الإثنين ٢٤ - سبتمبر - ٢٠١٨ ٠٨:٤٢ مساءً

المراسلون الحربيون في العراق: البحث عن وظيفة انتحاري

12 ديسمبر 2016
مصطفى سعدون

تحقيق: مصطفى سعدون

الحياة -حين انحنى الجنود ليحموا أنفسهم من الرصاص، ظل المصور الحربي لقناة السومرية العراقية علي ريسان، واقفاً يبحث عن زاوية مناسبة لتصوير المعارك المحتدمة جنوب مدينة الموصل، بلا درع، ولا خوذة، ومباشرة أمام قناص داعش الذي أرداه قتيلا في اللحظة التالية.

ربما كان الأمر سينتهي بشكل مختلف، لو أرتدى ريسان درعاً واقياً من الرصاص في تلك اللحظة. فالرصاصة اخترقت صدره، حسبما يقول زميله المراسل الحربي علي الموسوي، من المساحة التي يغطيها عادة، الدرع الواقي، وتحديدا منطقة القلب والحجاب الحاجز.

بخلاف زميله الموسوي، يعتقد المراسل الحربي علي جبار أن الأمر سيان، فسواء ارتدى الصحفي الحربي الدرع أم لم يرتديه، سيكون عرضة للموت في أي لحظة، فمعظم الدروع التي يحصل عليها الصحفيون الحربيون من قنواتهم، هي دروع رخيصة الثمن ورديئة الصنع وقابلة للاختراق بسهولة بالمقارنه مع تلك التي يرتديها زملائهم ممن يعمل في مؤسسات إعلامية أجنبية.

يستشهد جبار على ذلك، بدرعه “المثقوب” الذي تسلمه من قناته، ويقول أنه لا يعرف مصير الشخص الذي كان يرتدي الدرع قبله. لكنه يعرف تماماً أنه لن يوفر له أي نوع من انواع الحماية، وأنه سيكون ثقلاً مضافا ليس إلاّ.

في الليلة التي سبقت سفره لتغطية معارك الموصل في نهاية تشرين الاول الكتوبر الماضي، اتصل جبار بكاتب التحقيق، وأبلغه بأنه سيترك درعه في المنزل، وأنه سيعتمد على “رحمة الله ولطفه”، ذلك أن المحطة التي يعمل بها لم تدربه على أهمية الدرع الواقي ولم تزوده بالدرع الذي يثق به بحسب أحد زملاءه.

يبدو أن العناية الإلهية وحدها التي تحرس المراسلين الحربيين في العراق، وهم في معظمهم مبتدئون. إذ تزج بهم مؤسسات إعلامية إلى ساحات معارك الجيش العراقي مع تنظيم داعش، دون أدنى تدريب مسبق على التعامل مع المخاطر، بخلاف نظرائهم العاملين في وسائل الإعلام الأجنبية، ودون تزويدهم بدروع واقية للرصاص من الأنواع جيدة الصنع، وحين يتعرضون للموت أو الاصابة البالغة، لا تحرك مؤسساتهم، أو نقابة الصحفيين العراقيين وباقي المنظمات المعنية بالصحفيين، أي ساكن، مع أن ذلك يقع في صميم مهامها.

قتل 13 صحافياً حربياً وأصيب 44 آخرين منذ احتلال تنظيم داعش لمدينة الموصل في 10 حزيران/ يونيو 2014، ولغاية تاريخ نشر هذا التحقيق، بحسب أرقام نقابة الصحفيين العراقيين ومرصد الحريات الصحفية. بالمقارنة، لم يقتل أي من الـ 500 صحفي أجنبي وعربي ممن دخلوا العراق منذ صيف 2014، وعملوا في ذات الفترة ولغاية نشر هذا التحقيق، بسبب التزامهم بالخطط الموضوعة لهم، والتدريب العالي الذي حصلوا عليه، والخبرات التي يمتلكونها في مجال السلامة في مناطق النزاع.

يعترف مدير قناة السومرية عمار طلال، أن الدرع الذي كان يرتديه علي ريسان كان درعا ثقيلا، وأنه تخلى عنه قبل دقائق من إصابته برصاصة القناص، لأنه كان يشعر بالاختناق. مع هذا، يصر طلال على أن فريق قناة السومرية الحربي “مجهز بأحدث الدروع والخوذ”، وأن قناته حريصة على حياة مراسليها الحربيين وتقوم بمتابعتهم أولاً بأول.

لكن بخلاف ما يقوله طلال، تظهر تغطية القناة لمعارك الموصل أن مراسلها الحربي مصطفى لطيف ظهر في كل التقارير المباشرة والمسجلة وهو عاري الصدر من الدرع الواقي حتى كتابة هذا التحقيق. ويستعيض عن خوذة الرأس بقبعة خاكية اللون. وهو ما يكشف أن القناة لم تكن تتبع الاساليب التي تجبره على ارتداء الدرع والخوذة حفاظاً على حياته.

يبرر لطيف استغنائه عن الدرع والخوذة بأنها، “ثقيلة ومزعجة”، وتقيد حركة المراسلين والمصورين أثناء احتدام المعارك.

22

نهاية اكتوبر الماضي، نجا لطيف بأعجوبة من الموت المحقق حين حاصرهم تنظيم داعش في حي الكرامة في مدينة الموصل. وتعرضت ثلاثة من أصابع يد المصور الذي يرافقه الى البتر أثناء تغظيتهم للمعارك في ذات المكان حيث تدور أعتى المعارك حتى الآن بين القوات العراقية وتنظيم داعش.

بعد هذه الحادثة مباشرة، عاود لطيف الظهور على شاشة القناة، بلا درع ولا خوذة.

الصحفي العراقي علي جواد بعد إصابته

الصحفي العراقي علي جواد بعد إصابته

يتذكر مراسل قناة العراقية الرسمية علي جواد، تلك “اللحظة القدرية” التي أنقذته من الموت في معارك صلاح الدين أواخر عام 2014. فلو كان قناص تنظيم داعش رفع فوهة بندقيته بضعة سنتمترات فقط، لكانت الرصاصة اخترقت سترته الواقية وقتلته على الفور.

كان جواد يعرف مسبقاً أن درعه خال من الصفائح المعدنية التي يمكنها صد الرصاص والشظايا، وأن الألياف لوحدها لا يمكن أن تحميه، بالمقارنة مع سترات مماثلة توفرها وسائل اعلام أجنبية لمراسليها الحربيين يصل معدل ثمنها بين 700 – 1200 دولار.

لم يكن الدرع الواقي الذي يرتديه جواد مختلفاً عن دروع أربعة من زملائه، قرروا بالتعاون مع معد التحقيق ومرصد الحريات الصحفية، إخضاعها لتجربة إطلاق رصاص حي عن بعد 50 متراً، ومن مسدس نوع (كلوك). فقد إخترق الرصاص الدروع الأربعة جميعها، بينما لم يخترق الدرع الذي يحمله وكان يملكه صحافي عراقي يعمل لصالح وكالة أنباء عالمية.

المشكلة تبدأ بسياسات التوظيف. حيث تستقطب غالبية المؤسسات الإعلامية العراقية العامة والخاصة صحفيين متحمسين يبحثون عن عمل، وتزجهم كمراسلين حربيين دون تزويدهم بالخبرات اللازمة أو إخضاعهم لتدريب حول السلامة في مناطق النزاع. فضلاً عن عدم تزويدهم بخوذ ودروع واقية (أصلية) أو حتى خرائط تتيح لهم معرفة طبيعة المناطق التي يعملون فيها. وتعجر نقابة الصحفيين العراقيين والنقابات والمؤسسات المعنية بالصحفيين عن حمايتهم في ظل استمرار الحرب في العراق.

 فعندما كان الصحافي العراقي يرافق القوات الاميركية قبل أن تغادر العراق العام 2011، كان يستلم تعليمات وتوجيهات من ضباط في الجيش الأميركي قبل مرافقتهم. هذه التعليمات كانت تنص على ضرورة عدم المجازفة والمخاطرة بأرواحهم إذا ما حدث أي قتال، وأن يلجأوا للمكان الذي حدد لهم من قبل الضابط. لكن في الحرب ضد “داعش” لا يوجد أي اتفاق أو عقد توقعه القوات الأمنية العراقية مع المراسلين الذين يرافقونها إلى جبهات القتال، ولم يحصلوا حتى على أي تعليمات منها، هذا بحسب مصدر عسكري مرافق للمراسلين الحربيين العراقيين.

مبتدئون على خط النار

تعمل في العراق 54 قناة فضائية عراقية بعضها تابع للأحزاب، وأخرى لرجال أعمال ومنها لفصائل مسلحة ورجال دين، وواحدة تابعة للدولة العراقية. بعض هذه القنوات مركزها الرئيسي داخل العراق وبنسبة لا تتجاوز الـ 15% تبث من خارج العراق.

وفي استبيان قام به معد التحقيق بالتعاون مع مرصد الحريات الصحفية، تم توثيق أسماء 20 مراسلاً حربياً لم يتلقوا أي تدريب حول التغطية الحربية، ومع ذلك زجت بهم محطاتهم في أتون الحرب الدائرة ضد داعش. وكل هؤلاء الصحافيين ليس لديهم عقود عمل، فكل ما يصدر هو أمر إداري بالتعيين، رغم أن المادة 13 من قانون حقوق الصحافيين العراقيين لسنة 2011، ينص على أن ” تلتزم الجهات الإعلامية المحلية والأجنبية العاملة في جمهورية العراق بإبرام عقود عمل مع الصحفيين العاملين في تلك الجهات وفق نموذج تعده نقابة الصحفيين في المركز أو الأقاليم. ويتم إيداع نسخة من العقد لديها”.

يقول نقيب الصحافيين العراقيين مؤيد اللامي، وهو ذاته رئيس اتحاد الصحفيين العرب، أن النقابة بدأت للتو “بالعمل على إيجاد صيغة موحدة للعقود توزع على المؤسسات الإعلامية”. حديث اللامي يأتي بعد أكثر من خمس سنوات على نفاذ قانون حماية الصحفيين الذي يلزم المؤسسات الاعلامية بتوقيع العقود مع الصحافيين وايداع نسخة لدى النقابة.

يحمل اللامي وسائل الإعلام العراقية مسؤولية عدم وجود عقود. ويؤكد أنها هي التي “لم تلتزم” بتوقيع العقود.

 ورغم أن النقيب يؤكد وجود عشرات العقود مودعة في النقابة، لكن معد التحقيق لم يتمكن من الاطلاع على أي عقد مودع لدى النقابة رغم طلبه المتكرر، بسبب “عدم توفر الوقت” أو بسبب سفر النقيب لاحقاً خارج العراق.

مسؤول في النقابة، رفض الكشف عن اسمه، أبلغ معد التحقيق أن عدد العقود المودعة في النقابة هي عقدان فقط، معتذراً عن الكشف عنها لئلا يتعارض هذا مع تصريح النقيب.

مسؤول في إحدى القنوات الفضائية العراقية، طلب عدم الكشف عن اسمه، أبلغ معد التحقيق بان معظم الصحفيين ليس لديهم عقود، وأن كل ما يصدر هو أوامر إدارية بالتعيين من قبل وسيلة الاعلام، ويضيف “أنا في منصب معاون مدير القناة، ومسؤول بعد المدير العام مباشرة، رغم ذلك، فليس لدي عقد مع القناة”.

الجهل بقواعد التغطية الحربية

تنص المعايير الدولية التي اعتمدها (مركز دارت ومقره نيويوركوالمتخصص في سلامة الصحفيين) أثناء تغطية مناطق النزاع، على إرشادات، منها:

 1. قبل الانطلاق في أي مهمة في منطقة نزاع أو أية تغطية خطرة، يجب أن يكون الصحفيون متسلحاً بالمهارات الأساسية لرعاية أنفسهم أو زملائهم الجرحى.

2. نشجع كل الصحفيين لتعلم الإسعافات الأولية، لتنفيذ مجموعة الإسعافات الأولية المناسبة ومواصلة تدريبهم للبقاء تصل إلى التاريخ على معايير الرعاية والسلامة البدنية والنفسية.

3. ينبغي على الصحفيين في مناطق الحرب التأكد من جودة ووجود الملابس الواقية من الأسلحة، بما في ذلك السترات المدرعة والخوذات.

4. الصحفيون يجب أن يعملوا على تقييم دقيق للمخاطر قبل السفر إلى أي منطقة حربية أو خطرة، وقياس القيمة الصحفية التي يمكن أن تتحقق مقارنة مع المخاطر.

5. على المراسلين الحربيين تحديد الطرق للتنقل والتواصل مع زملاء آخرين أو مع رؤساء التحرير والتواصل عبر على الإنترنت.

رئيس جمعية الدفاع عن حرية الصحافة، مصطفى ناصر، يتهم وسائل الإعلام العراقية بأنها لم تدرب أي من صحافييها على تغطية النزاعات، ويعتمد ناصر في ذلك على رصد أنجزته الجمعية.

ناصر يقول إن وسائل الإعلام المحلية لا تضمن أي شيء للصحافي، والصحافي الحربي عادة لا يعرف ما مدى ضماناته في تغطية العمليات. كما أن هناك قنوات تشحن الصحافي عقائدياً وطائفياً وترسله للحرب من دون أي ضمانات ولا مكافاءات ولا وسائل دفاعية مثل الدروع الواقية والخوذ.

يعترف المراسل الحربي حبيب محمد 32 عاماً، بأنه لم يكن يعرف شروط التوظيف “المجحفة” التي أرادت أن تفرضها عليه قناة فضائية عراقية كان يعمل بها، قبل أن يقرر الذهاب لتغطية المعارك، لكنه رفض ذلك لعدم وجود ضمانات على حياته.

الشرط الأساس في التعهد الذي أريد لمحمد توقيعه مع القناة التي طلب عدم ذكر اسمها، هو التوجه لتغطية المعارك في جبهات القتال فور حصوله على الوظيفة دون الحصول على تدريب يكفي لتأهيله كمراسل حربي. في ذات الوقت، طلب منه أن يوقع تعهداً خطياً ملزماً يتضمن من الناحية العملية، تخليه عن كل حقوقه القانونية والضمانات المالية لعمله كمراسل حربي بحسب نص التعهد الذي يمتلك معد التحقيق نسخه.

ينص هذا التعهد الذي طُلب من محمد توقيعه الذي يعمل كموظف دائم من دون عقد، على أن القناة “لن تكون مسؤولة في حال تعرضه للخطر أثناء تغطية المعارك، وبأنها غير ملزمة قانونياً وعشائرياً وقضائياً من قبله، أو من قبل أحد أفراد عائلته أو أقاربه، وأن الإدارة غير ملزمة بدفع مبالغ مادية تعويضية عن أي شيء يحصل له”.

ويقول أحمد شهاب، مدير أخبار قناة (هنا بغداد) وهي ذات القناة التي عمل فيها حبيب محمد، إن في القناة مراسلاً حربياً واحداً، شارك في دورة تدريبية واحدة في بغداد حول السلامة المهنية، ولم يكن لديه أي مهارات سابقة، لكنه تعلم من الدورة ولو شيئاً بسيطاً”.

ورغم أنّ محمد غطى المعارك في مناطق غرب العراق طوال النصف الثاني من عام 2014. ومع مطلع العام 2015، ترك العمل وغادر العراق باتجاه أوروبا.

ابتزاز

سياسة التوظيف المتبعة، كما يراها مدير مرصد الحريات الصحفية زياد العجيلي، هي “ابتزاز مقنع” لأنه ليس هناك عقود موحدة للصحفيين ومعتمدة من النقابة، ولا آليات قانونية لتعيينهم، وهي في ذات الوقت تجاوز فاضح للأعراف الصحفية التي تقضي بتأهيل المراسلين الحربيين قبل إرسالهم لمناطق النزاع

تعيين الصحافيين في العراق، لا يتم عبر أي عقود أو شروط موضعة مسبقاً. فبعض الصحافيين يخضعون للاختبارت لقياس مستوى مهاراتهم، وبعضهم لا يخضع. وتعتبر قناة الحرة العراق، هي واحد من أكثر القنوات العراقية إهتماماً بالصحافيين، ورغم هذا لم يملء مدير مكتبها في بغداد فلاح الذهبي الاستبيان المقدم من قبل معد التحقيق رغم الاتصالات المتكررة.

قدم كاتب التحقيق استبيانا لـ 14 قناة عراقية متابعة: العراقية – الفرات – الغدير – المسار – المدى – السومرية – الشرقية – روداو – هنا بغداد -NRT – العهد – آسيا – الحرة عراق – آفاق.

عشر قنوات استجابت للإستبيان، فيم لم يستجب مسؤولي أربع قنوات تحججوا بالسفر أو رفضوا الرد على الاتصالات.

ويظهر الاستبيان أن ست من القنوات العشر التي وافقت على ملء الإستبيان، لم تودع عقود موظفيها في النقابة. فيما أعلنت فضائيتان أنهما أودعتا العقود لدى النقابة دون أن تطلعا معد التحقيق على أي من تلك العقود لأسباب “خاصة”. فيما لم يكن ممكنا الاطلاع على عقود إحدى القنوات بسبب تسجيلها في نقابة صحفيي كردستان العراق. ولم تودع القناة العراقية الرسمية عقود موظفيها لدى النقابة.

وأظهر الأستبيان الذي وزع على 15 صحافياً في عدة قنوات، أن هناك تسعة منهم لا يمتلكون عقوداً مع قنواتهم، وستة آخرين قالوا إن لديهم عقود لكنهم لم يحصلوا على أي نسخة منها. أي إنها تبقى لدى الإدارة فقط.

كما أن من بين الـ 15 صحافياً، هناك 12 صحافيا لم يتلقوا أي نوع من التدريب على تغطية الحروب، رغم أنهم جزء من الكوادر الإعلامية التي تُغطي المعارك التي يخوضها الجيش العراقي ضد تنظيم “داعش”، فيما حصل ثلاثة منهم فقط على تدريبات حول التغطية في مناطق النزاع.

 رئيس النقابة الوطنية للصحافيين عدنان حسين، والذي تعارض مؤسسته سياسات نقابة الصحفيين العراقيين رئاسة النقيب مؤيد اللامي، يؤكد أن غالبية المؤسسات المحلية العراقية ترفض حتى الآن توقيع عقود رسمية ضامنة مع الصحفيين. بدلالة التسريح الجماعي المفاجئ الذي طال عشرات الصحفيين خلال الفترة الماضية، بناء على قرارات تتخذها المؤسسات الإعلامية فجأة ودون حتى إشعار الصحفيين في وقت مناسب.

يعتقد النقيب حسين أن عدم تطبيق الإجراءات القانونية المتعلقة بتوظيف الصحفيين يدفع المبتدئين منهم إلى القبول بالعمل كمراسلين حربيين. لكن عدنان حسين الذي يرأس النقابة، إعترف بأنه لا يعرف أي إحصائية عن أعداد المراسلين الحربيين، وليس لديه نسخة من العقود التي يُفترض ان تعمل عليها القنوات الإعلامية، كما أن نقابته لم تُقدم لوسائل الإعلام اية نماذج من العقود التي يجب أن تعمل بها.

أقامت النقابة الوطنية للصحافيين العراقيين على مدى السنوات الثلاثة الماضية 15 ورشة صحافية متنوعة في عموم العراق، وتعمل على انجاز مجموعة أخرى من ورش التدريب في بغداد واربيل خلال تشرين الثاني نوفمبر الحالي لكنها لم تقم بأية ورشة تدريبية تخص المراسلين الحربيين.

صحافيون بلا دروع

warrr

لا يخفي محمد عبود، مدير الأخبار السابق في قناة الفرات الفضائية الخاصة إن لدى القناة 12 مراسلاً حربياً يعملون في عدد من مواقع القتال. لكنها لا تمتلك سوى أربعة دروع، اثنين منهما تم شراؤهما بسعر 90 دولاراً للدرع الواحد، ويبرر عبود قلة عدد الدروع وعدم صلاحية بعضها، بأن القناة تعاني من ضائقة مالية، ويدلل على هذا بأن القناة كانت تدفع 85 دولاراً ثمنا للتقرير الحربي الواحد، لكنها خفّضته لاحقاً إلى 50 دولاراً، ثم إلى 35 دولاراً فقط في الوقت الحالي.

يعتقد مدير مرصد الحريات الصحافية زياد العجيلي أن التجربة العملية لتغطية المعارك في العراق، أثبتت الفرق الشاسع في التعامل ما بين المؤسسات العراقية، ونظيرتها الأجنبية والعربية، في مجال حماية المراسلين الحربيين.

لكن مدير أخبار (قناة الاتجاه) المحلية أحمد الصحن، يقول إن الأمر لا يتعلق بالقناة لوحدها، فالجزء الأهم يتعلق بالمراسلين، فهم في الغالب لا يلتزمون بإجراءات القناة أو تعليمتها، فالعديد منهم كانوا يدخلون للمناطق الخطرة رفقة الجنود المتقدمين للحصول على تغطية مؤثرة.

حصل هذا بحسب الصحن في عمليات تحرير مدينة تكريت عام 2015، فمراسلو القناة دخلوا للمدينة مع القوات المهاجمة، وتسببت الحادثة في مقتل سائق سيارة البث المباشر الـ(ٍSNG) الخاصة بالقناة برصاص قناص.

الأمر ذاته، يؤكده مهند العقابي، مسؤول إعلام قوات الحشد الشعبي العراقية. فهناك الكثير من المراسلين “يندفعون في تغطية المعارك دون أن يلتزموا بالخطة التي نضعها لهم، وغالباً ما يدخلون أماكن خطرة في توقيتات خاطئة”.

علي الرماحي مصور قناة الفرات الذي أصيب في معارك تكريت، يقول إن “سبب ما حدث له هو عدم امتلاك أي خبرة في تغطية المعارك، سوى تلك التي حصل عليها من خلال الممارسة. فالقناة لم تدربه في أي ورشة خاصة بالمصورين الحربيين أصلاً”.

يؤكد ما ذهب اليه الرماحي، زميله أمجد طليع، وهو مسؤول مراسلي قناة العراقية الممولة من الحكومة العراقية، فهو يقول ان المراسلين الحربيين الموجودين في الجبهات “لم يشاركوا في أية دورة حول السلامة المهنية”.

خبرة شخصية

يقول المراسل الحربي يونس البياتي، وهو صحافي مستقل، أن غالبية المراسلين المبتدئين الذين رافقوه في تغطية معارك شرقي العراق، لايعرفون كيف يتصرفون أثناء تغطيتهم للمعارك، فالكثير منهم كانوا يتقدمون مع القوات المهاجمة دون التقيد بإجراءات السلامة، وبعضهم كان يسير على جوانب الطرق التي يتعمد داعش تلغيمها بالعبوات الناسفة، ويتركون الطرق المحاذية للطريق ومجاري الأنهار، والتي تكون أكثر أماناً.

يتذكر البياتي أنه نجح في إقناع زملاء له بالانسحاب مسافة 200 متر عن النقطة التي حررها الجيش العراقي للتو. “قلت لهم أن المنطقة ستقصف، وفعلاً سقطت قذيفة هاون في المكان ذاته بعد انسحابهم بدقائق، فيما قتل وأصيب عدد من الجنود في الانفجار”.

ساعدت خبرة البياتي كضابط سابق في الجيش العراقي، في تحسين طريقته في تغطية الأخبار، وهي لم تكن أبداً، كما يقول البياتي، كنتيجة لخبرات تلقاها من القنوات التي عمل بها.

لا يعرف رعد المشهداني، وهو مراسل لقناة الرشيد الفضائية، نوع الحظ الذي لازمة لثلاث مرات في يوم واحد، لينجو من “ثلاثة ميتات” مؤكدة حين كان في طريقه لتغطية أخبار تحرير مدينة تكرير صيف عام 2015.

بينما تعاني مراسلة قناة الديار ندى المرسومي من الإحساس بالعجز والخوف من مع كل رحلة إلى جبهات القتال.

لم ترتدي المرسومي إلا في مرة واحدة، الدرع الواقي أو الخوذة، من بين عشرات التغطيات للمعارك، فالقناة التي تعمل فيها لم توفر لها أي شيء، “حتى التنسيق مع الجهات المعنية من أجل المشاركة في التغطية، كنت أنا من يتولى مسؤوليته”.

كانت إدارة القناة تبلغ المرسومي بأن عليها أن تتحمل مسؤولية نفسها إذا ما حصل لها أي شيء أثناء التغطية، وأن القناة غير مسؤولة عن ذلك.

أرقام ومواقف متضاربة

 يقول نقيب الصحافيين العراقيين مؤيد اللامي، أن نقابته دربت 300 صحافي على التغطية الحربية، لكنه رفض أن يُطلع كاتب التحقيق على قوائم أسماء المتدربين للتواصل معهم، ولا متى عقدت تلك الدورات.

فيما يشكك في ذلك رئيس النقابة الوطنية للصحافيين عدنان حسين، وهو أيضاً مسؤول في مؤسسة المدى التي تمتلك فضائية واذاعة ووكالة أنباء وصحيفة يومية ودارا للنشر. فحسين يؤكد ان هذا الرقم غير حقيقي، لأن مؤسسة المدى التي يدير إحدى وسائلها الاعلامية، وهي من المؤسسات الإعلامية الكبرى في البلاد، لا تمتلك ولو مراسل حربي واحد تدرب في نقابة الصحافيين خلال الورشات التي تحدث عنها اللامي.

يصر نقيب الصحفيين مؤيد اللامي على تبرئة ساحة النقابة التي يرأسها، فهو يرى أنه “ليس من واجبنا أن نزود الصحافيين بالخوذ والدروع، دورنا أن نُرشدهم فقط، والجهات الأمنية هي من تتحمل مسؤولية سلامتهم، فمثلما تحمي الضابط والجندي فعليها حماية الصحافي”.

يبرر اللامي أيضاً، عدم تزويد وسائل الاعلام لمراسليها بالدروع والخوذ، لأن “الوضع الاقتصادي الذي تمر به، يمنعها من شراء الخوذ والدروع لصحافييها”. ويرى اللامي أن “التحقيق في مقتل الصحافيين ومعرفة أسباب تعرضهم للإصابات أثناء تغطية النزاعات، ولماذا لم يرتدوا الخوذ والدروع، هو أيضا ليس من عمل النقابة”.

تم إنجاز هذا التحقيق بدعم وإشراف إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) – www.arij.net 


الصحفي



تعليقاتكم