الأربعاء ١٥ - أغسطس - ٢٠١٨ ٠٩:١٥ مساءً

اليمن «مقبرة» للمتسللين الأفارقة إلى السعودية

18 اذار 2015
علي سالم

الحياة -فقد سعيد إلياس (22 سنة) ذراعه اليمنى، نتيجة تعذيبه بصب حمض الكبريت عليها، وخسر محمد عبدالرحمن (24 سنة) ساقه اليمنى في حادث دعس خلال محاولته التسلل إلى السعودية
على الرغم من معاناتهما، يعد الشابان الإثيوبيان نفسيهما محظوظين موازاة بمواطنهما كمال الذي تركت جثته تتعفن في الخلاء، في مديرية حيس، وبالطفل النيجيري أحمد (11 سنة) الذي شهد تعذيب أمه حتى الموت في مديرية الزهرة (غرب اليمن).
تتشابه مآسي هؤلاء الشبّان مع نهايات آلاف المهاجرين غير الشرعيين، الذين فقدوا حياتهم في عرض البحر، أو على يد مهربين وعصابات يمنية في أثناء محاولتهم التسلل إلى المملكة العربية السعودية.
خلال السنوات الماضية، نشطت على الساحل الغربي الممتد من محافظة تعز جنوباً إلى محافظة حجة شمالاً عصابات، تجد في المهاجرين الأفارقة فريسة سهلة للإثراء، بحيث تهرب ما معدله 400 مهاجر غير شرعي يومياً. فتهريب البشر، والاتجار بهم باتا حرفة مربحة لا تقتصر على الباحثين عن عمل، بل تجذب أيضاً موظفي حكومة، وعناصر أمنيين، وفق ما يوثق هذا التحقيق بعد عامين من التقصي. وتوصل معدّه إلى أن ضعف التعاون بين أجهزة الشرطة والجهاز القضائي وأسباباً أخرى، تحول دون معاقبة متهمين، مقابل احتجاز حرية ناجين من الموت. ويفاقم المشكلة “ضعف التنسيق بين الشرطة، وقيادة الجيش، المفترض اللجوء إليه لمواجهة “عصابات تهريب مسلحة.
ولا تقدم المفوضية السامية للاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة مساعدة قانونية للمتضررين، شأنها شأن سفارات دول المصدر مثل إثيوبيا.
إلى جانب وظيفته الشرطية، يمارس غالب زهير ــ أدين من المحكمة الجزائية وحُكم عليه غيابياً بالإعدام ــ مهنة جديدة هي “اصطياد” الأفارقة من الطريق العام واحتجازهم، وتعذيبهم؛ لإجبارهم على الاتصال بذويهم؛ من أجل الحصول على فدية نظير إطلاق سراحهم.
لغرض عمله الموازي، شيد غالب أواخر 2012، مبنى في مديرية حيس التابعة لمحافظة الحديدة، حيث درج على احتجاز ضحاياه وتعذيبهم، للضغط على ذويهم من أجل دفع الفدية.
افتراس الضعفاء
في هذا المعتقل”غير الرسمي” تعرّض عشرات الأفارقة لتعذيب توزع بين التكبيل، والضرب بقضبان حديد والحرق بصب حمض الكبريت، وتذويب علب بلاستيكية. كل ذلك كان يجري أمام ناظري إلياس الذي بترت ذراعه نتيجة صب حمض الكبريت عليها. وقتل أيضاً إثيوبيان على الأقل، وفق التحقيقات الرسمية وشهادات ناجين.
تظهر السجلات الرسمية والمقابلات التي أجراها معد التقرير مع عشرات الناجين، ومسؤولين حكوميين افتقار الإجراءات المتبعة في قضايا تهريب البشر والاتجار بهم، إلى معايير الوقاية والحماية والإنصاف. فبدلاً من البحث عن الجناة ومحاكمتهم، تنزع الشرطة اليمنية لتوقيف متضررين مشتكين في إطار القضايا، إذ تتبّع معدّ التحقيق توقيف متضررين بدعوى ضمان وجودهم؛ لتقديم إفاداتهم حول المتهمين الفارين.
كما أن عدم اعتراف السلطات اليمنية، والمنظمات الأممية بالمهاجرين من غير الجنسية الصومالية، يعرض أصحاب الجنسيات الأخرى لاعتداءات تصل أحياناً إلى القتل. فالخوف من القبض عليهم، وترحيلهم إلى بلدانهم، يجعلانهما يسلكون دروباً جانبية ووعرة، ما يعرضهم للوقوع في قبضة العصابات.
ربيع المهربين
الانفلات الأمني الذي تشهده البلاد منذ اندلاع انتفاضة شعبية أطاحت بحكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح مطلع 2011، وفّر فرصة إضافية للمهربين والمتاجرين بالبشر.
فخلال 2012، وصل إلى اليمن 107 آلاف و532 مهاجراً، غالبيتهم من الإثيوبيين. وهي أعلى نسبة تدفق منذ بدء مفوضية اللاجئين نظام تسجيل المهاجرين في 2006.

متاجرة عبر الهاتف
خلال احتجازه في السودان بتهمة خرق المياه السودانية، واصل ياسر – يمني يتاجر بالبشر- إدارة أعماله من داخل سجنه. ووفق رسائل نصية عثر عليها المحققون في الهاتف الخليوي الخاص بالمهرب عبدالعزيز، طلب ياسر من عبدالعزيز تنفيذ عدة مهام منها تدبير قارب لنقل مجموعة من الإثيوبيين قال إنهم ينتظرون في جيبوتي. وفي رسالة ثانية طلب منه أن يلتزم لأشخاص، قال إنهم سيساعدونه على الهرب من السجن، بتسليمهم عسلاً يمنياً وثلاث جنبيات(خناجر يمنية). وفي رسالة ثالثة، ينصحه باستخدام المكالمات الصوتية بدلاً من الرسائل النصية حتى لا تكتشف السلطات السودانية مخططه.

لا تشمل الإحصاءات عدداً كبيراً من غير الصوماليين، الذين يحجمون عن تسجيل أنفسهم في مراكز التسجيل؛ خشية القبض عليهم بتهمة دخول البلاد بطريقة غير مشروعة
رحلة الشقاء
بعد أن ترجلوا من قارب تهريب أقلهم مطلع 2013 من جيبوتي إلى ساحل المخاء في محافظة تعز (256 كم جنوب صنعاء)، شعر إلياس ورفاقه بالاطمئنان؛ لكونهم تجاوزوا خطر الغرق، أو الوقوع في قبضة خفر السواحل. شعور لم يدم طويلاً. فبينما كانت أقدامهم تحث الخطى على الرمال، انقضت عليهم “عصابة” محلية واحتجزتهم، ثم عذبتهم أياماً لترغمهم على الاتصال بذويهم من أجل دفع فدية، وفق ما يروي إلياس في مقابلة معه صيف 2013، في مدينة الحديدة.
في المستشفى تنفس إلياس ورفاقه الصعداء. الجراح وآثار التشويه التي تركها التعذيب على أجسادهم لم تمنعهم من الفرح؛ لكونهم أحياء وقد استعادوا حريتهم. بيد أن هذه الحال لم تدم طويلاً. فما إن انتهت فترة العلاج حتى اقتيدوا إلى إدارة البحث الجنائي في مدينة الحديدة.
” ليســوا مسجـــونين، لكننا لا نستطيع أن نتـــركهم يرحلون. أبقيناهم هنا كي لا تفرج المحكمة عن المتهمين بخطفهم، وتعذيبهم بدعوى عدم وجود مدعٍ”، يشرح العقيد عقيل المقطري نائب مدير عام إدارة المباحث الجنائية في محافظة الحديدة. ويوضح أن القضايا التي ينكر فيها الجاني ارتكابه الجريمة تأخذ وقتاً طويلاً في المحاكم. لكن انتظار إلياس ورفاقه لم يثمر سوى عن ترحيلهم إلى بلادهم من دون تعويض.
مأساة نيجيرية وطفلها
عندما صعدت قارب تهريب أقلّها من السودان إلى اليمن مع عشرات السودانيين والتشاديين والنيجيريين، لم تكن السيدة النيجيرية (سويبة) تدرك أن طفلها أحمد سيجوع، ناهيك عن أن يتيتم مبكراً، ويشهد قتلها على أرض غريبة.
في ظهيرة قائظة من شهر رمضان الموافق 21 تموز (يوليو) 2013 استيقظ أهالي قرية دير قدري، في مديرية الزهرة بمحافظة الحديدة (غرب اليمن) على صوت بكاء طفل غريب يصرخ ويستغيث: “ماما في موت”. تحت شجرة قريبة من القرية، عثر الأهالي على جثة امرأة أفريقية في عقدها الرابع، وقد فارقت الحياة.
«عذبوها وهي “صائمة”، هذا ما قالته للشرطة رقية هارون، وهي سيدة سودانية كانت ضمن المجموعة المحتجزة. وأكدت رقية أنها نجت من التعذيب؛ لأنها طلبت من أهلها تحويل 2000 ريال سعودي (533 دولاراً) للعصابة.
يضطر المهاجرون للاقتراض، أو بيع قطعة أرض أو ماشية لدفع تكاليف تهريبهم إلى اليمن. لكن، هناك من يرهن أملاكه ليس من أجل الرحيل إلى اليمن، بل لينجو بحياته منها.
مثال إبراهيم أحمد الذي أجبر تحت التعذيب على الاتصال بعائلته في إثيوبيا لترهن قطعة أرض، وتحول للعصابة التي وقع في قبضتها 2000 ريال سعودي، وفق شكوى مكتوبة قدمها أحمد إلى السلطات اليمنية.
تذكر سجلات الشرطة أن المتهم بقتل سويبة يعمل في التربية والتعليم. إلا أن مسؤولين محليين، أحدهما عاقل القرية (مختار)، لم يستطيعا تأكيد وظيفته الرسمية أو نفيها. ويكتفيان بالتوضيح أنه ينتمي إلى أسرة مشايخ وينشط ضمن شبكة تمارس تهريب البشر. ويقول مدير مديرية الزهرة عبدالرحمن الرفاعي إنه خاطب الزعيم القبلي الذي يعتقد بأنه يوفر حماية للمتهم، لكن الشيخ أقسم أن المتهم غير موجود لديه.
مثل كمال الذي تعفنت جثته قرب مقر التعذيب التابع للشرطي غالب، آلاف الأفارقة بينهم نساء وأطفال تعرضوا لانتهاكات تتوزع بين القتل والتعذيب، وتشويه الجسد والاغتصاب والمتاجرة على أيدي أفراد وجماعات محلية ومهربين. وقلما قبض على المنتهكين، أو تم تعويض الضحايا وإنصافهم.
“من تجردنا (حيادنا) أحلنا جنودنا إلى القضاء”: يقول مدير شرطة الحديدة العميد محمد المقالح، مفاخراً بإحالة عناصر من شرطة مديرية باجل إلى النيابة بتهمة إطلاق النار على مهاجرين أفارقة. لكن المقالح يعترف بأن الشرطي غالب، والمتهم بقتل النيجيرية سوبية لا يزالان طليقين، علىالرغم من إدانتهما.
في 22 كانون الثاني (يناير) 2013، حكمت المحكمة الجزائية الابتدائية المختصة في الحديدة، على غالب عبدالله زهير بالإعدام غيابياً لقتله كمال أحمد، إضافة إلى دفع “دية حي” لأسرة المجني عليه، وبرأته مع والده وأشقائه من تهمة بتر ذراع إلياس، وتعذيب إثيوبي آخر حتى الموت “لعدم كفاية الدليل”، وفق حكم المحكمة التي اكتفت بالمدة التي قضّاها إلياس و13 إثيوبياً آخرون، في البحث الجنائي عقوبة لهم على دخولهم الأراضي اليمنية بطريقة غير قانونية. تنص المادة 46 من القرار الجمهوري من القانون الرقم (47) لسنة 1991 في شأن دخول الأجانب وإقامتهم على أن: “يعاقب الأجنبي الذي يتمكن من الدخول بطريقة غير مشروعة بالحبس لمدة لا تزيد عن سنة، فضلاً عن إخراجه”.
والد الشرطي غالب قال للمحققين إنه أبلغ السلطات المحلية في وقت مبكر عن أعمال خطف الأفارقة التي يمارسها ولده، لكن السلطات، لم تحرك ساكناً. ووفق السجلات الرسمية، فإن دهم مكان الاحتجاز التابع للشرطي غالب، جاء إثر تلقي الشرطة المحلية بلاغاً من غرفة العمليات المركزية في المحافظة عن وجود جثة ملقاة في حيس.
مناطق أخرى مثل حرض والزهرة شهدت عمليات دهم مماثلة بعد تفاقم الجريمة. ولولا جثة كمال الملقاة على الطريق ما كان لإلياس ورفاقه أن ينجوا. ولو لم يستغث الطفل النيجيري بأهالي القرية ما كان لبقية الرهائن أن يحرروا.
رشى وعسكر
تعد جيبوتي محطة عبور أولى للإثيوبيين، ومنها يستقلون قوارب تهريب تقليدية إلى السواحل اليمنية. يذكر سعيد محمد (38 عاماً)، وهو ممثل مسرحي إثيوبي حصل على لجوء سياسي في اليمن، أنه أمضى خمسة أيام في جزيرة هايو الواقعة ضمن المياه الجيبوتية، قبل أن ينقلهم مهربوهم إلى الساحل اليمني. أحد المهاجرين قضى في أثناء الرحلة بسبب الجوع والعطش، وفق ما يستذكر محمد.

الحلقة «الأضعف»
«ليس أمامنا سوى خوض المعركة بما توافر لنا من سلاح وهو الضغط»، يقول وزير حقوق الإنسان عز الدين الأصبحي، معبراً عن عجز وزارته، بوصفها «الحلقة الأضعف» في الحكومة، عن فعل شيء باستثناء إطلاق الحملات المجتمعية. ويذكر الأصبحي أنه أبلغ وزيري الداخلية والدفاع والنائب العام مطلع العام الجاري، بأن هذه جرائم معروفة لا تسقط بالتقادم. ويضيف: «سنظلّ نضغط على الأجهزة الأمنية والقضائية لتتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية»، مؤكداً أن «أساليب الترقيع التي تتبعها الحكومة يجب أن تتوقف». يحاول مسؤولون حكوميون تبرير الجرائم التي تقع على المهاجرين غير الشرعيين، بالوضع الأمني الهشّ الذي تشهده البلاد. بيد أن الوقائع تفيد بأن ظهور هذا النوع من الجرائم، يعود إلى ما قبل 2010. وما حصل بعد هذا التاريخ، وفق الرئيس السابق لقسم الاعتداء والقتل في إدارة البحث الجنائي في تعز، العقيد فؤاد مهيوب، هو ظهور جيل جديد من المهرّبين والمتاجرين: «حتى 2010، كانت لدينا معلومات بوجود أماكن احتجاز في المخاء والحديدة وحرض». يقدّر رئيس الجمعية الأهلية لدعم مكافحة التهريب الشيخ محمد سالم العبدلي، عدد القوارب العاملة في تهريب البشر في سواحل محافظة تعز وحدها، بين 50 و60 قارباً. ويقول إن تهريب البشر أوفر نجاحاً نظراً الى سرعة إفراغ الحمولة وتغاضي السلطات عنه مقارنة بالسلاح. ويقدّر بأن خمسة قوارب تصل يومياً في المعدل، على متن كل منها 40 إلى 60 شخصاً. ويخلص معدّ التحقيق، إلى أن صيد المهاجرين والإتجار بهم، مرشّح للازدياد في ضوء عجز السلطات عــــن سـن قوانين لحماية هذه الفئة المضطهدة في بلادها ومقاصد اللجوء، ولجم عناصر أمنية عن استغلال نفوذها في مشاركة مهرّبين هذه الجريمة العابرة للحدود.

اصطياد الأفارقة من الطريق العام بغرض ابتزازهم يكاد يصبح عادة محلية لا تلقى استنكاراً، خصوصاً في ظل ضعف الدور الرسمي في المكافحة، وتواطؤ موظفين رسميين وضلوعهم به.
ليلة 3 كانون الثاني 2012، نزع عبدالعزيز (27 عاماً) المقعد الخلفي لسيارة نقل نوع (هايلوكس) وحشر مكانه 11 إثيوبيا بقصد نقلهم، من مجمع احتجاز في ساحل المخاء إلى مديرية حرض على الحدود اليمنية – السعودية.
لدى وصول السيارة إلى نقطة تفتيش، اشتكى أحد أفراد المجموعة الإثيوبية إلى جنود النقطة بأنهم مختطفون، لكن السائق أعطى الجنود بعض المال، فتركوا السيارة تمر. وبعد مسافة من النقطة أنزل الإثيوبي المشتكي من المركبة، لأنه الوحيد الذي يتكلم العربية، وفق إفادات الضحايا، واعتراف عبدالعزيز للشرطة.
تقصير في الإجراءات
تؤشر القضايا التي أتيح لمعد التقرير الاطلاع عليها، وشملت ثلاث جرائم خطف واحتجاز وتعذيب وقتل إلى وجود تقصير في إجراءات التحري، والتحقيق الرسمية ونمطيتها. فعلى الرغم من إفادة الضحايا والشهود بمقتل شخصين في مجمع التعذيب التابع للشرطي غالب، اقتصرت التحقيقات على الجثة التي عثر عليها.
ولم يفتح تحقيق مع جندي بلباس مدني كان بصحبة عبدالعزيز ومساعده في أثناء محاولتهما نقل 11 إثيوبياً الى حرض. كما خلت محاضر المضبوطات من مسدسات ذكر الضحايا أن الجناة هددوهم بها.
مجمعات التعذيب
في شهادات أربع من عشر ضحايا، وفي السجلات الرسمية، تتكرر الإشارة إلى أسماء مهربين ومتاجرين بالبشر، تصف الشرطة بعضهم بالخطر. ويذكر الشاب الإثيوبي أحمد مهدي (18 سنة) أنه أصيب برصاصة في أثناء تبادل إطلاق نار بين الشرطة، ومسلحين تابعين لمهرب يدعى عبدالقوي، اسم يرد بكثرة في شهادات الضحايا وفي السجلات الرسمية. ويذكر مقبوض عليهم أنه يمتلك مجمع احتجاز بالقرب من ساحل المخاء محمياً بمسلحين، ومنه يتم توزيع الأفارقة على مهربين ثانويين. ويفيد ناجون بأنهم عذبوا مرتين: الأولى في المجمع التابع لعبدالقوي، والأخرى في مجمع غالب زهير.
إهمال مقصود
على الرغم من شهرة المتاجرين بالبشر، ومعرفة السلطات بأماكنهم، فإنها لم تتخذ حتى لحظة إنجاز هذا التقرير إجراءات جذرية ضدهم. ويقر مدير شرطة الحديدة العميد محمد المقالح ومسؤولون آخرون بعدم وجود عمليات استباقية، أو تنسيق سواء بين المحافظات، أو على المستوى المحلي والمركزي.
«بمجرد تحويل ملف القضية إلى النيابة ينتهي دور الأجهزة الأمنية»، يقول العقيد نبيل العزاني رئيس قسم الاعتداء والقتل في إدارة البحث الجنائي في الحديدة الذي بدا غير قادر على تذكر قضايا حقق فيها ومنها جثة أفريقي عثر عليها على الطريق بين محافظتي تعز والحديدة ولم تتعرف الشرطة إلى مرتكبها. يشتكي العزاني وضباط آخرون من شح الإمكانات.
يرشح من شهادات ضحايا ومتاجرين وجود جثث عدة غير معروف مكانها. «معي اثنان توفيا البارحة»، يقول أبو رصاص في رسالة نصية بعث بها إلى المهرب عبدالعزير بتاريخ 28 أيلول (سبتمبر) 2012. ولا تعلم السلطات التي تعقبت الرسالة، من هو أبو رصاص أو مكان الجثامين.
سباحة ضد التيار
“ننحت في الصخر بحثاً عن أدلة”، يقول العقيد محمد الطيار رئيس قسم الاعتداء والقتل في البحث الجنائي في تعز. ويشتكي العقيد الطيار من صعوبات تواجه من يحاول “ملاحقة متاجرين بالبشر في بيئة حكومية وقضائية موسومة بالفساد والمحسوبية والتدخلات”.
وعلى الرغم من الإغراءات التي قدمت إليه – وفق ما يقول من دون أن يحددها – إلا أنه أمضى ثلاثة أشهر في جمع الأدلة في قضية قتل أفارقة، وصولاً إلى ضبط المتهمين مع السيارة والسلاح المستخدم. لكن، بعد إحالة المتهمين إلى النيابة في 2012، تم الإفراج عنهم.
“لا أعلم كيف تم إطلاقهم”، يقول العقيد الطيار بحسرة، مشيراً إلى أن سيارة المتهمين لا تزال محتجزة في إدارة البحث الجنائي.
خلال النصف الثاني من 2014، عثرت شرطة مديرية موزع في محافظة تعز على جثتي أفريقيين، وقد نهشتهما الكلاب.
ويقول مدير الشرطة العقيد فهد الخليدي إن معلومات أدلى بها إثيوبي وصومالي تعرضا للتعذيب، قادته إلى تحديد المتهم بالقتل ومكانه، بحيث قبضت الشرطة عليه في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. لكن السلطات في تعز أفرجت عنه.
العقيد الخليدي يقر إنه ترصد للمتهم في الطريق العام، ولم يستطع القبض عليه في مكان الاحتجاز الذي يديره؛ «لأنني لا أملك القوة العسكرية الكافية». كما أن الاستعانة بقوة من الجيش «طريقها طويل ومليء بالإجراءات البيروقراطية». ويستذكر كيف طلب منه القائد العسكري في المنطقة إبراز رسالة من رئيس اللجنة الأمنية العليا في المحافظة التي يحق لها وحدها تقرير الاستعانة بالجيش.
ويقدر العقيد الخليدي عدد المسلحين لدى كل متاجر ومهرب بين 10 إلى 15 مسلحاً. ويشير إلى وجود أعين لمهربين ومتاجرين داخل الأجهزة الأمنية، مهمتها تسريب المعلومات عن أية مداهمات تعتزم السلطات تنفيذها. على أن مدير البحث الجنائي في تعز العقيد جمال شمهان يجادل بأن الأدلة لم تكن كافية. فيما أبدى مدير شرطة محافظة تعز العميد مطهر الشعيبي جهله بالقضية وبأسماء متاجرين آخرين يقعون في نطاق محافظته.
ويشتكي شمهان من عدم وجود مندوبين للبحث الجنائي في بعض مناطق التهريب، والاحتجاز الواقعة بين المخاء وباب المندب، كما أن بعض المتضررين والشهود يمتنعون عن الإدلاء بشهاداتهم خوفاً على حياتهم. وهو يرى أن القضاء على ظاهرة المتاجرين بالبشر تتطلب قوة لا تتوافر لدى البحث الجنائي والشرطة.
يؤيده في الطرح مدير مديرية الزهرة عبدالرحمن الرفاعي الذي يشير إلى قدرة المتاجرين على التلاعب بالأدلة، وامتلاكهم القوة لمقاومة السلطات.

تهريب خمسة نجوم
«نحن نعمل بشكل آمن ولا يمكن أن نجازف بسمعتنا»، يتفاخر حسين (33 عاماً) الذي كان يتحدث إلينا بالصومالية (أنا وزميلتي المترجمة) باعتبارنا زوجين يرغبان بالوصول إلى السعودية بطريقة غير قانونية. يؤكد حسين، الذي التقيناه في عدن عام 2012 أن «رحلتنا ستكون آمنة وأن وسائل مواصلات ستتناوب على نقلنا حتى وصولنا إلى الحدود السعودية». وفق الاتفاق الشفوي مع حسين، تبلغ تكلفة العملية 4500 ريال سعودي (حوالى 1200 دولار) للشخصين. ثمة مسارات تهريب أقل تكلفة لكنها أكثر خطورة. إذ يفرض مهربون على الأفراد المشي سيراً على الأقدام في الظلام، ما يعرضهم للوقوع في قبضة حرس الحدود اليمني والسعودي أو التعرض لنيرانهم. ويشرح الشاب الإثيوبي عمر كيف اختطف وعدد من أبناء جلدته – بينهم نساء- على يد «عصابة يرتدي أفرادها الزي العسكري». تعرض المحتجزون لـ «التعذيب» أياماً لإجبارهم على الاتصال بذويهم من أجل دفع فدية مالية. «كنا نقترب من الحاجز الحدودي عندما قبضوا علينا. لم نكن نعرف إن كانوا جنوداً أم لا»، يقول عمر الذي التقيناه عام 2012 في مديرية حرض الحدودية بينما كان ينتظر دوره ضمن رحلات عودة طوعية تنظمها منظمة الهجرة الدولية.
ضحايا من دون عون
تقر المفوضية السامية للاجئين ومنظمة الهجرة الدولية في اليمن بعدم تقديم أي مساعدة قانونية للضحايا المصنفين كمهاجرين غير شرعيين. ولا يحصلون من سفارات بلدانهم في اليمن على أي عون. مهاجران إثيوبيان قضيا قتلاً لكن السفارة لم تحرك ساكناً. وتواصلت «الحياة» مع السفارة الإثيوبية ممثلة بسكرتيرها الأول درجي بيني دميسي، لكنه امتنع عن إعطاء إجابات.

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية)


الصحفي



تعليقاتكم