السبت ١٩ - أكتوبر - ٢٠١٩ ١٠:٢٠ صباحاً

الجبن الأبيض .. سرطان فى بيوت المصريين

23 أكتوبر 2013
هدى زكريا

اليوم السابع – تستيقظ صباحا، تحاول مسرعة إعداد وجبة الإفطار لصغيرها ذو الأحد عشر عاما، تفضل دائما “سندوتشات” الجبن الأبيض فهو ارخص عن باقى أنواع الجبن ويعوض طفلها عن الفوائد الغذائية الموجودة فى اللبن الذى يأبى شرابه يوميا، تنظر للساعة فتدرك أن الوقت قد تأخر وحان موعد رحيله .

“أم محمد” كغيرها من الآف الأمهات والأسر يعتمدون على الجبن كوجبة رئيسية لهم. ولكن هؤلاء المواطنين “البسطاء” الذين يفضلون شراء الجبن الأبيض”السائب” المنتشر فى المحلات ويفترش به الباعة أرصفة الأسواق، ببضعة جنيهات، عكس الأنواع الأخرى المعلبة التى يتجاوز سعر الكيلو منها 24 جنيه، لا يعلمون انه يحتوى على مادة تؤدى إلى الإصابة بتليف كبدى يصل إلى حد الورم والفشل الكلوى ، وهى مادة “الفورمالين” المعروفة علميا باسم الفورمالدهيد.

“اليوم السابع” كشفت فى هذا التحقيق الاستقصائي الذى استغرق شهرين عن قيام مصانع بير السلم بإضافة مادة الفورمالين على اللبن المصنوع منه الجبن الأبيض لزيادة مدة صلاحيتها بعدما جمعت معدة التحقيق13 عينة عشوائية من الجبن فى محافظتى القاهرة والجيزة من محلات بقالة وبائعات متجولات فى مناطق  المنيل ، السيدة زينب ، السيدة عائشة ، البدرشين ، إمبابة ، العمرانية وباب الشعرية ، للكشف عن المادة بهم بالإضافة إلى عينة مسحوبة من احد المصانع التى تم العمل بها. أثبتت التحاليل الني أجريناها إن 7 من أصل 13 عينةملوثة بالفورمالين وفقا للنتيجة الصادرة عن المركز القومى للبحوث.

أقتصر التحقيق على مصانع بير السلم التى يصل عددها إلى 4200 مصنع عشوائى منتشرين فى جميع محافظات الجمهورية وفقا لما جاء فى الدراسة الصادرة حديثا عن المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية،  لأنها تنتج  80 % من الجبن فى مصر بكافة أنواعه فى حين أن الشركات الكبرى تنتج فقط 20 % .

وإلى جانب تحليل العينات واثبات وجود المادة فيها ، رصدناما يحدث داخل أحد المصانع العاملة فى المجال والتى تفتقر كافة الاشتراطات الواجب توافرها فى أماكن إنتاج هذا النوع من الأغذية، وفقا لما نصت عليه هيئة المواصفات والجودة فى دليلها تحت رقم 3393 لسنة 2005، إضافة إلى مخالفة العاملين فيه للاشتراطات الصحية الواجب إتباعها لمنع تلوث الغذاء مثل ارتداء الملابس الواقية والقفازات وإبلاغ الجهات الإدارية فى حالة وجود حالات مرضية مثل الرشح والأمراض الجلدية المُعدية وغيرها من القواعد التى تضمن سلامة الغذاء وأيضا تتبعنا للمراحل التى يمر بها اللبن بداية من تجميعه وحتى تحويله إلى جبن وتوزيعه على المحلات والباعة الجائلين.

ربات البيوت ينتجن الجبن لتغطية الاستهلاك الشخصى والمصانع توزع جبن مسرطن فى الأسواق :

تعتبر محافظات الدقهلية ، البحيرة ، الغربية ، طنطا والمنيا من أكثر المناطق إنتاجا للألبان والجبن، ويمر الجبن الأبيض بعدة مراحل لإنتاجه تختلف وفقا للبيئة التى تتم فيها عمليه التصنيع وعادة لا تخرج عن ثلاثة أماكن ” المنزل ، الشركات الكبرى ، المعامل ” فى الأولى تعتمد ربات البيوت على إنتاج الجبن لتغطية حجم استهلاكها الشخصى أما فى الحالة الثانية والثالثة فتمر فيها عملية إنتاج الجبن بنفس المراحل تقريبا فيما عدا اختلافات بسيطة تتوقف على المواد المضافة للجبن والتى لم تنص عليها المواصفات القياسية لتصنيع الجبن الأبيض التى وضعتها الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة تحت رقم 1008-1/ 2005 وشملت على نسب محددة من البروتين واللاكتوز وكلوريد الكالسيوم والدهن وملح الطعام مع السماح بإضافة المطعمات الطبيعية المصرح بها صحيا.

صناعة الجبن الأبيض فى البيوت تبدأ كما تقول ” ع . م ” إحدى منتجى الجبن فى محافظة الدقهلية بتصفية اللبن “وفقا للكمية الموجودة” من خلال مصفاه ذات ثقوب دقيقة  للتخلص من الأتربة الموجودة فيه بعدها يتم تدفئته على درجة حرارة منخفضة ثم يتم إضافة المنفحة الحيوانية وهى مادة مساعدة لصناعة الجبن, يمكن أن تكون سائلة أو جافة, تستخرج من معدة العجول له وتقليبه جيدا فى طبق عميق ليتماسك قوامه وبعدها يتم تغطيته لمدة نصف ساعة ليبرد وتشق الجبن إلى نصفين ثم تترك لمدة نصف ساعة أخرى ، ويتم وضعها فى مصفاه من البلاستيك وتضغط جيدا للتخلص من الماء الزائد فيها وتترك لليوم التالى بعد تغطيتها مرة أخرى بواسطة قطعة من القماش وفى الصباح توضع فى طبق كبير ويرش عليها ملح الطعام وإذا أردنا تخزينها فيمكن تركها فى لبن بملح وتغطيتها جيدا .

أما فى المصانع والشركات الكبرى، فعملية إنتاج الجبن الأبيض وفقا لما ذكره أحمد يحى أحد اصحاب مصانع انتاج الجبن فى محافظة القاهرة ، ورئيس شعبة المواد الغذائية بالغرف التجارية ، تبدأ بتجميع الألبان بعد الاتفاق مع أصحاب مزارع بعينها فى درجة حرارة مناسبة وتسليمها للمصنع أو المعمل فى تنكات مبردة ومعقمة والفرق بين المعمل والمصنع أن الأول يكون أكثر حداثة من الثانى وبعد ذلك يتم وضعه فى استندات للتسخين ويضاف عليه ملح طعام ثم المنفحة الحيوانية التى تساعد على تجبين اللبن اى تحويله إلى جبن ثم يصب على طاولات ذات “تحليقات”  يترك بعدها يتم تصفيته من “الشيرش” المياه الموجودة فيه ليتركز الجبنة وتعبأ بعد ذلك فى عبوات. و يجب أن يكون اللبن المصنع منه الجبنة مبستر أو معامل حراريا بمعنى أن يتم تسخينه وتبريده فى درجة حرارة معينة لقتل البكتريا.

وأخيرا تبقى مرحلة إنتاج الجبن فى المعامل الصغيرة التى تستخدم الطرق البدائية فى عملية التصنيع حيث تقوم أولا بتجميع اللبن من مناطق ريفية ومزارعين ، ونظرا لأنه لا يتوافر لديها الإمكانيات الحديثة لبسترة اللبن آو معاملته حراريا ليتم القضاء على البكتريا الموجودة فيه على اعتبار انه من أكثر المواد الغذائية عرضة للتلوث ولا يجب أن يستغرق أكثر من ساعتين ما بين عملية استخراجه من الماشية وبداية تصنيعه وفقا لما ذكره “يحى” ، وتستعين تلك المعامل بمواد كيميائية لقتل البكتريا والجراثيم ومن اخطر تلك المواد التى يتم إضافتها دون علم بتأثيرها السلبى على صحة الإنسان هى الفورمالين، التى يتم إضافتها بسبب إهمال تلك المعامل لعنصر التبريد بعد حلب اللبن السائب الذى يقطع مسافات قد تكون طويلة ليصل إلى الموزعين والتجار.

وإنتاج هذه المعامل المنتشرة فى جميع أنحاء الجمهورية يصل إلى 800 من ألف طن هو إنتاج مصر الكلى للجبن الأبيض يوميا وفقا لدراسة المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية، يكفى لتلبية احتياجات إما المناطق السكنية الموجودة فيها أو نظيرتها التى تقع فى محافظات أخرى مثلما لاحظنا أثناء عملية جمعنا للعينات من أسواق القاهرة أن بعض المحلات تحصل على كميات الجبن من محافظة طنطا ونفس الشئ بالنسبة للباعة الجائلين فى الشوارع ففى سوق الجيزة وجدنا بعض السيدات اللائى حصلن على كميات من الجبن الأبيض من أحد مصانع 6 أكتوبر حيث تقوم عربة المصنع وفقا لشهادتهم بتوزيع كميات عليهم يوم الأربعاء من كل أسبوع بعدما يتم استخدام المادة فى منتجاتها دون علم بخطورتها وأضرارها على صحة الإنسان وهذا ما دفعنا للبحث عن أماكن شراءها وسؤال المتخصصين حول مدى خطورتها والبدائل المتاحة التى تقوم بنفس الغرض وهو حفظ الأغذية.

“الفورمالين” مادة تستخدم لحفظ جثث الموتى وتسبب سرطان الكبد والفشل الكلوى:

ستة جنيهات فقط كفيلة بحصولك على لتر من مادة الفورمالين من اى محل مواد كيميائية ، يكفى أن تقبل عليه وتسأله عن ” دواء الجبنة ” هذا هو الاسم المتعارف عليه بين منتجى الألبان لتجد عدد من بائعى تلك المواد يبادرك بالرد : قصدك المادة الحافظة ويسرع فى إحضارها إليك، وأخر تتوقفه الكلمة فتوضح له أكثر بأنك تريد شراء مادة الفورمالين التى تضاف للجبن فيطلب منك أن تتأكد من استخدامها فى الغذاء ولكنه أيضا لا يمانع من بيعها لك مقابل الحصول على بضعة جنيهات .

هذا ما حدث معنا عندما اقبلنا على شراء تلك المادة من احد محلات المواد الكيميائية بمنطقة فى محافظة القاهرة ، ويصل سعر اللتر منها إلى 6 وأحيانا 4 جنيهات فى محلات أخرى.

اطار : الفورمالين : عبارة عن مادة عديمة اللون وقابلة للاشتعال وذات رائحة نفاذة ، وسريعة الذوبان في الماء وتستخدم فقط فى عمليات التحنيط كمادة حافظة للحيوانات النافقة أو البشر من التحلل البكتيرى ، والمواد اللاصقة والسجاد، الأقمشة والبلاستيك .

وعلى الرغم من السماح باستخدام ” الفورمالدهيد” أو الفورمالين كمادة حافظة بنسبة لا تتجاوز 3 أو 4 % فى بعض الصناعات إلا انه يحظر استخدامها نهائيا فى المواد الغذائية وفقا لما نص عليه الدستور الغذائى الذى أصدرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية ، وذلك لما تسببه من أضرار على صحة الإنسان على المدى البعيد ولكن فى مصر لا يتم إتباع تلك التعليمات وبالفعل بدأ استخدام تلك المادة من قبل مصانع بير السلم فى فترة التسعينات من القرن الماضى دون مراعاه لمخاطرها .

الدكتور هشام الخياط، أستاذ الجهاز الهضمى والكبد بمعهد تيودور بلهارس، يتحدث عن خطورة مادة الفورمالين قائلا: يرجع لها الفضل فى زيادة عدد مرضى الفشل الكلوى والالتهاب الكبدى اللذان تزداد معدلات الإصابة بهما فى مصر سنويا وفقا للمؤشرات الأخيرة لمنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة المصرية. فهي مادة شديدة السمية عند دخولها فى جوف المريض ينتج عنها تقرحات والتهابات شديدة فى المرئ تصل إلى حد ثقبه إذا كان مركزا أو تحدث على المدى البعيد تليف للكبد وضيق فى المرئ ينتج عنه عدم القدرة على البلع وانخفاض بالوزن ويحدث نقص فى الفيتامينات والبروتينات المفيدة للجسم ، ويضيف الخياط :  وتُحدث أيضا تلك المادة  فشل كلوى وورم فى الكبد لأنها سم فظيع توضع دون وعى بهدف حفظ الأغذية أطول فترة ممكنة ويظهر تأثيرها على المدى الطويل .

ويتابع : يعتبر الفورمالدهيد من المواد عالية السمية حتى لو تم التعرض له بكميات قليلة جدا ،فهو يعد من المواد المسرطنة من الدرجة الأولى ويسبب أيضا أضرارا للجلد وتصاب العين بنوعا من الحساسية عند التعرض له بشكل مباشر، ويؤدي استنشاقه إلي تهيج في الأغشية المخاطية في الأنف والتهاب في القصبة الهوائية و ضيق في التنفس.

فى 2011 أضافت الحكومة الأمريكية المادة الكيميائية الفورمالدهيد إلى قائمة المواد المعروفة التي تسبب السرطان وحذرت من استخدامها أو التعرض لها.وفي تقرير تم عرضه على وزير الصحة والخدمات الإنسانية آنذاك حذروا من أن أولئك الذين يتعرضون لها بدرجة كبيرة تتزايد لديهم مخاطر الإصابة بسرطان الأنف والبلعوم وسرطان الدم ومختلف أنواعه الأخرى. وعلى الرغم من انه فى مصر صدرت منذ عشرات السنين العديد من الدراسات عن كليات الزراعة فى جامعة القاهرة وعين شمس بالتعاون مع وزارة الداخلية والإسكندرية وكانت الأخيرة بالتعاون مع غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات وحذرت جميعها من استخدام تلك المادة فى منتجات الألبان إلا أن بعض المعامل تتجه للأساليب التقليدية حتى لا يتكلفون أموال باهظة فى استخدام الأجهزة الحديثة لقتل البكتريا. “والفورمالين مادة محرمة وغير صحية وغير قانونية” بحسب الدكتور منير العبد، أستاذ الألبان بكلية الزراعة جامعة القاهرة مضيفا أن منتجى الجبن والألبان بدأوا فى استخدام تلك المادة دون  علم أو دراية.

الدكتور مرسى السودة، أستاذ علوم وتكنولوجيا الألبان بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، يوضح طريقة الكشف عن الفورمالين فى الجبن قائلا : خذ 3 مل لبن وأضف إليها 3 مل ماء من الصنبور. ثم أضف بحرص إلى الأنبوبة 5 مل حمض كبريتيك مركز مع مراعاة أن تكون الأنبوبة موضع مائل ويتم سكب الحمض على جدارها وببطء، فى حالة وجود الفورمالين ولو بنسبة ضئيلة سيتكون حلقة بنفسجية وفى حالة اللبن الخالى من المادة سيتكون لون أخضر خفيف يتحول تدريجيا إلى اللون البنى.

وعن البدائل المتاحة للقضاء على البكتريا الموجودة فى اللبن ومنتجاته، يقول الخبير الكميائى بهاء جاهين، أن هناك مواد كيميائية أخرى يمكن استخدامها بدلا من الفورمالين مثل حمض البنزويك وأملاحه، حمض السوربيك وأملاحه وهما مواد حافظة مسموح بها وفقا لهيئة المواصفات والجودة تضاف بنسب لا تتجاوز 3 %، ولا تسبب أضرار، مضيفا أن صاحب معمل الجبن ليس لديه وعى كاف وتتحكم فى صنعته العادات والتقاليد وما توارثه عن أبائه وأجداده ولفت جاهين صاحب محل كيماويات، إن بائع تلك المواد الخطرة عليه أن يسأل المستهلك عن أوجه استخدامه لها ويوعيه بسلبياتها قبل ايجابياتها ناصحا البائعين بتثقيف أنفسهم والاستعانة بمراجع علمية توضح خطورة المواد الكيمائية وإخبار المستهلك بها قبل بيعها.

ويضيف جاهين إن حمض السوربيك وأملاحه أغلى ثمنا من مادة الفورمالين لذلك أصحاب المعامل البدائية يفضلون الأخيرة رغم خطورتها الشديدة ، قائلا : مادة الفورمالين ممنوع إضافتها تماما فى الأغذية لتأثيرها الضار على صحة الإنسان حتى لو كانت بكميات قليلة .

مراحل إنتاج الجبن السابق الإشارة إليها وعملية التوزيع والمخالفات التى تحدث خلال تلك العملية ، كان علينا رصدها من داخل احد تلك المصانع للتعرف على كل شئ يحدث بعيدا عن عيون الجهات الرقابية .

اليوم السابع تقضى 8 ساعات داخل مصنع بالعمرانية :

ثمانى ساعات، هى الفترة الزمنية التى قضتها اليوم السابع داخل أحد مصانع إنتاج الجبن الأبيض فى منطقة العمرانية بمحافظة الجيزة و الذى تم إثبات وجود المادة فى عينة مسحوبة منه وذلك لرصد المراحل التى تمر بها عملية إنتاج الجبن وما إذا كانت تلك المصانع تتبع الإرشادات الصحية والبيئية اللازمة أم لا.

الانضمام لصفوف العاملات فى الفترة الصباحية بدأ من الساعة السابعة، الجميع يصطفن امام المعمل الذى لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار ويتساوى طولا مع الدور الأول من إحدى العمائر الملاصقة له ، تعلوه لافتة حديدية صغيرة تحمل أسم المعمل وتخصصه .

دقائق قليلة وأمر المسئول عن العمالة بالمصنع ، البنات بالدخول فذهبن جميعا لغرفة أسمنتية صغيرة تملأها الحشرات الزاحفة  فى كل مكان يفصلها عن الثلاجة المخصصة لحفظ الجبن وغيرها من منتجات الألبان باب حديدى، ليتم شحنها على عربيات بعد ذلك وتوزيعها على التجار والمحلات، داخل الغرفة بدأت البنات فى تبديل ملابسهن وارتداء “العباءات”، ثم ذهبت كلا منهن لمكان عملها فمنهن من ذهبن لصب الجبن القريش فى الخوص وتعليقها لتجف من المياه الموجودة فيها وتتماسك وأخريات لتسخين اللبن وتبريده وبنات ذهبن لتغليف ما تبقى من الجبن عن اليوم السابق ورصها فى جرادل بلاستيكية بعد أن انتهت ما يقرب من 3 بنات من تنظيف المكان والتخلص من أثار وقمامة عمالة الفترة المسائية .

فور دخولنا المصنع بدأنا فى مقاربة الواقع مع ما تنص عليه التعليمات التي وضعتها هيئة المواصفات والجودة ووزارة الصحة عن بيئة العمل الواجب توافرها فى هذه الصانع المخصصة لإنتاج هذا النوع من الأغذية تحديدا وذلك على اعتبار أن الألبان ومنتجاتها من أكثر الأغذية عرضة للتلوث وبالتالى فهى بحاجة لتوفير بيئة خاصة لإنتاجها.

اكتشفنا إن المخالفات تبدأ ببنية المصنع الداخلية؛ الأرضيات وأماكن صرف المياه مرورا بالعاملين وسلوكياتهم وصولا إلى مرحلة تعبئة الجبن وتوزيعه.

أولا أرضية المصنع: تنص اشتراطات هيئة المواصفات والجودة ووزارة الصحة ودليل الرصد الذاتى فى صناعة منتجات الألبان الصادر عن وزارة البيئة ، أن تكون أسطح الجدران والفواصل والأرضيات مصنوعة من مواد غير منفذة وليس لها تأثير سام ، وملساء ، ويجب تشييد الأرضيات بحيث تسمح بالصرف الكافى والتنظيف. لكن فى المصنع جاء الأمر مختلفا بعض الشئ فالأرضيات تغطيها طبقة من الصدأ وعلى الرغم من إنها مصنوعة من السيراميك والبلاط إلا إنها غير مستوية وعلى جانبيها توجد ممرات لصرف المياه وخراطيم الخزانات التى يتم بها غسل الجرادل وتنظيف الأرضية ملقاة فى كل مكان ناهيك عن أحذية العاملين و الحشرات الطائرة التى تستقر فى اوانى ملأ اللبن بين الحين والأخر تملأ المكان.

ثانيا سلوك العاملين: أكثر المخالفات التى لاحظناها داخل المصنع تتمثل فى هذا البند تحديدا الذى جاءت فيه أشياء  على العكس تماما من الاشتراطات الموضوعة بداية من العاملات اللاتي لم يرتدين الملابس الوقائية اللازمة لو يخبرن الإدارة فى حالة وجود حالات مرضية بينهن كما هو منصوص عليه ، إذ اكتفت جميع البنات بارتداء العباءة أو الجلباب وخلع الأحذية والتجول إما عراه الأقدام أو مرتدين ” شبشب ” ودون قفازات، إضافة إلى قيام إحداهن بالسعال وسط الأغذية المكشوفة نتيجة إصابتها باحتقان فى الزور مع الحمى.

عدم ارتداء القفازات اضر كثيرا بالاشتراطات الصحية الواجب توافرها، حيث لم تتهاون العاملات فى تجفيف أجبنتهن من العرق الذى يتصبب منها بأيديهن ثم يسارعن فى وضعها باللبن ليتأكدن من حرارته أو ليستطعمن الكريمة المستخلصة منه أو لقياس قوام الجبنة وذلك كله خلافا للاشتراط الناص على إن الأفراد الذين لا يحافظون على درجة مناسبة من النظافة الشخصية أو الذين يعانون من أعراض أو حالات صحية معينة أو الذين يتصرفون بطريقة غير ملائمة يمكن أن يتسببوا فى تلويث الأغذية ونقل الأمراض إلى المستهلكين.

إحدى العاملات قامت بوضع شاشة مليئة بالصابون والكلور على فوهة الخرطوم الموصل بماكينة اللبن ليتم تصفيته حيث إنها لم تقم بشطف الشاشة بعد غسلها بالصابون بالمياه للتأكد من صلاحيتها للاستخدام واكتفت فقط بعصرها جيدا .

 ثالثا مرحلة استلام اللبن وإنتاج الجبن:

عربة كبيرة وقفت امام المصنع فى السابعة والنصف صباحا ، وبحركة مرنة قام ” المشرف على العمال ” ونائب مدير المصنع، بإخراج خرطوم طويل نافذ من شباك حديدى يقوم بسحب اللبن المجمع من الباعة السريحة وأصحاب المواشى فى المناطق المجاورة وتوصيله فى الماكينة الموجودة بالداخل والمسئولة عن تصفيته من الشوائب دون وجود شخص مدرب على فرز اللبن للتأكد من صلاحيته قبل إضافته على اللبن الأقدم ، بعدها يتم عن فصل اللبن عن الكريمة الموجودة فيه ثم توصله بماكينة أخرى تقوم بدورها بتسخين اللبن عند درجة حرارة 50 درجة مئوية ثم تقوم العاملة المسئولة عن هذا الجزء تحديدا بتوصيله بماكينة التبريد، وبعدها تعيد تسخين اللبن المبرد مرة أخرى عند درجة حرارة 70 وتبرده فى المرحلة الأخيرة عند درجة 40 درجة مئوية وأثناء كل هذه المراحل تقوم العاملة برش اللبن عبر بخاخ يحتوى على مادة تميل للون الأبيض أعطاه لها ” رئيس العمالة ” فى بداية اليوم وبسؤالها عن المادة المرشوشة قالت ” دى بنرشها علشان تقلل رغاوى اللبن ” !

أثناء مرحلة التسخين كانت بقية البنات مشغولات بتغليف الجبن الموجودة فى الثلاجة لوصول إحدى رجال التوزيع الذى سيقوم بطرحها على المحلات، وأخريات تفرغن لغسيل الجرادل البلاستيكية لإعادة تعبئتها من جديد فهذه الجرادل تعود للمصنع مرة أخرى من خلال الموزعين ، وبعد الانتهاء من مرحلة الغسيل تقوم بنات أخريات بتمرير كل جردل تحت ماكينة لطباعة تاريخ إنتاج جديد يحمل تاريخ اليوم المعبأ فيه الجبن على الرغم من أن هذه الكميات من الجبن يكون قد تم تصنيعها قبل ذلك بأيام ، ثم يأمرهم بعد ذلك ” رئيس العمال” بوضع لاصقة تحمل اسم المصنع ونوع الصنف وتاريخ انتهاء لا يزيد عن شهر. بينما ذهبت فتاه أخرى تقوم “بتكييس” صوانى حديدية تجهيزا لليوم التالى والتى فيها يتم صب اللبن وإضافة المنفحة الحيوانية لتصنيع الجبن .

ووفقا لما ذكرته لنا إحدى العاملات فإن دائرة توزيع هذا المصنع تكون داخل العمرانية وخارجها ، ” إحنا بنوزع فى أماكن كثيرة لدرجة أن المشرفين قبل ذلك اتصلوا بنا ليلا لنعاود فتح المصنع بعد انتهاء يوم العمل لتسليم طلبية 200 جردل جبن للمطار “.

محمد الدماطى، العضو المنتدب لشركة “دومتى” للصناعات الغذائية ومنتجات الألبان ورئيس شعبة الألبان بغرفة الصناعات الغذائية ، يكشف عن تضرر شركات الألبان الكبرى ومنتجاتها من مثل تلك المصانع قائلا : عندما يتجدد الحديث عن إضافة الفورمالين فى الجبن من قبل المصانع المخالفة نجد المستهلكين عزفوا عن شراء منتجات الألبان بشكل عام وهذا بالتأكيد كبدنا خسائر كثيرة ناهيك عن إن مثل تلك المصانع لا تطبق عليها قواعد التأمينات والضرائب مثلما يحدث مع الشركات الكبرى وبالتالى ايضا تكون المنافسة فى السوق غير عادلة .

تعدد الجهات الرقابية يضعف من مواجهة ظاهرة الغش فى الأغذية :

تعدد الجهات الرقابية المعنية بحماية عملية أنتاج وبيع الجبن ما بين وزارة الصحة، مباحث التموين، جهاز حماية المستهلك، الإدارات المحلية وغيرها شتت جهود الجهات سالفة الذكر في وقف هذه المخالفات لغيب التنسيق بينها فى تقنين أوضاع المصانع غير المرخصة.

بالإضافة إلى ذلك هناك مشكلة تتعلق بالجانب الرقابى ممثلة فى كثرة التشريعات الصادرة فى مصر لمواجهة ظاهرة الغش الغذائى والتى يرجع عدد كبير منها إلى أربعينات وخمسينات القرن الماضى وأخر هذه القوانين هو قانون محاربة الغش والتدليس المعدل رقم 281 لسنة 1994 والذى يشمل على معاقبة بالحبس  مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرين ألف جنيه أو ما يعادل قيمة السلعة موضوع الجريمة أيهما اكبر كل من خدع أو شرع فى أن يخدع المتعاقد معه بأية طريقة من الطرق وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز أربعين ألف جنيه أو ما يعادل قيمة السلعة موضوع الجريمة إذا كانت المواد التى تستعمل فى الغش ضارة بصحة الإنسان أو الحيوان. ويجوز للمحكمة أن تقضى بغلق المنشاة المخالفة لمدة لا تزيد على خمس سنوات فى حالة العودة ، كما يجوز لها أن تحكم بإلغاء رخصتها نهائيا إذا كانت العقوبة السابقة غير كافية وذلك دون الإخلال بحقوق العمال قبل المنشاة. ولكن جميع العقوبات السابقة لن يكون لها جدوى دون تضافر جهود الجهات المعنية للتحقيق مصلحة المستهلك .

الدكتور محمد الحوفى، رئيس قسم الصناعات الغذائية بكلية الزراعة جامعة عين شمس، يقول انه لابد من إصدار تشريع يحرم بيع الفورمالين فى المحلات، وعلى من يرغب فى شراءها أن يثبت ما لديه من تصاريح توضح أوجه استخدام تلك المادة حتى لا تصبح تلك المادة متاحة لمنتجى الجبن . ويضيف الحوفى إن المشكلة التى تواجه أيضا معامل وزارة الصحة فى المحافظات للتعامل مع هذا النوع من الغش الغذائى هى إنها غير مجهزة والفنيين فيها غير مؤهلين للتعرف على تلك المواد ، ويشير الحوفى إلى أن 80 % من الأمراض فى مصر مصدرها الغش الغذائى. ويتابع : نحن شعب أكل للجبن وليس شارب للبن ولا يجوز أن يدفع المواطن البسيط كل ما لديه فى منتجات الألبان التى يصل حجم مصر منها 4 مليون طن سنويا ولا تكفى سوى نصف احتياجاتنا، على اعتبار إنها ارخص من الأغذية الأخرى ورغم ذلك يحصل على وجبات مسممة.

ويضيف: بدلا من الاكتفاء بحملات التفتيش فقط فالأفضل تقديم نوعا من الإرشاد والتوعية للعاملين فى مثل تلك الأماكن ومساعدتهم فى تطوير الصناعة بإتباع الأساليب الصحية السليمة مثلما يفعل القائمين على غرفة الصناعات الغذائية وشعبة صناعة الألبان بإتحاد الصناعات و اللجوء إلى تطبيق عقوبات رادعة عليهم فى حالة استمرارهم فى هذا العمل المنافى للمواصفات الصحية الواجب توافرها فى هذا المنتج الغذائى المنصوص عليها فى دليل هيئة المواصفات والجودة.

خلال عامى 2012 وحتى الشهر الماضى من 2013 بلغ عدد القضايا المحررة فى مجال مكافحة تداول منتجات الألبان غير صالحة للاستهلاك الأدمى من قبل مباحث التموين ، 239 قضية. ففى عام 2012 تم ضبط 36860 عبوة جبنة ولبن ، 1500 كرتونة جبنة، 96 عبوة لبن مجفف ، 162303 علبة زبادى، 79.750 طن مستلزمات إنتاج أما فى العام الجارى فتم ضبط 6739 عبوة ألبان،403386 قطعة جبنة، 68362 علبة زبادى، 9.915 طن مستلزمات إنتاج. وعلى الرغم من ذلك إلا أن دور مباحث التموين يتوقف فقط على تحرير المحاضر وقرار غلق المنشأة من عدمه يأتى من قبل الهيئات القضائية بعد تحليل العينات التى يتم ضبطها.

أما عن جهاز حماية المستهلك وهو أحد الجهات الرقابية فيتحدث عن دورها احمد سمير، المدير التنفيذى لجهاز حماية المستهلك، قائلا أن الجهاز يتخذ خطوات وإجراءات بناء على الشكاوى التى يتقدم بها المواطنين على سبيل المثال إذا شكى مواطن من وجود مخالفات فى الجبن يتجه فريق من الجهاز لمكان الشراء على الفور ويتحفظ على كميات الجبن الموجودة ويقوم بإرسالها إلى وزارة الصحة أو الزراعة التى تقوم بدورها بتحليل العينات وإظهار النتيجة فإذا كانت خالية من اى عيوب فلا مانع من بيعها مرة أخرى أما إذا كانت مخالفة للاشتراطات الواجب توافرها فهنا يتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وأوضح سمير إن اجمالى عدد شكاوى المواطنين من السلع المعروضة للبيع فى 2012 بلغ 20 ألف شكوى كان نصيب السلع الغذائية منها 2% فقط. وعلى الرغم من الدراسات العديدة التى قدمتها جهات مختلفة عن الغش الغذائى إلا إن انخفاض عدد الشكاوى المقدمة للجهاز فى هذا الشأن تعكس إن السلع الغذائية والتلاعب فيها أخر أولويات المواطن المصرى على الرغم من أن المؤتمر السنوى للجهاز الوطنى المصرى للتنافسية أشار إلى أن 45% من دخل المستهلك ينفق على الغذاء و20% من ميزانية وزارة الصحة تنفق على علاج أمراض ناتجة عن تلوث الأغذية. وان 99 % من منافذ تجارة الغذاء عشوائية.

وخروجا من أزمة تعدد الجهات الرقابية وتشتيت جهودها فى مواجهة ظاهرة الغش الغذائى، فهناك أصوات تطالب بإنشاء جهاز سلامة الغذاء يتولى هو الدور الرقابى كاملا. وضرورة إصدار قانون موحد للغذاء والذى مازال حبيس الأدراج منذ عام 2007 وحتى الآن.وبعيدا عن الدور الرقابى فهناك أخر توعوى و ارشادى يهدف إلى دمج تلك المصانع تحت المظلة القانونية وهذا ما يفعله اتحاد الصناعات فى مصر.

اتحاد الصناعات يقدم التوعية للمصانع الصغيرة :

يقوم اتحاد الصناعات ممثلا فى شعبة صناعة الألبان والصناعات الغذائية، فى توعية المستهلكين والمنتجين على حد سواء بخطورة استخدام مواد محرمة تسبب أضرار بالغة لصحة الإنسان، وتم تشكيل فرق تجوب الجامعات المختلفة بالمحافظات لتوعية الأفراد بخطورة ذلك وضرورة تطبيق المواصفات القياسية التي وضعها الخبراء في الهيئة العامة للمواصفات والجودة المصرية من حيث الاهتمام ببدء حفظ اللبن مبردا بداية من حلبه وحتي تسويقه و إنشاء وحدات تجميع وتبريد للبن لتغطي أنحاء الجمهورية والاهتمام بمراكز تجميع الألبان ومراعاة الظروف الصحية وتوافر أجهزة التبريد حتي يتم نقل اللبن إلي أماكن التصنيع. والتأكد من بسترة اللبن قبل تصنيعه إلي منتجات ـ وحث المعامل البلدية على إتباع الأساليب الحديثة والآمنة في التصنيع.

ووسط هذه الحقائق والأرقام المفزعة، مازالت ظاهرة الغش الغذائى تفتقد القانون الرادع لمحاربتها وتائهة بين الجهات الرقابية العديدة بشكل يضعف من جهودها جميعا للقضاء عليها، لذا حاول هذا التحقيق أن يسلط الضوء على خطورة هذه الظاهرة التى تعد سببا رئيسيا فى زيادة معدلات الأمراض التى تعانى منها مصر سنويا ، مطالبا الجهات المعنية بتوحيد وتكثيف جهودها للقضاء عليها من خلال إنشاء جهاز موحد للسلامة الغذائية ووضع تشريع يجرم بيع المواد الكيميائية للعامة دون ترخيص مسبق يتناسب مع طبيعة عمل حامله.


الصحفي



تعليقاتكم