السبت ١٩ - أكتوبر - ٢٠١٩ ٠٩:٤٠ صباحاً

تحقيق يكشف كيف تم استغلال الفوضى التي رافقت تغيير النظام في مصر: القصــة الكـاملــة لتهريب عنـاصـر «حمــاس» و«حــزب الله» من سجن المرج

2 آيار 2011
أحمد محمد رجب

إطلاق نار كثيف.. تتساقط الرصاصات فى بهو السجن الواسع.. التصق هو ورفيقاه فى الحجرة الضيقة بالحائط خوفاً من رصاصة طائشة تخترق النافذة وتسكن جسد أحدهم، تبادل ثلاثتهم النظرات، انسل من بينهم شيخ ستينى بدا أكثرهم جرأة يدعى حسن المناخلى، لجأ إلى ركن مظلم وراح يفكك سخان ماء كهربيا يصنعون فيه الشاى واستخرج من قاعدته هاتفاً محمولاً أعيا ضباط السجن الوصول إليه، وبعد مكالمة قصيرة، أومأ المناخلى (المتهم المصرى الثامن فى قضية حزب الله) برأسه فى إشارة ذات مغزى إلى رفيقيه أيمن إبراهيم وسلمان كامل، وعلى الفور شرع ثلاثتهم فى تحطيم باب الزنزانة مستغلين طفايات الحريق وقوائم الأسرة، تفهم بقية المساجين ما يحدث وفى غضون دقائق كان جميع نزلاء عنبر «التجربة» فى سجن المرج العمومى قد وصلوا إلى البهو الرئيسى مرددين بصوت عال «الله أكبر.. الله أكبر»، ظن المساجين فى العنابر المجاورة أنه احتفال بالحرية الوشيكة إلا أن أعضاء هذا العنبر فقط كانوا يعرفون مغزى هذا الهتاف.. إنه كلمة السر المتفق عليها.

فى مكان ثان، فى الوقت نفسه، وبينما يكبّر المناخلى ورفاقه فى بهو العنبر، وفى أحد ثمانية أبراج للمراقبة تحيط السجن المقام على 100 فدان، وقف المجند «محمد» ضاغطاً زناد بندقيته، يلف وجهه بمنديل مبلل بالمياه محتمياً به من دخان أسود خانق يهاجمه من خارج السجن، مجهولون أضرموا النار فى كميات كبيرة من قش الأرز وإطارات السيارات خارج الأسوار متخذين من أعمدة الدخان ستاراً يطلقون من ورائه الرصاص بشكل عشوائى على أبراج المراقبة.. وبرؤية نصف ضبابية، وخبرة عسكرية شبه معدومة، كان محمد ينتفض ذعراً كلما استمع لطلقة رصاص تئز بجوار أذنه، فتشتد سبابته على الزناد، مفرغاً خزان ذخيرته واحداً تلو الآخر فى قلب الضباب المحيط به.

فى مكان ثالث، وفى التوقيت ذاته، كان النقيب سيد عبدالكريم، أحد ضباط المباحث المنوط بهم تأمين السجن يضع سماعة الهاتف منفعلاً بعدما أخبره ضابط الاتصال فى الإدارة العامة للسجون بصعوبة إرسال الإمدادات والذخيرة المطلوبة لحماية السجن، يهرول الضابط إلى إحدى نقاط تمركز الجيش القريبة من السجن طالباً المساعدة ويعود بخفى حنين، يوقن أن جنوده لن يصمدوا طويلاً أمام الضغط القادم من داخل عنابر المساجين والهجوم الضارى بالأسلحة الآلية على أسوار السجن الخارجية.

هذه هى مشاهد هروب 504 سجناء يوم الأحد 30 يناير، من سجن المرج، وفق مدير العلاقات العامة لمصلحة السجون، والذى ظل لغزاً عصياً على الفهم فيما كان تدبيراً محكماً لتهريب المساجين، لاسيما السياسيين منهم حسب النتائج التى توصل إليها هذا التحقيق الذى دام ستة أسابيع. إذ استغل أهالى المسجونين انشغال الأمن المصرى بأحداث الثورة وهاجموا السجن لإطلاق سراح ذويهم، واستغل المسجونون السياسيون الفرصة ذاتها للاتصال بمنظماتهم لتدبير الهروب ليس فقط من السجن بل من مصر كلها، وهذا هو مربط الفرس الذى أثار لغطا طويلا وسط اتهامات للشرطة بفتح السجون لإثارة الذعر بين المواطنين لإحباط الثورة واتهامات لحركتى حماس وحزب الله بانتهاز الفرصة لإطلاق سراح أعضائهما المدانين بأحكام قضائية ويقضون عقوباتهم فى السجون المصرية. كما كشف التحقيق أن تأخر وصول الإمدادات من قبل وزارة الداخلية والجيش، وانعدام الخبرة لدى جنود الحراسة، أديا إلى تسهيل المهمة.

ضم سجن المرج خلف أبوابه مجموعة من أهم المساجين السياسيين على رأسهم محمد يوسف منصور الملقب بـ «سامى شهاب» المتهم الأول فى القضية التى عرفت إعلامياً بخلية حزب الله الإرهابية، بالإضافة إلى 25 متهما منهم حسن المناخلى وبينهم 4 هاربين. وكانت محكمة أمن الدولة العليا قد أصدرت بشأنهم أحكاما فى أبريل 2010 بالسجن المؤبد والمشدد. إلا أن المثير هو تمكن شهاب من الوصول إلى بيروت فى غضون 4 أيام من هروبه.

كما ضم السجن أيمن نوفل القيادى بكتائب عز الدين القسام «الجناح العسكرى لحركة حماس» الذى أدلى بحديث إعلامى من غزة عقب هروبه من سجن المرج بأربع ساعات تقريبا، مما يشير إلى أن الجاهزية العالية لحماس وحزب الله مكنتهما –دون اتفاق مشترك – من الاستعانة بأفراد مسلحين تسليحا جيداً داخل مصر لإطلاق سراحهم ونقل كل منهم إلى بلده.

البداية كانت فى عنبر «التجربة»… المحبوس فيه أعضاء خلية «حزب الله»، والتى تضم لبنانيا «سامى شهاب» وسودانيا وعددا من المصريين، فمنذ اندلاع المظاهرات فى الخامس والعشرين من يناير لم يجد أفراد الخلية، وسيلة للتواصل مع العالم الخارجى سوى مذياع.

المؤشر ثابت عند إذاعة «بى بى سى» العربية، النشرات والبرامج تؤكد أن هذه المظاهرات الاحتجاجية تتحول إلى ثورة شعبية. فى زنزانته الضيقة، أجرى حسن المناخلى اتصالا ببعض أصدقائه الذين أخبروه أن ثمة هجوماً يجرى فى تلك اللحظة من قبل مجهولين على سجن أبوزعبل المجاور لمحبسه، انتابه الأمل وخرج مع رفاقه إلى الساحة للتريض وتناول الغداء.

أتم المناخلى يومه بشكل روتينى، وفى منتصف الليل، بدأت حالة من الهياج داخل السجن حسب وصفه. كان التواصل مع أحد أهم المتهمين فى خلية حزب الله أمر جد صعب، ما إن طلبنا اللقاء معه أو أن يسمح لنا بأن نجرى مكالمة مسجلة حتى باغتنا «حسن، سأكون معكم فى الجريدة خلال ساعات.. أرحب بالتصوير».

يقول المناخلى إنه بطل يستحق التكريم لدعمه للمقاومين فى غزة وليس مجرما سعى لتحقيق ثروة من وراء ذلك. الشيب الواضح على رأسه والتجاعيد على وجهه لا يعكسان أبدا لهجته الحماسية التى يتحدث بها، يشعل حسن المناخلى سيجارته الـ«بوسطن» بثقة ويلقى روايته «يوم الأحد 30 يناير بدأت أصوات إطلاق نار على السجن فى الواحدة ظهرا، كانت رصاصات قليلة، تسارعت بمرور الوقت، ومعها ارتفعت وتيرة القلق داخل صدورنا».

يكمل «سيد عبدالكريم» ضابط مباحث السجن الصورة من خارج الزنزانة: «فى ظهر يوم الأحد، بدأت مجموعات مجهولة فى الإحاطة بسور السجن الخارجى، وبدأوا فى إشعال النيران فى إطارات السيارات والأكشاك الخشبية المحيطة بالسور وأكوام القش، وبعد فترة قليلة بدأ إطلاق نار على أبراج الحراسة، وبسبب عدم كفاءة العساكر، كانوا يردون على الرصاصة بخزانة كاملة».

أما خارج أسوار السجن فكان (م. ف) الضابط المتقاعد فى الجيش يجلس فى ساحة بيته يتابع الأحداث عن كثب. قال لـ«المصرى اليوم» إن طلقات الرصاص التى أطلقت فى الليلة الماضية أصابت أبناءه بالفزع، لم ينم ليلتها، كانت أنباء مهاجمة السجون تتوالى وبيته هو الغنيمة الأسهل لو أطلق سراح السجناء.

جمع أنابيب «البوتاجاز» فى شرف البيت وسلح أولاده بالسكاكين كإجراء احترازى. وبانتصاف نهار اليوم التالى شاهد مجموعة من الملثمين يركبون دراجات نارية يطوفون حول السجن ويطلقون الرصاص على الأبراج.

اختفوا لفترة كما يقول (م.ف) ثم عادوا وأحرقوا أكواما من القش والإطارات وأصبحت الرؤية من خلال دخانها مستحيلة. أمطروا الحراس بوابل من النيران ثم وصلت 3 سيارات جيب حديثة ووقفت أمام البوابة الخارجية للسجن، وكل من فيها يحمل أسلحة آلية.

لم يتبين الضابط المتقاعد شكل الأسلحة لكنه تعرف عليها بخبرته العسكرية من أصوات الطلقات وتتابعها. يؤكد بلغة الواثق أن المهاجمين استخدموا أسلحة حديثة بينها (G11 الألمانى عيار 4.7، والرشاش الآلى M240 الأمريكى الصنع، kA47).

من شهادتى «المناخلى» و«عبدالكريم» والضابط المتقاعد إلى لقطة فيديو طولها 11 دقيقة، حصلت عليها «المصرى اليوم»، تصور الدقائق الأولى لاقتحام سجن المرج، تظهر مجموعة من المدنيين يحمل بعضهم بنادق وأسلحة آلية، يختفون سريعا من المشهد ليظهر بعدها 20 شخصا يطوقون السور الخارجى للسجن المواجه لترعة صغيرة، بعضهم يحمل أسلحة بيضاء وألواحا خشبية، فيما اكتفى البعض الآخر ــ بينهم أطفال ــ بالمشاهدة، لترتفع فى الخلفية أصوات رصاصات متتالية، وتبدأ المجموعة المتجمهرة حول سور السجن فتح البوابة الخارجية للسجن التى ظهرت دون حراسة.

وقوبلوا حينها بإطلاق نار كثيف جعلهم يتراجعون، كما تظهر اللقطة، بوضوح، رجلا يعتقد أنه ثلاثينى، أصلع يرتدى سترة جلدية بنية اللون، ينظر من فتحات فى البوابة الرئيسية إلى البوابة الداخلية للسجن، وأصوات تردد: «عايزين نخرّج ولادنا». قبل أن تنتهى اللقطة بأصوات كثيفة لتبادل إطلاق نار، وعدد من الدراجات النارية تدور حول السجن ودخان كثيف حول الأسوار ورجل ملتح، يبدو فى عقده الخامس يشعل النيران فى أحد الأكشاك الخشبية الموجودة إلى جوار البوابة.

يكتمل المشهد الآن.. ملثمون يحملون أسلحة آلية حديثة جاءوا، وفق خطة موضوعة مسبقا، لاستنزاف ذخيرة حراس السجن، من خلال خلق أجواء تربكهم، وإجبارهم على إطلاق رصاصهم فى الهواء بانتظار اللحظة المواتية ليحرروا سجناءهم دون مقاومة. رواية المناخلى تزيد الأمر وضوحاً:

«مع تواصل ضرب الرصاص بالخارج، أخبرتنا جماعة من أهل سيناء المتهمين معنا فى القضية بأن هناك من سيحضر لتحريرنا.. طلبوا منا نقب جدران الزنزانات بقوائم الأسرّة عند «شفاط» الهواء المجاور للباب لأنها منطقة ضعيفة، وطلبوا أن نواصل التكبير بصوت عال حتى يستدل علينا «المخلصون». تعليمات نفذها الجميع دون استثناء، لنلتقى بعد دقائق فى بهو العنبر الصغير».

يواصل المناخلى: «كان أصدقائى قد وصلوا فى الخارج، وأخبرونى بأن أبراج المراقبة توقفت عن إطلاق النار، وأن بعض المسلحين يسرقون السجن. هرعنا إلى البوابة فوجدنا مجموعات ترتدى ثيابا مدنية، بعضهم يلبسون ملابس بدوية، يقومون بنهب السجن. أخذوا المواشى والأسلحة وأفرغوا المكاتب من محتوياتها، حتى الكافيتريا لم تسلم منهم».

إيهاب القليوبى، شاب عشرينى، تعرفه الأوراق الرسمية للقضية بالمتهم الثالث عشر، محكوم عليه بالسجن المشدد 10 سنوات، لا يجد غضاضة هو الآخر فى الاعتراف بدوره بتسهيل وصول المساعدات الغذائية والطبية القادمة من حزب الله إلى أهل غزة المحاصرين. التقيناه شمال سيناء، ليروى قصة الهروب ويقول: «بعد انقطاع الماء والكهرباء بدأ العساكر يطلقون النار على العنابر مهددين بقتل كل من يحاول الهرب، وكان العنبر الجنائى المجاور لنا يشهد اضطرابا كبيرا لرغبة واضحة فى تحطيم المحبس والهرب..

ومع استمرار (ضرب النار)فى اليوم التالى استشعرنا الخطر وعقدنا العزم على الهرب. حطمنا الحوائط ولم يكن هناك حينها سوى أفراد الأمن الموجودين فوق الأبراج. وخلال ساعات، استطعنا تخليص أنفسنا ووجدنا أبواب العنبر الثلاثة التالية مفتوحة. شاهدنا البدو بأسلحة آلية يحررون المحتجزين فى العنبر الجنائى المجاور، هيئتهم ولهجتهم تؤكد أنهم ينتمون إلى البدو. فيما هجمت مجموعة ثانية على المواشى التى كانت تُربى داخل السجن لسرقتها. وبدا واضحا أن المجموعتين مختلفتان: هذه جاءت لتحرير السجناء، وتلك للسرقة».

هكذا تتفق روايتا القليوبى والمناخلى فى طريقة الخروج، وفى البوابات التى وجداها مفتوحة، وفى التعليمات التى جاءت من الخارج بأن يرددا «الله أكبر». وشوهدا أيضا فى مقطع فيديو وهما يخرجان تباعا، يمكن تمييزهما بسهولة، وكان معهما سامى شهاب. واصل كل منهم طريقه إلى مخبئه بنفسه. لم يعطهم أحد أموالا أو ملابس أو ينقلهم بسيارة. توقفت المساعدات عند خروجهم من السجن حتى إنهم لم يقابلوا الجماعة الذين طلبوا منهم الهتاف.

فرحوا بالخروج، وفى هذه الأثناء، اختفى سامى شهاب عن الأنظار، ولم يلتفتا إلى ذلك إلا بعد أن شاهداه فى مقطع بثته القنوات الإخبارية فى بيروت بعد 4 أيام من الهروب. كان – رأس الخلية – قد وصل إلى مسقط رأسه.

آخر مشاهدة لسامى شهاب يرويها عضو ثالث بالخلية، فضل عدم الإفصاح عن هويته: «كان يستخدم هاتف الثريا، وكان يبلغ الطرف الآخر بخطواته»، يتوقف أمام كلماته وكأنه يدركها للمرة الأولى. يهز رأسه كأنما يطرد هاجسا ويستطرد: «كلنا كنا نفعل نفس الشىء، لذا لم أجد فى ذلك ما يجذب انتباهى، فلم يكن هناك شىء مدبر. كانت الأحداث تتلاحق، وكلنا نستفيد منها، وبعد عودتى إلى منزلى، شاهدته يظهر فى لبنان، للمرة الأولى منذ انفصالنا أمام أسوار السجن الخارجية. بعضنا لجأ إلى مسجد أو طلب العون من الأهالى، لكن شهاب لم ينتظر أحدا، وأعتقد أنه استعان بأحد أصدقائه فى مصر، لأنه أمضى هنا أكثر من 10 سنوات، ودبروا له وسيلة لأخذه رأسا إلى الخرطوم فى خط السير الذى يأتى فيه السلاح إلى رفح، وبوصوله إلى السودان يصبح فى مأمن وتبقى عملية نقله إلى لبنان أمراً يسيراً».

وهنا يتدخل ( خ. ل) أحد قيادات البدو المطلوبين أمنيا فى سيناء، يتحدث بلغة الواثق العالم ببواطن الأمور: «سامى شهاب، أو رجل حزب الله لم يخرج من مصر عبر سيناء، ومصادر لى فى حلايب وشلاتين أكدت معلومة كانت قد وصلتنى فى اليوم التالى لاقتحام السجن أنه أمضى عدة ساعات هناك، وأن الرجل سلك طريقه إلى السودان من هناك، رغم عرض بعض أصدقائه هنا معاونته إلا أنه فضّل السودان لأن سيناء كانت ستصعب الأمور عليه. فالخروج من غزة مستحيل والإبحار عبر المياه الإقليمية سيجعله هدفا سهلا لإسرائيل التى كانت ستعرف بسهولة خط سيره وتتبعه لأنه على رأس المطلوبين».

فشلت محاولات كاتبى التحقيق فى الحصول على شهادة سامى شهاب من خلال المكتب الإعلامى لحزب الله وأشخاص مقربين منه حول واقعة الهروب، وجاء الرد بأنه لم يعد فى لبنان.

اللغز الثانى فى هذه القضية، كان تهريب القيادى الحمساوى أيمن نوفل، الذى ألقى القبض عليه عقب اقتحام الآلاف من مواطنى غزة الحدود المصرية فى يناير 2008، وهو ما اعتبرته الحكومة المصرية آنذاك اعتداء على سيادة الدولة.

يقول النقيب سيد عبدالكريم إنه شاهد واقعة تهريب أيمن نوفل ويرفض بشدة الاتهامات الموجهة للشرطة بفتح السجون وتسهيل هروب المساجين. فى هذه المرحلة قرر أن يصحبنا فى جولة داخل السجن بعد الحصول على تصريح من وزارة الداخلية وبحضور مأمور السجن وعدد من الضباط. كان لابد أولا من الحصول على تفسير للأبواب الثلاثة التى تركت مفتوحة فى عنبر التجربة. تفسيره جاء كالتالى: العنبر له 5 أبواب.

الأول يوصد على الزنازين ويقود إلى بهو العنبر ثم باب ثان إلى غرفة دون نوافذ ثم الثالث فممر ينتهى إلى باب رابع وبعده تقع المكاتب الإدارية للعنبر حيث ملفات السجناء وأخيرا باب الخروج. يصر الضابط على أن البابين الخارجيين عديمى الجدوى مهمتهما فقط حفظ المكاتب الإدارية، فحتى لو أغلق هذان البابان، فإن النوافذ يسهل كسرها، أما الباب الثالث، فكان تفسيره أن الجنود أصيبوا بارتباك بعد محاولات تحطيم السجن ولكنه غير مقبول، لأنه كان يفصل السجناء عن الجندى المكلف بإغلاق الباب بابان آخران، علاوة على الباب الموضوع على كل زنزانة.

يعود الضابط ليكمل روايته: نجح المساجين فى تحطيم غرف محبسهم، وأوشكت الذخيرة على النفاد وشعرت حينها «إن إحنا إتبعنا»، وتسلل الخوف إلى صدورنا جميعا وبدأ الجنود فى الهروب بشكل فردى: كل من تفرغ ذخيرته يهرب. كان لدينا قرابة 150 جندياً، فروا جميعاً وبقى أقل من الربع. فوجئت بضابطين من أصل 7 مكلفين بحماية السجن يفران أيضا فالهجوم جاءنا من الداخل والخارج ولم نصمد لأكثر من 40 دقيقة، وبعد نفاد الذخيرة تركنا السلاح للهرب.

«قبل الخروج اعتليت البرج الكائن على يسار بوابة السجن الرئيسية لأحث الجنود على الصمود والاقتصاد فى استخدام الرصاص فشاهدت عدة «بطاطين»، لاتزال آثارها باقية، تغطى الأسلاك الشائكة للسور الشرقى للسجن، علمت بعد ذلك من أحد السجناء أن مجموعة مختلفة عن تلك التى هاجمت السجن اقتحمت السور من هذه الناحية، تجاوزت الأسلاك مستعينة بتلك البطاطين واتجهت مباشرة إلى العنبر الجنائى – حيث يقبع نوفل – وحرروه».

سألنا اللواء متقاعد رفعت عبدالحميد المدير الأسبق للبحث الجنائى بمديرية أمن الإسكندرية وخبير علوم مسرح الجريمة عن رأيه فى رواية النقيب سيد فقال إنها منطقية مرجعاً سقوط هذا السجن بتلك الصورة إلى سببين، أولهما الاعتماد على مجندين عرفوا داخل جهاز الشرطة بالدرجة الثانية لأنهم لا يملكون أى قدر من التعليم، وبالتالى فهم غير مدربين على التعامل مع هذه المواقف أو حتى مطاردة الهاربين.

الأمر الثانى هو عدم وجود مخزون استراتيجى من الأسلحة أو الذخيرة داخل هذا السجن، علاوة على تأخر إيصال الإمدادات المطلوبة، والاكتفاء بالطلقات الستين التى بحوزة كل مجند والتى يفرغها فى غضون 3 دقائق على الأكثر.

قال لنا أحد السجناء الجنائيين الذين رفضوا الهرب ويدعى طارق قطب، شاهد عملية تهريب نوفل عن قرب «كان أغلبهم دون الثلاثين، لغتهم قريبة من لغة البدو، ملتحين، يضعون الشال الفلسطينى على أكتافهم، بعضهم ملثمون، اقتحموا العنبر واصطحبوا أيمن نوفل وزميله محمد هشام إلى سيارة إسعاف كانت تنتظرهم أمام ملعب كرة القدم فيما تفرغ الآخرون لفتح باقى العنابر، كانوا يجبروننا على الخروج من السجن، ويهددون بضرب من يمتنع بالنار».

الشواهد كلها تشير إلى أن تدبيرا خاصا تم من أجل تحرير سجينى حماس، وجاءت رواية سجين آخر يدعى إبراهيم حمودة، لتضيف جديدا «قرابة الساعة الثالثة والنصف عصر الأحد، سمعت المساجين فى المحابس المجاورة يطمئنوننا، يقولون إن عناصر حركة حماس سوف يأتون ليخلصوهم بعد نصف ساعة وبعد نصف ساعة بالضبط، تم اقتحام العنبر وكانت زنزانة أيمن نوفل ومحمد هشام هى ثانى زنزانة تُفتح، وسمعت أحدهم يصطحبهم للخارج ويجرى مكالمة ويقول: «إحنا جبرنا.. وأخذنا السلاح» وقاموا بالفعل بتجميع الأسلحة التى خلفها الضباط والعساكر الذين فروا بعدما نفدت ذخيرتهم، وعندما سقطت قطعة سلاح من أحدهم أمامى ظن أنى سوف ألتقطها فأطلق رصاصة اخترقت فخذى.

هكذا خرج نوفل، لكن الكيفية التى تمكن بها من قطع المسافة بين المرج –ورفح فى غضون 3 ساعات، ليعبر منها إلى غزة، جعلت محطتنا التالية هى رفح، هى المعبر والأنفاق.

الشيخ أبومحمد، صاحب نفق، أبلغنا بأن لديه معلومات مؤكدة أن الهجوم على سجن المرج بالتحديد نفذه أفراد من البدو الذين ينقلون السلاح الذى يريد حزب الله إيصاله إلى أهل غزة وآخرون تربطهم علاقة جيدة مع حركة حماس. وأن هناك أسرا دفعت مبالغ كبيرة للاستعانة بخارجين على القانون بغية تحرير أولادها وكانت هذه الجماعات ذات تسليح عال نافيا أن يكون سامى شهاب قد وطئت قدماه أرض سيناء، وأن لديه معلومة تفيد بخروجه من الخرطوم – مرورا بحلايب وشلاتين – إلى بيروت بجواز سفر مزور، لافتاً إلى أنه سلك خط سير يعرفه العاملون فى تجارة الأنفاق من أجل إدخال السلاح القادم عبر السودان إلى غزة.

بدأت الرؤية تتضح أكثر، خاصة بعدما تمكنا من الوصول إلى الشيخ جمال – اسم حركى فضل أن نناديه به – أربعينى تربطه صداقة قديمة بالقيادى أيمن نوفل وكان على اتصال دائم به حتى وصوله إلى غزة. يعمل فى تهريب الأسمنت ومواد الطلاء، أكد أن التخطيط لتهريب نوفل لم يتم قبيل يوم السبت التاسع والعشرين من يناير، وأنه عندما علم بحالة الانفلات الأمنى، اتصل بالحركة التى قامت بدورها بالاتفاق مع أفراد قريبين من السجن من أجل ترقب هجوم وشيك، ليندسوا بين الأهالى لتحرير نوفل ورفيقه محمد هشام، الذى خرج فى سيارة عبرت به كوبرى السلام وهناك انتظره أفراد من المتعاونين مع حماس من أهل سيناء، ونقلوه رأسا إلى نفق يديره مصرى من أصول فلسطينية يدعى «أبومنصور».

«المصرى اليوم» تتبعت مسار الرحلة إلى النفق، ورفض أبومنصور أن يتم التسجيل معه أو التصوير، أمر بديهى لم نلح عليه به. النفق طوله 1600 متر تقريبا، هو عبارة عن جدار وهمى من «الصاج»، يخفى فتحة النفق، ملحق بمنزل بدوى إلى يسار المعبر بقرابة 500 متر تقريبا. ينحدر المدخل تدريجيا إلى عمق 7 أمتار، مضاء فى أغلب أجزائه، مقسم إلى مراحل، طول كل منها 150 مترا، حيث ماكينات السحب وشبكة تليفونات أرضية تخبر الطرف الآخر بجاهزية البضاعة المراد سحبها بعد نقلها بشكل تقاطرى، ليعطى الأمر بالسحب فى قاطرات جلدية مقسمة إلى خانات طول كل واحدة متر تقريباً، بعد 600 متر تقريبا وصل عمق النفق إلى 25 متراً، وانخفض ارتفاع السقف على 70سم لمسافة ليست بالقليلة، اضطرت نوفل وهشام إلى الانبطاح بشكل كامل أثناء عملية نقلهما، والتى استغرقت ربع ساعة، إلى أن وصلا إلى الناحية المقابلة، وسط حفاوة تشبه استقبال فاتح منتصر.

الاتصال بأيمن نوفل بعد وصوله غزة بات هو الآخر أمرا شبه مستحيل، حيث أبلغ الوسطاء برفضه التام الحديث عن عملية تهريبه لدواع تتعلق بأمنه الشخصى.

وهكذا يكشف هذا التحقيق الغموض الذى اكتنف عملية سقوط آخر السجون المصرية الذى ضم بين جنباته من صنفتهم ملفات جهاز أمن الدولة «المنحل» بأنهم «خطر على الأمن القومى» ويضع سيناريو الاقتحام – من خلال شهادات موثقة لأشخاص عاشوا تلك اللحظات – الذى تضافرت فيه عدة جهات خارجية وداخلية، ويكشف طرق الهرب وأثر الهاربين وطريقة خروجهم من البلاد جنوبا وشرقا، ويشرح كيف سقط ضباط الشرطة والمجندون عن أبراج حراستهم هاربين بعدما أيقنوا أن السجان يوشك أن يصبح سجيناً.


تعليقاتكم