الثلاثاء ١١ - ديسمبر - ٢٠١٨ ٠٢:١٩ مساءً

"باعة العذريّة" في الأردن.. أطباء ضدّ القانون

22 تموز 2014
ريماز موسى

العربي الجديد 30 يوماً من البحث والاستقصاء كشف خلالها مُعِدّو التحقيق أكثر من 18 عيادة نساء وتوليد في الأردن تجري في سرية تامة عملية رتق غشاء البكارة، مقابل مبالغ مالية، تتراوح بين ثمانمئة وألفي دينار أردني، في مخالفة لقانوني الصحة العامة ونقابة الأطباء الأردنيين. 

فضلاً عن استغلال بعض الأطباء الفتيات جنسياً ومادياً، دون خوف من أي شكوى قد تُقدم بحقهم، فمن جاءت لتجري هذه العملية تفضل الصمت على القتل وتريد السّتر لا الفضيحة.

 “لم أعرف ماذا أفعل، فلو عرف أهلي سأقتل على الفور، فكرت بالانتحار، فكرت في الهرب ولكن ذلك لن يزيد مشكلتي إلا تعقيداً” فتاة وحيدة لا تستطيع مصارحة أحد بمشكلتها، أو بمصيبتها إن صح الوصف، ففي مجتمعنا عادة ما يتم علاج أخطاء الشرف عن طريق غسل وإزالة العار بإراقة دم الفتاة.

تروي مرام (21 عاماً) العديد من التفاصيل التي مرت بها، من خوف ومرض وتعب نفسي كاد يقودها إلى الجنون، بعد أن فقدت عذريتها على يد خطيبها الذي نشبت خلافات بينهما حالت دون إتمام الزواج، ولم تستطع مصارحة أحد بفقدانها عذريتها، بينما اكتفى خطيبها السابق بإرسال ألف دينار لها مع أخته، مقترحاً على مرام إجراء عملية رتق غشاء البكارة وكتم الموضوع عن الجميع، كي لا يحدث ما لا يحمد عقباه، مضيفة: “لم أتقبل الفكرة في البداية، ولكن وبعد معاناة دامت أشهراً قررت إجراء العملية وبدء حياة جديدة بعد درس قاسٍ علمني الكثير”.

وتقول: “بدأت بالبحث عن الأطباء الذين يمكنهم إجراء مثل هذه العمليات، وكان بحثي مقتصراً على الإنترنت، حيث وجدت عشرات العيادات التي تروج لنفسها ولأطبائها بشكل علني، إما عن طريق صفحات التواصل الاجتماعي، أو عن طريق مواقع إلكترونية طبية متخصصة”. وتضيف “شعرت بشيء من الطمأنينة وببساطة الأمر، فمن يروج لنفسه بإعلانات واضحة هو شخص واثق بعمله”.

 “مرام:لم أعرف ماذا أفعل، فلو عرف أهلي سأقتل على الفور، فكرت بالانتحار، فكرت في الهرب ولكن ذلك لن يزيد مشكلتي إلا تعقيداً  “

بعد اتصالها بعدة أطباء، تؤكد مرام أنهم كانوا يرحبون بزيارتها لعياداتهم في أي وقت، وعند محاولتها الاستفسار عن التكلفة كانت إجابات الأطباء تتراوح ما بين ستمئة إلى 1500 دينار أردني، وهنا بدأت مغامرة مرام في محاولة منها للعودة إلى الحياة الطبيعية وشراء حياتها الجديدة.

“لقد اخترت هذا الطبيب لعدة أسباب، منها أنه كبير في السن وذو خبرة في مجال العمليات النسائية” قالتها مرام مشيرة إلى توجهها إلى عيادة الطبيب الواقعة شرقي العاصمة عمّان، تخالطها مشاعر التوتر، وبوجه تملؤه ملامح الخوف، حيث استقبلها الطبيب “العجوز” الذي ما إن وصلت إلى عيادته حتى قام بإغلاق باب العيادة ليقوم ببعض الفحوصات الطبية التي تسبق العملية.

لم تكمل مرام فحوصاتها في عيادة الطبيب “العجوز”، فبعد أقل من ربع ساعة من وصولها العيادة وأثناء تفاوضها مع الطبيب حول التكلفة المرتفعة للعملية، اكتشفت أن الطبيب يريد استغلالها جنسياً، حيث صارحها بأنه سيجري لها العملية وبسعر أقل من المتفق عليه مسبقا، ولكن شريطة أن تمارس معه الجنس، مما جعل مرام تصرخ في وجهه، فما كان منه سوى صفعها وطردها خارج العيادة.

تبكي مرام أثناء سردها للأحداث، وتختم حديثها بأن الله أراد لها الستر، حيث قامت إحدى صديقاتها بتنظيم موعد لإجراء العملية في نفس الشهر، لدى عيادة طبيبة نساء وتوليد في عمان، قائلة: “تمت العملية دون معرفة أهلي مقابل مبلغ ألف ومئتي دينار”.

مرام ليست الحالة الوحيدة التي استطاع فريق العمل الوصول إليها، إلا أنها الوحيدة التي وافقت على الإفصاح عن تجربتها مع الحرص على عدم إظهار هويتها كاملة، وأثناء إعداد التحقيق زار شاب وفتاة من فريق العمل عدة عيادات نساء وتوليد خاصة في مناطق مختلفة من العاصمة عمان ومدينة الزرقاء، حيث تمت الزيارة بعد تنسيق الشاب مع الأطباء عبر الهاتف وإبلاغهم بأن صديقته تريد إجراء عملية رتق غشاء البكارة.

أسفرت زيارات الأطباء عن موافقة خمسة أطباء على إجراء العملية بعد عدة فحوصات مقابل مبالغ تتفاوت بين ثمانمئة وألف دينار للعملية. بينما وافق خمسة أطباء على إجراء العملية بعد عدة فحوصات مقابل مبلغ ألف دينار للعملية.

في حين وافق سبعة أطباء على إجراء العملية بعد عدة فحوصات، مقابل مبالغ تتراوح بين ألف وخمسمئة إلى ألفي دينار للعملية. وطالب جميعهم بتحويل الفحوصات إلى مختبرات خاصة متفاوتة التكلفة. طبيب واحد فقط وافق على إجراء العملية مقابل ألف دينار من دون قيام الفتاة بأي فحوصات طبية، واصفاً العملية بالعملية الصغرى التي لن تشكل أي خطر على حياة الفتاة.

العيادات المذكورة يمارس أطباؤها عمليات رتق غشاء البكارة في تحدٍّ لأي رقابة تذكر، وعند سؤال أحد الأطباء في عيادته الخاصة في جبل الحسين حول امتلاكه لرخصة مزاولة عملية رتق غشاء البكارة، أجاب الطبيب بأنها عملية قانونية وتصنف بالعمليات التجميلية التي لا يوجد أي قانون يمنع ممارستها، والخوف في بعض الأحيان يكون من معرفة ذوي الفتاة، وليس من معرفة وزارة الصحة.

 

 العيادات الــ 18 التي تمت زيارتها، تتوزع في كل من العاصمة عمان ومحافظة الزرقاء،أكبر محافظتين في الأردن “

العيادات الــ 18 التي تمت زيارتها، تتوزع في كل من العاصمة عمان ومحافظة الزرقاء، أكبر محافظتين في الأردن.

وقد تم توثيق 17 عيادة في عمّان، ابتداء من حي نزال الشعبي، مروراً بوسط المدينة وجبل عمان المشهور بعياداته الراقية، وجبل الحسين والعبدلي، والشميساني، إضافة إلى عيادة أخصائي نسائية وتوليد في مدينة الزرقاء، وهي الأكثر شعبية بين العيادات المذكورة والتي وافق الطبيب فيها على إجراء عملية رتق غشاء البكارة دون إجراء فحوصات مسبقة.

إحدى عيادات النساء والتوليد شرقي العاصمة عمان، وبعد الاتفاق على السعر النهائي للعملية اكتشف الطبيب هويتنا الصحافية، عقب رؤيته لجهاز التسجيل الذي كان يعمل كما في كل زيارة لتوثيق الاتفاق على العمليات، وما إن رأى الطبيب “م. أ” الجهاز حتى استشاط غضباً، مطالباً بمسح التسجيل ومغادرة العيادة وسط سيل من التهديدات.

ممارسة غير قانونية

بعرض الأمر على نقابة الأطباء، الجهة التي يفترض أنها مسؤولة عن تنظيم ممارسة العمل الطبي في الأردن بالتعاون مع وزارة الصحة الأردنية، أكد نقيب الأطباء الدكتور هاشم حمدان أن النقابة لا يوجد لديها معلومات حول هذا الموضوع، مطالباً بالتواصل مع جمعية اختصاصي النساء والتوليد الأردنية التي قد تمتلك أجوبة للتساؤلات المطروحة.

بناء على توصية نقيب الأطباء تمت مقابلة رئيس جمعية اختصاصي النسائية والتوليد الأردنية الدكتور مازن الزبدة، الذي أكد لنا وجود معلومات عن قيام بعض الأطباء بعمليات رتق غشاء البكارة، وعادة ما تتم في الخفاء وبسرية تامة، وذلك لمخالفتها للشريعة الإسلامية والقانون الأردني على حد قوله.

وأكمل الزبدة أن مثل هذه العمليات تتم إما في إحدى المستشفيات الخاصة وسط تجاوزات من القائمين عليها، أو في عيادة الطبيب نفسه، مشيراً إلى وجود أكثر من 200 عيادة نسائية خاصة في العاصمة عمان، وفي كلتا الحالتين، يعدّ الطبيب الذي يجري العملية مخالفاً للقانون، مضيفاً: “مثل هذه العملية بحاجة لتجهيزات خاصة غير متوفرة في العيادات والاستغناء عن هذه التجهيزات يعرض حياة الفتاة للخطر”.

وأشار الزبدة إلى أن الجمعية نظّمت جلسة فيما سبق مع دار الإفتاء، حيث تم تأكيد حرمة إجراء مثل هذه العمليات، لما فيها من خطر على الفتاة وخديعة للزوج في المستقبل، قائلاً: “جمعية النساء والتوليد قد شاركت في عدد من الندوات التي ناقشت عمليات البكارة، والتي تلخّصت جميعها بعدم جواز إجراء العملية إلا في حالات خاصة بعد معرفة الأهل واطلاعهم وموافقتهم على إجراء العملية”.

من جهته، أكد مدير ترخيص المهن والمؤسسات الصحية في وزارة الصحة الدكتور قاسم رحاحلة، أن عمليات رتق غشاء البكارة مخالفة قانونياً ولا يجوز لأي طبيب إجراء مثل هذه العمليات داخل عيادته أو في أي مستشفى خاص. موضحاً أن مسؤولية ترخيص عيادات النسائية في العاصمة عمّان تقع على عاتق نقابة الأطباء، إذ إن أمانة عمان الكبرى لا تقوم بترخيص أي عيادة خاصة، إلا بعد صدور موافقة النقابة على إقامتها.

وزارة الصحة تقوم بتحويل أي طبيب مخالف إلى القضاء، إضافة إلى تحويله إلى مجلس نقابة الأطباء

ويضيف الرحاحلة أن أي طبيب خاص يجري عمليات البكارة، يكون قد خالف بذلك قانون وزارة الصحة وقانون الصحة العامة، إضافة إلى مخالفته لقانون نقابة الأطباء، قائلًا: “وزارة الصحة تقوم بتحويل أي طبيب مخالف إلى القضاء، إضافة إلى تحويله إلى مجلس نقابة الأطباء”.

على الرغم من انتشار هذه العمليات بشكل واسع جداً، وقيام العشرات من الأطباء بالترويج الإلكتروني لعمليات رتق غشاء البكارة “المخالفة للقانون”، لم يتم تسجيل أي مخالفة بحق أطباء أجروا هذه العمليات. فبحسب الرحاحلة “لم يتم تسجيل أي مخالفة أو تبليغ بحق أطباء يجرون عمليات رتق البكارة منذ عام 2004 وحتى تاريخ نشر التحقيق”.

وبعد اطلاع الرحاحلة على بعض التجاوزات التي رصدها التحقيق لدى عدد من أطباء النساء والتوليد، وعد بفتح تحقيق موسع في القضية التي وصفها بالخطرة والحساسة، مؤكداً أن الوزارة ستتقصى نتائج التحقيق، لضبط أي طبيب يجري عمليات رتق غشاء البكارة في عيادته أو في أي مستشفى خاص. 

 “العربي الجديد” تحتفظ بتسجيلات صوتية وثّقت خلالها زيارتها للعيادات المخالفة، وتتحفظ على نشرها لما اشتملت عليه من خصوصيات، وتضعها بين يدي المسؤولين لوقف استغلال الفتيات وتعريض حياتهن للخطر في عيادات خالفت القانون، بدعوى حماية الفتاة من إهدار دمها في بلد سجّل فيه النصف الأول من العام الحالي 15 جريمة شرف بحق نساء وفتيات أردنيات تُنظر حالياً لدى القضاء، بحسب رئيسة جمعية معهد تضامن النساء الأردني، الرقم لا يشكل أي غرابة في المجتمع الأردني الذي اعتاد على وقوع مثل هذه الجرائم، في ظل وجود قوانين من شأنها أن تخفف الحكم في بعض الأحيان عن مرتكب الجريمة الواقعة تحت ذريعة الشرف.


تعليقاتكم