الجمعة ٢٠ - سبتمبر - ٢٠١٩ ٠٩:٤٠ مساءً

تعذيب واعتداءات جنسية في دور لرعاية الأطفال الأيتام الإهمال سمة عامة لغالبية الدور في ظل عدم كفاءات كوادرها

28 ديسمبر 2009
مجدولين العلانعماد الرواشدة

 جريدة الغد- عذابات وليال ملبدة بالدموع. طفولة محفوفة بالألم ومصائر مجهولة وأخرى موغلة في الضياع. تلكم حياة “أيتام” دور الرعاية الحكومية والخاصة في الأردن.

مظاهر الإساءة والإهمال داخل الدور مقرونة بغياب مظلة حكومية لرعاية الأيتام بعد التخرج تجعلهم عرضة للانحراف والتشرد، بل، والموت أحيانا، حسب ما توصل إليه كاتبا هذا التحقيق على شهادات لمنتفعين حاليين وسابقين، أكدت بعضها معلومات حكومية وشبه حكومية 

إهمال المشرفين يقود إلى القبر

الفتى فريد، وهو اسم مستعار، المصاب بالتلاسيميا الكبرى لقي حتفه بنوبة قلبية في ظل “إهمال” دار رعاية مادبا الحكومية في تأمين نقله دوريا إلى مستشفى البشير من أجل تغيير دمه.

في 6 نيسان (ابريل) 2007 توفي الفتى بنوبة قلبية في مستشفى الأمير حمزة التي نقل إليها في حال الخطر، حسب ما يستذكر أقرانه في دار الرعاية.

الناطق الإعلامي لوزارة الصحة حاتم الأزرعي يقر بهذه الواقعة، موضحاً “كان القائمون على الدار يتأخرون في إحضاره في المواعيد المقررة لتغيير الدم، ما اضطر مستشفى البشير لإبلاغ إدارة المركز بضرورة الالتزام بالمواعيد المحددة، لا سيما أن فريدا كان يعاني من أعلى درجات مرض التلاسيميا“.

خريجون عاشوا معه في المركز ذاته أرجعوا تأخر فريد “إلى عدم تواجد الحافلة المخصصة لنقله دائما لأنها كانت حكرا على تنقلات مدير الدار ومتطلباته الخاصة“.

من جهته، ينفي مدير دار مادبا في فترة وقوع الوفاة، صحة تلك المعلومات، مؤكدا أن “فريدا كان يلقى اهتماما صحيا استثنائيا. كما أنه لم يحدث أن تأخر عن موعده الشهري لتغيير الدم، إلا نزولا عند رغبة مستشفى البشير نفسه بسبب ضغط المراجعين“.

الإهمال الذي أدى لموت فريد يبدو سمة عامة لدور رعاية الأطفال، حيث ينتشر الضرب، والشتائم، والاعتداءات الجنسية في غياب برامج رعاية متطورة، بحسب نتائج الزيارات الميدانية لكاتبي التحقيق وإفادات أكثر من 30 يتيما ويتيمة.

هناك 29 دارا لرعاية الأيتام في المملكة أربع منها حكومية، فيما يصنف النزلاء بين يتيم الأب و/أو الأم والقادم من أسرة مفككة أو مجهولي النسب، في حين يزيد عدد الأطفال المنتفعين عن 700، بحسب أرقام وزارة التنمية الاجتماعية.

هذه المراكز تنقسم حسب الفئات العمرية، فإن دخلها الطفل في سن الرضاعة يودع في المؤسسات بين يوم وست سنوات، ثم ينقل إلى الدور من الفئة العمرية ما بين 7 و14 عاماً، وأخيراً إلى إحدى المؤسسات ما بين 14 و18 عاماً.

هذا التصنيف يترك أثارا نفسية مدى الحياة، “فهو لا يتناسب مع طبيعة الطفل النفسية التي تنشد الاستقرار، كما أنها ستدفعه للاعتقاد أن الدار تخلت عنه، نظرا لعدم قدرته على تفسير هذا التنقل”، كما يرى مدير الرعاية والمشورة المتخصصة في مؤسسة نور الحسين الدكتور جلال ضمرة.

يذكر أن هذه المديرية هي هيئة شبه حكومية، يوجد فيها قسم معني بتوفير علاجات للأطفال ضحايا العنف الأسري والإساءة.

إهمال يفتح الباب للاعتداءات الجنسية

 كانت الدنيا شتا. نزلت معو لصالة النشاطات، كان عمري 12 عاماً. طلب مني أن أشلح ملابسي. خفت.. بس هو طمني إنه ما حد راح يعرف. وافقت، وعمل إللي عملوا، تلك كانت شهادة أحمد (16 عاما)، وهو اسم مستعار أيضاً، المنتفع الحالي، الذي وافق على سرد مأساته على مضض بعد تكرار محاولات إقناعه بضرورة كشف الحقائق.

وأضاف أحمد “صار بعدها يأخذ مصروفي غصب، يضربني ويتحكم فيي. ما حكيت للمشرفين، خفت يعايروني الولاد إذا عرفوا“.

مها (23 عاما)، اسم مستعار، لم تستطع هي الأخرى محو حوادث الاعتداء الجنسي التي عانتها في الدور من ذاكرتها.

تقول مها “كان الأطفال يمارسون الجنس مع بعضهم البعض. وقد اعتدي علي جنسيا عدة مرات من أطفال يكبرونني سنا حين كنت في العاشرة في دار الحنان (إربد(.

وتستطرد بتردد خالطته الدموع “أما في مركز فاطمة الزهراء التي انتقلت إليها في الثانية عشرة من عمري. فقد تعرضت لتحرش جنسي من إحدى المشرفات هذه المرة. ظلّ الخوف من أن أكون فقدت عذريتي يطاردني في الكبر، إلى أن أجريت فحص العذرية ليتبين بعدها أنني عذراء“.

من جانبها، لا تنف وزيرة التنمية الاجتماعية هالة بسيسو لطّوف “احتمال تعرّض بعض الأيتام الصغار لاعتداءات من قبل زملائهم الأكبر سنا”، لكنها لم تؤكد ورود تقارير عن وقوع مثل هذا النوع من الحالات إلى الوزارة.

في هذا السياق، تؤكد لطّوف حرصها على “فصل الأطفال ما أمكن طبقا للعمر تلافيا لاحتمال وقوع اعتداءات جنسية ضد الأطفال الأصغر سنا“.

قبل عامين، خصصت وزارة التنمية الاجتماعية دار الحنان للفتيات فقط، وقبل ذلك حوّلت دار فاطمة الزهراء للذكور.

تأكيد شبه رسمي للاعتداءات

يفيد تقرير صدر عن قسم الرعاية والمشورة المتخصصة التابع لمؤسسة نور الحسين، بناء على طلب كاتبي التحقيق، أن “أكثر من عشرة أيتام من خريجي ومنتفعي دور الرعاية، تم تحويلهم إليه، قد تعرضوا لاعتداءات جنسية وبدنية داخل الدور“.

لا يوجد أرقام دقيقة لأعداد خريجي دور الرعاية، إلا أن وزارة التنمية الاجتماعية تتحدث عن أكثر من 1200 خلال العقد الماضي، غالبيتهم خارج الاهتمام أو المتابعة.

وجاء تقرير المؤسسة، بعد إخضاع هؤلاء الأيتام لجلسات طبية نفسية تم من خلالها عرض تجارب طفولتهم وقياس أثرها عليهم في الكبر.

الاعتداءات … ماض ينعكس في مرآة الحاضر

وقائع الاعتداءات الجنسية، بحسب مشرف سابق، تعود جذورها إلى أكثر من ثلاثة عشر عاما، قبل أن تنقل “دار مادبا” من وسط البلد إلى مادبا.

يؤكد هذا المشرف، الذي شهد عدة وقائع من هذا القبيل، أن الموقع القديم “كان مقصدا لعدد من المنحرفين والزعران أصحاب السوابق الذين كانوا يتقصدون دخوله في مناوبات مشرفين ضعاف ليعتدوا على بعض الأطفال جنسيا وبدنيا بشكل سافر“.

ويشرح أن “تلك الاعتداءات وضعت الأيتام في دائرة مغلقة، فمن اعتدى عليه في صغره اعتدى في كبره على من يصغرونه سنا“.

ويؤكد عبد الإله (26 عاما)، اسم مستعار، الذي كان أحد هؤلاء الأطفال، أن “أصحاب السوابق كانوا يدخلون دار مادبا (التي كان موقعها في وسط البلد) في مناوبات المشرفين الضعاف، يتناولون العشاء ويستحمّون، ثم يصعدون إلى غرف الأطفال، يختارون أحدهم ويعتدون عليه جنسيا. وأنا كنت واحدا من الذين اعتدي عليهم على يد أيتام أكبر مني وأصحاب السوابق على السواء“.

يضيف عبد الإله “كنت أذهب بصحبة أرباب السوابق إلى محال البالة وسط البلد. أبيع وأشتري. علموني تعاطي المخدرات والكحول التي كنت أهربها إلى داخل الدار“.

رغم مرور كل هذا الوقت على تلك الوقائع، إلا أن هذا الشاب يبدو متأثرا وكأنها حصلت للتو. فهو “لا يستطيع احتساب المرات التي اعتدي عليه جنسيا فيها لأنها كثيرة”، بحسب قوله.

أصدقاء عبد الإله من الأيتام ممن عاصروا تلك الفترة، يمرون في لحظات من الاكتئاب لدى استذكار محطات الطفولة المكتظة بمشاهد مشاجرات دامية واعتداءات جنسية، كما يصفون، فيما أكد بعضهم “تعاطيه للحبوب المخدرة والكحول عند مروره في مثل هذه اللحظات من الاكتئاب“. 

الأثر النفسي

أخضع كاتبا التحقيق أكثر من عشرة شباب لفحص نفسي لدى مختصين، فأقروا جميعا بـ”تعرضهم لاعتداءات جنسية وبدنية”، ما تسبب بحسب نتائج التحليل، في معاناتهم من أعراض نفسية سلبية مثل “الاكتئاب، وضعف التقدير الذاتي والخوف من المحيط“.

أيتام تحت سياط التعذيب

كان الطفل يلف في سجادة حتى لا يظهر منه سوى رأسه وقدميه، ليشرع المشرف بضربه بعصا “القشاطة” أو بكيبل الكهرباء، على قدميه حتى تتكسر العصا، ويستبدلها أحيانا بأخرى”، هكذا يصف محمد (16عاما)، اسم مستعار، أحد المنتفعين الحاليين في دار مادبا حالات الضرب التي عايشها حين كان في الرابعة عشرة من عمره.

نحو 15 شهادة خطية ومسجلة لمنتفعين حاليين في دار مادبا الحكومية لرعاية الأيتام، من أصل 25 منتفعاً أكدت “تعرضهم للضرب المبرح“.

إلى ذلك أظهرت نتائج استبانة على عيّنة عشوائية من 50 يتيما متخرجا “أن 91% منهم تعرضوا للضرب، و89% للشتم بعبارات جارحة “بشكل دائم” من قبل عاملين في الدار“.

 سجون أم دور رعاية؟

تتنوع الإساءات بين الشتم، والتعيير بمجهولية النسب، والحبس في غرف مظلمة طوال الليل أسفل الدرج أو رش الأطفال بالماء الساخن ويليه فورا البارد، إضافة للضرب “بالفروجة” (الفلقة(.

الفروجة، أسلوب ضرب مبتكر في دور رعاية الأطفال الذكور يقوم على ربط الأرجل بعصا توضع بين الركب، تشد الأيدي إليها بحبل، يعلق الطفل على مكان مرتفع، ويضرب بعصا “القشاطة” أو باستخدام “البربيش“.

أحد المشرفين السابقين في دور الرعاية، يصف من جهته الضرب داخل المراكز بـ”المبرح والتعسفي”، مؤكداً أنه “يصدر عن المشرفين والمديرين على حد سواء بشكل روتيني“.

إنه التعذيب”، هكذا يصف الباحث والأخصائي الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي، مثل هذه الوقائع، مؤكدا أن “مجرد نهر اليتيم يندرج تحت هذا الباب“.

ويعرّف الخزاعي التعذيب بأنه “أي سلوك يمكن أن ينتقص من شخصية الإنسان. وهو يتنوّع بين اللفظي والجنسي والاقتصادي والنفسي“.

بدورها، أكدت رئيسة وحدة الرصد والشكاوى في المركز الوطني لحقوق الإنسان كريستين فضول أن مثل تلك الأنواع من الإساءة ستتجلى آثارها على اليتيم عبر مشاعر الكراهية، والاغتراب، والعزلة“.

إلا أن الوزيرة لطّوف تؤكد أن ظاهرة الضرب في مراكز رعاية الأيتام أصبحت “من الماضي”، مشيرة إلى التعديل الحكومي الأخير على “نظام الخدمة المدنية” الذي شدد العقوبات

على مرتكبي الإساءة بحق الأطفال في دور الرعاية بحيث تتدرج من حسم الراتب إلى الفصل من المهنة.

ضعف نظام الرقابة

لكن تشديد العقوبة قد لا يحل المشكلة في ظل “ضعف نظام التفتيش الحالي للحماية من الإساءة، وقلة خدمات دعم الضحايا في دور الرعاية”، كما تبين دراسة صدرت العام الماضي عن المجلس الوطني لشؤون الأسرة بالتعاون مع “اليونيسف“.

 ويؤكد ذلك بحث تحليلي أردني آخر في العام ذاته حول مؤسسات رعاية الطفولة المختصة بالأيتام، كما أصدر المجلس العربي للطفولة والتنمية التابع للجامعة العربية تقريرا لاحقا يتحدث جزئيا عن الدراسة الأردنية تحت عنوان “واقع الرعاية البديلة في العالم العربي“.

أشغال شاقّة

في تقريره للعام 2006، نشر المركز الوطني لحقوق الإنسان نتائج زيارات ميدانية لـ11 مؤسسة رعاية أطفال من أصل 24

أجملت رؤيته لأوضاع مراكز رعاية الأيتام في الأردن.

نتائج الزيارات، بينت “أن أوضاع مؤسسات رعاية الطفولة تختلف من مؤسسة إلى أخرى. ورغم أن معظمها يلبي غالبية احتياجات الأطفال الأساسية من غذاء ومأكل ومشرب وملبس، إلا أنها تفتقر إلى البرامج التربوية والاجتماعية الهادفة، والخطط الفردية لرعاية الأطفال“.

كاتبا التحقيق جالا في خمس دور رعاية حكومية وخاصة من الجندرين ومن مختلف الأعمار، حيث بدا أن الحال لم يتغير كثيرا.

في دار مادبا لرعاية الأيتام اليافعين يخيل للزائر أنه على أبواب ثكنة عسكرية، حيث تحيط الأسلاك الشائكة بالدار من الخارج، وتنتشر على الجدران من الداخل ملصقات ضد الفساد والمحسوبية، لكنها تخلو من كل ما يتعلق بالطفولة.

الغابة”، و”السجن” و”المضب”، هكذا يصف أطفال دار رعاية مادبا، مركزهم.

مبرة أم الحسين لرعاية الأيتام، الأعرق والأكبر في الأردن، تعاني من اكتظاظ صالات النوم بالأطفال، حيث ينام في كل صالة ما بين 10 و16 طفلا على أسرّة متقاربة.

تبدو مرافق المبرة أفضل حالا من نظيرتها في دار مادبا، التي تعوزها النظافة، لأن “المستخدمة لا تقوم بعملها. فالأطفال هم الذين يقومون بأعمال التنظيف يوميا”، كما أسر أحد المنتفعين لكاتبي التحقيق.

في استطلاع آراء الحالات التي زادت عن الثلاثين، أكدت جميعها أن تنظيف المركز يعد جزءا من مهامهم داخل الدور، رغم أن أنظمة دور الراعية تشترط وجود مستخدم للقيام بهذا النوع من المهام.

في هذا السياق، تستذكر جمانة (22 عاماً)، اسم مستعار، تدرس علم النفس على نفقة محسنة ترفض ذكر اسمها، معاناتها حين كانت في الدار.

توضح كنت أخجل من الاحتكاك بالطالبات في المدرسة حتى لا يتنبهن لرائحة المنظفات والكلور في ملابسي. فقد كنت وزميلاتي في دار النهضة، ننظف أروقة الدار فجر كل يوم“.

هذا الواقع يفسر “انتشار الشعور بعدم الرضا بين الأطفال المقيمين في المؤسسات”، كما ترى دراسة أجرتها وزارة التنمية الاجتماعية على مراكز رعاية الطفولة والأحداث العام 2001، وأكدت نتائجها دراسة استكمالية العام 2005.

اليافعون ضحايا تباين الأنظمة وتراجع الخدمات في دورهم تبدو الصورة في بعض دور الرعاية الخاصة بالأطفال قبل سن 14 أفضل حالا من دور اليافعين، فضلاً عن الاختلاف الجلي بين تلك الدور.

في زيارة ميدانية لداري رعاية أطفال شفا بدران ومؤسسة الحسين (حكوميتان)، يبدو جليا الاهتمام بالمرافق.

هناك ألوان زاهية للغرف والأثاث، وملصقات طفولية، ونظافة المرافق وحداثتها، واهتمام واضح بتوفير صالات للمطالعة مزودة بالمكتبات إضافة للمسطحات الخضراء للعب.

ويحصل الأطفال أيضا على عناية صحية في مراكز طبية خاصة مع وجود صيدلية وممرض داخل المركز، فضلا عن توافر برامج للدعم النفسي. كل هذه الخدمات تبدو غائبة عن دور اليافعين.

هذه الخدمات الفريدة تثير قلقا لدى إدارة الدارين من نقل الأطفال بعد إتمامهم السن القانونية لمراكز اليافعين، إذ “ستتغير الخدمات والأجواء جذريا على أؤلئك الأطفال، وسيعانون في مراكز الكبار من تنمر المراهقين عليهم“.

غياب التراكمية في عمل الدور، في ظل تباين الأنظمة بينها، يعزز احتمالات فشل الجهد المبذول في “شفا بدران” و”مؤسسة الحسين”، وهو أمر تقره الوزيرة لطّوف التي أكدت أنها تسعى في هذا السياق “لإبقاء الأطفال في تلك المؤسسات وعدم نقلهم إلى مادبا ريثما يتحسن وضع الأخيرة“.

أيتام شبه أميين

لماذا نهتم بالمدرسة”؟ يتساءل محمد، اسم مستعار، “فالأساتذة يعاملوننا إما بشفقة زائدة أو بقسوة زائدة. وحين نعود إلى المركز، لا نجد من يتابع دروسنا فنبقى ننظف أو نلعب حتى موعد العشاء لنأكل ثم ننام”، حسب ما يضيف المنتفع الحالي في إحدى دور الرعاية الحكومية.

إفادة هذا الطفل تعززها نتائج استبانة وزعت لصالح التحقيق على عينة من 50 يتيماً، إذ بينت أن أكثر من نصفهم لم يكملوا المرحلة الإعدادية.

غرفة واحدة شبه مظلمة، تتوسطها طاولتان من البلاستيك تتسع كل منهما لأربعة كراسي. ذلك هو ركن المطالعة الذي يدرس فيه الأيتام بمركز مادبا الذي يؤوي 25 طفلاً.

إلى جانب غياب مرافق الدراسة، يعطى الأطفال، حسب برنامج الدار، ثلاث ساعات للعب وساعة واحدة للدراسة ليلاً.

وضع دفع باتجاه تقصي مستوى التحصيل المدرسي للأيتام في دور الرعاية، ليتبين بعد البحث في سجلات وزارة التربية والتعليم لعينة من ست مدارس وسط وشمال المملكة، أن علامات الطلبة الأيتام في تلك المدارس تتراوح ما بين 45 و50%.

تدني التحصيل العلمي لأيتام دور الرعاية أمر كانت نبهت له دراسة أجراها قبل تسعة أعوام معهد الملكة زين الشرف التنموي بالتعاون مع وزارة التنمية الاجتماعية على مركز رعاية أيتام يأوي فتيانا بين سن 6-12.

تلك الدراسة كشفت عن “أن التحصيل الأكاديمي للأطفال ضعيف، وأن 15% من عينة الدراسة لا يعرفون القراءة والكتابة، كما أنهم يشعرون بالوصم الاجتماعي من قبل زملائهم في المدرسة“.

لا تستغرب الوزيرة لطّوف هذا الانحدار في المستوى التعليمي للأيتام، فالدراسات العالمية تشير إلى تدني التحصيل العلمي للأطفال في مؤسسات الرعاية في كل أنحاء العالم تقريبا”، بحسب رأيها.

إلا أن تقرير التنمية البشرية في الأردن للعام 2004، يشير إلى “أن تدني التحصيل المدرسي للأطفال، بشكل عام، إلى جانب ميلهم للعدوانية والشعور بعدم الأمان، كلها تعد نتائج لتعرضهم للإساءة في صغره“.

دور الرعاية … كوادر غير مؤهلة … ومشرفون اجتماعيون بشهادة الابتدائي

يتساءل مشرف سابق في دور الرعاية “كيف تريد من مشرفين يحملون شهادة الابتدائي الاهتمام بمتابعة دروس الأطفال الأيتام“.

وثبتت صحة ذلك سجّلات ديوان الخدمة المدنية لمؤهلات المشرفين في وزارة التنمية الاجتماعية؛ إذ كشفت أن من أصل 287 مشرفا اجتماعيا، هناك 38 لا يحملون شهادة الثانوية العامة، مقابل 43 يحملون مؤهل ثانوية عامة، فيما يحمل البقية شهادات جامعية.

في دار الحنان للرعاية أيضا، يحمل نحو عشرة مشرفين من أصل 15 شهادات تتراوح ما بين الثانوية والدبلوم، بحسب تأكيدات إحدى مشرفات الدار، فضلت عدم ذكر اسمها.

إلى ذلك، كشفت سجلات الموظفين في دار مادبا عن أن أحد المعينين بمهنة سائق وبمؤهل ثانوية عامة، يعمل الآن بمهنة مشرف اجتماعي.

المفارقة أن أحد حملة دبلوم التمريض عينت في مهنة “مستخدم” عامل تنظيفات، فيما يعمل آخر مشرفا رغم أن صفة تعيينيه مساعد مشرف اجتماعي، كون مؤهله العلمي لا يتجاوز الثانوية العامة.

ضعف تأهيل الكوادر المتخصصة ورد ضمن الدراسة التحليلية المذكورة سابقا عن واقع الرعاية البديلة في العالم العربي.

في معرض تعليقه على تلك المواصفات، يطالب الخزاعي بأن يتمتع القائمون على دور الرعاية البديلة بـ”مزايا اختصاص في علم النفس والاجتماع ممن خضعوا لتدريب مكثف”، مفضلاً “استدراج المتطوعين منهم لشغر هذه الوظائف“.

في انتظار تشريعات ورقابة سيبقى الأطفال واليافعون تحت رحمة مشرفين غير مؤهلين و”تنمّر” زملاء أكبر سنا، في مناخ أقرب ما يكون إلى “شريعة غاب“.

الشرطة في مواجهة الأطفال

 هل تتخيل أن يحضر لك والدك الشرطة؛لأنك خالفت تعليماته، أو لأنك تشاجرت مع شقيقك؟”، كان ذلك تساؤل الطفل اليتيم خالد ( 16 عاماً)، وهو أيضاً اسم مستعار، حول اقتحام الشرطة لدار رعاية مادبا بناء على شكوى من القائمين على الدار من “دون سبب مقنع”، بحسب رأيه.

بتاريخ 8 تشرين الأول (اكتوبر) و 1 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضيين علم كاتبا التحقيق”دخول الشرطة إلى دار رعاية أطفال مادبا وتوقيف عدد منهم وضرب آخرين، إما بسبب مشاجرة بين الأيتام أو لإجبارهم على النوم”، كما يؤكد الأطفال.

رغم نفيه لضرب الأيتام، إلا أن المكتب الإعلامي لمديرية الأمن العام أكد اقتحام” أفراد الشرطة للمركز، مشددا على”أن ذلك جاء نزولا عند طلب إدارة الدار“.


تعليقاتكم