الإثنين ٢٤ - سبتمبر - ٢٠١٨ ٠٨:٠٠ مساءً

المجندون الايزيديون الصغار: وقود داعش في معارك العراق وسوريا

10 نوفمبر 2015
ميلاد قاسمميلاد قاسم

ميلاد قاسم، رائد قيراني –

الحياة– كان الوقت شتاء، وأصابعي كانت تتجمّد على بدن البندقية حين أطلقت الرصاص على شاخص الرمي، متخيلاً أنه إيزيدي كافر، تماماً كما طلب مني تنظيم «داعش»، في تلك اللحظة شعرت بالفزع حين تراءى لي وجه أبي الأسير على ذلك الشاخص اللعين».

يوشك الصبي الإيزيدي نيسان رشو دربو، 11 عاما، أن ينهار وهو يحكي عن حجم الضغط النفسي والجسدي الذي تعرض له، جنباً إلى جنب مع حوالى 700 طفل إيزيدي جندهم التنظيم في معسكرات تدريب خاصة بالأطفال في مدن سلوك وتل أبيض والرقة السورية.

هرب دربو من معسكر الفاروق بالرقة في شباط (فبراير) 2015، مستغلاً التحاق معظم الحراس بمعارك مدينة كوباني السورية التي اندلعت آنذاك، ونجح لاحقاً في العودة إلى العراق مع طفلين إيزيديين وأمهما عبر الأراضي التركية من طريق مهربين عرب وأكراد، مقابل 10 آلاف دولار عن دربو، و15 ألف دولار عن المرأة وولديها.

مثله تماماً، تلقّى الأخوان المجندان راغب (13 عاماً) وغياد (11 عاماً)، تدريباً عسكرياً غاية في العنف أثناء وجودهما في معسكر الفاروق، تضمن الدخول في حلقات الاشتباك وطرق تفجير الأحزمة الناسفة، وفي وقت لاحق، ذبح الرهائن بالسكاكين.

1

يظهر غياد مع مسؤول تدريبات السلاح في المعسكر أبو عبد الله الجزراوي

يظهر غياد مع مسؤول تدريبات السلاح في المعسكر أبو عبدالله الجزراوي، في صورة خاصة جلبها معه من الأسر في هاتف من دون شريحة. فيما ظهر أخوه الأكبر راغب جالساً إلى يسار قيادي من تنظيم «داعش» في تسجيل فيديو دعائي عن معسكر الفاروق، بثه التنظيم في تموز (يوليو) 2015، ومنذ ذلك الوقت، صار راغب واحداً من أشهر المجندين الإيزيديين في معسكرات «داعش».

راجع كاتبا التحقيق هذا التسجيل لمرات عدة، أملاً بتحديد هوية الأطفال المجندين الذين ظهروا فيه، وأيضاً، لتحري مصير الطفل بركات قيراني، وهو ابن عم أحد كاتبي التحقيق كان تنظيم «داعش» أسره مع حوالى 5800 مواطن إيزيدي إبّان احتلاله منطقةَ سنجار في 3 آب (أغسطس) 2014.

كانت رحلة البحث عن الطفل بركات مفتاحاً أساسياً لدخول عالم المجندين الصغار الفارين من معسكرات التدريب، فغالباً ما كان الوسطاء يسهّلون مهمة العثور على أماكن وجود هؤلاء المجندين وترتيب اللقاءات معهم، تعاطفاً مع قصة الفتى بركات، فيما كان المجندون يبدون مرونة كبيرة في الحديث عن حياتهم في معسكرات التدريب، مع من يعتقدون أنه اكتوى بنيران «داعش» مثلهم.

على رغم الانكسار الذي بدا على راغب وغياد أثناء حديثهما عن أيام الأسر، كانا أكثر ثباتاً وإدراكاً من الأطفال الآخرين الذين قدموا شهاداتهم في هذا التحقيق، ومنهم الطفل المجند سلام عيسى (7 أعوام) الذي لم يقضِ سوى أسابيع متقطعة في معسكري القاقة والفاروق بين شباط ونيسان (أبريل) الماضيين، لكن عمره الصغير لم يسعفه في تخطي محنة الأسر بسهولة.

ظلّ سلام نحو شهرين بعد عودته من الأسر، يؤدّي الطقوس ذاتها التي تعلمها في معسكرات التدريب، فمع كل وقت للصلاة كان يتوضّأ، ثم يفرش منشفة أو قطعة قماش على الأرض ويبدأ الركوع والسجود كيفما اتفق، وهو يتمتم كلمات عربية وكردية غير مترابطة.

وتوضح الصور التي حصل عليها كاتبا التحقيق من والد سلام، شكل الحياة التي كان يعيشها ابنه في الأسر، ففي كل الصور تقريباً كان سلام يحمل مسدساً أو بندقية تفوق حجمه الصغير، مرتدياً ملابس مرقّطة أو سوداء أسوة بمقاتلي «داعش».

ويظهر تسجيل الفيديو الخاص الذي التقط لسلام بجهاز موبايل، حجم الاندماج الذي كان يعيشه مع مقاتلي «داعش»، ففي هذا التسجيل الذي لا تتعدّى مدته 21 ثانية، يبدو سلام مسروراً وهو يردد الشعار الذي عرف به التنظيم «دولة الإسلام… باقية».

ويبدو سلام في إحدى الصور الخاصة، وهو يتشارك مع رفيقه الطفل الإيزيدي المجند غياث خدر (8 أعوام) حمل لافتة كبيرة للتنظيم.

غياث تحوّل بعد عودته إلى العراق في تموز الماضي، إلى طفل «عدواني جداً»، كما تقول والدته التي عادت من الأسر في نهاية الشهر ذاته، بعد افتراقها عنه نحو عام.

كان غياث يشتم الإيزيديين حين يغضب ويصفهم بالكفار، وتطلّب الأمر وقتاً، كما تقول والدته، كي تخفف العائلة من طباعه الحادة.

راغب وغياد وغياث ودربو وسلام، وعشرة من المجندين العائدين أدلوا بشهاداتهم في هذا التحقيق، ومعهم حوالى 700 طفل إيزيدي ما زالوا أسرى لدى تنظيم «داعش»، كانوا ضحايا لانتهاكات نفسية وجسدية، وعمليات تغيير عقائدي قسري، وبرامج تدريب عسكرية صارمة، وسط عجز حكومي ودولي عن رعاية العائدين منهم أو إنقاذ المتبقين في الأسر، وهو ما يهدد بتحولهم إلى مقاتلين متشددين، أو قنابل موقوتة قد تنفجر داخل مجتمعاتهم في أي وقت.

 بداية قصة الأسر… مجزرة

وقع غياث أسيراً لدى تنظيم «داعش» يوم 3 آب 2014، وهو اليوم الذي هاجم فيه التنظيم البلدات والقرى الإيزيدية في منطقة سنجار شمال العراق، فقتل 1280 إيزيدياً في مقابر جماعية، أو ذبَحهم في الطرقات، وأسر 5838 آخرين، مقسمين بواقع 3192 أنثى و2646 ذكراً، وفق مدير دائرة الإيزيديين في كردستان خيري بوزاني.

يومذاك، كما يتذكر الطفل غياث، «كان الآلاف من الإيزيديين يركضون على طول الطريق المؤدي إلى جبل سنجار، نساء ورجالاً وأطفالاً وشيوخاً، وكثرٌ منهم كانوا حفاة ويحملون على ظهورهم أطفالاً أو عجائز، كان يوماً يشبه يوم القيامة».

وفق شهادات وثّقها كاتبا التحقيق من ناجين إيزيديين وتقارير دولية، انسحبت قوات البيشمركة الكردية في ليلة 2 – 3 آب من دون إبلاغ السكان الإيزيديين، وهذا ما سمح لتنظيم «داعش» بالهجوم على المنطقة التي تعد موطناً تاريخياً للإيزيديين، وقتل وأسر من تمكن من اللحاق بهم، ومحاصرة أكثر من 200 ألف إيزيدي على قمة جبل سنجار نحو 8 أيام، مات خلالها المئات منهم من الجوع والعطش، قبل أن ينقذهم فصيل كردي سوري مسلّح فتح لهم طريقاً آمناً باتجاه الأراضي السورية، ومنها نقلهم إلى كردستان العراق.

سلام في أسر داعش

سلام في أسر داعش

بالكاد كانت عائلة غياث وصلت إلى منزل على سفح الجبل حين داهمتها ثماني سيارات يستقلها عناصر تنظيم «داعش»، كما تتذكر جدة غياث، «كان وصل المكان قبلنا حوالى 80 إيزيدياً تمهيداً للصعود إلى قمة الجبل، لكن عناصر التنظيم صافحوا الرجال واقتادوهم خارج المنزل، وحجزوا النساء والأطفال في الداخل».

كان غياث يمسك بيد جده حين سحبه مقاتل وأعاده مع النساء والأطفال، وبعد دقائق، «سمعنا أزيز رصاص من جانب المنزل»، يتذكر غياث، «حينذاك أخذت النساء تصرخ وتضرب على الوجوه، فعرفت أنهم قتلوا جدي وأعمامي وباقي الرجال، وحين بدأوا إطلاق النار في شكل متقطع، كانت عمتي تصرخ وتقول أنهم يُجهزون الآن على الجرحى».

نقل مقاتلو «داعش» الأطفال والنساء في جرارات زراعية إلى بلدة تلعفر التركمانية المجاورة لسنجار، ومنها نقلوهم إلى سجن بادوش القريب من مدينة الموصل، وهناك حيث رائحة الموتى الذين قتلوا في السجن بعدما استولى عليه التنظيم في 10 حزيران (يونيو) 2014، «كانت المياه المتبقية في أوعية السجن صفراء، ورائحتها نتنة»، كما يتذكر غياث، «ولم يعطونا إلا القليل جداً من الطعام حتى كدنا نموت من الجوع والعطش».

بعد نحو أسبوعين، أخذ مقاتلو «داعش» ثلاثاً من عمات غياث مع المئات من الفتيات غير المتزوجات، وأعادوه مع أمه وعمته وجدته إلى تلعفر التي افترق فيها عن أمه وأخته الصغيرة بعد نقلها مع مئات النساء للعمل خادمات لديهم في سورية، وبدأ هو وعمته رحلة أسر مريرة امتدت أكثر من 11 شهراً، التحق خلالها في معسكرات سلوك وتل أبيض والفاروق وخضع للتدريب العقائدي والعسكري أسوة بكل الأطفال الأسرى الذين تتجاوز أعمارهم الست سنوات.

 سبايا وعبيد ببضع مئات من الدولارات

تشبه قصة غياث في معظم تفاصيلها، قصص الأطفال الـ14 الذين قدّموا شهاداتهم في هذا التقرير من منتصف تموز حتى نهاية الشهر الماضي، وهي تشبه أيضاً قصص رفاقهم الأطفال المجندين الذين يتدربون الآن في معسكرات «داعش» في المدن السورية، فهم في معظمهم رافقوا أمهاتهم أو نساء من عائلاتهم في الأسر، وتعرضوا معهن لإذلال البيع والشراء لمرات متعددة لعناصر من «داعش» أو رجال يسكنون المدن التي يحتلها التنظيم.

حتى هذه اللحظة، يتذكر الطفل سفيان قاسم (اسم مستعار) إحساسه بالمهانة حين انتزع مقاتلو «داعش» في سجن بادوش، ثلاثاً من أخواته غير المتزوجات، وأخذوهن مع المئات من الفتيات الإيزيديات إلى سورية.

ويروي والد الطفل المجند فواز، بكثير من الحزن والحرج، كيف أن الرجل الذي اشترى زوجته كان يفتح سبيكر جهاز الموبايل أثناء الاعتداء عليها جنسياً، ويهدده بإلغاء شريحة الموبايل وقطع التواصل مع زوجته وابنه فواز إذا أغلق خط الهاتف، «كنت أشعر بالذل وأتمنى الموت، لكنني كنت مجبراً على أن أصمت كي لا يضيع مني فواز وأمه».

الأطفال المجندون في معظمهم الذين التقاهم كاتبا التحقيق، كانوا يتحدثون بانكسار عن تفاصيل الأحداث التي عاشوها في الأسر مع قريباتهم: الصوت خفيض، العيون تتحرك في أكثر من اتجاه قبل الإجابة عن الأسئلة، الكلمات مترددة، وأحياناً، مجرد صمت.

الباحث الإيزيدي نورس هسكاني، يرى أن متابعة الأطفال الأسرى عملياتِ البيع والشراء التي تعرضت لها قريباتهم، وغالباً بأسعار بخسة قد لا تتعدى 300 أو 400 دولار، وفي الكثير من الأحيان تعرضهن لاعتداءات جنسية متكررة على يد مالكيهن، يمكن أن توضح فداحة الانتهاكات النفسية التي تعرضوا لها، وكيف يمكن أن تؤدي في المستقبل إلى الدفع بهم للانتقام ممن يعتقدون أنهم تسبّبوا بذلك.

يتجنّب معظم الأطفال الإيزيديين الخوض في هذه التفاصيل، لكن أربعة منهم على الأقل قالوا صراحة أنهم لن يغفروا لأحد من المتسببين في هتك أعراضهم، وأنهم لن يفوّتوا فرصة إذا ما أتيح لهم فعل ذلك في المستقبل.

 دروس العقيدة

في معسكر الفاروق، كما يتذكر الطفل كمال حجي رشو (13 عاماً) كان الأطفال الإيزيديون الذين يصل عددهم إلى حوالى 150، يتلقون دروساً مطولة في تلاوة القرآن وتفسيره وأصول العقيدة، قبل خضوعهم بقية النهار لتدريب عسكري عنيف.

يبدأ يوم التدريب عادة، كما يتذكر المجند كمال، بإيقاظ الأطفال الإيزيديين لأداء صلاة الفجر، ثم يسمح لهم بالعودة إلى النوم لوقت قصير، قبل الاستيقاظ مرة أخرى والتوجه إلى قاعات التدريب العقائدي ودروس تلاوة القرآن وتفسيره.

في معسكر تلعفر العراقي، وهو المعسكر الأول الذي دخله كمال وأخوه جمال (11 سنة) قبل انضمامها إلى معسكر الفاروق السوري، كان الأطفال الذين لا يجيدون تلاوة القرآن وحفظه، يعاقبون بالضرب على الأيدي بمساطر حديد أو خشب، ثم يحبسون في خزانات الكتب المدرسية.

تعرض كمال وجمال للضرب مراراً، وحُبس الأخير مرّتين في خزانة الكتب المدرسية، لأنه كان يجد صعوبة في فهم الكثير من كلمات اللغة العربية التي تستخدم كلغة للتدريس.

لم يكن يُسمح للأطفال الإيزيديين التحدث باللغة الكردية، وهي اللغة التي يتحدث بها الإيزيديون، وكان يُفرض عليهم ارتداء الزي الأفغاني المعروف أو الملابس المرقّطة، وهذا يعود كما يرى الباحث في شؤون الجماعات المسلحة نامق عباس، إلى حرص التنظيم على اقتلاع الأطفال الإيزيديين من جذورهم، وتعويدهم على العيش ذات النمط المتشدد الذي فرضه في كل المناطق التي يحتلها.

يتذكّر الطفل المجند خديدة صابر (10 سنوات)، أن المناهج الدراسية في معسكرات «داعش» كانت مستمدة من الأفكار التي تركز على فقه الجهاد والحرب وقتال الكافرين.

من بين كل الأطفال المجندين الذين أدلوا بشهاداتهم في هذا التحقيق، كان خديدة هو الأكثر إدراكاً لطبيعة الدروس العقائدية وأكثرهم إتقاناً للغة العربية، وهو ما مكنه، وفق قوله، من مجاراة مدربيه طوال فترات التدريب العقائدي.

تركز الدروس العقائدية في مضامينها، كما يتذكر خديدة، على أهمية إخضاع الكتابيين للحكم الإسلامي، وقتال المشركين والمرتدين وتطبيق حكم الله فيهم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وأطفالهم وأخذ أموالهم غنائم للمسلمين، وتلقيننا أن الإيزيدية هي ديانة شركية وينبغي إرغام أتباعها على الدخول في الإسلام، أو قتلهم إذا رفضوا ذلك.

يرى الباحثون أن الإيزيدية هي ديانة توحيدية ظهرت قبل الإسلام بنحو 2500 سنة، وهي تتشارك مع الديانتين الإسلامية والمسيحية في طقوس متعددة مثل الختان وذبح الأضاحي وتحريم لحم الخنزير والتعميد وغيرها، لكن بسبب سوء فهم نظام اللاهوت الإيزيدي وتشابه بعض الطقوس والتعاليم مع المانوية والزرادشتية، وُصف الإيزيديون بأنهم «عبدة الشيطان»، وتعرضوا بسبب هذه التسمية للاضطهاد على امتداد تاريخهم.

يعترف الطفل المجند سلام جيجو (11 عاماً)، والذي عاد من الأسر في أيلول (سبتمبر) 2015، بأنه كان يوشك على الإيمان بأفكار تنظيم (داعش) في مراحل متعددة من فترة أسره التي استمرت قرابة 13 شهراً، فقياساً إلى التكرار على امتداد 4 ساعات يومياً طوال فترة الأسر، كان من الصعب مقاومة الأفكار التي تتضمنها الدروس، لكن في النهاية، كما يقول جيجو: «لم أكن مقتنعاً باعتناق أي دين تحت تهديد السلاح».

لكن مجندين آخرين، كما يتذكر جيجو، لم يصمدوا أمام الدروس العقائدية وتأثروا عميقاً بأفكار التنظيم، وبعضهم ذهب لاحقاً للقتال في صفوفه بمدينة كوباني.

واحد من هؤلاء، كان الطفل المجند قاسم سيدو (12 عاماً)، والذي رفض العودة مع أمه وأختيه الصغيرتين بعد أن نجح المهرب في إيصالهم إلى نقطة العبور الأخيرة على الحدود السورية – التركية.

تتذكر أم قاسم (41 عاماً)، أنها رأت ولدها خمس مرات فقط خلال أربعة أشهر قضاها مجنداً في معسكر الفاروق، وفي المرتين الأخيرتين «كان غليظاً معي، وكانت تفلت من لسانه عبارات عرفت منها أنه بدأ يكره الإيزيديين لأنهم ضعفاء وليس لديهم عقيدة صحيحة».

لم يكن قاسم متحمساً للعودة إلى العراق حين تم الاتفاق بين مالكها والمهرب السوري على تهريبهما إلى العراق، وكان يسألها على الدوام: «لماذا نعود للعيش مع الإيزيديين؟».

الأمر ذاته حدث مع الإيزيدي سالم خدر (52 عاماً)، فبعد أن وصل إلى اتفاق عبر وسطاء في سورية لإطلاق سراح ولده خيري مقابل 15 ألف دولار، أبلغه الأخير عبر الهاتف بأنه صار مجاهداً ولا يريد العودة إلى «فسطاط الكفر» للعيش فيه مجدداً. يقول خدر: «أبلغني أنني أصبحت غريباً عنه، وأنه لن يتردد في قتلي إذا واصلت الإلحاح على إعادته إلى العراق، وطلب مني أن أنساه إلى الأبد».

لا يخفي المجند الإيزيدي الصغير نوزاد نايف (13 سنة)، أنه بات الآن خبيراً في الصنوف القتالية التي تدرب عليها، خلال وجوده في معسكرات تلعفر والقاقة والفاروق بالرقة السورية.

فهناك، تلقى نوزاد مع أخيه آزاد (11 سنة) تدريبات قاسية، بدأت بتفكيك وتركيب الأسلحة الرشاشة وعبور الإطارات المشتعلة بالنيران والزحف تحت الأسلاك الشائكة وسط إطلاق الرصاص الحي، وانتهت بتعلم الأساليب التي يتبعها تنظيم «داعش» في قطع الرؤوس.

 ذباحون

يتذكر نوزارد أن التدريبات القتالية في كل المعسكرات التي دخلها كانت متناظرة تقريباً، لكن في معسكر الفاروق أضيف إليها نوع خاص من التدريب الوحشي، يتمثل في كيفية تثبيت أطراف الرهائن من أقدامهم وأياديهم، ورفع رؤوسهم إلى أعلى عن طريق سحب شعر الضحية من مقدم رأسه، ثم قطع الرقبة بالسكين من فوق الحنجرة.

لم يكن التدريب يطبق على رهائن حقيقيين، بل على دمى شبيهة بتلك المعروضة في محلات بيع الملابس، وكان يترافق عادة كما يقول نوزاد، مع عرض تسجيلات فيديو لعمليات ذبح رهائن سبق أن نفذها ذباحو «داعش» في مدن عراقية وسورية.

في وقت لاحق، تضمنت التدريبات التي يتلقاها المجندون، كيفية إخفاء الأحزمة الناسفة تحت الملابس للوصول إلى المكان المستهدف، ثم تفجيرها عن طريق سحب صاعق التفجير. وأيضاً، صولات قتالية لمهاجمة مواقع الأعداء كانت تنفذ باستخدام الرصاص الحي.

يؤكد المجند راغب الياس، أن التدريبات القتالية التي كان توقيتها بعد الدروس العقائدية مباشرة، كانت تستمر لغاية الخامسة عصراً، وقياساً على طول فترة التدريب بالنسبة لأطفال صغار كالمجندين الإيزيديين، كما يقول راغب، كان التدريب هماً يومياً يزيد من قساوة محنة الأسر التي كان الأطفال يعيشونها.

ينفي راغب أنه كان متدرباً متميزاً في معسكر الفاروق، كما أشيع بعد ظهوره في تسجيل دعائي لمعسكر الفاروق بثه «داعش» في تموز (يوليو) 2015، فكل ما حصل، كما يقول راغب، هو أن القيادي الداعشي الذي ظهر في التسجيل على أنه أمير المعسكر، «جلس قربي بمحض الصدفة فقط».

لم يكن هذا الشخص معروفاً للأطفال في المعسكر، كما يقول راغب، فقد جاء قبل نحو شهر من عرض الفيلم، مع طاقم تصوير مؤلف من أربعة أشخاص يحملون كاميرات تلفزيونية، وقاموا بتصوير التدريبات على مدى ساعتين، بحضور «أمراء» بارزين مثل أبو عمر وأبو ماما وأبو قتيبة، ثم غادروا المعسكر بعد انتهاء التصوير دون أن يراهم أحد مرة أخرى.

تكشف الطريقة التي جرى فيها تصوير وعرض الفيلم الخاص بمعسكر الفاروق، كما يعتقد الباحث نامق عباس، اهتمام تنظيم «داعش» بالترويج لنشاطاته العنفية، إما لترهيب الأعداء، أو لكسب المزيد من المتطوعين الصغار إلى جانبه، عبر تسويق فكرة البطولة والرجولة المبكرة التي يتمتع بها المجندون الذين يتدربون في المعسكر.

يحكي غياد أن معسكرات التدريب لم تكن تقتصر على المجندين الإيزيديين، ففي كل معسكر تقريباً، كان هناك العشرات من الأطفال المسلمين الذين يأتون صباحاً للانضمام إلى حلقات التدريب، ويغادرون قبيل المساء.

كان التنظيم يسمح للأطفال المسلمين بالمغادرة حتى أثناء وقت التدريب، على العكس من المجندين الإيزيديين الذين كانت عليهم المشاركة في ساعات التدريب، ثم المبيت في المعسكر، كما يتذكر غياد.

 الهروب

في الوقت ذاته الذي كانت فيه الشاشات العربية والعالمية تتناقل تسجيل «داعش» الدعائي لمعسكر الفاروق، كان راغب في طريقه للهروب عبر الحدود السورية التركية، مع أمه وأخيه الصغير غياد.

كان راغب قد وصل نهاية العام الماضي إلى مدينة سلوك السورية، وافترق هناك عن أخيه غياد وأمه لنحو ستة أشهر قضاها في معسكر تدريب سلوك، قبل أن يشتريهما رجل نافذ من أمراء «داعش» وينقلهما للعيش معه في منطقة ست الفاروق بمدينة الرقة، وهناك، كانت بداية انضمامه مع غياد إلى معسكر الفاروق.

بعد أربعة أشهر تقريباً، عاد القيادي الداعشي وباع الثلاثة إلى مقاتل آخر، وقام الأخير بعد أقل من شهر ببيعهم إلى رجل سوري تبين أنه كان يتاجر ببيع الأسرى إلى عوائلهم في العراق.

في البداية، لم ينجح المهرب السوري في تأمين عبورهم إلى الأراضي التركية، بعد أن كشفهم رجال الجندرمة وأطلقوا النار عليهم، وحين افترق عنهم المهرب ليلتها، قدر للعائلة الهاربة أن تصادف مهرباً كردياً من أهالي عفرين، تولى عملية تهريبها إلى تركيا بمساعدة عناصر من فصيل كردي سوري مسلح، ومن هناك أكمل صفقة الإنقاذ بتسليم راغب وعائلته إلى أقاربهم في معبر ابراهيم الخليل الفاصل بين العراق وتركيا، مقابل 15 ألف دولار.

يتجنب راغب وغياد ومعظم الإيزيديين الهاربين، الكشف عن هوية الأشخاص الذين ساعدوهم في الخلاص من «داعش»، حفاظاً على سلامتهم، بمن فيهم المهربون أنفسهم.

لكن قصة هروب الفتى نوزاد وعائلته من الأسر، تشرح كيف أن المختطفين الإيزيديين كانوا يتلقون في مراحل متعددة مساعدة من سكان محليين سوريين، رغم المخاطر التي تكتنف هذا النوع من المساعدات التي يعاقب عليها «داعش» بالموت أحياناً.

في شباط (فبراير) 2015، استغل نوزاد فرصة التحاق معظم مقاتلي معسكر الفاروق بمعارك مدينة كوباني، وهرب من المعسكر مع أخيه آزاد وتوجها لاصطحاب والدتهما التي كانت محجوزة في شقة يمتلكها رجل من حلب كان قد اشترى العائلة الأسيرة، حين كانت في مدينة سلوك.

بمساعدة أشخاص، تجنب نوزاد ذكر هوياتهم، وصلت العائلة إلى مدينة منبج السورية، ومن هناك تمكن نوزاد من الاتصال بعمه عيدو من محل لخدمة الانترنت، فقام الأخير بإرسال مهرب تمكن من تهريبهم خارج المدينة باتجاه الحدود السورية التركية، لكنه فشل في تأمين عبورهم الحدود، فتركهم وغادر المكان.

لم تجد العائلة الهاربة أمامها إلا العودة إلى منبج ومعاودة الاتصال بعم نوزاد في العراق، وعلقت هناك لثلاثة أيام في ضيافة عائلة تعاطفت معهم، قبل أن يتمكن عم نوزاد من إرسال مهرب جديد لتهريبهم من منبج، وأبلغهم أنهم سيتعرفون عليه حين يدخل محلاً معيناً لبيع خطوط الهاتف، ويطلب من صاحب المحل «خطاً هاتفياً تركياً».

يتذكر نوزاد، الرعب الذي كان يعيشه بانتظار وصول المهرب، ففي أية لحظة كان ممكناً أن يتعرف عليهم مقاتلو «داعش» ويلقون القبض عليهم، وحين وصل المهرب وطلب خط الهاتف التركي، تبعه نوزاد وعائلته حين خرج لمسافة 200 متر كانت في نظر نوزاد تعادل ألف كيلومتر.

نقل المهرب العائلة في سيارته التي كان قد ركنها بعيداً، وتوجه بهم إلى خارج منبج، حيث كان بانتظارهم رجل من أكراد كوباني يدعى سالم حجي (اسم مستعار)، بدأ معهم رحلة هروب استغرقت يومين كاملين.

وافق حجي الذي وصل إلى ألمانيا مؤخراً طلباً للجوء، على التحدث عبر برنامج سكايب مع كاتبي التحقيق عن قصة تهريبه لنوزاد وآزاد وأمهما، وزودهما بصور خاصة توثق جزءاً من عملية الإنقاذ.

يكشف حجي أنه تلقى اتصالاً من أحد معارفه يخبره عن فشل عملية هروب عائلة إيزيدية من منبج، وأنها قد تقع في أية لحظة في يد تنظيم «داعش»، وهو ما دفعه لتأمين مهرب محلي من أهالي منبج، ليتولى تهريبهم من المدينة وتسليمهم إليه، ولضمان نجاح العملية، زوده بكلمة السر المتفق عليها، «خط الهاتف التركي».

تولى حجي بعد خروج العائلة من منبج، مهمة نقلهم إلى الحدود السورية التركية، لتأمين عبورهم من الحدود بحجة أنهم عائلته التي يريد إيصالها إلى تركيا هرباً من معارك كوباني.

على نقطة الحدود، تعرض حجي إلى ابتزاز من قبل اثنين من المهربين طلبا أموالاً كي لا يفضحوا عملية الهروب، كان أحد المهربين لا يعرف سوى اللغة العربية، والثاني لا يعرف سوى اللغتين التركية والكردية، ما اضطر حجي إلى القيام بدور المترجم بينهما للوصول إلى اتفاق يرضي الأطراف الثلاثة، وهو دفع 1250 دولاراً لكل منهما، مقابل تأمين العبور للطرف التركي.

عاد حجي مع العائلة الهاربة إلى منزله في جرابلس لتأمين المبلغ، وفي اليوم التالي عبر بالعائلة إلى تركيا بمساعدة المهربين وأحد رجال الجندرمة التركية، ومن هناك انتقل بهم إلى مدينة سلوبي المحاذية للعراق، ومنها إلى معبر ابراهيم الخليل الحدودي حيث سلم العائلة إلى عم نوزاد.

لم تكن كل عمليات هروب الأطفال الإيزيديين ناجحة، فحجي يقول أن عملية أخرى لإنقاذ إحدى العوائل الإيزيدية، باءت بالفشل ولا يعرف مصير العائلة ولا المهرب حتى الآن.

أيضاً، يتذكر الطفل المجند سلام جيجو، أن أخوين إيزيديين حاولا الهرب من معسكر الفاروق، فاعتقلهما مقاتلو التنظيم وأعادوهما إلى المعسكر حيث سجنوهما في سجن منفرد قرابة أسبوعين، وفرضوا عليهما عقوبات وصلت إلى حد إبقاء رأسيهما في دورات المياه لساعات كل يوم، وحين عادا من الحجز الانفرادي، كما يتذكر جيجو، «كان أحدهما يضرب رأسه بالجدار لينهي حياته من شدة التعذيب الذي تعرض له».

في معسكر سلوك، كان الأطفال يهرعون للركض خلف الطائرات المنخفضة لقوات التحالف وهم يطلبون إنقاذهم، لكن دون جدوى، كما يتذكر الطفل خديدة الذي لا ينسى حتى الآن كيف كان مقاتلو التنظيم يهزأون من الأطفال ويقولون لهم أن أحداً لن يتمكن من إنقاذهم يوماً من الأيام.

 محنة في المخيمات الإيزيدية

لجأ نوزاد وآزاد وأمهما بعد وصولهما إلى العراق، إلى مخيم خانك بمدينة زاخو الكردية، لكن قسوة الحياة والحرمان كما يعتقد نوزاد لم تختلف كثيراً عن قسوة الحياة في ظل «داعش»، باستثناء أنه وأخاه ما عادا يخضعان للتدريب.

حالهم حال معظم الإيزيديين العائدين من الأسر، يعيش نوزاد وازاد وراغب وغياد وجيجو وخديدة والمجندون الآخرون، في ظروف معيشية قاسية، وإهمال كبير، حتى أن الطفل غياث ما زال يرتدي الملابس ذاتها التي جلبها معه من الأسر.

غالبية عوائل المجندين الصغار لا تجد قوت يومها، ولا تمتلك في خيمها أبسط مقومات الحياة، كما لاحظ كاتبا التحقيق، كما أن الكثير منهم ما زال يرزح تحت ديون ثقيلة لأقارب ومعارف ساهموا في جمع الأموال التي دفعت للمهربين، وينتظرون من عوائل المجندين الأطفال سدادها للاستفادة منها لاحقاً في شراء بناتهم أو أطفالهم من تجار الأسرى.

يقول حسن قائيدي، مسؤول شؤون المختطفين في مكتب رئيس وزراء كردستان، أن التعويضات دفعت وستدفع لاحقاً لكل من تم تحريرهم من «داعش»، فيما يؤكد خيري بوزاني مدير دائرة شؤون الإيزيديين الكردستانية، أن التعويضات ستدفع حصراً للمختطفين الذين تم إنقاذهم عبر مكتب رئيس الوزراء، ولن تشمل من تحرروا عبر عوائلهم مباشرة.

في كل الأحوال، ما زالت أزمة الديون المترتبة على إطلاق سراح المختطفين تمتد لتشمل الكثير من العوائل التي حررت أطفالها أو بناتها من الأسر، وهي مبالغ تصل في الغالب إلى ما بين 10 آلاف إلى 20 ألف دولار.

عانى الإيزيديون في شكل عام من الفقر والحرمان على امتداد تاريخهم الحديث، فمنذ رحلهم النظام السابق من قراهم عام 1975 وقام بتجريف أراضيهم وطمر ينابيعهم وأسكنهم في مجمعات قسرية، وحتى سقوط النظام عام 2003، كان الإيزيديون من أكثر الفئات العراقية تهميشاً وعدم استقرار، ومع احتلال «داعش» مناطقهم مطلع آب (اغسطس) 2014، خسروا كل ما تبقى لهم، وفق الباحث خالد تعلو القائيدي.

 غياب برامج التأهيل

ينتقد مسؤول شؤون المختطفين الإيزيديين حسن قائيدي، الحكومتين العراقية والكردستانية والمجتمع الدولي، لأن أحداً لم يقدم يد المساعدة للمختطفين العائدين، باستثناء مكتب رئيس وزراء كردستان.

التقى قائيدي بأربعة من الأطفال المجندين العائدين، ولاحظ أن أفكارهم كانت مشوشة وأوضاعهم تبعث على القلق، فمن خلال إجادتهم التعامل مع السلاح وما يحملونه من أفكار تفصيلية عن الجهاد والكفر والإيمان، يبدو واضحاً، كما يقول قائيدي، أنهم تأثروا بالأفكار المتطرفة لتنظيم «داعش»، ويمكن أن يتحول العديد من الاطفال الإيزيديين المجندين في معسكرات «داعش» إلى إرهابيين خطرين في حال بقي ملفهم مهملاً.

في ظل غياب برامج التأهيل، يراهن قائيدي على عوائل المجندين الصغار لتوعيتهم وإعادتهم إلى حالتهم الطبيعية، فالمبالغ المتاحة، بالكاد تكفي لإدامة عمليات إنقاذ الأسرى الإيزيديين، وعلى الحكومة الاتحادية وحكومة كردستان والمنظمات الدولية أن تتكفل هي برعاية الأطفال المجندين وتقديم المساعدة النفسية لهم.

لكن المسؤول في وزارة الأوقاف الكردستانية خيري بوزاني، يقول أن إعداد البرامج التأهيلية الخاصة بالأطفال المجندين، يحتاج إلى جهود أوسع بكثير مما هو متاح في العراق، فمن دون مساعدة أممية جادة، لن يكون ممكناً تجاوز هذه الأزمة المقلقة.

المتحدث باسم الحكومة العراقية سعد الحديثي، يؤكد أن الحكومة تتابع عن كثب ملف الأطفال الإيزيديين المجندين لدى «داعش»، وهي تنسق في شكل متواصل مع المنظمات الدولية لضمان إعداد برامج تأهيل متقدمة، تكفل إعادة هؤلاء المجندين إلى وضعهم الطبيعي قبل وقوعهم في الأسر.

الحديثي يقول أن الأطفال المجندين العائدين، يعيشون الآن في مخيمات النازحين التي تديرها حكومة كردستان، وهناك تنسيق عال في مسألة تأمين المساعدات لهم، لكن معالجة موضوعهم تحتاج إلى تعاون أوثق ومساعدة دولية يتيحان لنا دمج الخبرات الوطنية العراقية، بخبرات منظمات عالمية متخصصة، سبق لها أن نفذت برامج من هذا النوع في بلدان واجهت مشكلة تجنيد الأطفال.

يؤكد الباحث الاجتماعي ولي الخفاجي، المدير الأسبق لسجن الأحداث في العاصمة بغداد، أن برامج التأهيل تحتاج فعلاً إلى خبرات دولية عالية لإعدادها وتطبيقها، فحجم الانتهاكات التي تعرض لها الأطفال الإيزيديون المجندون فادحة جداً، ومعقدة في كل تفاصيلها، ولا يمكن التكهن بمدياتها بالطرق العادية.

الخفاجي شارك في وقت سابق في برامج تأهيل أطفال جندهم تنظيم «القاعدة» في النزاعات الطائفية بين عامي 2006- 2008، لكنه يؤكد أن الحالة الإيزيدية «غير مسبوقة بالنسبة لنا»، فهناك الكثير من العوامل المثبطة لنجاح برامج التأهيل المتعارف عليها، أبرزها عوامل الشعور المستمر بالإذلال نتيجة اطلاع الأطفال على عمليات بيع وشراء قريباتهم، وتعرضهن المستمر للاعتداءات الجنسية، وآثار الحرمان من الحرية والإحساس المتراكم بالعبودية لفترات طويلة، وهو ما كسر فيهم الاعتداد بالنفس أو احترام الذات.

يضيف الخفاجي إلى هذه العوامل، عامل الانتقال الحاد في نمط التفكير الديني، «من نظرة مسالمة إلى نظرة عنفية تبرر قتل المخالفين أو قطع رؤوسهم، وهو ما يعني أن الفترة الزمنية للعلاج قد تمتد إلى نحو ثلاثة أو أربعة أعوام أو أكثر، على العكس من الحالات التي أشرفنا عليها سابقاً والتي كانت تحتاج إلى عام أو عامين».

لكن في ظل الإهمال والفقر وسوء المعيشة واستمرار اختطاف أكثر من 3 آلاف إيزيدي وإيزيدية، كما يعتقد الباحث سالم خالد شمو، سيكون من الصعب توقع نجاح برامج تأهيل الأطفال المجندين، خصوصاً مع تراكم الشعور بالكراهية لدى الأطفال المجندين تجاه مجتمعهم وباقي مكونات العراق، وهو ما يعتقد الباحث شمو أنه سيدفع باتجاه تأجيج الرغبة بالانتقام وربما نشوء صراعات محلية، سيكون وقودها بلا شك، الأطفال الذين ما زالوا يشعرون بالعسف النفسي ويمتلكون في الوقت ذاته قدرات قتالية تعلموها على يد أكثر التنظيمات توحشاً في العصر الحديث.

حين كان العمل على هذا التحقيق يوشك على الانتهاء، علم كاتبا التحقيق أن اثنين من المجندين الهاربين من معسكرات «داعش»، وهما وعد ورعد خيري سليمان، وصلا إلى مخيم قاديا القريب من مدينة زاخو الحدودية، وخلال الرحلة التي استغرقت نحو ثلاث ساعات بالسيارة، عبر طرق وعرة للوصول إلى المخيم، كان الأمل قائماً بالحصول على معلومات جديدة، يمكن من خلالها كشف المزيد من واقع الأطفال المجندين ممن بقوا أسرى في قبضة «داعش».

كان الطفلان استدعيا من قبل جهاز الأمن الكردي (الاسايش)، للإدلاء بمعلوماتهما عن التنظيم.

رفض خالهما الحديث عن أية تفاصيل، أو إجراء أية مقابلة معهما إذا ما عادا لاحقاً، لكن بمحض الصدفة، عرض خال الطفلين صوراً كانت في هاتف بلا شريحة جلبه الطفلان العائدان معهما من المعسكر، ومن بين عشرات الوجوه التي ظهرت في هذه الصور، برز وجه الفتى المفقود بركات قيراني وهو يرتدي زياً مرقطاً، ويحمل بندقية، وسط مجموعة من الأطفال المسلحين.

رفض خال الطفلين إعطاء أي صورة من هذه الصور لكاتبي التحقيق، بحجة أن تسريبها قد يحرمه من الحصول على التعويض المالي من مكتب رئيس الوزراء.

كانت الصورة كافية للاطمئنان إلى أن بركات ما زال حياً، لكنها لم تكن تكفي لمعرفة إن كان سيعود مع باقي رفاقه المجندين، أطفالاً أصحاء، أم مقاتلين شرسين.

في الحالتين، ستظل مخاطر إهمال ملف الأطفال الإيزيديين المجندين، قائمة إلى وقت طويل.

* ملاحظة: استبدِل معظم أسماء الأطفال المجندين وأقاربهم والأشخاص الذين ساعدوهم وأخفيت ملامحهم في الصور، حفاظاً على سلامتهم وسلامة أقاربهم الذين ما زالوا في يد تنظيم «داعش».

 * أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف من شبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية» (أريج).


الصحفي



تعليقاتكم