الأربعاء ١٥ - أغسطس - ٢٠١٨ ٠٩:١٩ مساءً

"جرائم المناسَبة": حلقات عنف مخفيّة في لبنان

18 اذار 2018
هيفاء زعيتر

تحقيق: هيفاء زعيتر

رصيف٢٢– إنها السابعة صباحًا. استيقظ أحمد (21 عامًا) في إحدى قرى البقاع الأوسط على صوت إطلاق نار وتبادل شتائم. شعر بقلبه يخفق بشدة. لم تكن المرة الأولى التي يصحو فيها على صوت مماثل، لكنه كان مستغرقًا في حلم جميل. عدا ذلك فهو قد اعتاد تسلية بعض شبان الحارة بالسلاح. لا توقيت محدّد لهم، حسب المزاج.

القلق نفسه عاشته صونيا (47 عامًا)، التي تعمل مندوبة مبيعات لإحدى شركات التجميل وتقضي معظم يومها متجوّلة على الطرقات في العاصمة بيروت.

“كنت أقود سيارتي على الشارع الرئيسي بينما كان أحدهم خارجًا من طريق فرعي، لم أنتبه له لكنه اعتبر أن أفضليّة المرور من حقه، وعدم وقوفي له إهانة… تبعني بسيارته ذات الدفع الرباعيّ واعترض طريقي، ثم صوّب مسدسه باتجاه رأسي وهو يطلق كل الشتائم الذكوريّة التي يعرفها”، تخبر صونيا.

وتقول “أصبحت أعيش في خوف دائم، على نفسي وعلى عائلتي. لبنانيون كثر باتوا سريعي الغضب، والرصاصة القاتلة قد تخرج من سلاح أحدهم في أيّة لحظة، ولسبب تافه”.

تجد صونيا ما يبرّر خوفها. لقد وقعت جرائم قتل عديدة في لبنان في السنوات الأخيرة لسبب مماثل، كما حصل مع الشاب روي حاموش الذي قُتل نتيجة إشكال على أفضليّة المرور. قبله قُتل كلّ من خليل القطان وطلال العوض بسبب “كوب نسكافيه”، وبعده قُتل مكرم ملاعب بسبب “الموسيقى”، وغيرهم كثر.

تُذكّر تلك الجرائم بـ رواية “الغريب” لألبير كامو، حين قتل بطل الرواية المدعو ميرسو، على أحد شواطئ الجزائر، أحدهم (لا نعرف اسمه) بخمس طلقات من مسدس. عندما سألوه في المحكمة عن السبب أجاب بأنها “حرارة الشمس الشديدة، والعرق الذي غطى جفونه، والملح الذي ذاب على عينيه، والبحر الذي يطلق هواء ساخنًا والصداع الذي يدّق شرايينه تحت الجلد…”.

حينها ضحك الحاضرون في مكان لا يضحك فيه أحد. وبالخفّة نفسها، التي أثارت الضحك أحيانًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حجز “النسكافيه” لنفسه مكانًا بين “الكوسا” و”البيجاما” و”الكلب” و”أفضلية المرور” كسبب لارتكاب جريمة في لبنان.

ولكن هل هذه حقًا الأسباب وراء وقوع مثل تلك الجرائم؟

وُصفت تلك الأسباب بالتافهة، لكن جرى تكريسها إعلاميًا كدافع لارتكاب الجرائم التي وقعت، بينما لعب التركيز على “تفاهة” الأسباب دوره في تمييع أسباب أخرى قد تكون وراء هذا النوع من الإجرام وفي صرف النظر عن مسؤولين آخرين عنه.

أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن تلك الجرائم هو توصيفها بـ”العبثيّة”، لكن حسب المتخصص في علم الجريمة عمر نشّابة فإن هذا التوصيف غير دقيق، لا بل ينزع عن تلك الجرائم أسبابها المنطقية.

“نطلق على هذا النوع من الجرائم اسم جريمة المناسبة. الشخص العصبي/ الموتور/ العنيف لا يكون بالضرورة مجرمًا، إلا إذا توفرت المناسبة التي أدّت لتفعيل هذه الصفة لديه، وبالتالي ارتكاب فعل جرمي”، يوضح نشّابة.

سعى التحقيق وراء مجموعة من الحلقات التي تربط “جرائم المناسَبة” ببعضها في لبنان، وذهب أبعد من الأسباب المباشرة “المضحكة” لتلك الجرائم.

مسائل انتشار السلاح والتراخي في ضبطه، الثغرات في قانون الأسلحة والذخائر، التركيبة الاجتماعيّة الضاغطة، التدخل السياسي في القضاء، الأجهزة الأمنيّة المتعدّدة وتنافسها…تظهر هنا كحلقات في سلسلة لا تؤدي كلّ واحدة منها بالضرورة إلى ارتكاب فعل جرمي، لكنها تخلق مناخًا جنائيًا عامًا يشعر فيه الشخص بفائض من القوة – يقابله تراخٍ في المحاسبة- يسهّل اعتداءه على الآخر، وصولًا  إلى قتله.

124 جريمة.. ومئات “المناسبات”

في نهاية العام 2017، كانت بيانات قوى الأمن الداخلي قد سجّلت وقوع 124 جريمة قتل. وبحسب البيانات نفسها، سجّل العام 2016 حوالي 118 جريمة والعام 2015 أكثر من 155 جريمة.

“انخفض العدد نسبيًا عن الأعوام السابقة”، يعلّق رئيس العلاقات الإعلامية في قوى الامن الداخلي العقيد جوزف مسلّم، مردفًا “لكن بشاعة الجرائم التي تُسجّل غيّرت نظرة المجتمع إلى نفسه، وارتفاع عدد الجرائم المجانيّة يبقى مخيفًا في بلد صغير كلبنان”.

ومع كل جريمة تقع كانت حياة كثيرين تتغيّر إلى غير رجعة، من جهة عائلة القتيل وليس أقل وطأة  بالنسبة لعائلة القاتل. البعض نجح في ضبط ارتدادات الجريمة، والبعض الآخر غرق في دوّامة الدم.

تدمير عائلات بأكملها

لحظتان اثنتان كانتا كفيلتين بتغيير حياة رحاب إلى الأبد. الأولى حين خرّ ابنها البكر مكرم (23 عامًا) مضرّجًا بدمائه، إثر تعرضه لإطلاق نار من ابن قريته زاهر، والثانية حين أبلغها الأطباء بوفاته بعد يومين في مستشفى الجامعة الأمريكيّة.

كان قد مرّ شهران بالتمام على مقتله، في الخامس من ديسمبر 2017، حين استقبلتنا رحاب في منزل العائلة في قرية بيصور الجبليّة الوادعة (قرية من قرى قضاء عاليه في محافظة جبل لبنان، وتبعد عن مدينة بيروت حوالي 18 كلم).

بينما كانت تستعرض صور حديثة نسبيًا لها مع مكرم ووالده مروان وإخوته بهاء وغنى، بدت الأم الأربعينيّة في الصور أصغر بسنوات كثيرة.

“يا حياتي، يا حياة قلبي، يا عمري”. تخاطب رحاب صور مكرم المنتشرة في كل أنحاء المنزل، كما لو أنه أمامها ويسمع ما تقول.

“كان مستعجلًا على كل شيء، وكلّه حماسة. يلقبّه أصدقاؤه بأبو حماس. بدأ ببناء منزل ولم يكن يصدّق أن ينهيه ويتقدم لخطبة حبيبته بعد أشهر قليلة. أراد شرب الحياة دفعة وحدة. لكنه حلم انطفأ بلحظات، وكأنه لم يكن هنا”.

كل من سألناه عن رحاب في القرية يقول “امرأة جبّارة”، لم تبكِ  وظلّت تردّد إنه “قدرها”.

“أحاول ألا أبكي أمام العائلة. الكلّ  خاطره مكسور ولا أريد أن أوجعهم أكثر”، تقول رحاب وتسرّ لنا بأنها تنتظر يوميًا مغادرة زوجها مروان إلى العمل وولديها إلى المدرسة، لتبدأ بشمّ ثياب مكرم الباقية في “حقيبة الخدمة” (كان عنصرًا في جهاز الأمن العام اللبناني) وملاءات سريره التي رفضت غسلها، بينما ترفض الخروج من المنزل.

ولكن ما الذي يضع يوميات عائلة عادية، برتابة صباحاتها ومساءاتها، فجأة أمام أعين العالم، وكل الاحتمالات والأسئلة المفتوحة؟

إنها الجريمة التي وقعت عند الثالثة ليلًا، عندما كان مكرم وأصدقاؤه الثلاثة يسهرون قريبًا من منزل زاهر ملاعب. تقول الروايات إن الأخير انزعج من صوت الموسيقى الصادر عن الشباب، فوقع تلاسن بين الطرفين، أعقبه إشكال ثم إطلاق نار من رشاش حربي أودى بحياة مكرم.

تتعدد الروايات بشأن تفاصيل تلك الليلة، لكنها تجمع على أن سبب الإشكال لا يستأهل القتل، فيما لم تكن تجمع القاتل والقتيل، مع أنهما من قرية وعائلة واحدة، أية معرفة سابقة.

الخوف من توسّع الإشكال، هدأته ردّة فعل الوالد الذي طالب الجميع بالتروّي، وتدخل البلديّة التي تجمع كافة الأطراف السياسية الدرزيّة، من الحزب الاشتراكي والقومي والديمقراطي اللبناني، التي ينتمي إليها أبناء بيصور.

“عندما سمعنا بالخبر ليلًا، كان كلّ همّنا حصر الحادثة”، يقول رئيس بلديّة بيصور نديم ملاعب.

عملت البلديّة على تسليم القاتل، وتمكنت من ذلك بعد ساعتين على وقوع الحادثة، في حين طلبت من عائلة القاتل التوجه إلى المستشفى للوقوف جنب أهل مكرم.

“عدم وفاة مكرم على الفور، أعطى مهلة للتحرك وتهدئة النفوس”، يقول رئيس البلدية مردفًا “ما ذنب الناس التي كانت نائمة في منازلها، ما ذنب عم القاتل مثلا؟ بالمنطق والعقل، عائلة القاتل لم تحرّضه سابقا، فلماذا تدفع ثمن تهوّر ابنها؟”.

مع ذلك، لا بدّ لعائلة القاتل، أي قاتل، أن تدفع ثمنًا وحتى لو لم يكن لها ذنب في الجريمة.

“في الأعراف المتبعّة، وتحديدًا في القرى، على عائلة القاتل أن تحيّد نفسها. طلبنا من أهل القاتل إقفال المنزل ومغادرته، كما غادر المستأجرون محال أهل القاتل، الواقعة تحت المنزل وبجواره، لا سيما وأن الجريمة وقعت هناك”، يوضح رئيس البلديّة.

صور مكرم موزعة في القرية، في حين يبدو منزل القاتل، الذي كان يعيش مع والده ووالدته، دون حياة، وكذلك منازل أعمامه.

لا يشتكي هؤلاء، ومنهم عمّ زاهر، رؤوف ملاعب، الذي أصرّ على تعزية عائلة مكرم وشكرها على موقفها النبيل، واستنكار تلك الجريمة البشعة.

بعد ثلاثة أيام من الحادثة، طُلب والد زاهر السبعيني للتحقيق وقرّر القاضي إبقاءه محتجزًا.

“القاتل وأبوه مجرمان. رأينا الأب في الفيديو حاملًا  سيجارة ليلًا وهو يراقب من الشرفة”، يقول عزام ملاعب، عمّ القتيل.

ليس ثمة ما يؤكد تورط الأب في القتل، ولكنه لا يزال محتجزا حتى استكمال التحقيقات. في المقابل، حتى في حال خروجه، لا يمكن له العودة إلى بيصور.

يغالب عزام من أجل كتم دموعه، ” يا خسارة الشباب، مكرم كان ممتلئًا حماسة وحياة، ويساعد الجميع… ليس لدينا مشكلة مع عائلة زاهر، ولكن لا نريد أن نرى أحدًا منهم في القرية”.

لا يختلف حال إبراهيم القطان عن غيره من عائلات ضحايا الموت المجاني.

في شهر أبريل العام 2017، شهدت منطقة قب الياس، في البقاع الأوسط (شرقي لبنان)، مقتل كل من طلال العوض وخليل القطان بسبب “كوب نسكافيه”.

كان إبراهيم يعمل منذ ست سنوات مع والده في الكسّارة غير البعيدة عن المنزل في قب الياس. يسبقه والده صباحًا إلى “عربة القهوة” التي يقصدها لتناول القهوة الصباحية مع صديقه، صاحب العربة، قبل أن يتوجه إلى عمله، هناك حيث يوافيه هو حاملا الزوادة التي تعدها والدته لهما يوميًا.

في ذلك اليوم، حين كانت والدته منهمكة بتحضير الزوادة، رنّ  هاتفه. “والدك قُتل”، كلمتان كالصاعقة باغتتاه.

ضجّت وسائل الإعلام بتفاصيل “جريمة النسكافيه”، فعرفنا أن مارك يمين (24 عاما) ركن فجرًا قرب عربة العوض، وطلب كوبًا من النسكافيه بطريقة استفزازية. بعد تبادل الشتائم، سحب يمين مسدسه وأطلق النار باتجاه صاحب العربة. وبينما كان صديقه وزبونه خليل القطان يهم بالخروج لمعرفة ما جرى، أعقبه برصاصة أخرى.

أما أبرز ما تم تداوله بعد القبض على يمين، فهو تبريره القتل بأن “النسكافيه بتقرّف (مقرفة)”.

هناك في مسرح الجريمة، في بلد مقسّم طائفيًا كلبنان، برز تفصيل مهم: “القاتل مسيحي”. انشغل المتابعون باختلاف طائفة القاتل، بينما كان بعض من أهالي الضحيّتين يهاجمون محلا لبيع الكحول تملكه عائلة القاتل.

نعود إلى الحلقات التي تربط تلك الجرائم ببعضها، ما أبرز ما توصّل إليه التحقيق؟

الحلقة الأولى: الاستزلام وفائض القوة

في أحد أحياء بيروت الشعبية، يعيش “جهاد” (اسم مستعار). هناك حيث تغص الأرصفة بجالسيها ليلًا نهارًا. يُطلق عليهم في لبنان صفة “الزعران”. منهم خريج السجون، منهم المطلوب بمذكرات توقيف ومنهم العاطل عن العمل.

بين حلقات الجالسين ما يشبه القنبلة الموقوتة. وقوع الإشكال أسرع من إلقاء التحية. أثناء اللقاء مع جهاد، حدث تلاسن بينه وبين آخرين كاد أن يتحول إلى عراك بالأيدي، لولا أنه استدرك الأمر “مراعاة لوجود ضيوف”.

“جهاد” شاب في بداية العشرين، امتنع عن كشف هويته حفاظًا على سلامته. لم يكن قد تعدى السادسة عشر حين دخل السجن للمرة الأولى في العام 2011. تكررت زيارته، لكن تلك التي أعقبت محاولة قتل جاره وصديقه القديم، الذي كان قد تحول إلى مسؤول حزبي (نتحفظ عن ذكر هويته حفاظًا على سلامة “جهاد”) أثناء غيابه في السجن لسنتين، كانت “الأكثر ثقلًا”، كما يخبر.

يشرح مسببات ارتكابه الجرم، لينتقل متحدثًا عن تجربته مع القوى الأمنية. يحكي الكثير عن القهر الذي ولد بداخله، ثم ينتقل شارحًا كيف اتّخذ من العنف وسيلة للعيش.


تسري ديناميكيّة “تبادل الخدمات” بشكل مشابه على العلاقة التي تربط “علاء”، جامع الخوّات الثلاثيني المقرّب من “حركة أمل”، بمن يحميه.

هو لن يقتل بالضرورة، لكن قوانين عالم “الخوّات” (إجبار المحلات التجاريّة على دفع مبلغ شهري للشخص عنوة) الذي يتحرّك ضمنه تفضح كيفية تعزيز الشعور بفائض القوة لديه.

“من يرفض دفع الخوة نرسل له من يضرب الزبائن، فيدفعها بطيب خاطر”، يقول علاء متباهيًا. ثم يشرح ظروف “عمله”.


عند التواصل مع مسؤولين في “حركة أمل” أتى الردّ بنفي ما جاء أعلاه. وجاء فيه “كل من اتهمنا بذلك سنتعامل معه عبر القضاء والقانون. هذا كلام غير صحيح، لأن من سيتكلم عنا، عليه أن يواجهنا، ولن ندافع عن أنفسنا فنحن معروفون بعدم حماية الفساد والتفلّت”.

وأكدّت “الحركة” أنها “أساس السلم الأهلي والاستقرار، انطلاقا من بيروت وصولًا  إلى كل المناطق”، وأن “شبابها مثقف ومتعلم وواعٍ، ومن يقول عكس ذلك هدفه سياسي لتشويه صورة حركة أمل”.

لماذا قد يتحوّل الاستزلام إلى العنف؟

في كتابه ” التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”، يوضح الباحث مصطفى حجازي أن الإنسان المقهور، وفي إطار علاقة التزلّف والاستزلام مع “السيّد”، يُصاب بـ”الجرح النرجسي” حيث تلاحقه عقدة العار ويشعر بتهديد كرامته.

هنا “يبدأ بالتفتيش عن مخطئ يحمل وزر العدوانية المتراكمة داخله، لأن تحمّلها وحيدًا يهدد وجوده بالانفجار”. وفق نظرية حجازي، يصبح “الاعتداء على الآخر ليس اعتداء على قيمته الإنسانية بل بكل بساطة تحطيم لرمز السوء والعار”.

الحلقة الثانية: عُرف “تفلّت السلاح”

حين اتصل محمد بأحد المخافر القريبة مشتكيًا أن الرصاص الذي يطلقه الجيران قد أصاب شرفة منزله حيث كان يجلس مع العائلة، طالبًا التدخّل لتهدئة الأمر، أتاه الجواب مستغربًا “وأنت ما الذي يجعلك تجلس على الشرفة؟ أدخل إلى منزلك”.

وحين استنكر محمد إجابة العنصر الأمني، اشتكى الأخير من قلة حيلة القوى الأمنية في الكثير من الأمور ومن انتشار السلاح بكثرة.

يقولون في لبنان، على سبيل المزاح، إن من لا يملك سلاحًا أو يعرف أحدًا يملك سلاحًا تُسحب منه الجنسيّة. أصبحت تلك النكتة أكثر واقعيّة بعد الحرب الأهليّة (1975 – 1990) التي خلّفت بين ما خلفته انتشارًا هائلًا  للسلاح، و”لم تنجح سلطة ما بعد الحرب في ضبطه”، حسب النائب فادي كرم، عضو لجنة الدفاع والداخليّة والبلديّات.

يلقي عضو كتلة القوات اللبنانية المسؤولية على “حزب الله” باعتباره أفلت حملة سلاح تحت شعار الأمن الذاتي والخوف من أحد، تحت راية “الحروب المقدسة” التي يقودها.

“حتى ما يُقال عن انتشار السلاح في أيدي الجميع وليس فقط جماعة حزب الله، سببه أن وجود سلاح غير شرعي، يسمح بتفلت الأطراف الأخرى. أي شواذ يجر إلى استثناءات أخرى. هذا الطرف بطريقة ما يأخذ شرعية ولا أحد يطاله، فأصبحت الأطراف الأخرى، من أخصام وأصدقاء، تستظل بهذا السلاح.وتبرّر تفلته من أجل تفلتها”.

يصبّ كلام كرم في السياسة وفي مسألة “سلاح المقاومة” التي شكلت محور الانقسام بين أفرقاء السياسة في لبنان.

على أرض الواقع، لا ينشغل “جينو” (اسم مستعار)، الذي يعيش في قرية شمالية نائية، بالكلام عن الشواذ والاستثناءات. يجلس على شرفة منزله متحدثًا الموضوع الأحبّ  إلى قلبه: السلاح.

حين يتحدث عن “أسلحته” يقصد مجموعة المسدسات التي يحتفظ بها وعددها أربعة، بالإضافة إلى قطعة “الكلاشنكوف”، و”الخردقة” (سلاح صيد) والتي هي “تحصيل حاصل” كقطعة تسلية لابنيه الذي يبلغ أكبرهما التاسعة.

أهدي كل مولود ذكر من عائلتي مسدسًا ليذكرني بالخير، وحين يكبرون أعلّمهم أصول استخدامه التقني”، يقول متباهيًآ.

“قبل أن أطبق عامي الواحد والعشرين، شهرت المسدس في وجه شباب من قرية مجاورة، حاولوا ملاطفة إبنة قريتي، وفي مرة ثانية استخدمته لإثبات حقّي في المرور، وهي حادثة لطالما تكررت” حسب “جينو”.

لا يخاف “جينو”، المقرّب من تيّار المردة في زغرتا، أن يغدره غضبه ويردي أحدهم قتيلًا، فـ”لو حصل ذلك سينال عقوبة مخففة بدعم من زعيم الحزب”، حسب ما يزعم. ثم يضيف “أرتاح لفكرة تسلّح المسيحيين على اختلاف ميولهم الحزبية، وأرتاح أكثر كون القوى الأمنية تغضّ الطرف عن بعض الممارسات”.

في المقلب الآخر، لطائفة مختلفة ومنطقة مختلفة، كان “ع. م” يستعرض في هذه المقابلة ما يملكه من سلاح فردي


“السلاح لا يقتل لكن الناس يقتلون”، هذا ما درج من قول. لكن “الدراسة التي نشرها كلّ  من Berkowitz و LePage في العام 1967 في Journal of Personality and Social Psychology، أصبحت من الدراسات الكلاسيكيّة التي تنقض ذاك القول”، يعلّق أستاذ علم النفس الاجتماعي شارل حرب.

أضاءت تلك الدراسة على الـ (Weapons effect) أو سهولة الوصول إلى السلاح باعتباره عاملًا معزّزا ضمن ما يدرسه علم النفس الاجتماعي حول المحيط (context of behavior) والنماذج models التي تطرقت في مراحل مختلفة إلى الجوانب المختلفة المتعلقة بالجريمة.

ضمن المتغيّرات المحيطة (Surrounding variables)، يشرح حرب تأثير وجود سلاح قريب أو في متناول اليد على التصرف العنفي/ العدائي.

“هذه العلاقة شديدة الوضوح”، يقول حرب لافتًا إلى دراسة أعدها في العام 2006 وأظهرت أن في لبنان ثمة 1 من أصل 3 أشخاص بإمكانه الوصول إلى سلاح حربي وليس فقط صيد، أي الثلث. ومن بين 1500 مشارك شملتهم الدراسة، كان لدى 48.3 في المئة إمكانية الوصول إلى سلاح حربي، شخصيًا أو عبر الأقارب، بينما قال 32.1 في المئة منهم إنهم استخدموا السلاح سابقًا.

وعند التواصل مع وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، عبر مستشاره محمد بركات، عبّر الأخير عن رغبة الوزير بعدم التطرّق لمسألة الانفلات الأمني في هذه المرحلة، وفضّل عدم إعطائنا المقابلة.

الحلقة الثالثة: “دكاكين رخص”

يحصر قانون الأسلحة والذخائر اللبناني صلاحية إعطاء رخص اقتناء السلاح بوزارة الدفاع.

من يزور موقع وزارة الدفاع الإلكتروني، يجد صفحة تتضمن “طلب الحصول على رخصة للسلاح”، مرفقة بـ”المستندات والشروط المطلوبة” للاستحصال على الرخصة، إضافة إلى توقيع تعهد.

بحسب وزارة الدفاع، وبعد استكمال المستندات المطلوبة، “يُسلّم الطلب باليد في الغرفة العسكرية لدى وزارة الدفاع أو إرساله بالبريد المضمون”.

في جولة على 10 أشخاص يمتلكون رخص سلاح، اتفق الجميع على أن فكرة التوجه إلى وزارة الدفاع مباشرة ليست واردة، لا بل تثير السخرية أحيانا من “سذاجة” من يطرحها.

يقول “هشام” إن ثمة سبيلين للاستحصال على رخصة حمل سلاح في لبنان اليوم للمدنيين غير المنتسبين لأحزاب ولا يعملون في مجال الحماية والمرافقة: إما أن يكون لديك “واسطة”، وإما عبر سمسار مقابل بدل مادي.

لم تكن مهمة إيجاد سمسار صعبة، الأصعب كانت موافقته على الكلام. أخيرًا، وبعد ضمانات عدة بعدم كشف هويته، روى “جمال” (اسم مستعار) كيف يؤمن الرخص لمن يطلبها، كاشفًا عن ديناميكيّة العلاقة التي تربط المواطن برجل الأمن أحيانًا، فضلًا  عن النظرة إليه.


من جهته، يحمّل مصدر أمني، تحفظ كذلك عن ذكر اسمه، المسؤولية لـ”العديد من الجهات الأمنية والحزبيّة التي زوّدت الناس بتراخيص السلاح، مستغلة إياها لرفع رصيدها الشعبي”.

في العام 2010، نشرت “الشركة الدولية للمعلومات” دراسة من ضمن ما جاء فيها “المرجعيات والشخصيات لم تكتف بعناصر المواكبة الرسمية بل أعطيت عشرات رخص حمل السلاح التي وزعتها على الأنصار والأقارب والمحاسيب”.

حسب الدراسة “اعترف وزير الدفاع الأسبق محسن دلول بمنح حوالي 50 ألف رخصة حمل سلاح”، أما الآن فثمة حوالي 30 ألف رخصة في لبنان، بحسب رئيس “حركة السلام الدائم” فادي أبي علام.

بعد محسن دلول، تعاقب على وزارة الدفاع 7 وزراء تابعين لجهات سياسية مختلفة.

وفي سؤال وزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم مراد عن الضغوط التي يتعرض لها الوزير في مجال الرخص لا يراوغ في وصف واقع الحال.

“وزير الدفاع لا يسقط بالمظلة، يجري اختياره بناء على توافق سياسي.. ولا يمكن أن يصمد كثيرًا أمام الضغوط النيابية والسياسية التي يتعرض لها.. لقد حصلت مع جميع الوزراء وأنا من ضمنهم”، يشرح مراد.

لا يبدو أنه يولي الأمر أهمية كبيرة، في النهاية “هذه قصص ليست أخلاقية فالوزير لا يبيع رخصا ليستفيد، بل هي خدمات يقدمها لزملائه السياسيين ولضباط يعملون معه”.

يعترف بوجود كوتا للأحزاب من الرخص، تختلف بين حزب كبير وآخر صغير. لا يتذكر عدد الرخص التي أصدرت في عهده، فهو لم يكن مهتمًا بالأمر كثيرًا كما أن “الوزير يمضي على حزمة من الرخص دفعة واحدة وليس على كل رخصة بمفردها”.

خلال الحديث معه، أصرّ  مراد مرارا على أن المشكلة ليست في تفلت الرخص، بل “تكمن في أن وزير الدفاع والضباط في وزارة الدفاع تابعون لمؤسساتهم السياسية”.

وزير الدفاع الحالي يعقوب الصراف اختار التشدّد بسبب “الإشكالات الأمنية، التي تأتت عنها أحداث جرمية نتيجة تفلت السلاح”، وأعلن توليه توقيع كافة قرارات الاستحصال على رخص السلاح وليس عبر مساعدي الوزير كما جرت العادة، في بيان رسمي.

ولتكوين صورة أدقّ بشأن الرخص، راجعنا قوى الأمن الداخلي مرارًا للاطلاع على بيانات الجرائم التي ارتُكبت: أيها بسلاح مرخّص وأيها لا؟ ما عدد الأسلحة التي ضُبطت من غير ترخيص؟  جاء الردّ بأن قوى الأمن الداخلي لا تمتلك قاعدة بيانات بهذا الشأن، ولا يمكن لنا البحث في كلّ ملف على حدى لخلق تلك القاعدة.

وهذا ما يأخذنا إلى مسألة أخرى مرتبطة إلى النقص في قواعد البيانات الرسميّة نظرًا لأهميّتها في فهم المشكلة، أي مشكلة، بصورة أوسع وأكثر دقة.

الحلقة الرابعة: قانون خمسينيّ

وسط صعوبة ضبط الرخص وتفلتها، يأتي كذلك قانون الأسلحة والذخائر بما فيه من ثغرات.

صدر قانون الأسلحة والذخائر بمرسوم اشتراعي في العام 1959، ولم يأت عبر مشروع قانون أرسلته الحكومة إلى مجلس النواب لتدرسه لجان نيابية مختصة وتطرحه للتصويت أمام الهيئة العامة، كما لم يولد على شكل اقتراح قانون من داخل مجلس النواب.

“تكمن مشكلة قانون الأسلحة والذخائر، إذًا، في كيفية ولادته، التي أتت على عجلة بحيث لم يُشبَع القانون دراسة ولم يأخذ بالاعتبار حاجات الناس في هذه المسألة وتحديّات المجتمع”، حسب أبي علام.

يشرح رئيس “حركة السلام الدائم”، الذي عمل منذ انتهاء الحرب الأهلية على حملات عديدة من أجل المطالبة بتطوير القانون وتعديله، أنه منذ العام 1959 وحتى اليوم لم يحصل أي تعديل على القانون.

“التعديلات على القوانين ضرورية عمومًا، إذ يجب تأخذ بالاعتبار التحديات التي تطرأ على المجتمع، بمعنى آخر، هل نشأت حاجات جديدة لم تكن موجودة عندما تمت صياغة القانون على القانون؟ وهنا أقدّم مثالا عن الشركات الأمنية التي تعمل حاليًا، فتلك الشركات لم تكن موجودة في الـ59، والآن لا تخضع لأيّ قانون عسكري أو مدني”.

ويضيف “يجب أن تشمل كذلك ما حمله لبنان من إرث الحرب الأهليّة، وهي فترة لا يلحظها قانون الأسلحة، علما أنها أسهمت جوهريًا في تفلت السلاح ودخوله إلى كل بيت لبناني تقريبًا”.

“عدم مواكبة القانون لما يجري في العالم من آليات لضبط  تفلّت السلاح هي ثغرة إضافية”، حسب أبي علام الذي يفندها بأربع آليات دولية بدأ العمل بها بعد صدور القانون اللبناني، وهي بروتوكول الأسلحة النارية، برنامج عمل الأمم المتحدة لمنع الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة، الصكّ الدولي للتعقب ومعاهدة تجارة الأسلحة”.

يلفت أبي علام إلى أن في شقّ العقوبة المتعلق بإطلاق الأعيرة النارية “أصبح القانون ممتازا، ففي المادة 71 كانت العقوبة محددة بـ 500 إلى ألف ليرة وسجن لمدة أسبوعين، والآن يلزم القانون بدفع غرامة تصل 8 مرات الحد الأدنى للأجور وأقله 6 أشهر سجن والحرمان من الرخصة، ولكن تنظيم موضوع إطلاق النار ما زال ينقصه الكثير.

ومثال على ذلك، ما حصل في يوليو العام الماضي، حين تمّ القبض على عشرات الأشخاص أطلقوا النار ابتهاجًا بعد صدور نتائج الامتحانات الرسميّة، في خطوة اعتُبرت إيجابية، ليخرج وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق في اليوم التالي لائمًا السياسيين على تدخلهم لإطلاق بين 70 و80 موقوفًا من أصل 90 جهدت قوى الأمن الداخلي لتوقيفهم خلال أسبوع كامل”

كشف المشنوق حينها أن “البعض من أولئك الموقوفين خرجوا بعد نصف ساعة أو ساعة بسبب تدخلات سياسية لدى القضاة”، محذّرًا أن “من يعرف أنه سيخرج فورًا بواسطة سياسي يدعمه لن يتورع عن إطلاق النار مجددًا”.

ثغرات قانون الأسلحة والذخائر


حملنا تلك الثغرات في قانون الأسلحة والذخائر إلى رئيس لجنة الدفاع والداخليّة والبلديات في المجلس النيابي النائب سمير الجسر لمعرفة رأيه، وما إذا كان هناك أي نقاش أو اقتراح قانون بهذا الشأن داخل اللجنة.

كان ردّ الجسر “لست ميالا لفكرة إلغاء قانون ووضع قانون آخر بشكل عام، باعتبار أن ذلك ليس الحل”.

لا يبدو الجسر مقتنعًا بتغيير القانون، برأيه ” من الممكن أن يكون هناك حلّ، مثل إجراء تراخيص تنقسم بين النقل والحيازة… ليس لديّ مانع أن تكون حيازة السلاح لجميع الناس، ويجري ضبطها عن طريق قانون الحيازة وإجبار الجميع بالرخص حتى لو كان لدى الشخص أكثر من قطعة، لكن بشروط أن يكون لكل سلاح بصمة وامتلاك داتا عن جميع الأسلحة لإمكانية تعقب السلاح في حال استخدامه لارتكاب جريمة”.

يرى الجسر أن المشكلة أبعد من القانون، فهي ترتبط بـ” انتشار المخدرات وسهولة الحصول عليها بكلفة منخفضة، ثم بنظام العقاب السائد والقوانين الوضعيّة القائمة في مراكز التوقيف والسجن، فضلا عن التعقيدات السياسية”.

يلفت الجسر كذلك إلى ” مشكلة الأجهزة الأمنية المتعدّدة في لبنان من مخابرات الجيش إلى قوى الأمن الداخلي والأمن العام. كل جهاز يريد التفوق على الآخر في الصلاحيات. في معرض عمله، قد يقع جهاز معيّن على خيوط فينسّق مع الجهاز المعني، ولكن في لبنان هناك صراع صلاحيات. والأسوأ من ذلك، هناك نوع من السباق بين الأجهزة، وقد يعمد طرف إلى تضليل طرف الآخر ليحصل بنفسه على السبق الأمني، فتضيع النتيجة المرجوة”.

الحلقة الخامسة: إرث الحرب الثقيل

لم ينته “خبل” الحرب الأهلية اللبنانية مع اتفاق الطائف في العام 1990. تصالح الزعماء لكن أبواب العنف بقيت مشرعة أمام اللبنانيين، يدخلون ويخرجون منها متى شاؤوا، وكيفما ارتأت “الذاكرة الانتقائية” لزعمائهم. لم يحصل أي نقاش جدي في المسؤوليات، ولم تتوفر أي من شروط العدالة الانتقالية التي تعلن أن الحرب انتهت.

يقولون إن الحرب الأهلية عندما تنتهي يدرك ضحاياها ذلك. في لبنان، لم يجزم أحد بنهاية تلك الحرب، ما زال سؤال “هل ستندلع الحرب مجدداً؟” حاضراً مع كل توتر شديد البساطة. استقرت معادلة ما أسمي بـ”السلم الأهلي” كالتالي: كرّس زعماء الحرب سلطتهم، بينما علق ناسها في دوامتها العنفية. هم لم يعفُوا  ولم يصالحوا.

عناصر “الهذيان القبلي” فنّدها الباحث فواز طرابلسي بـ”الأم ــ الأرض ــ الأسرة ــ العرض ــ القوة ــ الذكورة ــ الحياة ــ الواجب ــ الإبادة”. هذه العناصر غلّبت العنف في الحرب الأهلية وما زالت تغلّبه في يوميات اللبناني بعد أكثر من عشرين عاماً.

لم يعد القتال مشرعاً ليفرغ مَن أدمن العنف شبقه، فجيّر هذا الشبق لصالح السلوك اليومي. هكذا استسهل القتل على أفضلية المرور والقتل على شتيمة طالت العرض والقتل لشعور بفائض القوة أو التفوق الطائفي وحتى بسبب وهم الخوف من الإبادة.

ما تقدّم لم يكن حال المقاتل السابق في الحرب الأهلية زياد صعب. لقد كان واحداً من قلة نجحت في الانتقال من دوامة العنف إلى حالة من القطيعة التامة مع الحرب والدعوة لأجل السلام.

بين ما دفعه للانخراط في القتل وما نقله إلى مجموعة “محاربون من أجل السلام” تفاصيل تكشف بعض أسباب نجاح قلة في القطع مع عنف تلك الحرب مقابل مقاتلين كثر بقوا عالقين في ذكريات “بطولاتهم”.

“موروثات الأجداد وما سمعته عن بطولات جدي المغوار ضد الانتداب الفرنسي، نشأتي في ما يسمى أحزمة البؤس على أطراف العاصمة، البحث عن التغيير، الشعور بامتلاك الحقيقة المطلقة، البحث عن الهوية والسعي إلى ترك بصمة… كلها عوامل أسهمت في سعيي وراء البندقية التي بررتها غايات سامية”، يقول صعب.

برأيه، “تختلف الأسباب من شخص لآخر، لكن الأكيد أنني أتشارك أسباب كثيرة مع أبناء تلك المرحلة، والأكيد أيضاً أنها لم تتغير بعد كل تلك المدة لا بل ازدادت استفحالاً بعد انتهاء الحرب من دون مصالحة ومن دون محاسبة. لقد حمل الجيل الجديد تروما الحرب التي أصبحت مقدمة لعمل عنفي أكبر”.

“تذكّر.. سامح.. غيّر” كان شعار جمعية “محاربون من أجل السلام” التي شارك صعب، القيادي العسكري السابق في “الحزب الشيوعي اللبناني”، في تأسيسها قبل أعوام قليلة مع محاربين قدامى، بعضهم كان من أعداء الأمس كنائب رئيس جهاز الأمن والاستخبارات في “القوات اللبنانية” في بعض مراحل الحرب أسعد الشفتري.

ماذا عن الأسباب التي ساعدته للانتقال من العنف إلى اللاعنف؟ يجيب صعب: “لقد كان مخاضاً صعباً. طيلة الحرب لم أكن أتعاطى أي دواء مهدئ في حين بدأت بتناول أدوية الأعصاب بمجرد أن انتهى القتال… شعرت كمَن يقوم بالقطع مع حياته”.

ويضيف: “لقد شعر المقاتلون أنه تم التخلي عنهم. المشكلة أن أغلبيتهم لم يجروا قراءة نقدية لتجاربهم، ولم يمتلكوا رؤية للمستقبل. أفهم تمسكهم بتلك الدائرة العنفية، فإذا أقر المقاتل أن ما قام به طوال 15 عاماً كان خطأ وجريمة، في ظل أفق محدود للمستقبل كرسته البيئة التي سادت بعد الحرب، سيتجرد من كل شيء، يصبح لا شيء”.

بقي المقاتلون السابقون مرابضين على جبهاتهم السابقة في بيئة تدّعي السلم. أقنعوا أنفسهم بأنهم أبطال دافعوا عن الوطن والمدينة والحي والبناية، ولا يزالون في حالة دفاع. سلم ظاهري وعنف مكبوت يظهر في أية لحظة.

“مَن ربح الحرب كان المجتمع الأهلي-الطائفي-العشائري-العائلي، وهو ما يفسر ارتفاع معدل العنف المجتمعي اليوم”، يقول صعب.

لا يحب المقاتل السابق الخوض في تفاصيل الأداء السياسي حالياً، فمَن شارك في الحرب تزعم مرحلة السلم.

تختصر المشهد ردود فعل بعض السياسيين على طلب “محاربون لأجل السلام” إذناً للقيام بحملات توعية في أوساط جماهير أحزابهم، بهدف منع تكرار الحرب الأهلية. “لا يعلن أحد منهم رفضه الصريح لجهود جمعيتنا، لكننا لسنا أبناء اليوم ونعرف أن ما نسمعه منهم هو رفض مبطّن”، يؤكد صعب.

سمعوا من أحد الزعماء عندما زاروه “ما هذه السخافة، لقد قمنا بالمصالحة وانتهى الأمر”، ومن آخر “نحن نشجع جهودكم، ولكن ألا تشعرون بأنكم تفقدون الشباب الروح النضالية”، وأحدهم قال: “هذا فعلاً ما ينقصنا، لكن لا تعملوا معنا، اذهبوا إلى غيرنا”.

الحلقة السادسة: الضغوط على الضحايا

أ- المصالحات الاجتماعية

تنتشر المصالحات على كافة الأراضي اللبنانية. أما منطقة البقاع، التي تشهد أعلى نسبة جرائم حسب بيانات قوى الأمن الداخلي، فهي كذلك التي تشهد العدد الأكبر من المصالحات.

في التسعينيات، كانت دارة كامل زعيتر، الذي شغل منصب رئيس بلدية حدث بعلبك في محافظة البقاع لثلاثين عامًا، فضلا عن كونه مصلحًا اجتماعيًا مرموقًا في المنطقة، تغصّ بـ”القاصدين” طلًبا للتوسّط في “صلحة” هنا و”صلحة” هناك.

توفي المصلح الاجتماعي قبل ثلاث سنوات، بينما بدأ الناس يلجأون إلى ابنه للغاية نفسها.

يعترف الابن أن تلك المصالحات ودفع الأموال قد تشجّع الناس على استسهال ارتكاب الجرائم “طالما أن هناك من يلملم آثارها وراءهم”، ولكنه لا يرى بديلًا عنها.

لماذا؟ يأتي جوابه بأن “المصالحات بكل الاحتمالات ضرورية لتجنيب الأطراف مشاكل إضافية بين عائلتي المعتدي والضحية.. في حين أن القوى الأمنية المتواجدة لدينا تدعم فكرة المصالحات لتخفيف الوطأة والثقل عنها”.

لا إحصاء محدّد لعدد المصالحات التي تُقام سنويًا، لكن في شهر سبتمبر وحده، على سبيل المثال، شارك الابن في أربع مصالحات، ثلاث وصلت إلى خواتيم مرضية برأيه والثالثة بقيت معرقلة.

في الخمسينيات، أوكِل للضابط بطرس عبد الساتر وظيفة “المستشار العشائري” وذلك بإيعاز من رئيس الجمهورية آنذاك فؤاد شهاب. وكان المستشار يحل المشكلات بالمنطق العشائري نفسه.

يقول قاسم، ابن العشيرة الخمسيني، إن عبد الساتر (والأحرى السلطة السياسية) شجّع منذ ذلك الوقت، قاصدًا أم لا، البقاع على التمسّك بالمنطق العشائري والابتعاد عن الدولة.

“تنظر القوى المسيطرة في المنطقة، أي الأحزاب السياسية كحزب الله وحركة أمل بشكل أساسي، إلى الناس كأصوات انتخابيّة صرفة، تعمد إلى استمالتهم بفك سراح سجين أو التغطية على زراعة حشيشة الكيف، في حين تضافرت عوامل عدة، جعلت العشيرة في أسوأ مراحلها اليوم”، يعلّق قاسم.

في المقابل، يقول رئيس بلدية محسوب على “حزب الله”، فضّل عدم ذكر اسمه، في المنطقة إن حزبه انتبه مؤخرًا إلى أنه يسهم في التشجيع على التفلت وتكرار الفعل، فأعلن امتناعه عن المساهمة المالية في حل المشكلات، إلا في حالات قليلة.

ب- إسقاط الحق الشخصي  

لا يندرج مقتل منال عاصي في العام 2014 بطريقة وحشيّة على يد زوجها ضمن ما ندرسه من جرائم. لكن شهادة والدتها عن الضغوط التي تعرضت لها العائلة لإسقاط الدعوى على القاتل محمد النحيلي تقدّم مثالًا  عما يتعرض له ذوو بعض الضحايا، حسب موازين القوى (عائلات ذات دعم سياسي أو ماديّ أو عائلات كبيرة على حساب عائلات صغرى).

الحلقة السابعة: حماية أمام القضاء

استناداً إلى العديد من القضايا التي يتابعها، يفنّد أحد المحامين، الذي فضل عدم ذكر اسمه، بعض أشكال حماية “المجرم المدعوم” كـ”التلاعب بالتحقيق”. يقول “إذا وقع إطلاق نار، يتم تحويل الإشكال – بتدخل سياسي في التحقيق- إلى “هرج ومرج” وحكمه مختلف قانونياً. كما يمكن تحويل “القتل العمدي” إلى “قتل قصدي”، ما يخفض العقوبة من الإعدام إلى 15 سنة. كذلك يمكن في التحقيق ربط القتل بأكثر من شخص فيضيع المجرم الحقيقي”.

ويشير المحامي إلى واقع أعمّ مفاده أن “السلطة القضائية ليست مستقلة بالكامل، أما آلية التعيين فيها فهشة بفعل ارتباطها بالزعامات التقليدية والأحزاب الطائفية والطوائف بشكل عام”.

خلال اللقاء بالنائب سمير الجسر، تطرقنا لتلك المسألة لكونه كان وزير عدل سابقًا (2000 – 2003). يقول الجسر “خلال فترة وجودي في وزارة العدل، عاينت الكثير من حالات التدخل في القضاء. ولكن الحق ليس فقط على السياسيين بل على القضاة”.

يضيف “مؤسف عندما كنت أرى أمنيين يدخلون إلى غرف القضاة، يسألونهم ترك موقوف، وقد يخرج الضابط إلى سيارته ويجلب المال، يدفعه للقاضي ويحقق مطلبه”، موضحًا “ما أراه من نسبة التدخلات الأمنية والسياسية حاليا عالي جدا، وحتى في السابق حين كان النفوذ للسوري في لبنان، لم تصل التدخلات بصراحة إلى ما هي عليه اليوم”.

تلاحق “حزب الله” وتحديداً ما يُعرف لديه بـ”اللجنة الأمنيّة” العديد من الاتهامات بخصوص التدخّل في عمل القوى الأمنيّة وفي فرض أمن ذاتي  خارج عن سيطرة الدولة.

توجهنا إلى المستشار الإعلامي للأمين العام لحزب الله ومسؤول وحدة العلاقات الإعلامية محمد عفيف الذي أوضح العديد من التفاصيل المتعلّقة بتلك الاتهامات. حسب عفيف، تغيّر الاسم من اللجنة الأمنية إلى لجنة الارتباط والتنسيق، بعدما انتبه الحزب إلى أن الاسم السابق يوحي وكأنها مرتبطة بجهاز أمني أو أجهزة أمنية في حزب الله.

“تقوم اللجنة بعدد من المهام، واحدة من مهامها التنسيق مع الأجهزة الأمنية والقضائية والعسكرية في الدولة اللبنانية”، حسب عفيف الذي أضاف”الأمر شائع، كل جهة رئيسية في البلد لديها هيئة أو لجنة تنسّق مع مؤسسات الدولة الأمنية. هل هذا طبيعي؟ لا لكنه الوضع القائم في البلد، بناء على ما أنتجته مرحلة ما قبل الحرب والحرب الأهلية”.

يرى عفيف ما أن ما يحكى عن اللجنة “فيه الكثير من المبالغات”، موضحًا “نحن لسنا جهة أمنية أو سلطة أمنية. لا نقبل ولا نريد أن نكون… لكن بالطبع لنا دور وحضور خفي للحفاظ على النظام في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت، لأننا جزء من تلك البيئة ومسؤولون عن دور المقاومة في تلك البيئة”.

يشرح حدود عمل اللجنة الأمنية، حيث تتدخل حصرًا حين يتورط في إشكال ما عنصر من حزب الله “بسبب الحالة الأمنية الخاصة لمنطقة الضاحية الجنوبية، ولأن المنطقة تعيش فيها قيادات المقاومة ونحن حريصون على أمنهم، عندما تريد الدولة القيام بشيء يحصل تنسيق… كما نتدخل في قضايا تخص أشخاصا من حزب الله نعتقد أن تدخلنا ضروري، لأن الشخص ابن حزب الله وهذا حقنا، ونخاف أن يتعرض للظلم بسبب طبيعة التركيبة السياسية في البلاد”.

حين سؤاله عن تدخل مسؤولين محسوبين على حزب الله، كرؤساء بلديات ونواب ومسؤولي مناطق، لدى القضاء والأمن لتخليص أحدهم من مشكلة، ردّ عفيف ذلك إلي اعتباره ” جزءًا من الزبائنية في الدولة اللبنانية”.

“نحن جزء من الشعب اللبناني، ويطالنا من السلبيات ما يطال الجميع. لا أنفي أن في مرحلة من المراحل، أو بعض الأحيان، إذا ارتكب شخص قريب من أحد في حزب الله جريمة أو تورط قريب أو ابن بلدة رئيس البلدية  محسوب على حزب الله، يحصل تدخل. ولكن العبرة في النهاية هي في القاضي والجهاز القضائي ومدى رضوخه للتدخلات السياسية”.

تواصلنا مع وزير العدل سليم جريصاتي للاطلاع على موقفه من مسألة التدخل السياسي في القضاء، فأحالنا إلى مستشارته القاضية نازك الخطيب الذي قال إنها تتحدث باسمه.

اعترفت الخطيب بوجود تدخل سياسي في القضاء لكنها رأت أن الفكرة السائدة عن هذا التدخل فيها الكثير من المبالغات.

“هناك 540 قاضيا في لبنان. لا يمكن أن أنكر الضغوط التي يتعرض لها القاضي، والخرق للجسم القضائي سياسيا وارد، لكنني أرفض التعميم”، تقول الخطيب بحزم.

تؤكد أن التفتيش القضائي فعّال، في المقابل، تقول “ثمة مكامن ضعف في الجسم القضائي ومنها أن مجلس القضاء الأعلى يعين جزء كبير من أعضائه (الرئيس الأول، مدعي عام التمييز، رئيس التفتيش القضائي…) بموجب مرسوم من مجلس الوزراء”، حيث أن 8 من أصل 10 أعضاء تعينهم السلطة التنفيذية.

في ما يتعلّق بانتشار جرائم القتل، لفتت الخطيب إلى إجراءين قامت بهما الوزارة، وهما “طلب الوزير من مجلس القضاء الأعلى التعميم على القضاة الجزائيين وجوب التشدد بتطبيق العقوبات المتعلقة باستعمال السلاح أو حتى حيازة السلاح من دون ترخيص”.

“والإجراء الثاني الذي قمنا به هو إعداد الوزير مشروع قانون يتعلق بتشديد العقوبات على جرائم القتل العمدي. أي عندما يحصل القتل (حسب المادة 549) يمنع تخفيض العقوبة عن الأشغال الشاقة المؤبدة (حتى لو توافرت الشروط القانونية لتخفيض العقوبة)”، تقول الخطيب.

قبل شهرين بدأ عدّاد العام 2018 بتسجيل جرائم إضافية، كان آخرها (حتى الانتهاء من التحقيق) إطلاق النار على عامل سودانيّ  في محطة وقود في الزرارية على خلفيّة تعبئة البنزين. يحكي البعض عن العنصريّة، المرتفعة معدلاتها في بلد كلبنان، كعامل معزّز لاستسهال الجريمة في تلك الحالة وحالات مشابهة.

مع ذلك يبقى فائض العنف واستسهاله واقعًا مسيطرًا، بين اللبنانيين أنفسهم. قد لا تكشف الحلقات التي درسها التحقيق جديدًا حاسمًا فيه، لكن جمعها في سلسلة واحدة يرسم مقاربة أكثر وضوحًا. مقاربة تتجاوز خفّة الأسباب الجرميّة التي لم تعد تُحتمل، لتبحث في الأسباب والمسؤوليّات التي إن وُضعت في إطار واحد قد تُسعف في بدء المعالجة من مكان ما.

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)-www.arij.net وبإشراف الزميل محمد الكوماني


الصحفي



تعليقاتكم