الأربعاء, كانون الثاني 3, 2018

بالنص والفيديو: ختم نسر

1 ديسمبر 2015
سامح اللبودي

 386 ألف خطأ في شهادات الميلاد والوفاة 2014.. والأحوال المدنية تستغيث بوزارة الصحة

 أشقاء فضل استخرجوا له شهادة وفاة طمعًا في الميراث  

ودار إيواء تستخرج شهادات ميلاد لحديثي ولادة منسوبين لسماسرة أطفال

تحقيق | سامح اللبودي
اليوم السابع– من قسم تسجيل المواليد والوفيات بمكاتب الصحة التابعة لقطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة، يصدر أول ورقة للمواطن وآخر ورقة . لكنّ اسماعيل فضل لم يكن يعرف أن رقبة كل مصري معلقةٌ من المحيا إلى الممات على أبواب هذه المكاتب التي هي بإذن قانون الأحوال المدنية رقم 143 تبعَثُ الموتى وتميت الأحياء في سجلات الحكومة .
يقول فضل : ” بعد شقى 3 سنين في السعودية رجعت لأهلي لما إنقطع الاتصال بهم 6 شهور، لقيت إخواتي ومراتي خرجوا لي شهادة وفاة من مكتب صحة عشان الميراث اللي كتبه أبويا باسمي وعملوا إعلان وراثة وخدوا كل حاجه حتى الشقة اللي أنا ساكن فيها، قعدت 3 شهور كعب داير على السجل المدني ومكتب الصحة كنت عاوز أثبت بس إني لسه عايش مكنتش عاوز أخد الميراث أو أعاقب مراتي اللي اتفقت مع إخواتي علي” .
بحسب التقسيم الإداري للدولة فإن مكاتب الصحة هي المصدر الرئيسي لقاعدة بيانات 90 مليون مصري لدى الدولة . إلا أن ثغرات اللائحة المنظمة لعمل مكاتب الصحة فيما يخص استخراج شهادات الميلاد والوفاة ، استغلها خارجون عن القانون وتسللوا بالإحتيال أو بالتواطؤ مع موظفيها وحصلوا على شهادات ميلاد ووفاة مزورة البيانات بغرض تقديمها لمؤسسات حكومية أوخاصة أو قضائية للحصول على مكتسبات غير مشروعة من بينها الإتجار بالأطفال والتلاعب في المواريث وحرمان الأم من حضانة أبنائها والتهرب من التجنيد ، بجانب قضايا كثيرة شهدتها أروقة المحاكم الآونة الأخيرة.
“اليوم السابع” خاضت تجربة استخراج شهادات ميلاد ووفاة بدون أوراق ثبوتية، بعدما اختارت بشكل عشوائي مكاتب صحة بالقاهرة والفيوم وكشفت بالصوت والصورة استطاعة أي خارج عن القانون أن يستخرج شهادة وفاة لمَن يريد ويميته في سجلات الحكومة أو ينسب طفل وهمي لمن يرغب للحصول على مكتسبات غير مشروعة وذلك بدون أي أوراق ثبوتية. كما كشفت بالمستندات تهديد مكاتب الصحة لقاعدة بيانات الدولة، بعدما حصلت على مستند رسمي يكشف تقديم 16 مليون مواطن بلاغات لمصلحة الأحوال المدنية من أجل تصحيح أخطاء في شهادات الميلاد والوفاة التي تضخها مكاتب الصحة في قاعدة بيانات الدولة الأمر الذي يؤكد أن ثغرات مكاتب الصحة بقدر ما تهدد حياة المواطنين من جانب فإنها باب خلفي للتلاعب من جانب آخر في بيانات المواطنين لدى الدولة بضخ سجلات ميلاد ووفاة وهمية وغير صحيحة.

“أنا اتجوزت دلوقتي وعندي ولد مش عاوزه يطلع ينتقم من اخواتي، عشان هم أهله ” . لم يشأ الأربعيني إسماعيل فضل أن يتذكر ما قام به أشقائه وزوجته باستخراج شهادة وفاة له وهو على قيد الحياة : ” هم لحمي ودمي وكل ما بفتكر الحكاية بحس بذنب إني وصلتهم إنهم يستغلوا سفري ويدفنوني حي ..لو مكنش أبويا كتب الميراث بإسمي كان الوضع اختلف ” . ساق لنا فضل ما اعتبره سببًا في امتناعه مراتٍ عن الحديث، وسببًا أيضًا في أن يستأذننا بألا يتحدث أكثر عن قصته .

قانونٌ مُعَطَل
ما أصاب فضل كان أحد أسبابه مخالفة مكتب الصحة التابع له المادة 38 من قانون الأحوال المدنية رقم 143 لسنة 1994 التي تنص على وجوب معاينة مفتش الصحة حالة الوفاة لإثبات ما إذا كانت حقيقية أم لا ، وإدراج سبب الوفاة – جنائي أم طبيعي .
” القانون معطل، وقليل من أطباء مكاتب الصحة بيخرجوا لمعاينة الجثة، وده بسببه بتعدي جرائم قتل كتير وبتخرج شهادات وفاة لناس أحياء أو وهميين أو تصريح دفن لمقتول “..حسبما يؤكد محمد محمود مفتش صحة بأحد مكاتب شرق القاهرة ، مشيرًا إلى أن عدم تطبيق نصوص القانون فتح باب واسع لاستخراج شهادات وفاة مزورة البيانات .
أثناء الإعداد للتحقيق كشفت مقابلة أكثر من كاتب صحة و طبيب بمكاتب الصحة عن ثغرات المنظومة. لكن أحدهم – مدير مكتب صحة في وسط القاهرة – اعترف أن أغلبهم لا ينفذ القانون : ” شهادات الميلاد وتصاريح الدفن بتتختم على بياض وتتساب لكاتب الصحة اللي بيعمل كل حاجه بتخالف القانون.. وأنا في بداية شغلي استلمت من مفتش الصحة اللي قبلي دفتر شهادات الميلاد والوفاة وتصاريح الدفن مختومة على بياض” .
يُلقي مفتش الصحة – الذي طلب عدم نشر اسمه – بالمسئولية الأكبر على كاتب الصحة معتبرًا أن أوراق التبليغ عن الوفاة والميلاد مسئوليته. لكنّ شريف جاد – كاتب صحة مكتب النزهة بمصر الجديدة – يرى أن الطبيب هو “المسؤول الأول والأخير عن صدور شهادة الميلاد والوفاة لأنه آخر إيد بتخرج منه الشهادة وباستطاعته رفض التوقيع والختم .. كما أنه مسئول عن مراجعة البيانات وبموجب مراجعته يوقع على الشهادة ويختمها ” .

unnamed (4)

شهادة ميلاد-اليوم السابع

الكلُ ملتزم
وبحسب إحصاء صادر عن مركز معلومات وزارة الصحة فإن 5300 مكتب صحة موزع على أنحاء مصر ، يعمل بها 9306 كاتبٍ وطبيب . و استخرجت مكاتب الصحة العام الماضي 2 مليون و700 الف شهادة ميلاد ، و550 ألف شهادة وفاة . بينما تنص المادة الرابعة من قانون الأحوال المدنية على اختصاص مكاتب الصحة بتلقي بلاغات الوفاة والميلاد وإرسالها للسجل المدني ، فيما تقع المكاتب تحت مسئولية قطاع الطب الوقائي.
الدكتور علاء عيد وكيل وزارة الصحة لقطاع الطب الوقائي كان متحفظًا في البداية لإجراء لقاءٍ مصور ، قام بتأجيله أكثر من مرة ولم يستجب إلا بعد أن كتب أسئلة الحوار لتدور حول جهوده و قطاعه في ضبط العمل داخل مكاتب الصحة ودورها . قال عيد عن إجراءات تسجيل المواليد والوفيات داخل مكاتب الصحة إن : “شهادة الوفاة والميلاد تصدر مجانا. الميلاد تصدر بأصل بطاقة الرقم القومي للزوج والزوجة ووثيقة الزواج وإخطار ولادة صادر عن مستشفى، وفي الوفاة يتوجه مفتش الصحة لمعاينة الجثة وكتابة سبب الوفاة، وبدون ذلك لن تستطيع الحصول على شهادة ميلاد أو وفاة “.
يرى عيد أن “الكل ملتزم” بتنفيذ القانون ولم ترصد إدارته أخطاءً للموظفين، والفضل يرجع حسبما يقول لـ ” المتابعة الدورية للتفتيش الإداري بالوزارة” ، لكنّ مستندًا رسميًا يؤكد أن للداخلية رأيٌ آخر ، حيث حصلت “اليوم السابع” على مستند من قطاع الأحوال المدنية يكشف نسبة طلبات المواطنين بتصويب أخطاء في شهادات الميلاد والوفاة التي هي في الأصل صادرة عن مكاتب صحة، حيث قامت إدارة التصويب بالقطاع بتصحيح 386 ألف شهادة ميلاد ووفاة خلال عام 2014 وتصحيح 16 مليون و849 ألف و680 خطئًا منذ إطلاق مشروع الرقم القومي عام 97 وحتى مايو 2015. كما ضبط جهاز البحث الجنائي العام الماضي 18 ألف و279متهمًا بالتزوير والفساد الوظيفي فيما يخص منظومة استخراج شهادات الميلاد والوفاة والأوراق الثبوتية للمواطنين.
الداخلية تستغيث
اللواء خيري حامد مساعد وزير الداخلية لقطاع معلومات مصلحة الأحوال المدنية أكد من جانبه أن دورهم يقتصر فقط على تسجيل شهادات الميلاد والوفاة واستخراجها مميكنة .
وأضاف: ” أرسلنا خطابات رسمية أكثر من مرة لوزارة الصحة بضرورة أن يلتزم موظفي مكاتب الصحة بإجراءات استخراج شهادات الميلاد والوفاة واستيفاء جميع البيانات، لأننا نعاني معاناة غير عادية في قاعدة بيانات المواطنين من حالات الوفاة والميلاد غير المؤكدة أو المتضمنة أخطاء صادرة من مكاتب الصحة “.
” لايمكن ده يحصل ، مفيش موظف لا ينفذ القانون أو لا يطلع على أصول الأوراق” . جاء رد علاء عيد مسئول الطب الوقائي على مسئول الداخلية قاطعًا وذلك قبل أن نخبره بأن أيًا من “أصول الأوراق” التي قال عنها ملزمة للمواطن والموظف لم تكن معنا حينما اخترنا مكتب صحة بشكل عشوائي بالقاهرة لقياس إمكانية استخراج شهادة ميلاد بدون أوراق ثبوتية .
تواصلت مع مستوصف طبي بأحد أحياء جنوب القاهرة للحصول على إخطار ولادة ، طلب موظف بالمستوصف مقابلته على مقهى مجاور للاتفاق على بيانات الإخطار طالبًا 60 جنيهًا لاستخراج إخطار ولادة لطفل لم يولد أصلا في المستوصف . حصلنا على أكثر من إخطار حتى أن أحدَها صدر من مستشفى أحمد ماهر الجامعي ومن المستوصف بنفس بيانات المولود والأم وهو ما يؤكد أن أحدهما مزور . لكنّ موظف المستوصف دون أن يقصد فتح لنا بابًا آخر حينما كشف عن إمكانية استخراج إخطار ولادة من مكتب الصحة بالمخالفة لقانون الأحول المدنية الذي لا يسمح إلا لمستشفى أو طبيب باشر عملية الولادة باستخراج الإخطار .
منظومة مخترقة
اخترت مكتب صحة عشوائي بالقاهرة. قالت كاتبة الصحة : “هات بطاقتك وأصل بطاقة الزوجة وقسيمة الجواز وإخطار الولادة ” . أخبرتها أنني أريد إخطار ولادة ونسيت بطاقة زوجتي وأحمل معي فقط صورة وثيقة الزواج . قالت: ” إخطار الولادة بـ 30 جنيه و20جنيه دمغات وورق و 50 هاخدها حلاوة مولود . وابقى هات لي صورة بطاقة المدام بعدين عشان نقدر نبعت الشهادة السجل المدني” . بدأت الموظفة في كتابة البيانات وأكدت أنني أستطيع الحصول على شهادة الميلاد بعد يومين . لكنني وبعدما تأكدت من أنها ستقوم باستخراج شهادة الميلاد طلبتُ منها أن توقف الإجراء مؤقتا حتى أعود فيما بعد لاستكماله. بعد ثلاثة أسابيع تلقيت إتصالًا من الموظفة تطلب مني الحضور للمكتب لاستلام شهادة الميلاد التي قامت باستخراجها دون بطاقة الرقم القومي للأم والأب . قالت : ” تعالى عشان ابعت الشهادة للسجل المدني. هي خدت رقم 174 عندي، ومضيت مكانك في بلاغ الولادة عشان بنتك ما تسقطش قيد” . أنهيت المكالمة مع الموظفة بعدما علمتُ منها أن مكتب الصحة سيقوم بفرم الشهادة وعدم قيدها في المواليد إذا لم أذهب لإيداع صورة بطاقة الرقم القومي للأب والأم.
“دي بتبقى حالات فردية .. استثناء مش قاعدة” هكذا رد علاء عيد مسئول الطب الوقائي بعدما شاهد مقاطع مصورة من داخل مكتب الصحة. أكدت له أنني اخترت مكتب عشوائي وماحدث ليس استثناء، قال : ” متحاولش تذيع المشاهد دي حتى لا نضع معالي الوزير في حرج وتضع نفسك أنت تحت المسئولية القانونية ” .

تسهيل الإتجار بالأطفال
مصطفى كمال الترعي محام ضحايا شهادات ميلاد ووفاة أشار إلى أن أخطر الأغراض التي يسعى إليها مزور شهادات الميلاد هي الإتجار بالأطفال والتلاعب في سن الزواج، مؤكدًا أن ضعف العقوبة تسبب في زيادة الجريمة. فالمادة 226 من قانون الأحوال المدنية نصت على أن عقوبة المتلاعب في بيانات شهادات الميلاد والوفاة تبدأ من يوم حتى ثلاث سنوات فقط ..”وأروقة المحاكم تعج بقضايا تلاعب في شهادات الميلاد والوفاة ،واتعرضت علي قضية قيام أب باستخراج شهادة وفاة لطفله الرضيع من أجل حرمان مُطلقته من حضانته ثم قام باستخراج شهادة ميلاد للطفل منسوبًا لأمٍ أخرى” .
وبصفته مسئولاً عن نجدة الطفل في المجلس القومي للأمومة والطفولة قال أحمد حنفي إن مكاتب الصحة هي الباب الخلفي للإتجار بالأطفال، وهو ما تم رصده في خط نجدة الطفل خلال السنوات الماضية. حيث كانت أبرزالقضايا هي بيع أطفال أحد ملاجئ شبرا لأمريكيين من أصل مصري وتواطؤ موظفي مكتب صحة في استخراج شهادات ميلاد للأطفال ونسبهم للأمريكيين لتسفيرهم خارج مصر .
وتابع : ” آخر بلاغ تلقيناه كان عن اختطاف طفل من دار إيواء بالجيزة واستخراج شهادة وفاة له، لتهريبه وخطفه من الدار واستخراج شهادة ميلاد أخرى له باسم آخر .. بينما الصورة الأخطر التي ظهرت مؤخرا هي وجود عصابات تخصصت في خطف حديثي الولادة من المستشفيات و بيعهم لراغبي التبني ” ، مشيرًا إلى أنه من 18 إلى 20 % من البلاغات الواردة إلى خط النجدة هي خطف واتجار بالاطفال .
لأجل هذا أطلقت الحكومة ما قالت أنه مشروع قومي لميكنة مكاتب الصحة وربطها بالأحوال المدنية لمراجعة بيانات المُبَلِغ لحظيًا على قاعدة بيانات المصلحة للحد من إدخال بيانات مزورة في شهادات الميلاد والوفاة. وبحسب وزارة الصحة فإنها انتهت من ميكنة مكاتب الصحة في 8 محافظات من بينها الفيوم والقليوبية وبني سويف والسويس، كما بدأت في الربط مع الأحوال المدنية . وعن المشروع قال المهندس طارق سعد مساعد وزير الصحة والمسئول عن ميكنة مكاتب الصحة: “شغالة بشكل جيد ونراقبها .. إحنا ابتدينا نقفل منابع الأخطاء والثغرات ” .
ميكنة على الورق
وبينما تعتبر الحكومة ميكنة مكاتب الصحة مشروع قومي ، لم يتفق مسئوليها على تاريخ واحد للمرحلة الأولى التي بدأت في التشغيل . وفيما قال علاء عيد مسئول قطاع الطب الوقائي إن المنظومة بدأت في التشغيل الرسمي يناير 2015 ، قال مسئول قطاع التطوير والمعلومات بوزارة الصحة إنها بدأت في يونيو. لكنّ مستندًا رسميًا حصلنا عليه يكشف أن الصحة لم تنتهِ أصلا مما قالت أنه بدأ في التشغيل والربط مع الأحوال المدنية حيث كان آخر ربط نوفمبر 2014 بمحافظتي السويس وبني سويف وليس ثماني محافظات كما تقول الصحة . بينما كشف نفس المستند قيام مواطنينَ بالإدلاءِ ببيانات مزورة وغير متطابقةٍ في شهاداتِ الميلاد والوفاة، حيث أن 68%من المُبلغينَ للحصولِ على الشهاداتِ في بني سويف قدموا بياناتٍ مزورةٍ وغير متطابقة مع قاعدةِ بيانات الأحوال المدنية ، بينما قدم 54% في السويس بيانات غير متطابقة .
المنظومة تضرب الحكومة
محافظة الفيوم التي قالت الصحة أنها دخلت في منظومة الميكنة ، تلقى محافظها الدكتور حازم عطية في السابع من مايو 2014 اتصالاً من مسئول بمجلس الوزراء يستفسر منه عما نُشر في مواقع إلكترونية يفيد بوفاته. كانت الأخبار مدعومة بتصريح الدفن وشهادة وفاته ووكيل وزارة الصحة بالفيوم الدكتور مدحت شكري . يقول عطية : ” اكتشفت أن طبيب في مكتب صحة تابع لمستشفى ابشواى خرج لي شهادة وفاة ، وتبين أن هدفه إظهار الخلل في منظومة الصحة وأنه يقدر أي أحد يستخدام ختم النسر ويخرج شهادة وفاة لأي شخص ” .
التقينا بالدكتور حازم عطية في منزله بعد عزله من منصبه فبراير الماضي. كان أكثر سخطًا على ما أسماه ” خلل الجهاز الإداري للدولة” . قال : “هناك مشاكل إدارية متراكمة في وزارة الصحة أدت إلى أن أي مواطن يستطيع مع موظف غير منضبط أن يستخرج شهادة ميلاد أو وفاة دون قيود. وأبلغت مجلس الوزراء إن هدف ما حدث معي هو إظهار الخلل ده، وأنه بالإمكان استخراج شهادة وفاة لأكبر راس في البلد وهو عايش” .

unnamed

مراجعون بمكاتب وزارة الصحة – اليوم السابع

توجهنا لمحافظة الفيوم التي – بحسب البيانات الرسمية – صارت مكاتب الصحة بها مميكنة، ولأنها – قبل هذا – قد شهدت استخراج شهادة وفاة لمحافظها ووكيل وزارة الصحة. إخترنا مكتب الصحة الرئيسي في الفيوم لاستطلاع الميكنة واستخراج شهادة وفاة وفي ذاكرتنا نص قانون الأحوال المدنية الذي يجبر طبيب الصحة على معاينة الجثة قبل منح تصريح الدفن.
هي المرة الأولى التي أذهب فيها إلى الفيوم، كان ضمن خطة العمل أن أعرف أسماء الشوارع المجاورة لمكتب الصحة جيدًا حتى أُبلغ كاتب الصحة عن محل إقامة جدي المولود والمتوفى في دمياط لأَستَخرِج شهادة وفاة له في الفيوم بعد 31عامًا من وفاته . توجهت للمكتب ، طلب الموظف التوقيع على إقرار بفقد بطاقة الجد ثم بدأ في كتابة بلاغ الوفاة وقام باستخراج تصريح دفن مختوم على بياض وموقع من طبيب الصحة. استكمل الموظف بيانات التصريح تاركًا “مكان الدفن” لنكتبه نحن، طالبًا الحضور بعد ثلاثة أيام للحصول على شهادة الوفاة .
بعشرين جنيهًا حصلنا على تصريح دفن مختوم على بياض .. هكذا، وفي أقل من عشر دقائق تستطيع أن تميتَ مَن تريد في سجلات الحكومة . وفي اليوم التالي ذهبنا لنفسِ المكتبِ وطلبنا إلغاءَ إجراءات شهادةِ الوفاة بدعوى دفن المتوفَى في محافظة أُخرى حتى لا يُضاف مواطن وهمي جديد لقاعدةِ بيانات الدولة.
واجهنا طارق سعد المسؤول عن ميكنة مكاتب الصحة بأصل تصريح الدفن الذي حصلنا عليه، قال : “لاء دي مش تبعي، تِسئَل عنها قطاع الطب الوقائي لأنه المسئول إداريًا عن مكاتب الصحة، و الفترة الماضية كانت استرشادية ..والتعامل مع الخارجين عن القانون النظام المميكن مش هيبقى مؤثر فيه ..دي ثغرة مش هنقدر نسدها لإن الموظف هو نفسه ثغرة لأنه لم يطبق القانون “. فيما تغيّر حديث علاء عيد مسئول قطاع الطب الوقائي من المُدافع مطلقًا عن المنظومة إلى المُعترف بوجود فساد، قائلاً ” مفيش مكان في الدنيا خالي من الفساد . و إذا أُدين عندنا أي موظف بنعاقبه فورا لأنه فاسد يعمل في مكان وموقع حساس ” .
حديث عيد عن ملاحقة إدارته للمخالفين ينفيه مفتش الصحة محمد محمود (اسم مستعار) : “من فترة قصيرة كان التفتيش الإداري بيمر علينا ووجد شهادات الميلاد وتصاريح الدفن مختومة على بياض ، وكان قرارهم نقل الكاتب فقط من مكتب لأخر وخصم يومين من الطبيب المسؤول.. التفتيش الإداري لا يمر إلا في المصائب فقط . ومفيش تفكير في حلول لسد الثغرات”.
“محمد الميت”
محمد عبود، دليل آخر على عدم اتخاذ وزارة الصحة خطوات جادة نحو معاقبة المخالفين والمتسببين في استخراج مكاتب الصحة تصاريح دفن على بياض وشهادات وفاة لمواطنين على قيد الحياة . عبود الذي استغرق عامًا كاملاً لحذف شهادة وفاة نُسبت له وإثبات أنه لا زال على قيد الحياة،لم تتخذ الوزارة – حتى كتابة هذه السطور – أي إجراء ضد مكتب الصحة الذي استخرج له شهادة الوفاة .
توقف زمن عبود في اللحظة التي قالت فيها موظفة سجل مدني بولاق الدكرور ” إنت ميت يا حاج عندي على الكمبيوتر ازاي جاي تطلع بطاقة ” . لم يكن يتخيل “الخمسيني عامل البناء” أنه ببساطة قد دُفن حيًا في سجلات الحكومة . قال لموظفة السجل المدني ” إزاي أنا ميت هو أنا عفريت وجاي أطلع بطاقتي”. جاء ردها أنه متوفى على قاعدة بيانات الأحوال المدنية بعدما صدرت له شهادة وفاة من مكتب صحة بولاق الدكرور .
يقول عبود: ” لفيت سنة من شهر اتنين 2014 عشان أثبت للحكومة إني عايش وأطلع بطاقة بدل اللي ضاعت وأرجع شغلي اللي اتفصلت منه بعد ما انقطعت عنه وأنا بلف كل يوم على المصالح الحكومية، لدرجة إن جيراني بعد ما عرفوا الموضوع بينادوني يا محمد يا ميت ” .

لا يعلم عبود حتى الآن لماذا قام مكتب الصحة باستخراج شهادة وفاة له. لكنّه في الوقت ذاته يرى اتخاذه إجراء قضائي ضد وزارة الصحة دربًا من دروب الخيال : ” أنا على باب الله وعارف إني مش هاخد حق ولا باطل مع أي موظف عشان الإنسانية والرحمة راحت من بلدنا ” .
الأزمة الأكبر في شهادات الوفاة مزورة البيانات حسبما يرى مصطفى الترعي محام ضحايا شهادات ميلاد ووفاة، هي الهروب من جرائم القتل و التلاعب في المورايث باستخراج شهادة وفاة لمَن يحق له الميراث لحجبه، مثلما حدث مؤخرًا في قضية عُرضت عليه بقيام أشقاء بحجب شقيقتهم من الميراث باستخراج شهادة وفاة لها.
قاعدة بيانات مشوهة
اتساع ثغرات منظومة شهادات الميلاد والوفاة بمكاتب الصحة لا يؤثر فقط على المواطنين ، لكنّه ينتج عنه قاعدة بيانات متضاربة ومشوهة للدولة . وهذا ما يراه مفتش الصحة محمد محمود أنه مصدر الخطر : ” إحنا كدولة عشان نكون محترمين لازم يكون شغلنا محترم يعني مينفعش لحد دلوقتي تشغلني بورقة وقلم ، أنا بتكلم في قاعدة بيانات الدولة ” . بينما يشدد طارق سعد المسئول الأول عن المعلومات في وزارة الصحة على أن مهمة ” مكاتب الصحة بإصدار أول ورقة للمواطن وآخر ورقة له أثر بالغ على قاعدة بيانات الدولة وإذا لم يتم ضبطها ستكون سببا في إضافة بيانات وهمية تربك قواعد بيانات الحكومة ” .
ويؤدي الاستمرار في اختراق مكاتب الصحة حسبما يرى اللواء خيري حامد مساعد وزير الداخلية لمعلومات الأحوال المدنية إلى أن تصبح مصر بـ ” قاعدة بيانات مشوهة وبها عوار .. والحل هو تعميم استخدام الرقم القومي لتنقية قاعدة البيانات وتضييق الخناق على مزوري شهادات الميلاد والوفاة” .
وعود أمام الكاميرا
قبل مغادرة مكتب الدكتور علاء عيد المسئول عن مكاتب الصحة شدد أنه سيتخذ : “إجراءات حازمة ضد كل موظف لا يطبق القانون بجانب مراجعة عاجلة للمكاتب وهنعاقب المتخاذل وهنبلغك بالقرارات ” . بعد اللقاء تواصلت مرتين معه لأعرف إجراءاته الحازمة ، في المرة الأولى لم أحصل على إجابة ، وفي الثانية أكد اتخاذه إجراءات قانونية حيال ما كشفناه من فساد ؛ حتى استقيظت صباح الخامس من أكتوبر الماضي على مكالمة من موظفة بإحدى شركات التأمين الكبرى قدمت لي خلالها عرضًا بالتأمين على حياة ابنتي التي قالت أنها بحسب سجلات الأحوال المدنية قد ولدت في السابع من مارس الماضي ؛ أُسقِطَ في يدي حينما تذكرت أن هذا هو نفس تاريخ تجربتي داخل مكتب صحة بالقاهرة لقياس مدى إمكانية استخراج شهادة ميلاد بدون أوراق ثبوتية . اكشتفت أن الأحوال المدنية قد استلمت من مكتب الصحة بلاغ ولادة صادر عني وشهادة ميلاد لابنتي الوهمية بدون بطاقة الرقم القومي الأمر الذي يؤكد أن وعود المراجعة والتفتيش كانت أمام الكاميرا فقط وأن الوزارة لم تتحرك خطوة واحدة نحو مراقبة أوسع لمكاتب الصحة أو حتى مراجعة ما قدمناها لها من بيانات تكشف فسادًا إداريًا يُهدد قاعدة بيانات الدولة التي وضعها القانون بين أصابع موظف تستطيع بالإشتراك معه أو بالإحتيال عليه أن تتلاعب بحياة المواطنين داخل مكاتب الصحة التي هي أصغرُ وأخطرُ حَلقةٍ في سلسلةِ الإتجارِ بالأطفال والتلاعبِ في المواريثِ وحرمانِ الأمِ من حضانةِ أبنائِها والتهربِ من التجنيد ، بجانب قضايا كثيرةٌ أُعلن على إثرها ميكنةُ مكاتبَ الصحة التي إكتشفنا أنها لم تسد حتى الآن ثقوبَ المنظومة .
أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) www.arij.net .

 

 

 

 

 

 

 


الصحفي



تعليقاتكم