الأربعاء, كانون الثاني 3, 2018

سنجار .. المياه الملوثة "تضرب" صحة الأهالي بالأمراض

28 يناير 2013
نارين شمو

المحطة الأولى

“سأستدين ما يقرب من 30 مليون دينار عراقي (25000$) لشراء الكلية وإجراء العملية”، هذا ما قاله إلياس (25 عاما) خلال مكالمتنا الاخيرة، ومن ينظر إليه؛ وهو يبدو بكامل صحته سيستغرب حين قراءة تقريرِه الطّبي؛ قصورٌ كُلويٌ مزمن؛ وهو المرحلة النهائية وبدرجة عجز شديد؛ هي: 90%.

ينكمش نحو بطنه، وأداةٌ للحمِ الأبواب والشبابيك المنزلية بين يديه في محله الصغير، الذي تحول من مصدرِ رزق إلى حاسبة ترقم المبالغ التي يجب أن يحصدها لمراجعة الطبيب وشراء الأدوية.

العمل تسعِ ساعات في النهار، لم يعد مقبولاً لجسدٍ ينتفخ ورماً بين الحينِ والآخر. أَوقعته الآلام أَرضاً في إحدى الليالي، فنقل إلى مستشفى آزادي في محافظة دهوك وكشف عن حالته.

أما شرين، المرأة التي أخذها الفشل الكُلَوي من اهتماماتها ومسؤولياتها، بوصفها أُماً، فحالتها السيئة منعتها من التحدث إليَّ، فحدثني زوجها إسماعيل وهو جالس الى جانبها في منزل من الطين الأسمر قائلاً: “إن مرضها جعل من جميع أفراد أسرته تعساء”؛ وأضاف بوجهٍ حزين: “الطبيب طلب مني ان اجهز شهادة وفاتها إن تخلفت عن إحدى مراجعاتها”.

الطبيب المشرف

أربع مرات توجهتُ الى مستشفى زرع الكلية الواقعة بجانب مستشفى آزادي العام في محافظة دهوك؛ لألتقي بالدكتور “دلشاد بكر جهور” مدير المستشفى والطبيب المشرف على حالة الياس، ولم أتمكن من رؤيته لأسباب مختلفة. بعد الاتفاق معه، توجهت الى عيادته التي اكتظت بمرضى يعانون من الفشل الكلوي ومرادفاته. ملامحُ ولهجةُ 60% من المراجعين، كانت لأهالي سنجار المميزة عن باقي اللهجات.

خلال اللقاء، أكد لي أنه يوجد خياران أمام الياس وشرين، فإما أن يبقيا على غسل الكلية مدى العمر، أو عليهما إجراء عملية زرع كلية.

وأشار الى أن الماء، مسببٌ رئيسٌ لمثل هذه الامراض، فهو يحتوي على ترسبات معادن، تتسبب بحصى في الكلية، بالإضافة لاحتوائه على جراثيم وميكروبات تؤثر على الأمعاء والجهاز الهضمي.

هما ليسا الوحيدين اللذين يعانيان من العجز الكُلَوي، بل هناك 22 ألف مصاب بهذا المرضِ، وأمراضٍ أخرى كالتهاب الكبد الفايروسي، والأمعاء والمجاري البولِية، وتَكلُس الكُلية، واحمرار والتهاب الجلد والعيون، والتيفوئيد والبارا تيفوئيد والتسمم، وداء البروسيلا (حُمّى مالطا)، وكذلك الإسهالُ بالنسبة للمرضى الصغار.

المحطة الثانية:المشكلة وتأريخها

 قضاء سنجار (أو شنكال باللغة الكُردية) هو شمال غرب العراق؛ تابع إدارياً لمحافظة نينوى، يعاني من مشكلة تلوث مياه الشرب منذ أكثر من نصف قرن، حاله حال العديد من مناطق العراق.

الناس في السابق كانوا يعتمدون في عيشهم على مياه العيون للشرب والاستخدامات الأخرى، كسقي الحيوانات والزراعة، لكن الموارد المائية المتاحة بدأت تتناقص؛ نتيجة لزيادة معدلات الطلب المتزايد عليها.

في منتصف السبعينات من القرن الماضي، جمعت بين 6 الى 10 قرى في مجمعات طينية وبطرائق قسرية بأمر من النظام السابق، وتركت تلك المجمعات مهملة من الحكومة، تفتقر لأبسط مستلزمات الحياة.

شبكات توزيع المياه ومحطات التصفية

أغلبية التجمعات السكانية، تفتقر الى بنية تحتية لتصفية المياه أو شبكات التوزيع من المصدر الى البيوت. هنالك محطة تصفية مياه وحيدة في عموم القضاء، وتخدم أهالي سنجار. جميع المجمعات والقرى تفتقر لمحطات تصفية وتنقية مياه، إذ تزود المياه للمواطن من دون أية معالجة، ولا تعقيم بسيط.

أسست شبكات توزيع مياه وصرف صحي في مُجمعين من 11 مجمعاً سكنياً فقط، وأُهملت بقية المجمعات بالإضافة لأكثر من (85) قرية تابعة لمركز القضاء، وناحيتي القيروان والشمال البالغ عدد سكانه الكلي أكثر من (350,000).

غطت تلك الشبكات بين 50 إلى 60% فقط من مجمع خانصور (التأميم) وسنون، أي أن اكثر من 80%من سكان القضاء لا تصلهم المياه عبر الشبكات.

عدم توافر تلك الشبكات وانتهاء عمرها في المناطق التي توافرت فيها، وعدم تنفيذ مشاريع خدمية هناك، أجبر المواطنين للبحث عن وسيلةٍ للحصول على المياه والاستمرار بالعيشِ، وهي حفر الآبار.

في كل دار بِئر، وفي الدار نفسها مرفق صحي، يبعد عن البئر في أقصى الحدود (10) أمتارٍ فقط. قصر المسافة وخطأ العمل الهندسي لإنشاء القساطل، ساعدا على تسرب المياه الثقيلة والمركبات السامة للآبار السطحية والارتوازية منها، والتي تسببت بانتشار الأمراض وحالات وفاة.

شحة المياه

من جانب آخر، فإن المياه الجوفية المصدر الوحيد للمياه في سنجار في طريقها للنفاد بسبب استمرار الجفاف والضخ المتزايد من مكامن المياه الجوفية، وسوء إدارة الموارد المائية، إذ شهدت السنوات العشر الأخيرة انخفاضَ مناسيب المياه الجوفية أكثرَ من 50 متراً في بعض المناطق.

المهندس مراد اسماعيل حسن، أحد أهالي ناحية الشمال في قضاء سنجار، والمقيم حالياً بولاية تكساس في أميركا، يتحدث في رسالته لنيل شهادة الماجستير بجامعة نورويج (Norwich) عام 2011 عن مشروع (تطوير المياه في ناحية الشمال)، ويقول إنه كلما قلّت كمية المياه الجوفية، زادت الخطورة، ويشير الى صعوبة العيش في سنجار بعد 14 سنة من الآن، إذا استمر الوضع على هذه الحال، جرّاء شح المياه نتيجة جفاف الموارد الطبيعية.

المحطة الثالثة: الأطباء والمتخصصون

تنقلت بين 5 مجمعات سكنية وعدد من القرى، وخلال زيارتي الى بعض المراكز الصحية، حصلت على أرقام كبيرة جداً لعدد المراجعين والمرضى لشهر أيار 2012. تلك الأرقام دعتني إلى مقابلة أطباء ومتخصصين، لمعرفة حقيقة هذه الإحصائيات. فالغالبية عَزا هذه الأمراض لسوء نوعية المياه التي يشربها ويستخدمها معظم الأهالي.

مدير قطاع الرعاية الصحية الاولية في سنجار د. ماجد خلف حمو، بين  أن معظم أهالي قضاء سنجار، يعتمدون على مياه الآبار الارتوازية والسطحية المتوافرة في المنازل، وهي غير صحية مطلقاً، تختلط بالمياه الثقيلة، وتحتوي على كمية كبيرة من الكلس، وهكذا تنقل بعض الأمراض، مثل التيفوئيد والأمراض المعوية، والتهابات المجاري البولية من خلال الشرب، وكذلك استخدامها يسبب الحساسية والأمراض الجلدية. لا نستطيع الجزم بأنها السبب الرئيس في الفشل الكلوي؛ لكنها بالتأكيد سبب مهم وناقل رئيس لهذه الامراض.

أوضح مدير المركز الصحي في مجمع اليرموك الدكتور عدنان محمد حسين بأنهم ييوزعون قطع الكلور على المواطنين، لكن ذلك ليس حلاً للمشكلة، فالامراض تكثر ويجب توفير المياه الصالحة للشرب عبر أنابيب الإسالة.

وفي المركز نفسه، ذكر المعاون الطبي حسن حيدر حجي أن نحو 80% من المرضى الذين يراجعون المركز الصحي، يعانون من إصابات جراء تلوث المياه.

وقال مساعد مختبر في مركز خانصور الصحي ابراهيم عزت: “إن الفحوصات التي أجريناها بين 1 و15 مايو/ أيار، أثبتت أن شخصين من كل 3 مرضى مصابين بحالة الكريستالس (الرمل بالعامية)، و22 فحصاً من مجموع 27 اتضح أنها مصابة بحمى مالطا والتيفوئيد الذي ينتقل عبر المياه الملوثة، بفعل بكتيريا خاصة”، وأضاف أن حالات الإسهال لا تعد ولا تحصى، ويعتبر الاطفال اكثر الفئات عرضة للإسهال نتيجة إعداد الحليب الصناعي بالمياه.

وفضلاً عن ذلك، فإن مصادر طبية ذكرتْ أن الإسهالَ، ومنْ ثم الجفاف يقضيان على حياة واحد من كل 40 طفلاً في قضاء سنجار سنوياً.

وضع المراكز الصحية

7 فقط من مجموع 23 مركزاً صحياً في عموم قضاء سنجار، مجهزةً بمختبرات تحليل متواضعة، وهي تعاني من قلة الأجهزة والمحاليل، ما يصعب من مهمة الكشف عن الحالات المرضية إلا في مراحل متأخرة.

مستشفى سنجار العام، الوحيد في القضاء، يعاني من نقص في الكوادر الطبية، والحال نفسها في المراكز الصحية.

قال المعاون الطبي في مستشفى مجمع الجزيرة (سيبا شيخدر) حسن حتو  “إن أغلب الحالات التي تصلنا،  تنقل الى مستشفى سنجار العام في مركز القضاء الذي يبعد 45 كم عن المجمع، لافتقار المركز الى مختبر تحليل وكادر طبي.

حديث معاون مدير مركز اليرموك الصحي مراد عبدي، حمل تشابهاً في الاحتياجات: اسبوعياً يوجد بين 2 الى 3 حالات ولادة في المنطقة، لهذا نحن بحاجة الى طبيبة نسائية، و كذلك الى أجهزة طبية أساسية كالسونار، وجهاز تخطيط القلب، وأجهزة مختبر متطورة.

المحطة الرابعة: تحليل عينات من المياه

تلك الاحصاءات دعتني لأخذ 6 عينات مياه من مناطق مختلفة من شماليّ وجنوبيّ قضاء سنجار، وتحليلها بكتيرياً في مختبر دائرة البيئة في محافظة دهوك، والنتيجة كانت كما توقع الخبراء تماماً، واحدة منها فقط صالحة للشرب.

 تحليلات البكتيريا أو ما يسمى (i-coli)، بينت وجود هذا النوع من البكتيريا بكمياتٍ كبيرة في المياه. وهذا يعني أن المياه ملوثة، وهناك احتمال لوجود فيروساتٍ أكثر خطورة في هذه المصادر.

ويشير أيضاً إلى تداخل فضلات الحيوان والإنسان مع المياه، وهذا يُسبب أمراضاً؛ بعضها تُودي بحياة الإنسان.

وفي الوقت نفسه، كنت بحاجة لإجراء فحوصات اختبارية كيميائية للتأكد من وجود عناصر: الزرنيخ والباريوم والكادميوم والرصاص والنترانت والنتريت واليورانيوم، للاشتباه بوجودها في كثير من الآبار الارتوازية في مناطق متعددة من قضاء سنجار، لكن الأمر احتاج لتصريحات منظماتية وحكومية تتكفل بتبني الاختبارات، وكذلك صعوبة الحصول على موعد مناسب لإجراء التحليلات في المختبرات الحكومية التي بادرت بالموافقة، وهكذا تأجلت الفحوصات الى نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر.

ومن خلال البحث عبر الانترنيت ومحرك جوجل عن مسببات البكتريا وحجم مشكلة المياه الملوثة في محافظة نينوى والعراق عامة، عثرت على تقرير بعنوان (صفحات.. واقع مياه الشرب في العراق: الأسباب والمعالجة)، وكتابات أخرى لعدي فاضل شفيق وهو باحث ومتخصص في تقنيات معالجة المياه، وبعد التواصل معه عبر الإيميل والهاتف، أبدى استعداده التام للتعاون، وأطلعته على نتائج التحليلات البكتيرية، وسألته إن كان هناك مخاطر على حياة مستخدمي تلك المياه.

فأجاب شفيق: “بالتأكيد، إن تناول المياه الملوثة له الكثير من المخاطر على صحة مستخدميه، فالأمراض الناجمة عن تلوث المياه تراكمية، ومن ثَمّ فإن تأثيرها إما أن يكون مباشرا أو غير مباشر. إن أخطر أنواع الملوثات، هي البكتريولوجية؛ لأنها تحتوي على بكتريا برازية، تؤدي الى الكثير من الأمراض، وتصل أحيانا الى حد الموت إن تجاوز الحدود المسموحة لوجود البكتريا في المياه، كالأرقام المبينة في النتائج، التي تضفي نتائج كارثية جداً على نوعية المياه، ومن ثَمّ من المستحيل تناول هذه المياه من دون معالجة؛ والأخطر من هذا أن هذه الملوثات لا تُرى بالعين المجردة، ما يسهل عملية تناول هذه المياه الملوثة من قبل الكثير من الناس البسطاء”.

الباحث زياد أيوب سليمان يذكر في بحث له بعنوان (دراسة نوعية المياه الجوفية في بعض مناطق محافظة نينوى ـ مدينة سنجار) (study of groundwater quality in some areas of province Nineveh (Sinjar city) الذي نشر في المؤتمر الدولي للموارد، والمنشأة في أوكرانيا بمدينة خاركوف، معلومات في غاية الاهمية عن نتائج التحليلات الكيميائية لـ20 بئراً ارتوازياً في منطقة سنجار، قيمت نوعية مياهها لأغراض الشرب بالاعتماد على المواصفات القياسية العراقية لمياه الشرب والمواصفات العالمية المحددة من منظمة الصحة العالمية (World Health Organization,WHO1995)، وأظهرت الدراسة أن الحالة النوعية لمياه معظم الآبار غير صالحة للشرب، كالآبار المرقمة بـ(20,19,18,17,16,15,9,7,6,5) في حين تصلح المواقع الأخرى للشرب.

تعتمد المياه الصالحة للشرب على محتويات من الأملاح الذائبة وكمياتها، ولكي تصبح صالحة للشرب، تخضع لمعايير خاصة.

في الجدول الآتي المواصفات الكيميائية لمياه الآبار المحددة في المنطقة، مقارنةً بالمواصفات القياسية العراقية لمياه الشرب، والمواصفات العالمية.

1989

الحدود المسموح بها لبعض الملوثات في مياه الشرب بحسب بعض المواصفات القياسية:

ومن مقارنة نتائج تحليل العينات، يتبين أن المياه الجوفية لبعض هذه الآبار غير صالحة للشرب، لارتفاع الايونات الموجبة والسالبة، وكذلك لارتفاع الملوحة الكلسية في 10 آبار؛ في حين تصلح المواقع الأخرى للشرب. ويعزى عدم صلاحية الآبار العشرة للشرب إلى وقوعها ضمن تكوين فتحة الحاوي على التكوينات الجبسية.

 المحطة الخامسة: الماء وطبيعة العيش

يصعب على الفرد منا وصف الوضع وحجم المعاناة إلا إذا كان يعيشها. ففي أثناء دخولي لمجمع حطين، صادفت بعض الناسِ وهم يتهيأون لتشغيل محرك كهربائي للحصول على المياه من بئرٍ أمام منزلهم، مياهه معروفة بالملوحة، فوقف أحدهم أمامي، وهو رجل كبير في السن، تحدث عما يعانونه بتشنج وانزعاج، معتقداً بأني أنتمي لإحدى المؤسسات الإنسانية: “نعيش بصعوبة، لا توجد مياه حلوة صالحة للشرب، ولا توجد خدمات. لم يزُرنا مسؤول الى اليوم. الكل يكذب في لقاءات التلفاز، وهو يدّعي أنه يخدمنا. فكل الطلبات والشكاوى التي نقدمها ونرفعها الى دوائر قضاء سنجار ومحافظة الموصل وحكومة إقليم كردستان، لم تنفعنا بشيء”.

الحال في ناحية القيروان لا يختلف عنه في باقي مناطق سنجار من ناحية سوء الخدمات والمياه الملوثة، وتبدو هذه المنطقة لزائرها متروكةً منذ زمن. قال أحد سكانها: “أكثر أزمة نعانيها هي أزمة الماء، المنطقة كلها لا يصلها ماء المشاريع التي نفذت قبل سقوط النظام (2003)، ولا المشاريع الحالية، ما عدا منازل تعد على أصابع اليد، لا يوجد خيار أمامنا غير شراء الماء للشرب، كل متر مكعب بـ(6000) دينار (5$)، واستخدام مياه الآبار لقضاء حاجاتنا الأخرى”.

بعد الاستماع الى عدة أفراد، ورؤية الوضع بأم عيني، تساءلت: كيف يروي تلاميذ مدارس هذه المناطق عطشهم في الصيف والشتاء؟ فقررت التوجه الى مدرسة “سيبا شيخدر” لدراسة اللغة الكردية التي يتبع مجمعها الآن لقضاء البعاج، فوجدت المعلم هادي علي، ليجيب على تساؤلي: “لا نملك برادات ماء، لذلك؛ التلاميذ يشربون مياه الخزانات الموضوعة على سطح المدرسة صيفاً وشتاءً، وهذه الحال نفسها في جميع المدارس”.

ليس الأهالي ـ فقط ـ هم المتضررون، بل كل من ينتسب للمنطقة من المدرسين والموظفين، فعمر باسم أحد معلمي مدرسة العراق الثانية في اليرموك تحد عن معاناته قائلاً: “نعاني بشكل كبير من مشكلة المياه، إذ إننا منذ سنتين في هذه المدرسة، ولا تتوافر امياه صالحة للشرب، ولا نستطيع شرب و استخدام مياه الآبار، لذا نضطر إلى جلب الماء معنا من منازلنا في مدينة الموصل”.

وأخبرني مواطن من مجمّع (تل بنات) أن هناك 10 آبار ارتوازية، حفرتها الحكومة قبل خمس سنوات، معطلة الآن، ولا تفيد المنطقة بشيء، وحاجة الناس للماء في المجمّع لا يمكن وصفها.

المحطة السادسة: مجلس قضاء سنجار

من يتحمل المسؤولية يا ترى؟ إنْ حمّلنا النظام السابق مسؤولية التقصير، وتردي الوضع، فمَن هو المسؤول عن واقع قضاء سنجار الحالي؟!.

بدأتُ مشوار البحث عن الإجابة بزيارة أعلى سلطة إدارية في القضاء، وهي قائمقام القضاء ميسر حجي صالح، فأخبرني أن الحكومة منذ 9 سنوات قدمت عشرات المشاريع في مجال الماء، وهي حفر آبار ارتوازية متعددة في كل مجمّع، وفي كل قرية؛ وكذلك أسست شبكات توزيع مياه في 3 مجمعات، لكن عدم متابعتها للمشاريع وتنفيذها بشكل غير مدروس، أدى لفشل معظمها.

وكرّر لمرات عدة، أن حفر الآبار يعتبر حلاً وقتياً، والمنطقة بحاجة إلى حلول جذرية، ولمصدر مائي مستدام، لهذا؛ لا يوجد حل أفضل من إيصال الماء الى قضاء سنجار من خلال مشروع (أسكي موصل) الذي طالبنا ونطالب به منذ التسعينات من القرن المنصرم والى الآن، لكن دون جدوى، إذ لا توجد استجابة حكومية فعلية.

وبما يخص خطة مشاريع قضاء سنجار من حصة تنمية الأقاليم، أشار القائمقام  إلى أن حصة القضاء لعام 2012 هي (8) مليارات من مجموع (606) مليار دينار عراقي، مخصصة لمحافظة نينوى، ومن حصتنا خصص (760,000,000) دينار لمشاريع المياه؛ و(580,000,000) لشعبة الموارد المائية، وكون مقاطعة قائمة نينوى متآخية (التحالف الكردستاني وكلد وآشوريين وشبك) ومجلس محافظة نينوى، تأخر تنفيذ مشاريع 2010 و2011؛ ومن المؤمل البدء بمشاريع عام 2012 بعد المصالحة، وعودة القائمة المتآخية الى مجلس المحافظة.

دائرة ماء سنجار

 يرى مدير مشاريع ماء سنجار المهندس وعد الله سالم  أن العجز المالي والكهرباء، وقلة الكوادر الفنية المتخصصة، وغيرها أسباب تُعيق عمل دائرته.

وأضاف أن مديرية ماء نينوى أوقفت عدداً من الكتب الرسمية، المعنية بتصليح الآبار منذ قرابة سنة، لعدم توافر الاعتماد المالي.

ويؤكد أن دائرتي ماء سنجار وبعاج مظلومتان، مقارنة ببقية الأقضية، بسبب بعد المسافة عن مركز المحافظة.

مديرية بلدية سنجار

دخلت مديرية بلدية سنجار ظناً مني أنها طرف في القضية، والتقيت بالمهندس بمديرها إيزدين خلف نمر، فوجدت أن عملها لا يتعدى التنظيف اليومي لأحياء قصبة سنجار، ولنقص الكادر المتخصص والآليات، لا يجري العمل بالشكل المطلوب، ومتابعة هندسة بناء قساطل المرافق الصحية في مدينة سنجار والنواحي ليس ضمن جدول اعمالها.

مجلس محافظة نينوى

عضو مجلس محافظة نينوى عن قائمة نينوى المتآخية قاسم صالح، تحدث مطوَّلاً عن الخلافات التي أبعدت قائمته عن المجلس، وما سببته المقاطعة من خسائر خدمية كبيرة للمنطقة، وأشار الى أن قضاء سنجار واقع ضمن المادة (140) من الدستور العراقي، ما يجعله من المناطق المتنازع عليها، ويدفع الحكومة لتأخير مشاريعها.

يُعلّل سبب سوء الوضع الخدمي، وما يخص المياه تحديداً في سنجار، بعدم تخصيص نسبة كافية من الميزانية للمشاريع، وبتقصير الوزارة في بغداد في هذا الجانب أيضاً. هناك مشاريع أكبر من حجم التنمية، كمشروع إيصال الماء من نهر دجلة الى ناحية الشمال التي يعاني 90% من سكانها من أزمة المياه.

بخصوص الحلول قال: “هناك نيّات لترميم بعض الآبار، وحفر عدد آخر؛ لكن الحل الأمثل هو إيصال الماء من نهر دجلة الى قضاء سنجار وربيعة والبعاج، عبر شبكات موسعة، وقد طرحت الفكرة في المجلس؛ ومن المقرر تنفيذها بداية العام المقبل (2013)”.

جيوب خفية

في كل محطة، كان هناك من يكلمني عن مشاريع نُفّذَتْ بشكل وهمي في القضاء، وبعضها بطريقة رديئة افتقرت للمتابعة الحكومية. بحثت عن دليل أو شاهد، لكن من دون جدوى، لم أجد من يتجرأ من المقربين لتلك المشاريع على التحدث؛ وفي لحظات كدتُ أن أفقد الأمل فيها، لولا أني عثرتُ على شخص لديه أوراق ثبوتية؛ فبدأ يكلمني عن تفاصيل بعض المشاريع ومبالغها، وأسماءٍ نهبتْ 80% من أموال مشروع ناحية القحطانية، التي بلغت مليار دينار عراقي لسنة 2007، ومشروع شبكة إسالة مياه مجمّع (تل قصب) المقدر بملياريّ دينار عراقي، وحاليا تبحث القضية من جهات معنية في قضاء سنجار، و مندوب عن حكومة أقليم كردستان، وبمتابعة من هيئة النزاهة العراقية.

الخلاصة

مما لا شك فيه أن مشكلة المياه في سنجار معقدة، لكن بقليل من الدراسات العلمية والميدانية، وبتقويم حجم المشكلة تقويماً صحيحاً،يُصبِحُ من السهل معالجتها.

إنّ أقرب الحلول للواقع، يتمثّل في المشاريع التي أشار اليها كل من قائمقام سنجار وعضو مجلس محافظة نينوى بقليل من الرقابة والدقة والجدية في العمل، أو الإسراع في تأسيس شبكات إسالة جديدة، وإنشاء محطات تصفية وتنقية للمياه، تضمن للناس كأساً متدفقةً من الحياة.


الصحفي



تعليقاتكم