة تنظيم داعش دفعتنا لمنهجية أخرى تتلخص في الحصول على الأرقام المسلسلة لقطع من الأسلحة التي ظهرت في أيدي تنظيم ولاية سيناء والبحث عن تفاصيل صفقات بيعها لتحديد أطرافها بشكل قاطع.

خطورة سلاح مثل الكورنيت مقارنة بقذائف الآر بي جي يشرحها مدير مركز دراسات التسلح، نك جينزن- جونز بالقول: “هناك فرق شاسع بين ال (آر بي جي 7) و الكورنيت. الكورنيت لديه ذخيرة موجهة، الصاروخ قادر على تعديل مسار القذيفة ويمكنه إصابة الأهداف بدقة أكبر بكثير، على مسافات أبعد كثيراً تصل إلى خمسة كيلومترات، وهو أشد فتكاً. هناك عدة أنواع من قذائف الـ آر بي جي7 ولكن الأنواع الأكثر شيوعاً في حيازة الجماعات المسلحة تعتبر غير فعالة نسبياً ضد الدبابات الحديثة. ولكن الكورنيت، بالمقارنة، يشكل تهديداً عظيماً في مواجهة الدبابات الحديثة”.

في هذه الأثناء كشف لنا أحد المهربين عن الطريق الذي سلكته الأسلحة بعد خروجها من واحة سيوة، أو إعادة نقلها من مناطق التخزين في الظهير الصحراوي لمدن محافظة مطروح، عبر مدقات صحراوية غير مأهولة إلا من سيارات شركات التنقيب عن البترول التي تعمل في نفس النطاق، لينتقل بعدها إلى طريق سيوة- الواحات البحرية. ويمر الطريق بواحة الفرافرة التي بددت أعمال التهريب هدوءها المعهود، ليصل الوضع إلى ذروته في حادث الاعتداء على نقطة تأمين تابعة لقوات حرس الحدود المصرية، فيما عرف إعلاميًا بـ “مذبحة الفرافرة”، نسبة إلى الواحة الشهيرة في الصحراء الغربية.

أدى الهجوم إلى مقتل أكثر من 20 مجندًا من قوة نقطة التفتيش التابعة للكتيبة رقم 14، فيما قتل 3 من منفذي الهجوم الذين باغتوا قوة تأمين المنطقة الهادئة. تكررت المناوشات في محيط طريق الواحات، فيما صعدت القوات المسلحة المصرية من أعمال تمشيطها لضبط العناصر المسلحة الوافدة جديدًا على المنطقة، لتداهم خلال عملية تمشيط موسعة إحدى بؤر المسلحين التي تستخدم كمحطة لتخزين الأسلحة والذخائر بالظهير الصحراوي لمنطقة البويطي الواقعة على طريق سيوة- الواحات.

تضمنت عملية الضبط، التي بثت القوات المسلحة مقطع فيديو يصورها، كمية كبيرة من المتفجرات المُعدة للاستخدام في عمليات إرهابية. تضمنت المتفجرات المضبوطة “مادة (تي إن تي) شديدة الانفجار، و(نترات الأمونيا) التي تدخل في صناعة المتفجرات، بالإضافة إلى سوائل وأحماض حارقة، وكميات من العبوات الناسفة، ودوائر النسف والتدمير التي يمكن التحكم بها عن بعد”، حسب بيان القوات المسلحة مطلع سبتمبر 2016. ومع بدايات عام 2017 كشف الرئيس عبدالفتاح السيسي في مداخلة هاتفية لبرنامج “كل يوم” الذي يقدمه الإعلامي عمرو أديب، عن ضبط كميات ضخمة من المتفجرات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.

وأضاف السيسي أنه “تم ضبط أكثر من ألف طن من المتفجرات في مخازن تحت الأرض بسيناء”، وهو ما أعادنا إلى ما كشفه لنا الرائد أحمد عبدالرحيم الفرجاني، مدير القيادي الأمني بمدينة امساعد الليبية، حول ضبط كمية ضخمة من المتفجرات (مادة تي إن تي) قبل تهريبها إلى مصر عبر الحدود الغربية.

 

 صاروخ «كورنيت» وصل  إلى ليبيا عبر شركة KB TULA الروسية عام 2010 قبل انتقاله إلى سيناء

وسمحت لنا سلطات المدينة الليبية الحدودية بمعاينة المواد المتفجرة المضبوطة، والتي كانت مُعبأة في 70 حقيبة معدنية كبيرة تزن الواحدة منها ستة كيلوجرامات، بإجمالي نحو 500 كيلوجرام من المادة شديدة الانفجار. وأكدت سلطات مدينة امساعد الحدودية أن كمية المتفجرات المضبوطة تكفي لتجهيز 25 سيارة مفخخة شديدة التدمير، “يمكنها تدمير 20 منزلا مكونا من طابقين في محيط أكثر من 4 آلاف متر مربع”، على حد قول الرائد الفرجاني، بناء على تقديرات خبراء الهندسة العسكرية في الجيش الليبي.

نعود إلى الواحات، التي تعد همزة الوصل ومحطة التخزين الرئيسية للأسلحة والمتفجرات، قبل انطلاقها إلى قلب العاصمة أو حولها عبر الطريق الدائري، حسب المهرب الذي كشف لنا مسار الأسلحة بعد خروجها من المنطقة الحدودية في سيوة والسلوم. وأكد أن السيارات المُحمّلة بالأسلحة كانت تنطلق بعد ذلك إلى محطة تخزين ثانية في محافظات جنوبية مثل أسيوط وبني سويف قبل انتقالها لمحافظتي الشرقية أو الإسماعيلية، تمهيدا لنقلها إلى سيناء عن طريق كوبري السلام الذي تم إغلاقه في وقت لاحق من عام 2011 لأسباب أمنية، أو من خلال المعديات التي تعبر قناة السويس في الاتجاهين، من الإسماعيلية إلى سيناء والعكس، والتي تم تشديد الرقابة عليها بعد إحباط محاولات لاحقة لتهريب الأسلحة، حسب الخبير الاستراتيجي اللواء حمدي بخيت.

وأوضح بخيت أن لجوء المهربين إلى المسار المُستحدث تخلله محطات تخزين في عدة مناطق، قد تمتد أحيانًا إلى بعض مدن شمال الصعيد مثل بني سويف ومنها إلى مدن القناة تمهيدًا لنقلها إلى سيناء. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى الحدود الجنوبية من السودان باعتبارها منفذًا لدخول الأسلحة إلى مصر بالتوازي مع الحدود الغربية، فيما وصفه بـ”المثلث الليبي المصري السوداني”، في إشارة إلى منطقة التقاء الحدود بين الدول الثلاث جنوب غربي مصر.

طريقة مرور السيارات التي تحمل الأسلحة بعشرات الارتكازات الأمنية ونقاط التفتيش، كشفها لنا المهرب ذاته، مشيرًا إلى اعتمادهم على مجموعة من سائقي النقل المهرة من أصحاب الخبرة بالمسار إلى سيناء. أما الآلية فتتمثل في تسيير سيارة استكشاف أمام السيارة المُحمّلة بالأسلحة بعدة كيلومترات مع وجود خط اتصال مفتوح بين السيارتين لإعلام سيارات النقل المحملة بالأسلحة بأي طارئ على الطريق، أو بأي حملات نقاط تفتيش استثنائية.

أما في حالة نقاط التفتيش الثابتة والمعروفة مثل النقاط التي تسبق بوابات تحصيل الرسوم، فتقوم سيارات النقل بالدوران حول المنطقة عن طريق مدقات غير ممهدة معدة لهذا الغرض، وهي الآلية نفسها التي تم نقل الأسلحة بها إلى سيناء، عبر طرق شديدة الوعورة في منطقة وسط سيناء، لتصل إلى مخازن مجهزة تحت الأرض، مثل تلك التي أشار إليها الرئيس السيسي في تصريحاته التلفزيونية.

بعد الكشف عن طريق التهريب المستحدث، بقي أمامنا استكمال البحث المتعلق بمصادر أسلحة التنظيم الإرهابي بالعودة إلى جهات تصنيعها وبيعها عبر الأرقام المسلسلة التي تعد بمثابة بصمة لا يمكن أن تتكرر بين قطعتي سلاح. تمكنّا من تحديد بصمة أحد صواريخ كورنيت التي ظهرت بحوزة المسلحين التكفيريين في منطقة الشريط الحدودي، بعد تعيين جزء من الأرقام المسلسلة الخاصة به، لنبدأ مطابقتها مع الأسلحة المسجلة في قواعد البيانات التي أشرنا إليها، وفي مقدمتها قاعدة بيانات مركز ARES.

قادتنا عملية البحث وراء الأرقام المسلسلة لصاروخ الكورنيت إلى معلومات غير مسبوقة عن سلاح آخر تم توثيق ظهوره في المنطقة الحدودية شرقي سيناء، في صورة بندقية هجومية متطورة حصل عليها مسلحو سيناء في نهاية عام 2011 وتحمل اسم AK103-2 وهي نسخة مُطورة من بندقية كلاشينكوف الكلاسيكية AK47 ونسختها المُعدلة AKM لكنها تختلف من حيث القدرة الهجومية ومدى وكيفية إطلاق النيران، بالإضافة إلى تعديلها لتناسب المهام المختلفة، ما دعمها لتكون البندقية الرسمية لقوات النخبة في عدد من جيوش العالم.

بمراجعة مقاطع الفيديو الدعائية التي يبثها التنظيم المتشدد لعملياته ضد قوات الجيش والشرطة بشبه جزيرة سيناء تأكدنا من وجود البندقية AK103-2  ضمن ترسانته، ورصدنا استخدامها في أكثر من عملية مسلحة. وبالعودة إلى مصادرنا تأكدت معرفتهم بالبندقية المُطّورة التي يطلق عليها في أوساط المُهربين اسم “المطّوية”، في إشارة إلى جزءها الخلفي المصنوع من مادة البوليمر، ويمكن طيه على جانبها الأيسر. وتعرف البندقية الحديثة بأسماء أخرى مثل “القذافية”، نسبة إلى القذافي في إشارة إلى مصدرها المعروف في أوساط المهربين، كما تعرف كذلك باسم الكلاشينكوف الإسرائيلي، لتشابهها في الشكل مع أسلحة الجيش الإسرائيلي، على حد قول المصادر.

وأوضحت مصادر طلبت عن الكشف عن هويتها، أن البندقية المُطورة دخلت مصر بكميات كبيرة داخل صناديقها الأصلية- في إشارة إلى تهريبها جديدة- عبر الصحراء الغربية، ومرت بنفس مسار صاروخ الكورنيت من طريق الواحات وصولًا إلى سيناء، بغرض التهريب لقطاع غزة لصالح حركة حماس وعناصر الجهاد الإسلامي. لكن جانبًا من الشحنات التي أمكننا التواصل مع أحد وسطائها في قطاع غزة، بقي في سيناء، ليظهر في أيدي تنظيم ولاية سيناء خلال عملياتهم المسلحة لاحقًا.

 

مسار التهريب تغير بسبب الانفلات على الحدود المصرية الليبية في 2011  و”بحر الرمال” بوابة العبور

حصلنا على بصمة إحدى قطع البندقية المُطّورة بنفس الآلية، من خلال صورة مقربة لأحد مقاطع الفيديو التي بثها التنظيم، تحمل الرقم المُسلسل 071448828 وانتقلنا إلى لندن مرة أخرى لمطابقتها مع قواعد البيانات المتاحة لنا، فتوصلنا إلى كشف يتضمن تفاصيل صفقة عقدتها شركة أيزماش IZhmash التابعة لمجموعة كلاشينكوف الروسية مع الحكومة الليبية، وتم توريدها عن طريق شركة حكومية روسية تدعى روسو بورون إكسپورت  Rosobornexport في 19 أبريل 2004. كما حصلنا على عدد من فواتير الشحنة التي تضمنتها الصفقة، وشملت توريد نحو ٢٣٠ ألف بندقية من هذا الطراز تطابقت إحداها مع بندقية تم توثيق ظهورها في شرق ليبيا من خلال مركز ARES وتحمل الرقم المسلسل 071464557.

وتطابق تاريخ إنتاج وتوريد البندقيتين اللتين تم توثيق ظهورهما في مصر وليبيا مع بنادق مماثلة تم توثيق ظهورها في قطاع غزة، عن طريق مركز ARES، في أيدي عناصر حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بالإضافة إلى عناصر سرايا القدس، حسب مدير مركز دراسات التسلح. فيما كشفت مصادر في سيناء وقطاع غزة عن أن سر تفضيل عناصر التنظيم الإرهابي للبندقية هو تصميمها المُطوّر الذي يتيح لها مجال إصابة مؤثرا أكثر بعدًا بسبب تعديل فتحة إطلاق النار، وقدرتها على إطلاق النيران على ثلاثة أنماط: آلي، وفردي، ونصف آلي على دفعات ثلاثية، بعكس نظام البندقية التقليدية AK47 الثنائي، فضلًا عن إمكانية تعديلها بإضافة منظار لتتحول إلى بندقية قنص، أو إضافة جزءلتصبح قاذفة قنابل خفيفة الوزن.

وقادنا البحث المتعلق بصاروخ الكورنيت الذي حصلنا على أرقامه المسلسلة K9H156-1 إلى انتمائه للطراز المعروف باسم 9М133-1 وهو روسي الصنع. وكان ضمن ترسانة الأسلحة الليبية في فترة حكم القذافي، والذي تنتجه بين شركة KBP Tula الروسية، وصدرته شركة توريد السلاح الروسية إلى الحكومة الليبية ضمن مجموعة صفقات في الفترة ما بين عامي 2004 و2011 وشملت نحو 600 صاروخ مضاد للدروع، وهو مختلف تمامًا عن طراز الكورنيت الذي تصنعه إيران بتصريح من الشركة الروسية (إيران هي الدولة الوحيدة المسموح لها بصناعة الكورنيت وتطويره خارج روسيا)، حسب قواعد البيانات التي راجعناها، ووفق تأكيد نك جينزن- جونز، المدير التنفيذي لمركز ARES وخبير أبحاث ودراسات التسلح.

وأكد جونز أن بقية صواريخ الكورنيت التي ظهرت في عمليات تنظيم ولاية سيناء ضد القوات المسلحة في سيناء، والتي راجعناها معه تفصيليًا، ترجع في الغالب إلى ترسانة القذافي التي تم الاستيلاء عليها في مدن الشرق الليبي عام 2011. وقال: “لدينا أدلة معيّنة تتعلق بأنظمة أسلحة بعينها قمنا بتحليلها من أجلكم. عندما تنظر إلى الأسلحة المضبوطة لدى المقاتلين والصور المتعددة التي وثقتموها في فيديوهات التدريب والعمليات المصورة، يمكننا ملاحظة أن العديد من تلك الأسلحة مطابق لما نُطلق عليه (العناصر التي تم التعرف عليها من الانتفاضة الليبية)، والتي تعني قطع الأسلحة التي توصلنا إليها عبر مصادرنا وتمكننا من توثيق أرقامها المسلسلة ومن ثم تحديد مصدرها وصفقاتها الرسمية، قبل أن تُفقد خلال أحداث الثورة الليبية.

الأعداد الهائلة من الأسلحة التي كدسها القذافي في مخازنه، ونُهبت أثناء محاولة إسقاطه تسببت في تهديد أمن عدد من الدول المجاورة له. يقول مدير مركز أبحاث التسلح: “بالطبع الانتفاضة الليبية أو الحرب الأهلية تسببت بفقدان السيطرة تماما على عدد مهول من مخزون الأسلحة. السلاح الجوي للقذافي كان يملك مخزونا هائلًا، وكذلك  قطاعات مركزية كبيرة وعدد من القواعد العسكرية التي كانت تحتفظ بأسلحة تفيض عن احتياج نظام القذافي. وعدد كبير من هذه الأسلحة وقع خارج سيطرة الدولة خلال مراحل الصراع لدرجة أنه لم يبق بين أيدي المتحاربين فقط وإنما توزع بشكل عريض حول المنطقة. رصدنا في مركزنا ظهور هذه الأسلحة في الجزائر،  وتشاد، وتونس، والنيجر، ومالي، وسوريا، وغزة، وأيضاً في مصر”.

خاطبنا بعثة جمهورية روسيا الاتحادية بالأمم المتحدة، بتاريخ 4 نوفمبر 2012  وطالبناهم بتزويدنا بمعلومات إضافية عن صفقات الأسلحة التي وثقنا توريدها من خلال شركات روسية حكومية إلى نظام العقيد القذافي قبل ظهور بعض القطع التي تضمنتها في سيناء، ودعمنا مخاطباتنا بالوثائق التي نمتلكها، لكننا لم نتلق ردًا حتى نشر التحقيق.
ترسانة القذافي تحرك الماء الراكد بتوقيع اتفاقية دولية لتنظيم تجارة الأسلحة

باتريك ويلكن الباحث بـ “العفو الدولية”: الولايات المتحدة والصين خارج نطاق الاتفاقية.. وروسيا تشذ عن النظام الدولي في مواجهة انتشار الأسلحة

عمليات تصدير الأسلحة لأنظمة غير مستقرة ولا تحكم السيطرة بشكل كامل على مخازنها كانت دافعًا لمنظمات عدة لممارسة ضغوط واسعة على الدول الكبرى المصدرة للسلاح بدأت قبل أكثر من 20 عامًا. لكن الهاجس تأكد عقب اشتعال الثورات في المنطقة العربية ووقوع أسلحة متطورة في أيدي تنظيمات مسلحة متطرفة في العراق وسوريا وليبيا، بخلاف عدد من الدول الإفريقية. نجحت هذه الضغوط في إدخال “معاهدة تجارة الأسلحة” حيز التنفيذ في ديسمبر عام ٢٠١٤. وتلزم المعاهدة الدول الموقعة عليها بمراقبة استخدام الأسلحة التقليدية عقب التصدير. وقع على هذه المعاهدة عدد من الدول الكبرى لتصدير السلاح مثل إنجلترا وفرنسا، لكن دولتين كبريين رفضتا الإنضمام وهما روسيا والصين، بينما وقعت الولايات المتحدة، لكنها ترفض التصديق النهائي.
منظمة العفو الدولية كانت واحدة من منظمات عدة مارست هذه الضغوط على الحكومات الغربية. عن كيفية إقناع الدول المُصدرة للسلاح بالتوقيع. يقول باتريك ويلكن، الباحث في حملة الحد من انتشار الأسلحة والأمن التجاري وحقوق الإنسان بمنظمة العفو الدولية: “أعتقد أن هناك دولًا معينة تعارض الانضمام للمعاهدات الدولية من حيث المبدأ. الولايات المتحدة الأمريكية لا تحظى بسجل جيد فيما يتعلق بالمعاهدات الدولية. وهي وقعت على الاتفاقية ولكن من المستبعد جداً أن تصدق عليها الآن لأن التصديق يجب أن يوافق عليه مجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين. الآن وخاصة بعد الرئيس الجديد، أصبح الأمر شبه مستحيل.

دولة مثل الصين لديها مشكلة تتعلق بوجود ذكر لحقوق الإنسان ضمن المبادئ الأساسية للمعاهدة. روسيا تشذ عن النظام الدولي بدرجة  كبيرة. أعتقد أن دولاً كثيرة تتفق مع محتوى المعاهدة من حيث المبدأ، ولكنها تعاني من التأخير في الإجراءات الداخلية، ومن المرجح أن تنضم للمعاهدة في وقت لاحق. لكن هناك دائما شكوك في جهات معينة خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسألة حساسة مرتبطة بتجارة تساوي المليارات وقضايا كالأمن القومي والتوازن الجيوسياسي”.
عن الدافع الرئيسي وراء قبول دول كبرى التصديق على معاهدة قد تعطل إتمام صفقات بمليارات الدولارات، يقول ويلكن: “أعتقد أن تنظيم نقل الأسلحة سيعود بالنفع على العديد من الدول. عندما ننظر حولنا نلحظ الثمن الباهظ لانتشار الأسلحة وتداولها بشكل غير مسؤول في مناطق النزاع. نشاهد ذلك بوضوح في ليبيا وفي الشرق الأوسط عموماً. هذا الثمن الباهظ يتعلق بحياة الناس، بحقوق الإنسان، بالضرر المادي الذي تسببه النزاعات.  لذا فإن وضع ضوابط أشد على نقل الأسلحة سيكون في صالح كل الدول، سواء في مناطق النزاعات، أو الدول الكبرى التي تشهد تدفقا هائلًا في استقبال اللاجئين وهو ما يسبب اضطرابات كبيرة في أوروبا”.

 

النسخة التلفزيونية من التحقيق

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net


الصحفي



تعليقاتكم